انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة النور

تفسير الطبريالآيات 12–27

تفسير سورة النور آية آية، من تفسير الطبري.

استمع إلى تفسير سورة النور

الخلاصة من تفسير الطبري · 4 مقاطع · 1:06:49

  1. 1 الآيات 1–20في هذه الصفحة 13:48
  2. 2 الآيات 21–34في هذه الصفحة 17:32

التفسير الصوتي لسورة النور كاملًا (4 مقاطع)

لَّوْلَآ إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ ٱلْمُؤْمِنُونَ وَٱلْمُؤْمِنَٰتُ بِأَنفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا۟ هَٰذَآ إِفْكٌ مُّبِينٌ ۝١٢

وهذا عتاب من الله تعالـى ذِكْره أهلَ الإيـمان به فـيـما وقع فـي أنفسهم من إرجافِ من أرْجَفَ فـي أمر عائشة بـما أرجف به. يقول لهم تعالـى ذكره: هلا أيها الناس إذ سمعتـم ما قال أهل الإفك فـي عائشة ظنّ الـمؤمنون منكم والـمؤمنات بأنفسهم خيراً يقول: ظننتـم بـمن قُرِف بذلك منكم خيرا، ولـم تظنوا به أنه أتـى الفـاحشة. وقال «بأنفسهم» لأن أهل الإسلام كلهم بـمنزلة نفس واحدة، لأنهم أهل ملة واحدة.

وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن مـحمد بن إسحاق، عن أبـيه، عن بعض رجال بنـي النـجار، أن أبـا أيوب خالد ابن زيد، قالت له امرأته أمّ أيوب: أما تسمع ما يقول الناس فـي عائشة؟ قال: بلـى، وذلك الكذب، أكنت فـاعلة ذلك يا أمّ أيوب؟ قالت: لا والله ما كنت لأفعله. قال: فعائشة والله خير منك. قال: فلـما نزل القرآن، ذكر الله من قال فـي الفـاحشة ما قال من أهل الإفك:

{ إنَّ الَّذِينَ جاءُوا بـالإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ } وذلك حسان وأصحابه الذين قالوا ما قالوا، ثم قال:{ لَوْلا إذْ سَمِعْتُـمُوهُ ظَنَّ الـمُؤْمِنُونَ}... الآية: أي كما قال أبو أيوب وصاحبته.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله:{ لَوْلا إِذْ سَمِعْتُـمُوهُ ظَنَّ الـمُؤْمِنُونَ وَالـمُؤْمِناتُ بأنْفُسِهِمْ خَيْراً} ما هذا الـخير؟ ظنّ الـمؤمن أن الـمؤمن لـم يكن لـيفجر بأمه، وأن الأم لـم تكن لتفجر بـابنها، إن أراد أن يفجر فجر بغير أمه. يقول: إنـما كانت عائشة أمًّا، والـمؤمنون بنون لها، مـحرّما علـيها، وقرأ:

{ لَوْلا جاءُوا عَلَـيْهِ بأرْبَعَةِ شُهَدَاءَ... } الآية.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، عن مـجاهد، قوله:{ ظَنَّ الـمُؤْمِنُونَ وَالـمُؤْمِناتُ بأنْفُسِهِمْ خَيْراً} قال لهم خيراً، ألا ترى أنه يقول:

{ لا تَقْتُلُوا أنْفُسَكُمْ }يقول: بعضكم بعضاً، {وسلـموا علـى أنفسكم}، قال: يسلـم بعضكم علـى بعض.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا هَوْذة، قال: ثنا عوف عن الـحسن، فـي قوله:{ لَوْلا إذْ سَمِعْتُـمُوهُ ظَنَّ الـمُؤْمِنُونَ وَالـمُؤْمِناتُ بأنْفُسِهِمْ خَيْراً} يعنـي بذلك الـمؤمنـين والـمؤمنات.

وقوله:{ وَقالُوا هَذَا إفْكٌ مُبِـينٌ } يقول: وقال الـمؤمنون والـمؤمنات: هذا الذي سمعناه من القول الذي رُمِيَ به عائشة من الفـاحشة: كذب وإثم، يبـين لـمن عقل وفكر فـيه أنه كذب وإثم وبهتان. كما:

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا هوذة، قال: أخبرنا عوف عن الـحسن:{ وَقالُوا هَذَا إفْكٌ مُبِـينٌ} قالوا: إن هذا لا ينبغي أن يتكلـم به إلا من أقام علـيه أربعة من الشهود وأقيم علـيه حدّ الزنا.

لَّوْلَا جَآءُو عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَآءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا۟ بِٱلشُّهَدَآءِ فَأُو۟لَٰٓئِكَ عِندَ ٱللَّهِ هُمُ ٱلْكَٰذِبُونَ ۝١٣

يقول تعالى ذكره: هلا جاء هؤلاء العصبة الذين جاءوا بـالإفك، ورمَوا عائشة بـالبهتان، بأربعة شهداء يشهدون علـى مقالتهم فـيها وما رَمَوها به فإذا لـم يأتوا بالشهداء الأربعة علـى حقـيقة ما رمَوْها به{ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللّهِ هُمُ الكاذِبُونَ } يقول: فـالعُصْبة الذين رَمَوها بذلك عند الله هم الكاذبون فـيـما جاءوا به من الإفك.

وَلَوْلَا فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُۥ فِى ٱلدُّنْيَا وَٱلْـَٔاخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِى مَآ أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ ۝١٤

يقول تعالـى ذكره:{ وَلَوْلا فَضْلُ اللّهَ عَلَـيْكُمْ } أيها الـخائضون فـي أمر عائشة، الـمُشِيعُون فـيها الكذب والإثم، بتركه تعجيـل عقوبتكم{ وَرَحْمَتُهِ } إياكم، لعفوه عنكم {فـي الدُّنْـيا والآخِرَةِ} بقبول توبتكم مـما كان منكم فـي ذلك،{ لَـمسَّكُمْ فِـيـما } خضتـم فـيه من أمرها عاجلاً فـي الدنـيا{ عَذَابٌ عَظِيـمٌ}.

وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد فـي قوله:{ وَلَوْلا فَضْلُ اللّهِ عَلَـيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ } هذا للذين تكلـموا فنشروا ذلك الكلام،{ لَـمَسَّكُمْ فِـيـما أفْضْتُـمْ فِـيهِ عَذَابٌ عَظِيـمٌ}.

إِذْ تَلَقَّوْنَهُۥ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُم مَّا لَيْسَ لَكُم بِهِۦ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُۥ هَيِّنًا وَهُوَ عِندَ ٱللَّهِ عَظِيمٌ ۝١٥

يقول تعالـى ذكره: لـمسّكم فـيـما أفضتـم فـيه من شأن عائشة عذاب عظيـم، حين تلقَّونه بألسنتكم. و«إذ» من صلة قوله «لـمسَّكم». ويعنـي بقوله:{ تَلَقَّوْنَهُ} تتلقون الإفك الذي جاءت به العصبة من أهل الإفك، فتقبلونه، ويرويه بعضكم عن بعض يقال: تلقـيَّت هذا الكلام عن فلان، بـمعنى أخذته منه وقـيـل ذلك لأن الرجل منهم فـيـما ذُكر يَـلْقـى آخر فـيقول: أَوَ مَا بلغك كذا وكذا عن عائشة؟ لـيُشِيع علـيها بذلك الفـاحشة. وذكر أنها فـي قراءة أُبـيّ: «إذْ تَتَلقَّوْنَهُ» بتاءين، وعلـيها قَرَأَهُ الأمصار، غير أنهم قرءوها:{ تَلَقَّوْنَهُ} بتاء واحدة، لأنها كذلك فـي مصاحفهم. وقد رُوِي عن عائشة فـي ذلك، ما:

حدثنـي به مـحمد بن عبد الله بن عبد الـحكَم، قال: ثنا خالد بن نزار، عن نافع، عن ابن أبـي ملـيكة، عن عائشة زوج النبـيّ صلى الله عليه وسلم، أنها كانت تقرأ هذه الآية: «إذْ تَلِقُوْنَهُ بألْسِنَتِكُمْ» تقول: إنـما هو وَلْق الكذب، وتقول: إنـما كانوا يَـلِقُون الكذب. قال ابن أبـي ملـيكة: وهي أعلـم بـما فـيها أنزلت.

