انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة النجم

تفسير الطبريالآيات 44–62

تفسير سورة النجم آية آية، من تفسير الطبري.

استمع إلى تفسير سورة النجم

الخلاصة من تفسير الطبري · مقطعان · 18:13

  1. 1 الآيات 26–62في هذه الصفحة 12:05

التفسير الصوتي لسورة النجم كاملًا (مقطعان)

وَأَنَّهُۥ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا ۝٤٤ وَأَنَّهُۥ خَلَقَ ٱلزَّوْجَيْنِ ٱلذَّكَرَ وَٱلْأُنثَىٰ ۝٤٥ مِن نُّطْفَةٍ إِذَا تُمْنَىٰ ۝٤٦ وَأَنَّ عَلَيْهِ ٱلنَّشْأَةَ ٱلْأُخْرَىٰ ۝٤٧

يقول تعالى ذكره: وأنه هو أمات من مات من خلقه، وهو أحيا من حيي منهم. وعنى بقوله: {أحْيا} نفخ الروح في النطفة الميتة، فجعلها حية بتصييره الروح فيها.

وقوله: {وَأنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ والأُنْثَى مِن نُطْفَةٍ إذَا تُمْنَى} يقول تعالى ذكره: وأنه ابتدع إنشاء الزوجين الذكر والأنثى، وجعلهما زوجين، لأن الذكر زوج الأنثى، والأنثى له زوج فهما زوجان، يكون كلّ واحد منهما زوجاً للآخر.

وقوله: {مِنْ نُطْفَةٍ إذَا تُمْنَى} و «من» من صلة خلق يقول تعالى ذكره: خلق ذلك من نطفة إذا أمناه الرجل والمرأة.

وقوله: {وأنَّ عَلَيْهِ النَّشأَةَ الأُخْرَى} يقول تعالى ذكره: وأن على ربك يا محمد أن يخلق هذين الزوجين بعد مماتهم، وبلاهم في قبورهم الخلق الآخر، وذلك إعادتهم أحياء خلقاً جديداً، كما كانوا قبل مماتهم.

وَأَنَّهُۥ هُوَ أَغْنَىٰ وَأَقْنَىٰ ۝٤٨ وَأَنَّهُۥ هُوَ رَبُّ ٱلشِّعْرَىٰ ۝٤٩ وَأَنَّهُۥٓ أَهْلَكَ عَادًا ٱلْأُولَىٰ ۝٥٠ وَثَمُودَا۟ فَمَآ أَبْقَىٰ ۝٥١

يقول تعالى ذكره: وأن ربك هو أغنى من أغنى من خلقه بالمال وأقناه، فجعل له قُنية أصول أموال. واختلف أهل التأويل في تأويله، فقال بعضهم بالذي قلنا في ذلك. ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن عمارة الأسديّ، قال: ثنا عبيد الله بن موسى، عن السديّ، عن أبي صالح، قوله: {أغْنَى وأقْنَى} قال: أغنى المال وأقنى القنية.

وقال آخرون: عُنِي بقوله: {أغْنَى}: أخدم. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا سفيان، عن ليث، عن مجاهد، في قوله: {وأنَّهُ هُوَ أغْنَى وأقْنَى} قال: أغنى: مَوَّل، وأقنى: أخدم.

حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا ابن علية، عن أبي رجاء، عن الحسن، قوله: {أغْنَى وأقْنَى} قال: أخدم.

حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، في قوله: {أغْنَى وأقْنَى} قال: أغنى وأخدم.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله {أغْنَى وأقْنَى} قال: أعطى وأرضى وأخدم.

وقال آخرون: بل عُنِي بذلك أنه أغنى من المال وأقنى: رضي. ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: {وأنَّهُ هُوَ أغْنَى وأقْنَى} قال: فإنه أغنى وأرضَى.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن ليث، عن مجاهد {وأنَّهُ هُوَ أغْنَى وأقْنَى} قال: أغنى موّل، وأقنى: رضّى.

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال:: ثنا عيسى وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعاً، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: {أغْنَى} قال: موّل {وأقْنَى} قال رضّى.

حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله: {وأنَّهُ هُوَ أغْنَى وأقْنَى} يقول: أعطاه وأرضاه.

