انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة المطففين

تفسير الطبريالآيات 27–36

تفسير سورة المطففين آية آية، من تفسير الطبري.

استمع إلى تفسير سورة المطففين

الخلاصة من تفسير الطبري · مقطع واحد · 10:17

  1. 1 السورة كاملةفي هذه الصفحة 10:17

وَمِزَاجُهُۥ مِن تَسْنِيمٍ ۝٢٧ عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا ٱلْمُقَرَّبُونَ ۝٢٨ إِنَّ ٱلَّذِينَ أَجْرَمُوا۟ كَانُوا۟ مِنَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ يَضْحَكُونَ ۝٢٩

يقول تعالى ذكره: ومِزاج هذا الرحيق من تسنيم والتسنيم: التفعيل من قول القائل: سنمتهم العين تسنيماً: إذا أجريتها عليهم من فوقهم، فكان معناه في هذا الموضع: ومِزاجه من ماء ينزل عليهم من فوقهم فينحدر عليهم. وقد كان مجاهد والكلبيّ يقولان في ذلك كذلك.

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعاً عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: {تَسْنِيمٍ} قال: تسنيم: يعلو.

حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن الكلبيّ، في قوله: {تَسْنِيمٍ} قال: تسنيم ينصبُّ عليهم من فوقهم، وهو شراب المقرّبين.

وأما سائر أهل التأويل، فقالوا: هو عين يمزج بها الرحيق لأصحاب اليمين، وأما المقرّبون، فيشربونها صِرْفاً. ذكر من قال ذلك:

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا وكيع، عن الأعمش، عن عبد الله بن مُرّة، عن مسروق، عن عبد الله في قوله: {مِنْ تَسْنِيمٍ} قال: عين في الجنة يشربها المقرّبون، وتُمزج لأصحاب اليمين.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن الأعمش، عن عبد الله بن مُرَّة، عن مسروق، عن عبد الله {وَمِزَاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ} قال: يشربه المقرّبون صِرفاً، ويمزج لأصحاب اليمين.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن منصور، عن مالك بن الحارث، عن مسروق، {وَمِزَاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ} قال: عين في الجنة يشربها المقرّبون صِرفاً، وتُمزج لأصحاب اليمين.

قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن الأعمش، عن عبد الله بن مرّة، عن مسروق {عَيْناً يَشْرَبُ بِها المُقَرَّبُونَ} قال: يشرب بها المقرّبون صِرفاً، وتمزج لأصحاب اليمين.

حدثني طلحة بن يحيى اليربوعيّ، قال: ثنا فضيل بن عياض، عن منصور، عن مالك بن الحارث، في قوله: {وَمِزَاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ} قال: في الجنة عين يشرب منها المقرّبون صِرفاً، وتمزج لسائر أهل الجنة.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يحيى بن واضح، قال: ثنا أبو حمزة، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جُبير، عن ابن عباس، قوله: {وَمِزَاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ عَيْناً يَشْرَبُ بِها المُقَرَّبُونَ} صِرفاً، ويمزج فيها لمن دونهم.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن منصور، عن مالك بن الحارث، في قوله: {وَمِزَاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ} قال: التسنيم: عين في الجنة يشربها المقرّبون صرفاً، وتمزج لسائر أهل الجنة.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يحيى بن واضح، قال: ثنا أبو حمزة، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جُبير، عن ابن عباس، قوله {وَمِزَاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ} قال: عين يشرب بها المقرّبون، ويمزج فيها لمن دونهم.

حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله {وَمِزَاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ عَيْناً يَشْرَبُ بِها المُقَرَّبُونَ} عيناً من ماء الجنة، تُمزج به الخمر.

حدثني يعقوب، قال: ثنا ابن عُلَية، عن أبي رجاء، عن الحسن، في قوله: {وَمِزَاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ} قال: خفايا أخفاها الله لأهل الجنة.

حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا عمران بن عيينة، عن إسماعيل، عن أبي صالح، في قوله: {وَمِزَاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ} قال: هو أشرف شراب في الجنة، هو للمقرّبين صِرف، وهو لأهل الجنة مِزاج.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله {وَمِزَاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ} شراب شريف، عين في الجنة يشربها المقرّبون صرفاً، وتُمزج لسائر أهل الجنة.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: {مِنْ تَسْنِيمٍ عَيْناً يَشْرَبُ بِها المُقَرَّبُونَ} قال: بلغنا أنها عين تخرج من تحت العرش، وهي مِزاج هذه الخمر: يعني مِزاج الرحيق.

حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: ثنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: {مِنْ تَسْنِيمٍ} شراب اسمه تسنيم، وهو من أشرف الشراب.

فتأويل الكلام: ومزاج الرحيق من عين تُسَنَّم عليهم من فوقهم، فتنصبُّ عليهم {يَشْرَبُ بِها المُقَرَّبُونَ} من الله صرفاً، وتمزج لأهل الجنة.

واختلف أهل العربية في وجه نصب قوله: {عَيْناً} فقال بعض نحويِّي البصرة: إن شئت جعلت نصبه على يُسْقون عيناً، وإن شئت جعلته مدحاً، فيُقطع من أوّل الكلام، فكأنك تقول: أعني عيناً.

وقال بعض نحويِّي الكوفة: نصب العين على وجهين: أحدهما: أن يُنْوَى من تسنِيم عَيْن، فإذا نوّنت نصبت، كما قال:

{ أوْ إطْعامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ يَتِيماً }، وكما قال: { ألَمْ نَجْعَلِ الأرْضَ كِفاتاً أحْياءً }. والوجه الآخر: أن ينوى من ماء سُنِّم عيناً، كقولك: رفع عيناً يشرب بها. قال: وإن لم يكن التسنيم اسماً للماء، فالعين نكرة، والتسنيم معرفة، وإن كان اسماً للماء، فالعين نكرة فخرجت نصباً. وقال آخر من البصريين: {مِنْ تَسْنِيمٍ} معرفة، ثم قال {عَيْناً} فجاءت نكرة، فنصبتها صفة لها. وقال آخر نُصبت بمعنى: من ماء يَتَسَنَّم عيناً.

والصواب من القول في ذلك عندنا: أن التسنيم اسم معرفة، والعين نكرة، فنصبت لذلك إذ كانت صفة له. وإنما قلنا: ذلك هو الصواب لما قد قدّمنا من الرواية عن أهل التأويل، أن التسنيم هو العين، فكان معلوماً بذلك أن العين إذ كانت منصوبة وهي نكرة، أن التسنيم معرفة.

وقوله: {إنَّ الَّذِينَ أجْرَمُوا كانُوا منَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ} يقول تعالى ذكره: إن الذين اكتسبوا المآثم، فكفروا بالله في الدنيا، كانوا فيها من الذين أقرّوا بوحدانية الله، وصدّقوا به، يضحكون، استهزاء منهم بهم. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {إنَّ الَّذِينَ أجْرَمُوا كانُوا مِن الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ} في الدنيا، يقولون: والله إن هؤلاء لكذَبة، وما هم على شيء، استهزاء بهم.

وَإِذَا مَرُّوا۟ بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ ۝٣٠ وَإِذَا ٱنقَلَبُوٓا۟ إِلَىٰٓ أَهْلِهِمُ ٱنقَلَبُوا۟ فَكِهِينَ ۝٣١ وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوٓا۟ إِنَّ هَٰٓؤُلَآءِ لَضَآلُّونَ ۝٣٢

يقول تعالى ذكره: وكان هؤلاء الذين أجرموا إذا مرّ الذين آمنوا بهم يتغامزون يقول: كان بعضهم يغمز بعضاً بالمؤمن، استهزاء به وسخرية.

وقوله: {وَإذَا انْقَلَبُوا إلى أهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فاكِهِينَ} يقول: وكان هؤلاء المجرمون إذا انصرفوا إلى أهلهم من مجالسهم انصرفوا ناعمين معجبين. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:

حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس {انْقَلَبُوا فاكِهِينَ} قال: معجبين.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: {وَإذَا انْقَلَبُوا إلى أهْلِهِمْ انْقَلَبُوا فاكِهِينَ} قال: انقلب ناعماً، قال: هذا في الدنيا، ثم أعقب النار في الآخرة.

وقد كان بعض أهل العلم بكلام العرب يفرّق بين معنى فاكهين وفكهين، فيقول: معنى فاكهين ناعمين، وفكهين: مَرِحين. وكان غيره يقول: ذلك بمعنى واحد، وإنما هو بمنزلة طامع وطَمِع، وباخل وبخل.