قال نافع: وسمعت بعض العرب يقول: اللَّـيْق: الكذب.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يحيى بن واضح، قال: ثنا نافع بن عمر بن عبد الله بن عبد الرحمن بن معمر الـجَمَـحِيّ، عن ابن أبـي ملـيكة، عن عائشة، أنها كانت تقرأ: «إذْ تَلِقُونَهُ بألْسِنَتُكُمْ» وهي أعلـم بذلك وفـيها أنزلت، قال ابن أبـي ملـيكة: هو من وَلْق الكذب.

قال أبو جعفر: وكأن عائشة وَجَّهت معنى ذلك بقراءتها «تلِقُونَهُ» بكسر اللام وتـخفـيف القاف، إلـى: إذ تستـمرّون فـي كذبكم علـيها وإفككها بألسنتكم، كما يقال: وَلَق فلان فـي السير فهو يَـلِق: إذا استـمرّ فـيه وكما قال الراجز:

إنَّ الـجُلَـيْدَ زَلِقٌ وَزُمَلِقْ جاءتْ بِهِ عَنْسٌ مِنَ الشَّأَمِ تَلِقْمُ جَوَّعُ البَطْنِ كِلابِـيُّ الـخُـلُقْ

وقد رُوي عن العرب فـي الوَلْق: الكذب: الأَلْق، والإِلق: بفتـح الألف وكسرها، ويقال فـي فعلت منه: أَلِقْتُ، فأنا أَلِقُ وقال بعضهم:

مَنْ لِـيَ بـالـمُزَرَّرِ الـيَلامِقِصاحِبِ أدْهانٍ وألْقٍ آلِقِ

والقراءة التـي لا أستـجيز غيرها:{ إذْ تَلَقَّوْنَهُ } علـى ما ذكرت من قراءة الأمصار، لإجماع الـحجة من القرّاء علـيها.

وبنـحو الذي قلنا من التأويـل فـي ذلك قال أهل التأويـل.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مـجاهد:{ إذْ تَلَقَّوْنَهُ بألْسِنَتِكُمْ} قال: تَرْوُونه بعضُكم عن بعض.

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد:{ إذْ تَلَقَّوْنَهُ} قال: تَرْوُونه بعضُكم عن بعض.

قوله:{ وَتَقُولُونَ بأفْوَاهِكُمْ ما لَـيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْـمٌ } يقول تعالـى ذكره: وتقولون بأفواهكم ما لـيس لكم به علـم من الأمر الذي تَرْوُونه، فتقولون: سمعنا أن عائشة فعلت كذا وكذا، ولا تعلـمون حقـيقة ذلك ولا صحته.{ وَتَـحْسَبُونَهُ هَيِّناً} وتظنون أن قولكم ذلك وروايتكموه بألسنتكم وتلقِّـيكموه بعضكم عن بعض، هَيِّنٌ سهل، لا إثم علـيكم فـيه ولا حرج.{ وَهُوَ عِنْدَ اللّهِ عَظِيـمٌ} يقول: وتلقِّـيكم ذلك كذلك وقولُكموه بأفواهكم، عند الله عظيـم من الأمر لأنكم كنتـم تؤذون به رسول الله صلى الله عليه وسلم وحلـيـلته.

وَلَوْلَآ إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُم مَّا يَكُونُ لَنَآ أَن نَّتَكَلَّمَ بِهَٰذَا سُبْحَٰنَكَ هَٰذَا بُهْتَٰنٌ عَظِيمٌ ۝١٦

يقول تعالـى ذكره:{ولوْلاَ} أيها الـخائضون فـي الإفك الذي جاءت به عصبة منكم،{ إذْ سَمِعْتُـمُوهُ} مـمن جاء به،{ قلتُـمْ } ما يحلّ لنا أن نتكلـم بهذا، وما ينبغي لنا أن نتفوّه به {سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتانٌ عَظِيـمٌ}، تنزيها لك يا ربّ وبراءة إلـيك مـما جاء به هؤلاء{ هَذَا بُهْتانٌ عَظِيـمٌ} يقول: هذا القول بهتان عظيـم.

يَعِظُكُمُ ٱللَّهُ أَن تَعُودُوا۟ لِمِثْلِهِۦٓ أَبَدًا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ۝١٧

يقول تعالـى ذكره: يذكِّرُكم الله وينهاكم بآي كتابه، لئلا تعودوا لـمثل فعلكم الذي فعلتـموه فـي أمر عائشة من تلقِّـيكم الإفك الذي رُوي علـيها بألسنتكم، وقولكم بأفواهكم ما لـيس لكم به علـم فـيها أبداً.{ إنْ كُنْتُـمْ مُؤْمِنِـينَ} يقول: إن كنتـم تتعظون بعظات الله وتأتـمرون لأمره وتنتهون عما نهاكم عنه.

وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل.

ذكر من قال ذلك:

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله: {وَيُبَـيِّنُ اللّهُ لَكُمُ الآياتِ وَاللّهُ عَلِـيـمٌ حَكِيـمٌ } قال: والذي هو خيرٌ لنا من هذا، أن الله أعلـمنا هذا لكيلا نقع فـيه، لولا أن الله أعلـمنا لهلكنا كما هلك القوم، أن يقول الرجل: أنا سمعته ولـم أخترقه ولـم أتقوّله، فكان خيراً حين أعلـمناه الله، لئلا ندخـل فـي مثله أبداً، وهو عند الله عظيـم. وقوله:{ وَيُبَـيِّنُ اللّهُ لَكُمُ الآياتِ}: ويفصّل الله لكم حججه علـيكم بأمره ونهيه، لـيتبـين الـمطيع له منكم من العاصي، والله علـيـم بكم وبأفعالكم، لا يخفـي علـيه شيء، وهو مـجاز الـمـحسنَ منكم بإحسانه والـمسىء بإساءته، حكيـم فـي تدبـير خـلقه وتكلـيفه ما كلَّفهم من الأعمال وفرضه ما فرض علـيهم من الأفعال.

وَيُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمُ ٱلْـَٔايَٰتِ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ۝١٨

يقول تعالـى ذكره: إن الذين يحبون أن يذيع الزنا فـي الذين صدّقوا بـالله ورسوله ويظهر ذلك فـيهم،{ لهم عَذَابٌ ألـيـمٌ } يقول: لهم عذاب وجيع فـي الدنـيا، بـالـحدّ الذي جعله الله حدًّا لرامي الـمـحصَناتِ والـمـحصَنـين إذا رموهم بذلك، وفـي الآخرة عذاب جهنـم إن مات مُصِرّاً علـى ذلك غير تائب. كما:

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مـجاهد، قوله:{ يُحِبُّونَ أنْ تَشِيعَ الفـاحِشَةُ } قال: تظهر فـي شأن عائشة.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله:{ إنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أنْ تَشِيعَ الفـاحِشَةُ فِـي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ ألِـيـمٌ } قال: الـخبـيث عبد الله بن أبـيّ ابن سَلول، الـمنافق، الذي أشاع علـى عائشة ما أشاع علـيها من الفرية،{ لهم عَذَابٌ ألـيـمٌ}.

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء جميعاً، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، قوله:{ أنْ تَشِيعَ الفـاحِشَةُ } قال: تظهر يتـحدّث عن شأن عائشة.