حدثنا ابن حُمَيد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن ليث، عن مجاهد، مثل حديث ابن بشار، عن عبد الرحمن، عن سفيان.

وقال آخرون: بل عُنِي بذلك أنه أغنى نفسه، وأفقر خلقه إليه. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا المعتمر بن سليمان، عن أبيه {وأنَّهُ هُوَ أغْنَى وأقْنَى} قال: زعم حضرميّ أنه ذُكِر له أنه أغنى نفسه، وأفقر الخلائق إليه.

وقال آخرون: بل عُنِي بذلك أنه أغنى من شاء من خلقه، وأفقر من شاء. ذكر من قال ذلك:

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: {وأنَّهُ هُوَ أغْنَى وأقْنَى} قال: أغنى فأكثر، وأقنى أقلّ، وقرأ

{ { يَبْسُطُ الرّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَيَقْدِرُ لَه } }.

وقوله: {وأنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرَى} يقول تعالى ذكره: وأن ربك يا محمد هو ربّ الشِّعْرَى، يعني بالشعرى: النجم الذي يسمى هذا الاسم، وهو نجم كان بعض أهل الجاهلية يعبده من دون الله. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: {وأنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرَى} قال: هو الكوكب الذي يُدعى الشِّعرَى.

حدثني عليّ بن سهل، قال: ثنا مؤمل، قال: ثنا سفيان، عن خصيف، عن مجاهد، في قوله: {وأنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرَى} قال: الكوكب الذي خَلْف الجوزاء، كانوا يعبدونه.

حدثنا ابن حُمَيد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن منصور، عن مجاهد: {وأنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرَى} قال: كان يُعبد في الجاهلية.

حدثنا محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعاً، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: {رَبُّ الشِّعْرَى} قال: مِرزم الجوزاء.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {وأنَّه هُوَ رَبُّ الشِّعْرَى} كان حيّ من العرب يعبدون الشِّعرَى هذا النجم الذي رأيتم، قال بشر، قال: يريد النجم الذي يتبع الجوزاء.

حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، في قوله: {رَبُّ الشِّعْرَى} قال: كان ناس في الجاهلية يعبدون هذا النجم الذي يُقال له الشِّعرَى.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: {وأنَّهُ رَبُّ الشِّعْرَى} كانت تُعبد في الجاهلية، فقال: تعبدون هذه وتتركون ربها؟ اعبدوا ربها. قال: والشِّعْرَى: النجم الوقَّاد الذي يتبع الجوزاء، يقال له المُرزم.

وقوله: {وأنَّهُ أهْلَكَ عاداً الأُولى} يعني تعالى ذكره بعاد الأولى: عاد بن إرم بن عوص بن سام بن نوح، وهم الذين أهلكهم الله بريح صرصر عاتية، وإياهم عنى بقوله:

{ { ألَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بعادٍ إرَمَ } }.

واختلفت القرّاء في قراءة ذلك، فقرأته عامة قرّاء المدينة وبعض قرّاء البصرة «عاداً لُولى» بترك الهمز وجزم النون حتى صارت اللام في الأولى، كأنها لام مثقلة، والعرب تفعل ذلك في مثل هذا، حُكي عنها سماعاً منهم: «قم لان عنا»، يريد: قم الآن، جزموا الميم لما حرّكت اللام التي مع الألف في الآن، وكذلك تقول: صم اثنين، يريدون: صُمْ الاثنين. وأما عامة قرّاء الكوفة وبعض المكيين، فإنهم قرأوا ذلك بإظهار النون وكسرها، وهمز الأولى على اختلاف في ذلك عن الأعمش، فروى أصحابه عنه غير القاسم بن معن موافقة أهل بلده في ذلك. وأما القاسم بن معن فحكي عنه عن الأعمش أنه وافق في قراءته ذلك قراءة المدنيين.

والصواب من القراءة في ذلك عندنا ما ذكرنا من قراءة الكوفيين، لأن ذلك هو الفصيح من كلام العرب، وأن قراءة من كان من أهل السليقة فعلى البيان والتفخيم، وأن الإدغام في مثل هذا الحرف وترك البيان إنما يوسع فيه لمن كان ذلك سجيته وطبعه من أهل البوادي. فأما المولدون فإن حكمهم أن يتحرّوا أفصح القراءات وأعذبها وأثبتها، وإن كانت الأخرى جائزة غير مردودة.

