انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة النور

تفسير الطبريالآيات 40–60

تفسير سورة النور آية آية، من تفسير الطبري.

استمع إلى تفسير سورة النور

الخلاصة من تفسير الطبري · 4 مقاطع · 1:06:49

  1. 1 الآيات 35–52في هذه الصفحة 18:52
  2. 2 الآيات 53–64في هذه الصفحة 16:37

التفسير الصوتي لسورة النور كاملًا (4 مقاطع)

أَوْ كَظُلُمَٰتٍ فِى بَحْرٍ لُّجِّىٍّ يَغْشَىٰهُ مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِۦ مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِۦ سَحَابٌ ظُلُمَٰتٌۢ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَآ أَخْرَجَ يَدَهُۥ لَمْ يَكَدْ يَرَىٰهَا وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ ٱللَّهُ لَهُۥ نُورًا فَمَا لَهُۥ مِن نُّورٍ ۝٤٠

وهذا مَثَل آخر ضربه الله لأعمال الكفـار، يقول تعالـى ذكره: ومَثَل أعمال هؤلاء الكفـار فـي أنها عُمِلت علـى خطأ وفساد وضلالة وحيرة من عمالها فـيها وعلـى غير هدى، مَثَل ظلـمات فـي بحر لُـجِّىّ. ونسب البحر إلـى اللُّـجة، وصفـا له بأنه عميق كثـير الـماء. ولـجُة البحر: معظمه.{ يَغْشاهُ مَوْج} يقول: يغشى البحر موج، {مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ}: يقول: من فوق الـموج موج آخر يغشاه، {مِنْ فَوْقِهِ سحَابٌ}: يقول: من فوق الـموج الثانـي الذي يغشى الـموج الأوّل سحاب. فجعل الظلـمات مثلاً لأعمالهم، والبحر اللـجىّ مثلاً لقلب الكافر، يقول: عَمِل بنـية قلب قد غَمَره الـجهل وتغشَّته الضلالة والـحَيرة كما يغشى هذا البحر اللُّـجيَّ موج من فوقه موج من فوقه سحاب، فكذلك قلب هذا الكافر الذي مَثَل عمله مَثَل هذه الظلـمات، يغشاه الـجهل بـالله، بأن الله ختـم علـيه فلا يعقل عن الله، وعلـى سمعه فلا يسمع مواعظ الله، وجعل علـى بصره غشاوة فلا يبصر به حجج الله، فتلك ظلـمات بعضها فوق بعض.

وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل.

ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنا أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس، قوله:{ أوْ كَظُلُـماتٍ فِـي بَحْرٍ لُـجِّىّ يَغْشاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سحَابٌ}... إلـى قوله:{ مِنْ نُورٍ } قال: يعنـي بـالظلـمات: الأعمال، وبـالبحر اللُّـجيّ: قلب الإنسان. قال: يغشاه موج من فوقه موج من فوقه سحاب، قال: ظلـمات بعضها فوق بعض يعنـي بذلك الغشاوة التـي علـى القلب والسمع والبصر.

وهو كقوله:{ خَتَـمَ اللّهُ عَلـى قُلُوبِهِمْ}... الآية، وكقوله:{ أفَرأيْتَ مَنِ اتَّـخَذَ إلهَهُ هَوَاهُ}... إلـى قوله:{ {أفَلا تَذَكَّرُونَ}.

حدثنا الـحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قَتادة، فـي قوله:{ أوْ كَظُلُـماتٍ فِـي بَحْرِ لـجِّيّ } عميق، وهو مثل ضربه الله للكافر يعمل فـي ضلالة وحيرة، قال:{ ظُلُـماتٌ بَعْضُها فَوْقَ بَعْض}. ورُوِيِ عن أُبـيّ بن كعب، ما:

حدثنـي عبد الأعلـى بن واصل، قال: ثنا عبـيد الله بن موسى، قال: أخبرنا أبو جعفر الرازيّ، عن الربـيع، عن أبـي العالـية، عن أبـيّ بن كعب، فـي قوله:{ أوْ كُظُلُـماتٍ فِـي بَحْرٍ لُـجِّىَ يَغْشاهُ مَوْجٌ}... الآية، قال: ضرب مثلاً آخر للكافر، فقال:{ أوْ كُظُلُـماتٍ فِـي بَحْرٍ لُـجِّيّ}... الآية، قال: فهو يتقلب فـي خمس من الظُّلَـم: فكلامه ظلـمة، وعمله ظلـمة، ومَدخـله ظلـمة، ومَخرجه ظلـمة، ومصيره إلـى الظلـمات يوم القـيامة إلـى النار.