وقوله:{ وَاللّهُ يَعْلَـمُ وأنْتُـمْ لا تَعْلَـمُونَ } يقول تعالـى ذكره: والله يعلـم كذبَ الذين جاءوا بـالإفك من صدقهم، وأنتـم أيها الناس لا تعلـمون ذلك لأنكم لا تعلـمون الغيب، وإنـما يعلـم ذلك علاّم الغيوب. يقول: فلا تَروُوا ما لا علـم لكم به من الإفك علـى أهل الإيـمان بـالله، ولا سيـما علـى حلائل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فتهلكوا.

إِنَّ ٱلَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ ٱلْفَٰحِشَةُ فِى ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِى ٱلدُّنْيَا وَٱلْـَٔاخِرَةِ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ۝١٩

يقول تعالى ذكره: ولولا أن تفضَّل الله علـيكم أيها الناس ورحمكم، وأن الله ذو رأفة، ذو رحمة بخـلقه، لهلكتـم فـيـما أفضتـم فـيه وعاجلتْكم من الله العقوبة. وترك ذكر الـجواب لـمعرفة السامع بـالـمراد من الكلام بعده، وهو قوله:{ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطانِ}... الآية.

وَلَوْلَا فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُۥ وَأَنَّ ٱللَّهَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ ۝٢٠ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تَتَّبِعُوا۟ خُطُوَٰتِ ٱلشَّيْطَٰنِ وَمَن يَتَّبِعْ خُطُوَٰتِ ٱلشَّيْطَٰنِ فَإِنَّهُۥ يَأْمُرُ بِٱلْفَحْشَآءِ وَٱلْمُنكَرِ وَلَوْلَا فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُۥ مَا زَكَىٰ مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ يُزَكِّى مَن يَشَآءُ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ۝٢١

يقول تعالـى ذكره للـمؤمنـين به: يا أيها الذين صدّقوا الله ورسوله، لا تسلكوا سبـيـل الشيطان وطرقه ولا تقتفوا آثاره، بإشاعتكم الفـاحشة فـي الذين آمنوا وإذا عتكموها فـيهم وروايتكم ذلك عمن جاء به، فإن الشيطان يأمر بـالفحشاء وهي الزنا والـمنكر من القول.

وقد بـيَّنا معنى الـخطوات والفحشاء فـيـما مضى بشواهد ذلك بـما أغنى عن إعادته فـي هذا الـموضع.

يقول تعالـى ذكره: ولولا فضل الله علـيكم أيها الناس ورحمته لكم، ما تَطَهَّر منكم من أحد أبداً من دنس ذنوبه وشركه، ولكن الله يطهَّر من يشاء من خـلقه.

وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل.

ذكر من قال ذلك:

حدثنـي علـيّ، قال: ثنا عبد الله، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس، قوله:{ وَلَوْلا فَضْلُ اللّهِ عَلَـيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ ما زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أحَدٍ أبَداً} يقول: ما اهتدى منكم من الـخلائق لشيء من الـخير ينفع به نفسه، ولـم يتق شيئاً من الشرّ يدفعه عن نفسه.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله:{ وَلَوْلا فَضْلُ اللّهِ عَلَـيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ ما زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أحَدٍ أبَداً} قال: ما زكى: ما أسلـم. وقال: كلّ شيء فـي القرآن من «زكى» أو «تَزَكِّي» فهو الإسلام.

وقوله:{ وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِـيـمٌ } يقول: والله سميع لـما تقولون بأفواهكم وتَلَقَّوْنه بألسنتكم وغير ذلك من كلامكم، علـيـم بذلك كله وبغيره من أموركم، مـحيط به مـحصيه علـيكم، لـيجازيَكم بكل ذلك.

وَلَا يَأْتَلِ أُو۟لُوا۟ ٱلْفَضْلِ مِنكُمْ وَٱلسَّعَةِ أَن يُؤْتُوٓا۟ أُو۟لِى ٱلْقُرْبَىٰ وَٱلْمَسَٰكِينَ وَٱلْمُهَٰجِرِينَ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ وَلْيَعْفُوا۟ وَلْيَصْفَحُوٓا۟ أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ ٱللَّهُ لَكُمْ وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ۝٢٢

يقول تعالـى ذكره: ولا يحلف بـالله ذوو الفضل منكم، يعنـي ذوي التفضل والسَّعة يقول: وذوو الـجِدَة.

واختلف القرّاء فـي قراءة قوله:{ وَلا يأْتَلِ} فقرأته عامة قرّاء الأمصار:{ وَلا يَأْتَلِ } بـمعنى: يفتعل من الأَلِـيَّة، وهي القسم بـالله سوى أبـي جعفر وزيد بن أسلـم، فإنه ذُكِر عنهما أنهما قرآ ذلك: «وَلا يَتأَلَّ» بـمعنى: يتفعَّل، من الأَلِـية.

والصواب من القراءة فـي ذلك عندي قراءة من قرأ:{ ولا يأَتَل} بـمعنى يفتعل من الأَلِـية وذلك أن ذلك فـي خطّ الـمصحف كذلك، والقراءة الأخرى مخالفة خطّ الـمصحف، فـاتبـاع الـمصحف مع قراءة جماعة القرّاء وصحّة الـمقروء به أولـى من خلاف ذلك كله. وإنـما عُنِـي بذلك أبو بكر الصدّيق رضي الله عنه فـي حلفه بـالله لا ينفق علـى مِسْطَح، فقال جلّ ثناؤه: ولا يحلف من كان ذا فضل من مال وسعة منكم أيها الـمؤمنون بـالله ألاَّ يُعْطُوا ذَوِي قَرابتهم فـيصِلوا به أرحامهم، كمِسْطح، وهو ابن خالة أبـي بكر. {والـمساكين}: يقول: وذوي خَـلَّة الـحاجة، وكان مِسْطح منهم، لأنه كان فقـيراً مـحتاجا. {والـمهاجرين فـي سبـيـل الله} وهم الذين هاجروا من ديارهم وأموالهم فـي جهاد أعداء الله، وكان مِسْطَح منهم لأنه كان مـمن هاجر من مكة إلـى الـمدينة، وشهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بدراً.{ وَلْـيَعْفُوا} يقول ولـيعفُوا عما كان منهم إلـيهم من جُرم، وذلك كجرم مِسْطح إلـى أبـي بكر فـي إشاعته علـى ابنته عائشة ما أشاع من الإفك. {وَلْـيَصْفَحُوا } يقول: ولـيتركوا عقوبتهم علـى ذلك، بحرمانهم ما كانوا يؤتونهم قبل ذلك، ولكن لـيعودوا لهم إلـى مثل الذي كانوا لهم علـيه من الإفضال علـيهم.{ ألا تُـحِبُّونَ أنْ يَغْفِرَ اللّهُ لَكُمْ } يقول: ألا تـحبون أن يستر الله علـيكم ذنوبكم بإفضالكم علـيهم، فـيترك عقوبتكم علـيها. {وَاللّهُ غَفُورٌ} لذنوب من أطاعه واتبع أمره، رحيـم بهم أن يعذّبهم مع اتبـاعهم أمره وطاعتهم إياه، علـى ما كان لهم من زلة وهفوة قد استغفروه منها وتابوا إلـيه من فعلها.

وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن ابن إسحاق، عن الزهريّ، عن عَلقمة بن وقّاص اللـيثـيّ، وعن سعيد بن الـمسيب، وعن عرورة بن الزبـير، وعن عبـيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن عائشة. قال: وثنـي ابن إسحاق، قال: ثنا يحيى بن عبـاد بن عبد الله بن الزُّبـير، عن أبـيه، عن عائشة. قال: وثنـي ابن إسحاق، قال: ثنـي عبد الله بن أبـي بكر بن مـحمد بن عمرو بن حزم الأنصاريّ، عن عمرة بنت عبد الرحمن، عن عائشة، قالت: لـما نزل هذا يعنـي قوله:

{ إنَّ الَّذِينَ جاءُوا بـاْلإفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ } فـي عائشة، وفـيـمن قال لها ما قال قال أبو بكر، وكان ينفق علـى مسطح لقرابته وحاجته: والله لا أنفق علـى مسطح شيئاً أبداً ولا أنفعه بنفع أبدا بعد الذي قال لعائشة ما قال وأدخـل علـيها ما أدخـل قالت: فأنزل الله فـي ذلك:{ وَلا يأَتَلِ أُولُوا الفَضْلِ مِنْكُمْ والسَّعَةِ}... الآية. قالت: فقال أبو بكر: والله إنـي لأحبّ أن يغفر الله لـي فرجع إلـى مسطح نفقتَه التـي كان يُنفِق علـيه، وقال: والله لا أنزعها منه أبداً.

حدثنـي علـيّ، قال ثنا عبد الله، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس، قوله:{ وَلا يَأْتَلِ أُولُوا الفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ } يقول: لا تُقْسِموا ألاّ تنفعوا أحدا.

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس، قوله:{ وَلا يَأْتَلِ أُولُوا الفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ}... إلـى آخر الآية، قال: كان ناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قد رَمَوا عائشة بـالقبـيح وأفشَوا ذلك وتكلوا به، فأقسم ناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فـيهم أبو بكر، ألاّ يتصدّق علـى رجل تكلـم بشيء من هذا ولا يصله، فقال: لا يُقْسِم أولوا الفضل منكم والسعة أن يصلوا أرحامهم وأن يعطوهم من أموالهم كالذي كانوا يفعلون قبل ذلك. فأمر الله أن يُغْفَر لهم وأن يُعْفَـى عنهم.

حُدثت عن الـحسين، قال: سمعت أبـا معاذ يقول: أخبرنا عبـيد، قال: سمعت الضحاك يقول فـي قوله:{ وَلا يَأْتَلِ أُولُوا الفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ}: لـما أنزل الله تعالـى ذكره عذر عائشة من السماء، قال أبو بكر وآخرون من الـمسلـمين: والله لا نصل رجلا منهم تَكَلّـم بشيء من شأن عائشة ولا ننفعه فأنزل الله:{ وَلا يَأْتَلِ أُولُوا الفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعة} يقول: ولا يحلف.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله: {وَلا يَأْتَلِ أُولُوا الفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أنْ يُؤْتُوا أُولـي القُرْبَى } قال: كان مِسْطَح ذا قرابة. {والَـمَساكِينَ } قال: كان مسكينا.{ وَالـمُهاجِرِينَ فِـي سَبِـيـلِ اللّه } كان بدْريًّا.

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء جميعاً، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، قوله:{ وَلا يَأْتَلِ أُولُوا الفَضْلِ مِنْكُمْ والسَّعَةِ } قال: أبو بكر حلف أن لا ينفع يتـيـما فـي حِجْره كان أشاع ذلك. فلـما نزلت هذه الآية قال: بلـى أنا أحبّ أن يغفر الله لـي، فَلاكوننّ لـيتـيـمي خيرَ ما كنت له قطُّ.

إِنَّ ٱلَّذِينَ يَرْمُونَ ٱلْمُحْصَنَٰتِ ٱلْغَٰفِلَٰتِ ٱلْمُؤْمِنَٰتِ لُعِنُوا۟ فِى ٱلدُّنْيَا وَٱلْـَٔاخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ۝٢٣

يقول تعالـى ذكره:{ إنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ} بـالفـاحشة {الـمُـحْصَناتِ } يعنـي العفـيفـات{ الغافِلاتِ } عن الفواحش{ الـمُؤْمِناتِ } بـالله ورسوله، وما جاء به من عند الله،{ لُعِنُوا فِـي الدُّنـيْا والآخِرَةِ} يقول: أُبْعِدوا من رحمة الله فـي الدنـيا والآخرة.{ وَلَهُمْ } فـي الآخرة{ عَذَابٌ عَظِيـمٌ } وذلك عذاب جهنـم.

واختلف أهل التأويـل فـي الـمـحصنات اللاتـي هذا حكمهن، فقال بعضهم: إنـما ذلك لعائشة خاصة، وحكم من الله فـيها وفـيـمن رماها، دون سائر نساء أمة نبـينا صلى الله عليه وسلم.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن أبـي الشوارب، قال: ثنا عبد الواحد بن زياد، قال: ثنا خَصِيف، قال: قلت لسعيد بن جُبـير: الزنا أشدّ أم قذف الـمـحصَنة؟ فقال: الزنا. فقلت: ألـيس الله يقول:{ إنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الـمُـحْصَناتِ}... الآية؟ قال سعيد: إنـما كان هذا لعائشة خاصة.

حدثنا أحمد بن عبدة الضبـي، قال: ثنا أبو عوانة، عن عمر بن أبـي سَلَـمة، عن أبـيه، قال: قالت عائشة: رُمِيت بـما رُمِيت به وأنا غافلة، فبلغنـي بعد ذلك، قالت: فبـينـما رسول الله صلى الله عليه وسلم عندي جالس، إذ أُوحي إلـيه، وكان إذا أوحي إلـيه أخذه كهيئة السُّبـات. وإنه أُوحي إلـيه وهو جالس عندي، ثم استوى جالسا يـمسح عن وجهه، وقال:

يا عائشة أبْشِري قالت: فقلت: بحمد الله لا بحمدك فقرأ:{ إنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الـمُـحْصَناتِ الغافِلاتِ الـمُؤْمِناتِ}... حتـى بلغ: { أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِـمَّا يَقُولُونَ }

وقال آخرون: بل ذلك لأزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم خاصة دون سائر النساء غيرهنّ.

ذكر من قال ذلك:

حُدثت عن الـحسين، قال: سمعت أبـا معاذ يقول: أخبرنا عبـيد، قال: سمعت الضحاك يقول فـي قوله: {إنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الـمُـحْصَناتِ الغافِلاتِ الـمُؤْمِناتِ }...الآية، أزواج النبـيّ صلى الله عليه وسلم خاصة.

وقال آخرون: نزلت هذه الآية فـي شأن عائشة، وعُنـي بها كلّ من كان بـالصفة التـي وصف الله في هذه الآية. قالوا: فذلك حكم كلّ من رَمى مـحصنة لـم تقارف سُوءاً.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا علـيّ بن سهل، قال: ثنا زيد، عن جعفر بن برقان، قال: سألت ميـموناً، قلت: الذي ذكر الله:

{ الَّذينَ يَرْمُونَ الـمُـحْصَناتِ ثُمَّ لَـمْ يَأْتُوا بأرْبَعَةِ شُهَدَاءَ... } إلـى قوله: { إلاَّ الَّذِينَ تابُوا مِنْ بَعْدِ ذلكَ وأصْلَـحُوا فإنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَحِيـمٌ } فجعل فـي هذه توبة، وقال فـي الأخرى:{ إنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الـمُـحْصَناتِ الغافِلاتِ}... إلـى قوله:{ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيـمٌ}؟ قال ميـمون: أما الأولـى فعسى أن تكون قد قارفت، وأما هذه فهي التـي لـم تقارف شيئا من ذلك.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنا هشيـم، قال: أخبرنا العوّام بن حوشب، عن شيخ من بنـي أسد، عن ابن عبـاس، قال: فسَّر سورة النور، فلـما أتـى علـى هذه الآية:{ إنَّ الَّذِينَ يرْمُونَ الـمُـحْصَناتِ الغافِلاتِ الـمُؤْمِناتِ}... الآية، قال: هذا فـي شأن عائشة وأزواج النبـيّ صلى الله عليه وسلم، وهي مبهمة، ولـيست لهم توبة. ثم قرأ:

{ وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الـمُـحْصَناتِ ثُمَّ لَـمْ يَأتُوا بأرْبَعَةِ شُهَدَاءَ... } إلـى قوله: { إلاَّ الَّذِينَ تابُوا مِنْ بَعْد ذلك وأصْلَـحُوا... } الآية، قال: فجعل لهؤلاء توبة، ولـم يجعل لـمن قذف أولئك توبة. قال: فهمّ بعض القوم أن يقوم إلـيه فـيقبل رأسه من حسن ما فسَّر سورة النور.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد:{ إنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الـمُـحْصَناتِ الغافِلاتِ الـمُؤْمِناتِ لُعِنُوا فِـي الدُّنـيْا والآخِرَةِ ولَهُمْ عَذَابٌ عَظِيـمٌ } قال: هذا فـي عائشة، ومن صنع هذا الـيومَ فـي الـمسلـمات فله ما قال الله، ولكن عائشة كانت إمام ذلك.