وإنما قيل لعاد بن إرم: عاد الأولى، لأن بني لُقَيم بن هَزّال بن هُزَيل بن عَبِيل بن ضِدّ بن عاد الأكبر، كانوا أيام أرسل الله على عاد الأكبر عذابه سكاناً بمكة مع إخوانهم من العمالقة، ولد عمليق بن لاوذ بن سام بن نوح، ولم يكونوا مع قومهم من عاد بأرضهم، فلم يصبهم من العذاب ما أصاب قومهم، وهم عاد الآخرة، ثم هلكوا بعد.

وكان هلاك عاد الآخرة ببغي بعضهم على بعض، فتفانوا بالقتل فيما:

حدثنا ابن حُمَيد، قال: ثنا سلمة عن ابن إسحاق، فيما ذكرنا قيل لعاد الأكبر الذي أهلك الله ذرّيته بالريح: عاد الأولى، لأنها أُهلكت قبل عاد الآخرة. وكان ابن زيد يقول: إنما قيل لعاد الأولى لأنها أوّل الأمم هلاكاً.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال قال ابن زيد، في قوله: {أَهْلَكَ عاداً الأُولى} قال: يقال: هي من أوّل الأمم.

وقوله: {وثَمُودَ فَمَا أبْقَى} يقول تعالى ذكره: ولم يبق الله ثمود فيتركها على طغيانها وتمرّدها على ربها مقيمة، ولكنه عاقبها بكفرها وعتوّها فأهلكها.

واختلفت القرّاء في قراءة ذلك، فقرأته عامة قرّاء البصرة وبعض الكوفيين {وثَمُوداً فَمَا أبْقَى} بالإجراء إتباعاً للمصحف، إذ كانت الألف مثبتة فيه، وقرأه بعض عامة الكوفيين بترك الإجراء. وذُكر أنه في مصحف عبد الله بغير ألف.

والصواب من القول في ذلك أنهما قراءتان معروفتان، فبأيتهما قرأ القارىء فمصيب لصحتهما في الإعراب والمعنى. وقد بيَّنا قصة ثمود وسبب هلاكها فيما مضى بما أغنى عن إعادته.

وَقَوْمَ نُوحٍ مِّن قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا۟ هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغَىٰ ۝٥٢ وَٱلْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَىٰ ۝٥٣ فَغَشَّىٰهَا مَا غَشَّىٰ ۝٥٤

يقول تعالى ذكره: وأنه أهلك قوم نوح من قبل عاد وثمود، إنهم كانوا هم أشدّ ظلماً لأنفسهم، وأعظم كفراً بربهم، وأشدّ طغياناً وتمردًّا على الله من الذين أهلكهم من بعد من الأمم، وكان طغيانهم الذي وصفهم الله به، وأنهم كانوا بذلك أكثر طغياناً من غيرهم من الأمم. كما:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ إنَّهُمْ كانُوا هُمْ أظْلَم وأطْغَى} لم يكن قبيل من الناس هم أظلم وأطغى من قوم نوح، دعاهم نبيّ الله صلى الله عليه وسلم نوح ألف سنة إلاَّ خمسين عاماً، كلما هلك قرن ونشأ قرن دعاهم نبيّ الله حتى ذكر لنا أن الرجل كان يأخذ بيد ابنه فيمشي به، فيقول: يا بنيّ إن أبي قد مشى بي إلى هذا، وأنا مثلك يومئذٍ تتابُعاً في الضلالة، وتكذيباً بأمر الله.

حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، في قوله: {إنَّهُمْ كانُوا هُمْ أظْلَمَ وأطْغَى} قال: دعاهم نبيّ الله ألف سنة إلاَّ خمسين عاماً.

وقوله: {وَالمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَى} يقول تعالى: والمخسوف بها، المقلوب أعلاها أسفلَها، وهي قرية سَدُوم قوم لولط، أهوى الله، فأمر جبريل صلى الله عليه وسلم، فرفعها من الأرض السابعة بجناحه، ثم أهواها مقلوبة. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعاً، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله: {وَالمُؤْتَفِكَةَ أهْوَى} قال: أهواها جبريل، قال: رفعها إلى السماء ثم أهواها.