رق] حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن أبـي جعفر الرازيّ، عن أبـي الربـيع، عن أبـي العالـية، عن أُبـيّ بن كعب، بنـحوه.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد فـي قوله:{ أو كَظُلُـماتٍ فِـي بَحْرِ لُـجِّىّ يَغْشاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ}... إلـى قوله:{ ظُلُـماتٌ بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ } قال: شرّ بعضه فوق بعض.

وقوله:{ إذَا أخْرَجَ يَدَهُ لَـمْ يَكَدْ يَرَاها } يقول: إذا أخرج الناظر يده فـي هذه الظلـمات، لـم يكد يراها.

فإن قال لنا قائل: وكيف قـيـل: لـم يكد يراها، مع شدّة هذه الظلـمة التـي وصف، وقد علـمت أن قول القائل: لـم أكد أرى فلانا، إنـما هو إثبـات منه لنفسه رؤيته بعد جهد وشدّة، ومن دون الظلـمات التـي وصف فـي هذه الآية ما لا يرى الناظر يده إذا أخرجها فـيه، فكيف فـيها؟ قـيـل: فـي ذلك أقوال نذكرها، ثم نـخبر بـالصواب من ذلك. أحدها: أن يكون معنى الكلام: إذا أخرج يده رائياً لها لـم يكد يراها أي لـم يعرف من أين يراها فيكون من المقدم الذي معناه التأخير ويكون تأويل الكلام على ذلك إذ خرج يده لم يقرب إن يراها. والثانـي: أن يكون معناه: إذا أخرج يده لـم يرها، ويكون قوله: {لَـمْ يَكَدْ} فـي دخوله فـي الكلام، نظير دخول الظنّ فـيـما هو يقـين من الكلام، كقوله:

{ وَظَنُّوا ما لَهُمْ مِنْ مَـحِيصٍ }ونـحو ذلك. والثالث: أن يكون قد رآها بعد بطء وجهد، كما يقول القائل لآخر: ما كدت أراك من الظلـمة، وقد رآه، ولكن بعد إياس وشدة. وهذا القول الثالث أظهر معانـي الكلـمة من جهة ما تستعمل العرب «أكاد» فـي كلامها. والقول الآخر الذي قلنا إنه يتوجه إلـى أنه بـمعنى لـم يرها، قول أوضح من جهة التفسير، وهو أخفـى معانـيه. وإنـما حسُنَ ذلك فـي هذا الـموضع، أعني أن يقول: لـم يكد يراها مع شدة الظلمة التي ذكر لأن ذلك مَثَل لا خبر عن كائن كان.{ وَمَنْ لَـمْ يَجْعَلِ اللّهُ لَهُ نُوراً} يقول: من من لـم يرزقه الله إيـماناً وهدى من الضلالة ومعرفة بكتابه،{ فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ } يقول: فما له من إيـمان وهدى ومعرفة بكتابه.

أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُۥ مَن فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَٱلطَّيْرُ صَٰٓفَّٰتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُۥ وَتَسْبِيحَهُۥ وَٱللَّهُ عَلِيمٌۢ بِمَا يَفْعَلُونَ ۝٤١ وَلِلَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَإِلَى ٱللَّهِ ٱلْمَصِيرُ ۝٤٢

يقول تعالـى ذكره لنبـيه مـحمد صلى الله عليه وسلم: ألـم تنظر يا مـحمد بعين قلبك فتعلـم أن الله يصلـي له من فـي السموات والأرض من مَلَك وإنس وجنّ. {والطَّيْرُ صَافَّـاتٍ } فـي الهواء أيضا تسبح له.{ كُلٌّ قَدْ عَلِـمَ صَلاتَهُ وَتَسْبِـيحَه} والتسبـيح عندك صلاة، فـيقال: قـيـل: إن الصلاة لبنـي آدم والتسبـيح لغيرهم من الـخـلق، ولذلك فصّل فـيـما بـين ذلك.

وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل.

ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنـي عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء جميعاً، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، قوله: {يُسَّبِّحُ لَهُ مَنْ فِـي السَّمَوَاتِ والأرْضِ والطَّيْرُ صَافَّـات كُلّ قَدْ عَلِـمَ صَلاتَهُ وَتَسْبِـيحَهُ} قال: والصلاة للإنسان، والتسبـيح لـما سوى ذلك من الـخـلق.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مـجاهد: قوله:{ أَلَـمْ تَرَ أنَّ اللّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِـي السَّمَوَاتِ والأرْضِ والطَّيْرُ صَافَّـاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِـمَ صَلاتَهُ وَتَسْبِـيحَهُ } قال: صلاته: للناس، وتسبـيحه: عامة لكلّ شيء.