وقال آخرون: نزلت هذه الآية فـي أزواج النبـيّ صلى الله عليه وسلم، فكان ذلك كذلك حتـى نزلت الآية التـي فـي أوّل السورة فأوجب الـجَلْد وقبل التوبة.

ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي قال: ثنا أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس، قوله:{ إنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الـمُـحْصَناتِ الغافِلاتِ الـمُؤْمِنات}... إلـى:{ عَذَابٌ عَظِيـمٌ } يعنـي أزواج النبـيّ صلى الله عليه وسلم، رماهنّ أهل النفـاق، فأوجب الله لهم اللعنة والغضب وبـاءوا بسخط من الله. وكان ذلك فـي أزواج النبـيّ صلى الله عليه وسلم، ثم نزل بعد ذلك:

{ وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الـمُـحْصَناتِ ثُمَّ لَـمْ يَأْتُوا بأرْبَعَةِ شُهَدَاءَ... } إلـى قوله: {فإنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَحِيـمٌ} فأنزل الله الـجلد والتوبة، فـالتوبة تُقبل، والشهادة تردّ.

وأولـى هذه الأقوال فـي ذلك عندي بـالصواب قول من قال: نزلت هذه الآية فـي شأن عائشة، والـحكم بها عامّ فـي كلّ من كان بـالصفة التـي وصفه الله بها فـيها.

وإنـما قلنا ذلك أولـى تأويلاته بـالصواب، لأن الله عمّ بقوله:{ إنَّ الَّذِينَ يَرمُونَ الـمُـحْصَناتِ الغافِلاتِ الـمُؤْمِناتِ } كلّ مـحصنة غافلة مؤمنة رماها رام بـالفـاحشة، من غير أن يحضّ بذلك بعضاً دون بعض، فكلّ رام مـحصنة بـالصفة التـي ذكر الله جلّ ثناؤه فـي هذه الآية فملعون فـي الدنـيا والآخرة وله عذاب عظيـم، إلا أن يتوب من ذنبه ذلك قبل وفـاته، فإن الله دلّ بـاستثنائه بقوله:

{ إلاَّ الَّذِينَ تابُوا مِنْ بَعْدِ ذلكَ وأصْلَـحُوا } علـى أن ذلك حكم رامي كل مـحصنة بأيّ صفة كانت الـمـحصنة الـمؤمنة الـمرمية، وعلـى أن قوله: {لُعِنُوا فـي الدُّنـيْا والآخِرَةِ، وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيـمٌ }معناه: لهم ذلك إن هلكوا ولـم يتوبوا.

يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم بِمَا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ ۝٢٤

يقول تعالـى ذكره: ولهم عذاب عظيـم{ يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَـيْهِمْ ألْسِنَتُهُمْ} ف«الـيوم» الذي فـي قوله:{ يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَـيْهِمْ} من صلة قوله:

{ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيـمٌ }. وعُنِـي بقوله: {يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَـيهِمْ ألْسِنَتُهُمْ} يوم القـيامة وذلك حين يجحد أحدهما ما اكتسب فـي الدنـيا من الذنوب عند تقرير الله إياه بها، فـيختـم الله علـى أفواههم، وتشهد علـيهم أيديهم وأرجلهم بـما كانوا يعملون.

فإن قال قائل: وكيف تشهد علـيهم ألسنتهم حين يختـم علـى أفواههم؟ قـيـل: عُنِـي بذلك أن ألسنة بعضهم تشهد إلـى بعض، لا أن ألسنتهم تنطق وقد ختـم علـى الأفواه. وقد:

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرنا عمرو، عن درّاج، عن أبـي الهيثم، عن أبـي سعيد، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم:

إذَا كانَ يَوْمُ القِـيامَةِ عُرِفَ الكافِرُ بعَمَلِهِ، فَجَحَدَ وَخاصَمَ، فَـيُقالُ لَهُ: هَؤُلاءِ جيرَانُكَ يَشْهَدُونَ عَلَـيْكَ، فَـيَقُولُ: كَذَبُوا فَـيَقُولُ: أهْلُكَ وَعَشِيرَتُكَ، فَـيَقُولُ: كَذَبُوا فَـيَقُولُ: أتَـحْلِفُونَ؟ فَـيَحْلِفُونَ. ثُمَّ يُصْمِتُهُمُ اللّهُ، وتَشْهَدُ ألْسِنَتُهُمْ، ثُمَّ يُدْخِـلُهُمُ النَّارُ».

يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ ٱللَّهُ دِينَهُمُ ٱلْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْحَقُّ ٱلْمُبِينُ ۝٢٥

يقول تعالـى ذكره:

{ يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَـيْهِمْ ألْسِنَتُهُمْ وأيْدِيهِمْ وأرْجُلُهُمْ بِـمَا كانُوا يَعْمَلُونَ } يوفـيهم الله حسابهم وجزاءهم الـحقّ علـى أعمالهم. والدِّين فـي هذا الـموضع: الـحساب والـجزاء، كما:

حدثنـي علـيّ، قال: ثنا عبد الله، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس، فـي قوله:{ يَوْمَئِذٍ يُوَفِّـيهِمُ اللّهُ دينَهُمُ الـحَقَّ } يقول: حسابهم.

واختلفت القرّاء فـي قراءة قوله:{ الـحَقَّ } فقرأته عامة قرّاء الأمصار:{ دِينَهُمُ الـحَقَّ} نصبـاً علـى النعت للدين، كأنه قال: يوفـيهم الله أعمالهم حقًّا. ثم أدخـل فـي الـحقّ الألف واللام، فنصب بـما نصب به الدين. وذُكر عن مـجاهد أنه قرأ ذلك: «يُوَفِّـيهِمُ اللّهُ دِينَهُمُ الـحَقُّ» برفع «الـحقّ» علـى أنه من نعت الله.

حدثنا بذلك أحمد بن يوسف، قال: ثنا القاسم، قال: ثنا يزيد، عن جرير بن حازم، عن حميد، عن مـجاهد، أنه قرأها «الـحقُّ» بـالرفع. قال جرير: وقرأتها فـي مصحف أُبـيّ بن كعب{ يُوَفِّـيهِمُ اللّهُ الـحَقُّ دِينَهُمْ}.

والصواب من القراءة فـي ذلك عندنا ما علـيه قرّاء الأمصار، وهو نصب «الـحقّ» علـى إتبـاعه إعراب «الدين» لإجماع الـحجة علـيه.

وقوله:{ وَيَعْلَـمُونَ أنَّ اللّهَ هُوَ الـحَقُّ الـمُبِـينُ } يقول: ويعلـمون يومئذٍ أن الله هو الـحقّ الذي يبـين لهم حقائق ما كان يعدهم فـي الدنـيا من العذاب، ويزول حينئذٍ الشكّ فـيه عن أهل النفـاق الذين كانوا فـيـما كان يَعِدُهم فـي الدنـيا يـمترون.