حدثنا ابن حُمَيد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن إسماعيل، عن أبي عيسى يحيى بن رافع: {وَالمُؤْتَفِكَةَ أهْوَى} قال قرية لوط حين أهْوَى بها.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {وَالمُؤْتَفِكَةَ أهْوَى} قال: قرية لوط.

حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، في قوله: {وَالمُؤْتَفِكَةَ أهْوَى} قال: هم قوم لوط.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: {وَالمُؤْتَفِكَةَ أهْوَى} قال: قرية لوط أهواها من السماء، ثم أتبعها ذاك الصخر، اقتُلعت من الأرض، ثم هوى بها في السماء ثم قُلبت.

حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: {وَالمُؤْتَفِكَةَ أهْوَى} قال: المكذّبين أهلكهم الله.

وقوله: {فَغَشَّاها ما غَشَّى} يقول تعالى ذكره: فغشّى الله المؤتفكة من الحجارة المنضودة المسوّمة ما غشاها، فأمطرها إياه من سِجِّيل. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {فَغَشَّاها ما غَشَّى} غشاها صخراً منضوداً.

حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة فَغَشَّاها ما غَشَّى قال: الحجارة.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: {فَغَشَّاها ما غَشَّى} قال: الحجارة التي رماهم بها من السماء.

فَبِأَىِّ ءَالَآءِ رَبِّكَ تَتَمَارَىٰ ۝٥٥ هَٰذَا نَذِيرٌ مِّنَ ٱلنُّذُرِ ٱلْأُولَىٰٓ ۝٥٦ أَزِفَتِ ٱلْـَٔازِفَةُ ۝٥٧ لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ ٱللَّهِ كَاشِفَةٌ ۝٥٨

يقول: {فَبأيّ آلاءِ رَبِّكَ تَتَمارَى} يقول تعالى ذكره: فبأيّ نعمات ربك يا ابن آدم التي أنعمها عليك ترتاب وتشكّ وتجادل، والآلاء: جمع إلى. وفي واحدها لغات ثلاثة: إليٌ على مثال عِليٌ، وألْيّ على مثال عَلْيٌ، وأَلى على مثال علا. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {فَبأيّ آلاءِ رَبِّكَ تَتَمارَى} يقول: فبأيّ نِعَم الله تتمارى يا ابن آدم.

وحدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة {فَبأَيّ آلاءِ رَبِّكَ تَتَمارَى} قال: بأيّ نِعم ربك تتمارَى.

وقوله: {هَذَا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الأُولى} اختلف أهل التأويل في معنى قوله جل ثناؤه لمحمد صلى الله عليه وسلم {هَذَا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الأُولى} ووصفه إياه بأنه من النذر الأولى وهو آخرهم، فقال بعضهم: معنى ذلك: أنه نذير لقومه، وكانت النذر الذين قبله نُذراً لقومهم، كما يقال: هذا واحد من بني آدم، وواحد من الناس. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، في قوله: {هَذَا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الأُولى} قال: أنذر محمد صلى الله عليه وسلم كما أُنذرت الرسل من قبله.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {هَذَا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الأُولى} إنما بعث محمد صلى الله عليه وسلم بما بعث الرسل قبله.

حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا ابن يمان، عن شريك، عن جابر، عن أبي جعفر {هَذَا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُر الأُولى} قال: هو محمد صلى الله عليه وسلم.

وقال آخرون: معنى ذلك غير هذا كله، وقالوا: معناه هذا الذي أنذرتكم به أيها القوم من الوقائع التي ذكرت لكم أني أوقعتها بالأمم قبلكم من النذر التي أنذرتها الأمم قبلكم في صحف إبراهيم وموسى. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن حُمَيد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن إسماعيل، عن أبي مالك {هَذَا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُر الأُولى} قال: مما أنذروا به قومهم في صحف إبراهيم وموسى.