ويتوجه قوله:{ كُلٌّ قَدْ عَلِـمَ صَلاتَهُ وَتَسْبِـيحَهُ } لوجوه: أحدها: أن تكون الهاء التـي فـي قوله:{ صَلاتَهُ وَتَسْبِـيحَهُ } من ذكر «كلّ»، فـيكون تأويـل الكلام: كل مصلّ ومسبح منهم قد علـم الله صلاته وتسبـيحه، ويكون «الكلّ» حينئذٍ مرتفعاً بـالعائد من ذكره فـي قوله:{ كُلٌّ قَدْ عَلِـمَ صَلاتَهُ وَتَسْبِـيحَهُ}، وهو الهاء التـي فـي الصلاة.

والوجه الآخر: أن تكون الهاء فـي الصلاة والتسبـيح أيضاً ل«الكلّ»، ويكون «الكلّ» مرتفعاً بـالعائد من ذكره علـيه فـي: {عَلِـمَ}، ويكون: {عَلِـمَ} فعلاً ل«الكلّ»، فـيكون تأويـل الكلام حينئذٍ: قد علـم كلّ مصلّ ومسبح منهم صلاة نفسه وتسبـيحه الذي كُلِّفه وأُلْزمه.

والوجه الآخر: أن تكون الهاء فـي الصلاة والتسبـيح من ذكر الله، والعلـم ل«الكل»، فـيكون تأويـل الكلام حينئذٍ: قد علـم كلّ مسبِّح ومُصَلّ صلاة الله التـي كلّفه إياها، وتسبـيحه. وأظهر هذه الـمعانـي الثلاثة علـى هذا الكلام الـمعنى الأوّل، وهو أن يكون الـمعنى: كلّ مصلّ منهم ومسبِّح، قد علـم الله صلاته وتسبـيحه.

وقوله: {وَاللّهُ عَلِـيـمٌ بِـما يَفْعَلُونَ } يقول تعالـى ذكره: والله ذو علـم بـما يفعل كلّ مصلّ ومسبح منهم، لا يخفـى علـيه شيء من أفعالهم، طاعتها ومعصيتها، مـحيط بذلك كله، وهو مـجازيهم علـى ذلك كله.

وقوله:{ وَلِلّهِ مُلْكُ السَّمَوَاتِ والأرْضِ } يقول جلّ ثناؤه: ولله سلطان السموات والأرض وملكها، دون كلّ من هو دونه من سلطان وملِك، فإياه فـارهبوا أيها الناس، وإلـيه فـارغبوا لا إلـى غيره، فإن بـيده خزائن السموات والأرض، لا يخشى بعطاياكم منها فقراً. {وَإلـى اللّهِ الـمَصِيرُ}: يقول: وأنتـم إلـيه بعد وفـاتكم، مصيركم ومَعادكم، فـيوفـيكم أجور أعمالكم التـي عملتـموها فـي الدنـيا، فأحسنوا عبـادته، واجتهدوا فـي طاعته، وقدّموا لأنفسكم الصالـحاتِ من الأعمال.

أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ يُزْجِى سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُۥ ثُمَّ يَجْعَلُهُۥ رُكَامًا فَتَرَى ٱلْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَٰلِهِۦ وَيُنَزِّلُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مِن جِبَالٍ فِيهَا مِنۢ بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِۦ مَن يَشَآءُ وَيَصْرِفُهُۥ عَن مَّن يَشَآءُ يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِۦ يَذْهَبُ بِٱلْأَبْصَٰرِ ۝٤٣ يُقَلِّبُ ٱللَّهُ ٱلَّيْلَ وَٱلنَّهَارَ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَعِبْرَةً لِّأُو۟لِى ٱلْأَبْصَٰرِ ۝٤٤

يقول تعالـى ذكره لنبـيه مـحمد صلى الله عليه وسلم:{ ألَـمْ تَرَ } يا مـحمد{ أنَّ اللّهَ يُزْجِي} يعنـي يسوق {سَحَابـاً} حيث يريد. {ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَـيْنَهُ}: يقول: ثم يؤلف بـين السحاب. وأضاف «بـين» إلـى السحاب، ولـم يذكر معه غيره، و«بـين» لا تكون مضافة إلا إلـى جماعة أو اثنـين، لأن السحاب فـي معنى جمع، واحده سحابة، كما يجمع النـخـلة: نَـخْـل، والتـمرة: تـمر، فهو نظير قول قائل: جلس فلان بـين النـخـل. وتألـيفُ الله السحاب: جمعه بـين متفرّقها.