ٱلْخَبِيثَٰتُ لِلْخَبِيثِينَ وَٱلْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَٰتِ وَٱلطَّيِّبَٰتُ لِلطَّيِّبِينَ وَٱلطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَٰتِ أُو۟لَٰٓئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ ۝٢٦

اختلف أهل التأويـل فـي تأويـل ذلك فقال بعضهم: معناه: الـخبـيثات من القول للـخبثـيـين من الرجال، والـخبـيثون من الرجال للـخبـيثات من القول، والطيبـات من القول للطيبـين من الناس، والطيبون من الناس للطيبـات من القول.

ذكر من قال ذلك:

حدثني مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس، قوله:{ الـخَبِـيثاتُ للـخَبـيثِـينِ والـخَبِـيثُونَ للْـخَبِـيثاتِ } يقول: الـخبـيثات من القول للـخبـيثـين من الرجال، والـخبـيثون من الرجال للـخبـيثات من القول.

وقوله:{ والطَّيِّبـاتُ للطَّيِّبِـينَ } يقول: الطيبـات من القول للطيبين من الرجال، والطيبون من الرجال للطيبات من القول. نزلت فـي الذين قالوا فـي زوجة النبـيّ صلى الله عليه وسلم ما قالوا من البهتان. ويقال: الـخبـيثات للـخبـيثـين: الأعمال الـخبـيثة تكون للـخبـيثـين، والطيبـات من الأعمال تكون للطيبـين.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفـيان، عن عثمان بن الأسود، عن مـجاهد: الـخبـيثات من الكلام للـخبـيثـين من الناس، والطيبـات من الكلام للطيبـين من الناس.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفـيان، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، مثله.

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى عن ابن أبـي نـجيح، فـي قول الله:{ الـخَبِـيثاتُ للْـخَبِـيثِـينَ والـخَبِيثُونَ للْخَبِيثاتِ والطَّيِّبـاتُ للطَّيِّبِينَ والطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّباتِ} قال: الطيبات: القول الطيب يخرج من الكافر والـمؤمن فهو للمؤمن والـخبـيثات: القول الخبيث يخرج من الـمؤمن والكافر فهو للكافر.{ أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِـمَّا يَقُولُونَ } وذلك أنه برأ كليهما مما ليس بحقّ من الكلام.

حدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، فـي قوله:{ الـخَبِـيثاتُ للْـخَبِـيثِـينَ والـخَبِـيثُونَ للْـخَبِـيثاتِ والطَّيِّبـاتُ لِلطَّيِّبـينَ والطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبـاتِ} يقول: الـخبـيثات والطيبـات: القول السيء والـحسن للـمؤمنـين الـحسن وللكافرين السيء. أُولَئِكَ مُبَرءُونَ مِـمَّا يَقُولُونَ وذلك بأنه ما قال الكافرون من كلـمة طيبه فهي للـمؤمنـين، وما قال الـمؤمنون من كلـمة خبـيثة فهي للكافرين، كلّ برىء مـما لـيس بحقّ من الكلام.

حدثنا ابن عبد الأعلـى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد:{ الـخَبِـيثاتُ للْـخَبِـيثِـينَ } قال: الـخبـيثات من الكلام للـخبـيثـين من الناس، والـخبـيثون من الناس للـخبـيثات من الكلام.

حدثنا الـحسن قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال أخبرنا معمر عن ابن أبـي نـجيح عن مـجاهد، مثله.

حُدثت عن الـحسين، قال: سمعت أبـا معاذ يقول: أخبرنا عبـيد، قال: سمعت الضحاك يقول فـي قوله:{ الـخَبِـيثاتُ للْـخَبِـيثـينَ... } الآية، يقول: الـخبـيثات من القول للـخبـيثـين من الرجال، والـخبـيثون من الرجال للـخبـيثات من القول، والطيبـات من القول للطيبـين من الرجال، والطيبون من الرجال للطيبـات من القول. فهذا فـي الكلام، وهم الذين قالوا لعائشة ما قالوا، هم الـخبـيثون. والطيبون هم الـمبرّءون مـما قال الـخبـيثون.

حدثنا أبو زرعة، قال ثنا أبو نعيـم، قال: ثنا سلـمة، يعنـي ابن نبـيط الأشجعيّ، عن الضحاك:{ الـخَبِـيثاتُ للْـخَبِـيثِـين} قال: الـخبـيثات من الكلام للـخبـيثـين من الناس، والطيبـات من الكلام للطيبـين من الناس.

قال: ثنا قبـيصة، قال: ثنا سفـيان، عن ابن أبـي نـجيح وعثمان بن الأسود، عن مـجاهد:{ الـخَبِـيثاتُ للْـخَبِـيثِـينَ والـخَبِـيثُونَ للْـخَبـيثاتِ والطَّيِّبـاتُ للطَّيِّبِـينَ والطَّيِّبُونَ للطَّيِّبـاتِ} قال: الـخبـيثات من الكلام للـخبـيثـين من الناس والـخبـيثون من الناس للـخبـيثات من القول، والطيبـات من القول للطيبـين من الناس والطيبون من الناس للطيبـات من القول.

قال: ثنا عن خصيف، عن سعيد بن جبـير، قال:{ الـخَبِـيثَاتُ للْـخَبِـيثِـينَ والـخَبِـيثُونَ للْـخَبِـيثاتِ والطَّيِّبَـاتُ للطَّيِّبِـينَ والطَّيِّبُونَ للطَّيِّبَـاتِ} قال: الـخبـيثات من القول للـخبـيثـين من الناس، والـخبـيثون من الناس للـخبـيثات من القول، والطيبـات من القول للطيبـين من الناس، والطيبون من الناس للطيبـات من القول.

قال: ثنـي مـحمد بن بكر بن مقدم، قال: أخبرنا يحيى بن سعيد، عن عبد الـملك، يعنـي ابن أبـي سلـيـمان، عن القاسم بن أبـي بَزّة، عن سعيد بن جبـير، عن مـجاهد: والـخَبِـيثُونَ للْـخَبِـيثاتِ قال: الـخبـيثات من القول للـخبـيثـين من الناس.

قال: ثنا عبـاس بن الولـيد النِّرسيّ، قال: ثنا يزيد بن زريع، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة:{ الـخبِـيثاتُ للْـخَبـيثِـينَ والـخَبِـيثُونَ للْـخَبِـيثاتِ والطَّيِّبـاتُ للطَّيِّبِـينَ والطَّيِّبُونَ للطَّيِّبـاتِ } يقول: الـخبـيثات من القول والعمل للـخبـيثـين من الناس، والـخبـيثون من الناس للـخبـيثات من القول والعمل.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبـي، عن طلـحة بن عمرو، عن عطاء، قال: الطيبـات للطيبـين، والطيبون للطيبـات، قال: الطيبـات من القول للطيبـين من الناس، والطيبون من الناس للطيبـات من القول، والـخبـيثات من القول للـخبـيثـين من الناس، والـخبـيثون من الناس للـخبـيثات من القول.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: الـخبـيثات من النساء للـخبـيثـين من الرجال، والـخبـيثون من الرجال للـخبـيثات من النساء.

ذكر من قال ذلك:

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد فـي قوله:{ الـخَبِـيثاتُ للْـخَبِـيثِـينَ والـخَبِـيثُونَ للْـخَبِـيثاتِ والطَّيِّبـاتُ للطَّيِّبِـينَ والطَّيِّبُونَ للطَّيِّبَـاتِ} قال: نزلت فـي عائشة حين رماها الـمنافق بـالبهتان والفِرْية، فبرأها الله من ذلك. وكان عبد الله بن أُبـي هو خبـيث، وكان هو أولـى بأن تكون له الـخبـيثة ويكونَ لها. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم طيبـاً، وكان أولـى أن تكون له الطيبة. وكانت عائشة الطيبة، وكانَ أولـى أن يكون لها الطيب.{ أُولَئكَ مُبَرَّءُون مِـمَّا يَقُولُونَ} قال: هاهنا بُرّئت عائشة. {لَهُمْ مَغْفِرَةٌ ورِزْقٌ كَرِيـمٌ}.