وهذا الذي ذكرت، عن أبي مالك أشبه بتأويل الآية، وذلك أن الله تعالى ذكره ذكر ذلك في سياق الآيات التي أخبر عنها أنها في صحف إبراهيم وموسى نذير من النُّذر الأولى التي جاءت الأمم قبلكم كما جاءتكم، فقوله: {هَذَا} بأن تكون إشارة إلى ما تقدمها من الكلام أولى وأشبه منه بغير ذلك.

وقوله: {أزِفَتِ الآزِفَةُ} يقول: دنت الدانية. وإنما يعني: دنت القيامة القريبة منكم أيها الناس يقال منه: أزف رَحيل فلان: إذا دنا وقَرُب، كما قال نابغة بني ذُبيان:

أَزِفَ التَّرَحُّلُ غَيرَ أنَّ رِكابَنالَمَّا تَزُلْ بِرِحالِنا وكأنْ قَدِ

وكما قال كعب بن زُهَير:

بانَ الشَّبابُ وأمْسَى الشِّيبُ قَدْ أزِفاوَلا أرَى لشَبابٍ ذَاهِبٍ خَلَفَا

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:

حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس {أزِفَتِ الآزِفَةِ} من أسماء يوم القيامة، عظَّمه الله، وحذّره عباده.

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قالا: ثنا عيسى وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعاً، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله: {أزِفَتِ الآزِفَةُ} قال: اقتربت الساعة.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: {أزِفَتِ الآزِفَةُ} قال: الساعة {لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللّهِ كاشِفَةٌ}.

وقوله: {لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللّهِ كاشِفَةٌ} يقول تعالى ذكره: ليس للآزفة التي قد أزفت، وهي الساعة التي قد دنت من دون الله كاشف، يقول: ليس تنكشف فتقوم إلاَّ بإقامة الله إياها، وكشفها دون من سواه من خلقه، لأنه لم يطلع عليها مَلَكاً مقرّباً، ولا نبياً مرسلاً. وقيل: كاشفة، فأنثت، وهي بمعنى الانكشاف كما قيل:

{ فَهَلْ تَرَى لَهُمْ مِنْ باقِيَةٍ } بمعنى: فهل ترى لهم من بقاء وكما قيل: العاقبة وماله من ناهية، وكما قيل { لَيْسَ لِوَقْعَتِها كاذِبَةٌ } بمعنى تكذيب، { وَلا تَزَالُ تَطَّلعُ عَلى خائِنَةٍ مِنْهُمْ } بمعنى خيانة.

أَفَمِنْ هَٰذَا ٱلْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ ۝٥٩ وَتَضْحَكُونَ وَلَا تَبْكُونَ ۝٦٠ وَأَنتُمْ سَٰمِدُونَ ۝٦١ فَٱسْجُدُوا۟ لِلَّهِ وَٱعْبُدُوا۟ ۝٦٢

يقول تعالى ذكره لمشركي قريش: أفمن هذا القرآن أيها الناس تعجبون، أنْ نَزَلَ على محمد صلى الله عليه وسلم، وتضحكون منه استهزاءً به، ولا تبكون مما فيه من الوعيد لأهل معاصي الله، وأنتم من أهل معاصيه {وأنْتُمْ سامِدُونَ} يقول: وأنتم لاهون عما فيه من العِبَر والذكر، معرضون عن آياته يقال للرجل: دع عنا سُمودَك، يراد به: دع عنا لهوك، يقال منه: سَمَد فلان يَسْمُد سُمُوداً. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل وإن اختلفت ألفاظهم بالعبارة عنه، فقال بعضهم: غافلون. وقال بعضهم: مغنون. وقال بعضهم: مُبَرْطِمون. ذكر من قال ذلك:

حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة، عن عكرِمة، عن ابن عباس، قوله: {سامِدُونَ} قال: هو الغناء، كانوا إذا سمعوا القرآن تَغَنَّوا ولعبوا، وهي لغة أهل اليمن، قال اليماني: اسْمُد.

حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله: {سامِدونَ} يقول: لاهون.

حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: {وأنْتُمْ سامِدُونَ} يقول: لاهون.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن بن مهدي، قال: ثنا سفيان، عن أبيه، عن عكرِمة، عن ابن عباس، قال: هي يمانية اسمد تَغَنَّ لنا.

حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا الأشجعي، عن سفيان، عن أبيه، عن عكرِمة، عن ابن عباس، قال: هو الغناء، وهي يمانية، يقولون: اسمد لنا: تَغَنَّ لنا.

قال: ثنا عبيد الله الأشجعي، عن سفيان، عن حكيم بن الديلم، عن الضحاك، عن ابن عباس {وأنْتُمْ سامِدُونَ} قال: كانوا يمرّون على النبيّ صلى الله عليه وسلم شامخين، ألم تروا إلى الفحل في الإبل عَطِناً شامخاً.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا ابن أبي عديّ، عن سعيد، عن قتادة، عن الحسن، في قوله: {وأنْتُمْ سامِدُونَ} قال: غافلون.

حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا ابن عيينة، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد {وأنْتُمْ سامِدُونَ} قال: كانوا يمرّون على النبيّ صلى الله عليه وسلم غِضاباً مُبَرْطِمين. وقال عكرِمة: هو الغناء بالحِمْيرية.

قال: ثنا الأشجعيّ ووكيع، عن سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قال: هي البَرْطَمة.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: {وأنْتُمْ سامِدُونَ} قال: البرطمة.

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعاً، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: {وأنْتُمْ سامِدُونَ} قال: البرطمة.

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن عكرِمة، عن ابن عباس، قال: السامدون: المغَنُّون بالحميرية.

حدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قال: كان عكرِمة يقول: السامدون يغنون بالحميرية، ليس فيه ابن عباس.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله: {سامِدُونَ}: أي غافلون.

حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، في قوله: {سامِدُونَ} قال: غافلون.

حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ، يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: {وأنْتُمْ سامِدُونَ} السُّمود: اللهو واللعب.

حدثنا حميد بن مسعدة، قال: ثنا يزيد بن زريع، قال: ثنا سفيان بن سعيد، عن فطر، عن أبي خالد الوالبيّ، عن عليّ رضي الله عنه قال: رآهم قياماً ينتظرون الإمام، فقال: مالكم سامدون.

حدثني ابن سنان القزاز، قال: ثنا أبو عاصم، عن عمران بن زائدة بن نشيط، عن أبيه، عن أبي خالد قال: خرج علينا عليّ رضي الله عنه ونحن قيام، فقال: مالي أراكم سامدين.

قال: ثنا أبو عاصم، قال: أخبرنا سفيان، عن فطر، عن زائدة، عن أبي خالد، بمثله.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا ابن أبي عديّ، عن سعيد، عن أبي معشر، عن إبراهيم، في قوله: {وأنْتُمْ سامِدُونَ} قال: قيام القوم قبل أن يجيء الإمام.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن منصور، عن عمران الخياط، عن إبراهيم في القوم ينتظرون الصلاة قياماً قال: كان يقال: ذاك السُّمود.

حدثنا ابن حُمَيد، قال: ثنا مهران، عن أبي جعفر، عن ليث والعزرميّ، عن مجاهد {وأنْتُمْ سامِدونَ} قال: البَرْطَمة.

حدثنا ابن حُمَيد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن أبيه، عن عكرِمة، عن ابن عباس {وأنْتُمْ سامِدُونَ} قال: الغناء باليمانية: اسْمُد لنا.

حدثنا يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: {وأنْتُمْ سامِدونَ} قال: السامد: الغافل.

حدثنا ابن حُمَيد، قال: ثنا جرير، عن منصور، عن إبراهيم، قال: كانوا يكرهون أن يقوموا إذا أقام المؤذّن للصلاة وليس عندهم الإمام، وكانوا يكرهون أن ينتظروه قياماً، وكان يقال: ذاك السُّمود، أو من السُّمود.

وقوله: {فاسْجُدُوا لِلّهِ وَاعْبُدُوا} يقول تعالى ذكره: فاسجدوا لله أيها الناس في صلاتكم دون مَن سواه من الآلهة والأنداد، وإياه فاعبدوا دون غيره، فإنه لا ينبغي أن تكون العبادة إلاَّ له، فأخلصوا له العبادة والسجود، ولا تجعلوا له شريكاً في عبادتكم إياه.

الأحد، 1 نوفمبر 2026 21 جمادى الأولى 1448 هـ