وقوله: {وَإذَا رأَوْهُمْ قالُوا إنَّ هَؤُلاءِ لَضَالُّونَ} يقول تعالى ذكره: وإذا رأى المجرمون المؤمنين قالوا لهم: إن هؤلاء لضالون، عن محجة الحقّ، وسبيل القصد {ومَا أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حافِظِينَ} يقول جلّ ثناؤه: وما بُعث هؤلاء الكفار القائلون للمؤمنين إن هؤلاء لضالون، حافظين عليهم أعمالهم يقول: إنما كُلِّفوا الإيمان بالله، والعمل بطاعته، ولم يُجعلوا رُقباء على غيرهم يحفظون عليهم، أعمالهم ويتفقدونها.

وَمَآ أُرْسِلُوا۟ عَلَيْهِمْ حَٰفِظِينَ ۝٣٣ فَٱلْيَوْمَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ مِنَ ٱلْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ ۝٣٤ عَلَى ٱلْأَرَآئِكِ يَنظُرُونَ ۝٣٥ هَلْ ثُوِّبَ ٱلْكُفَّارُ مَا كَانُوا۟ يَفْعَلُونَ ۝٣٦

يقول تعالى ذكره: {فالْيَوْمَ} وذلك يوم القيامة {الَّذِينَ آمَنُوا} بالله في الدنيا {مِنَ الكُفَّارِ} فيها {يَضْحَكُونَ على الأرَائِكِ يَنْظُرُونَ} يقول: على سررهم التي في الحِجال ينظرون إليهم، وهم في الجنة، والكفار في النار يُعَذّبون. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: {فالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الكُفَّارِ يَضْحَكُونَ عَلى الأرَائِكِ يَنْظُرُونَ} قال: يعني السُّرر المرفوعة عليها الحِجال. وكان ابن عباس يقول: إن السور الذي بين الجنة والنار يُفتح لهم فيه أبواب، فينظر المؤمنون إلى أهل النار، والمؤمنون على السرر ينظرون كيف يعذّبون، فيضحكون منهم، فيكون ذلك مما أقرّ الله به أعينهم، كيف ينتقم الله منهم.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {فالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الكُفَّارِ يَضْحَكُونَ} ذُكر لنا أن كعباً كان يقول: إن بين الجنة والنار كُوًى، فإذا أراد المؤمن أن ينظر إلى عدوّ كان له في الدنيا، اطلع من بعض الكُوى، قال الله جلّ ثناؤه:

{ فاطَّلَعَ فَرآهُ فِي سَوَاءِ الجَحِيمِ }: أي في وسط النار. وذُكر لنا أنه رأى جماجم القوم تغلي.

حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، قال كعب: إن بين أهل الجنة وبين أهل النار كُوًى، لا يشاء رجل من أهل الجنة أن ينظر إلى غيره من أهل النار إلاَّ فعل.

حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: ثنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: {فالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الكُفَّارِ يَضْحَكُونَ عَلى الأرَائِكِ يَنْظُرُونَ} كان ابن عباس يقول: السُّور بين أهل الجنة والنار، فيفتح لأهل الجنة أبواب، فينظرون وهم على السُّرر إلى أهل النار كيف يعذّبون، فيضحكون منهم، ويكون ذلك مما يقرّ الله به أعينهم أن ينظروا إلى عدوّهم كيف ينتقم الله منهم.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان {فالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الكُفَّارِ يَضْحَكُونَ} قال: يُجاء بالكفار، حتى ينظروا إلى أهل الجنة في الجنة، على سُرر، فحين ينظرون إليهم تغلق دونهم الأبواب، ويضحك أهل الجنة منهم، فهو قوله: {فالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الكُفَّارِ يَضْحَكُونَ عَلى الأرَائِكِ يَنْظُرُونَ}.

وقوله: {هَلْ ثُوِّبَ الكُفَّارُ ما كانُوا يَفْعَلُونَ} يقول تعالى ذكره: هل أثيب الكفار وجُزُوا ثواب ما كانوا في الدنيا يفعلون بالمؤمنين من سخريتهم منهم، وضحكهم بهم، بضحك المؤمنين منهم في الآخرة، والمؤمنون على الأرائك ينظرون، وهم في النار يعذّبون.

{و ثُوِّب} فعل من الثواب والجزاء، يقال منه: ثوّب فلان فلاناً على صنيعه، وأثابه منه. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعاً عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد {هَلْ ثُوِّبَ الكُفَّارُ ما كانُوا يَفْعَلُونَ} قال: جُزي.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان: {هَلْ ثُوِّبَ الكُفَّارُ ما كانُوا يَفْعَلُونَ} حين كانوا يسخرون.

الأحد، 1 نوفمبر 2026 21 جمادى الأولى 1448 هـ