وأولـى هذه الأقوال فـي تأويـل الآية قول من قال: عَنَى بـالـخبـيثات: الـخبـيثات من القول وذلك قبـيحه وسيئه للـخبـيثـين من الرجال والنساء، والـخبـيثون من الناس للـخبـيثات من القول هم بها أولـى، لأنهم أهلها. والطيبـات من القول وذلك حسنه وجميـله للطيبـين من الناس، والطيبون من الناس للطيبـات من القول لأنهم أهلها وأحقّ بها.

وإنـما قلنا هذا القول أولـى بتأويـل الآية، لأن الآيات قبل ذلك إنـما جاءت بتوبـيخ الله للقائلـين فـي عائشة الإفك، والرامين الـمـحصنات الغافلات الـمؤمنات، وإخبـارهم ما خَصَّهم به علـى إفكهم، فكان ختـم الـخبر عن أولـى الفريقـين بـالإفك من الرامي والـمرمي به أشبه من الـخبر عن غيرهم.

وقوله:{ أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ } يقول: الطيبون من الناس مبرّءون من خبـيثات القول، إن قالوها فإن الله يصفح لهم عنها ويغفرها لهم، وإن قـيـلت فـيهم ضرّت قائلها ولـم تضرّهم، كما لو قال الطيب من القول الـخبـيث من الناس لـم ينفعه الله به لأن الله لا يتقبَّله، ولو قـيـلت له لضرّته لأنه يـلـحقه عارها فـي الدنـيا وذلها فـي الآخرة. كما:

حدثنا الـحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد:{ أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِـمَّا يَقُولُونَ} فمن كان طيبـاً فهو مبرأ من كل قول خبـيث، يقول: يغفره الله ومن كان خبـيثا فهو مبرأ من كل قول صالـح، فإنه يردّه الله علـيه لا يقبله منه. وقد قـيـل: عُنِـي بقوله:{ أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِـمَّا يَقُولُونَ } عائشة وصفوان بن الـمعطَّل الذي رُمِيت به. فعلـى هذا القول قـيـل «أولئك» فجمع، والـمراد «ذانك»، كما قـيـل: فإن كان له إخوة، والـمراد أخوان.

وقوله: {لَهُمْ مَغْفِرَةٌ} يقول لهؤلاء الطيبـين من الناس مغفرة من الله لذنوبهم، والـخبـيث من القول إن كان منهم. {وَرِزْقٌ كَرِيـمٌ } يقول: ولهم أيضاً مع الـمغفرة عطية من الله كريـمة، وذلك الـجنة، وما أُعِدّ لهم فـيها من الكرامة. كما:

حدثنا أبو زرْعة، قال: ثنا العبـاس بن الولـيد النّرسيّ، قال: ثنا يزيد بن زريع، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة:{ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيـمٌ } مغفرة لذنوبهم ورزق كريـم فـي الـجنة.

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تَدْخُلُوا۟ بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّىٰ تَسْتَأْنِسُوا۟ وَتُسَلِّمُوا۟ عَلَىٰٓ أَهْلِهَا ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ۝٢٧

اختلف أهل التأويـل فـي ذلك، فقال بعضهم: تأويـله يا أيها الذين آمنوا لا تدخـلوا بـيوتاً غير بـيوتكم حتـى تستأذنوا.

ذكر من قال ذلك:

حدثنـي يعقوب بن إبراهيـم، قال: ثنا هشيـم، عن أبـي بشر، عن سعيد بن جبـير، عن ابن عبـاس، أنه كان يقرأ: «لا تَدْخُـلُوا بُـيُوتاً غيرَ بُـيُوتِكُمْ حتـى تَسْتَأْذِنُوا وَتُسَلِّـمُوا عَلـى أهْلِها» قال: وإنـما «تستأنسوا» وَهَمٌ من الكتاب.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا مـحمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن أبـي بشر، عن سعيد بن جُبـير، عن ابن عبـاس فـي هذه الآية:{ لا تَدْخُـلُوا بُـيُوتاً غيرَ بُـيُوتِكُمْ حتـى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّـمُوا علـى أهْلِها } وقال: إنـما هي خَطَأ من الكاتب: «حتـى تستأذنوا وتسلـموا».

حدثنا ابن الـمثنى، قال: ثنا وهب بن جرير، قال: ثنا شعبة، عن أبـي بشر، عن سعيد بن جُبـير، بـمثله، غير أنه قال: إنـما هي حتـى تستأذنوا، ولكنها سقط من الكاتب.

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا ابن عطية، قال: ثنا معاذ بن سلـيـمان، عن جعفر بن إياس، عن سعيد، عن ابن عبـاس:{ حتـى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّـمُوا عَلـى أهْلِها } قال: أخطأ الكاتب. وكان ابن عبـاس يقرأ: «حتـى تَسْتأْذِنُوا وَتُسَلِّـمُوا» وكان يقرؤها علـى قراءة أُبـيّ بن كعب.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا أبو عامر، قال: ثنا سفـيان، عن الأعمش أنه كان يقرؤها: «حتـى تَسْتأذِنوا وتُسَلِّـمُوا» قال سفـيان: وبلغنـي أن ابن عبـاس كان يقرؤها: «حتـى تَسْتَأْذِنُوا وَتُسَلِّـمُوا» وقال: إنها خَطَأ من الكاتب.

حدثنا مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس، قوله:{ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُـلُوا بُـيُوتا غيرَ بُـيُوتِكُمْ حتـى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّـمُوا علـى أهْلِها } قال: الاستئناس: الاستئذان.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي هشيـم، قال: أخبرنا مغيرة، عن إبراهيـم، قال: فـي مصحف ابن مسعود: «حتـى تُسَلِّـموا عَلـى أهْلِها وَتَسْتَأذِنُوا».

قال: ثنا هشيـم، قال: أخبرنا جعفر بن إياس، عن سعيد، عن ابن عبـاس أنه كان يقرؤها: «يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُـلُوا بُـيُوتاً غيرَ بُـيُوتِكُمْ حتـى تُسَلِّـمُوا عَلـى أهْلِها وَتَسْتأذِنُوا» قال: وإنـما تستأنسوا وَهم من الكُتَّاب.

قال: ثنا هشيـم، قال مغيرة، قال مـجاهد: جاء ابن عمر من حاجة وقد آذاه الرَّمْضاء، فأتـى فُسطاط امرأة من قريش، فقال: السلام علـيكم، أدخـل؟ فقالت: ادخـل بسلام فأعاد، فأعادت، وهو يراوح بـين قدميه، قال: قولـي ادْخـل قالت: ادخـل فدخـل.

قال: ثنا هشيـم، قال: أخبرنا منصور، عن ابن سيرين، وأخبرنا يونس بن عبـيد، عن عمرو بن سعيد الثقـفـيّ: أنّ رجلاً استأذن على النبـيّ صلى الله عليه وسلم، فقال: أَلِـج أو أَنَلِـج؟ فقال النبـيّ صلى الله عليه وسلم لأمة له يقال لها رَوْضة:

قومي إلـى هَذَا فَكَلِّـمِيهِ، فإنَّهُ لا يُحْسِنُ يسأذن، فَقُولـي لَهْ يَقُولُ: السَّلامُ عَلَـيْكُمْ، أدْخُـل؟ فسمعها الرجل، فقالها، فقال: «أُدْخُـلْ».

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنا حجاج، عن ابن جُرَيج، قال: قال ابن عبـاس، قوله:{ حتـى تَسْتأْنِسوا} قال: الاستئذان، ثم نُسخ واستثنـي:

{ لَـيْسَ عَلَـيْكُمْ جُناحٌ أنْ تَدْخُـلُوا بُـيُوتا غيرَ مَسْكُونَةٍ }

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يحيى بن واضح، قال: ثنا أبو حمزة، عن الـمغيرة، عن إبراهيـم، قوله:{ لا تَدْخُـلُوا بُـيُوتا غيرَ بُـيُوتِكُمْ} قال: حتـى تسلِّـموا علـى أهلها وتستأذنوا.

حدثنا الـحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قَتادة:{ حتـى تَسْتَأْنِسُوا} قال: حتـى تستأذنوا وتسلِّـموا.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنا هشيـم، قال: أخبرنا أشعث بن سوار، عن كردوس، عن ابن مسعود، قال: علـيكم أن تستأذنوا علـى أمهاتكم وأَخَواتكم.

قال أشعث عن عديّ بن ثابت: أن امرأة من الأنصار، قالت: يا رسول الله، إنـي أكون فـي منزلـي علـى الـحال التـي لا أحبّ أن يرانـي أحد علـيها والد ولا ولد، وإنه لا يزال يدخـل علـيّ رجل من أهلـي وأنا علـى تلك الـحال؟ قال: فنزلت:{ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُـلُوا بُـيُوتاً غيرَ بُـيُوتِكُمْ حتـى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّـمُوا علـى أهْلِها}... الآية.

وقال آخرون: معنى ذلك: حتـى تُؤْنِسوا أهل البـيت بـالتنـحنـح والتنـخم وما أشبهه، حتـى يعلـموا أنكم تريدون الدخول علـيهم.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام، عن عنبسة، عن مـحمد بن عبد الرحمن، عن القاسم بن أبـي بزة، عن مـجاهد، فـي قوله:{ لا تَدْخُـلُوا بُـيُوتا غيرَ بُـيُوتِكُمْ حتـى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّـمُوا عَلـى أهْلِها} قال: حتـى تتنـحنـحوا وتتنـخموا.

حدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء، عن ابن أبي نـجيح، عن مـجاهد، مثله.

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، فـي قول الله:{ حتـى تَسْتَأْنسُوا} قال: حتـى تجسسوا وتسلـموا.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مـجاهد، قوله:{ حتـى تَسْتَأْنِسُوا} قال: تَنَـحْنـحوا وتَنَـخَّموا.

قال: ثنـي حجاج، عن ابن جُرَيج، قال: سمعت عطاء بن أبـي ربـاح يخبر عن ابن عبـاس، قال: ثلاث آيات قد جحدهنّ الناس، قال الله:

{ إنَّ أكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللّهِ أتْقاكُمْ } قال: ويقولون: إن أكرمهم عند الله أعظمهم شأناً. قال: والإذن كله قد جحده الناس فقلت له: أستأذن علـى أَخَواتـي أيتامٍ فـي حِجري معي فـي بـيت واحد؟ قال: نعم، فرددت علـى من حضرنـي، فأبى، قال: أتـحبّ أن تراها عريانة؟ قلت: لا. قال: فاستأذِن فراجعته أيضاً، قال: أتـحبّ أن تطيع الله؟ قلت: نعم، قال: فـاستأذِن فقال لـي سعيد بن جُبـير: إنك لَتُرَدِّد علـيه قلت: أردت أن يرخص لـي.

قال ابن جُرَيج: وأخبرنـي ابن طاوس، عن أبـيه، قال: ما من امرأة أكره إلـيّ أن أرى كأنه يقول عريتها أو عريانة من ذات مـحرم. قال: وكان يشدّد فـي ذلك. قال ابن جُرَيج، وقال عطاء بن أبـي ربـاح: وإذا بلغ الأطفـال منكم الـحلـم فلـيستأذنوا، فواجب علـى الناس أجمعين إذا احتلـموا أن يستأذنوا علـى من كان من الناس. قلت لعطاء: أواجب علـى الرجل أن يستأذن علـى أمه ومَنْ وراءَها من ذات قرابته؟ قال: نعم. قلت: أَبِرٌّ وَجَب؟ قال قوله:

{ وَإذَا بَلَغَ الأطْفـالُ مِنْكُمُ الـحُلُـمَ فَلْـيَسْتأْذِنُوا }. قال ابن جُرَيج: وأخبرنـي ابن زياد: أن صفوان مولـى لبنـي زُهْرة، أخبره عن عطاء بن يسار: أن رجلاً قال للنبـيّ صلى الله عليه وسلم: أَسْتأذِنُ علـى أمي؟ قال: «نَعَمْ». قال: إنها لـيس لها خادم غيري، أفأستأذن علـيها كلـما دخـلت؟ قال: أتُـحبُّ أنْ تَراها عُرْيانَةً؟ قال الرجل: لا. قال: «فـاسْتأْذِنْ عَلَـيْها». قال ابن جُرَيج عن الزهريّ، قال: سمعت هزيـل بن شُرَحبـيـل الأَوْدِيّ الأعمى، أنه سمع ابن مسعود يقول: علـيكم الإذن علـى أمهاتكم.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جُرَيج، قال: قلت لعطاء: أيستأذن الرجل علـى امرأته؟ قال: لا.

حدثنا الـحسين، قال: ثنا مـحمد بن حازم، عن الأعمش، عن عمرو بن مرّة، عن يحيى بن الـجزّار، عن ابن أخي زينب امرأة ابن مسعود، عن زينب قالت: كان عبد الله إذا جاء من حاجة فـانتهى إلـى البـاب، تنـحنـح وبَزَق، كراهة أن يَهْجُم منا علـى أمر يكرهه.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد فـي قول الله:{ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُـلُوا بُـيُوتا غيرَ بُـيُوتِكُمْ حتـى تَسْتأْنِسُوا} قال: الاستئناس: التنـحنـح والتـجرّس، حتـى يعرفوا أن قد جاءهم أحد. قال: والتـجرّس: كلامه وتنـحنـحه.

والصواب من القول فـي ذلك عندي أن يقال: إن الاستئناس: الاستفعال من الأنس، وهو أن يستأذن أهل البـيت فـي الدخول علـيهم، مخبراً بذلك من فـيه، وهل فـيه أحد؟ ولـيؤذنهم أنه داخـل علـيهم، فلـيأنس إلـى إذنهم له فـي ذلك، ويأنسوا إلـى استئذانه إياهم. وقد حُكِي عن العرب سماعاً: اذهب فـاستأنس، هل ترى أحداً فـي الدار؟ بـمعنى: انظر هل ترى فـيها أحداً؟

فتأويـل الكلام إذن، إذا كان ذلك معناه: يا أيها الذين آمنوا لا تدخـلوا بـيوتاً غير بـيوتكم حتـى تسلـموا وتستأذنوا، وذلك أن يقول أحدكم: السلام علـيكم، أدخـل؟ وهو من الـمقدم الذي معناه التأخير، إنـما هو: حتـى تسلـموا وتستأذنوا، كما ذكرنا من الرواية عن ابن عبـاس.

وقوله:{ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ} يقول: استئناسكم وتسلـيـمكم علـى أهل البـيت الذي تريدون دخوله، فإن دخولكموه خير لكم لأنكم لا تدرون أنكم إذا دخـلتـموه بغير إذن، علـى ماذا تهجُمون؟ علـى ما يسوءكم أو يسرّكم؟ وأنتـم إذا دخـلتـم بإذن، لـم تدخـلوا علـى ما تكرهون، وأدّيتـم بذلك أيضا حقّ الله علـيكم فـي الاستئذان والسلام. وقوله:{ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} يقول: لتتذكروا بفعلكم ذلك أوامر الله علـيكم، واللازم لكم من طاعته، فتطيعوه.

الجمعة، 6 نوفمبر 2026 26 جمادى الأولى 1448 هـ