وقوله:{ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكاماً} يقول: ثم يجعل السحاب الذي يزجيه ويؤلف بعضه إلـى بعض {رُكاماً} يعنـي: متراكماً بعضه علـى بعض. وقد:

حدثنا عبد الـحميد بن بـيان، قال: أخبرنا خالد، قال: ثنا مطر، عن حبـيب بن أبـي ثابت، عن عُبـيد بن عُمير اللـيثـيّ، قال: الرياح أربع: يبعث الله الريح الأولـى فتقمّ الأرض قَمًّا، ثم يبعث الثانـية فتنشىء سحابـاً، ثم يبعث الثالثة فتؤلف بـينه فتـجعله رُكاماً، ثم يبعث الرابعة فتـمطره.

وقوله:{ فَتَرى الوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلاِلِهِ} يقول: فترى الـمطر يخرج من بـين السحاب، وهو الوَدْق، قال الشاعر:

فَلا مُزْنَةٌ وَدَقَتْ وَدْقَها وَلا أرْضَ أبْقَلَ إبْقَالَهَا

والهاء فـي قوله: {مِنْ خِلالِهِ} من ذكر السحاب، والـخلال: جمع خَـلَل. وذُكر عن ابن عبـاس وجماعة أنهم كانوا يقرءون ذلك: «مِنْ خَـلَلَهِ».

حدثنا ابن الـمثنى، قال: ثنا حِرْميّ بن عُمارة، قال: ثنا شعبة، قال: ثنا قَتادة، عن الضحاك بن مزاحم أنه قرأ هذا الـحرف:{ فَتَرى الوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ}: «مِنْ خَـلَلِهِ».

قال: ثنا شُعبة، قال: أخبرنـي عُمارة، عن رجل، عن ابن عبـاس، أنه قر هذا الـحرف:{ فَتَرى الوَدْقَ يَخْرجُ مِنْ خِلالِهِ}: «من خَـلَله».

حدثنا أحمد بن يوسف، قال: ثنا القاسم، قال: ثنا حجاج، عن هارون، قال: أخبرنـي عُمارة بن أبـي حفصة، عن رجل، عن ابن عبـاس، أنه قرأها: «مِنْ خَـلَلِهِ» بفتـح الـخاء، من غير ألف.

قال هارون: فذكرت ذلك لأبـي عمرو، فقال: إنها لـحسنة، ولكن خِلاله أعمّ.

وأما قرّاء الأمصار، فإنهم علـى القراءة الأخرى:{ مِنْ خِلاَلِهِ } وهي التـي نـختار، لإجماع الـحجة من القراء علـيها.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله:{ فَتَرى الوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ } قال: الودّق: القطر، والـخِلال: السحاب.

وقوله:{ وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ مِنْ جِبـالٍ فِـيها مِنْ بَرَدٍ}: قـيـل فـي ذلك قولان: أحدهما: أن معناه: وأن الله ينزل من السماء من جبـال فـي السماء من بَرَد، مخـلوقة هنالك خـلقه. كأن الـجبـال علـى هذا القول، هي من بَرَد، كما يقال: جبـال من طين. والقول الآخر: أن الله ينزل من السماء قَدْر جبـال وأمثال جبـال من بَرَد إلـى الأرض، كما يقال: عندي بَـيْتان تبناً. والـمعنى: قدر بـيتـين من التبن، والبـيتان لـيسا من التبن.

وقوله: {فَـيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشاءُ وَيَصْرِفُهُ عَمَّنْ يَشاءُ} يقول: فـيعذّب بذلك الذي ينزل من السماء من جبـال فـيها من بَرَد من يشاء فـيهلكه، أو يهلك به زروعه وماله.{ وَيَصْرِفُهُ عَمَّنْ يَشاءُ} من خـلقه، يعنـي عن زروعهم وأموالهم.

وقوله:{ يَكادُ سَنا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بـالأبْصَارِ} يقول: يكاد شدّة ضوء برق هذا السحاب يذهب بأبصار من لاقـى بصره. والسنا: مقصور، وهو ضوء البرق. كما:

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جُرَيج، عن عطاء الـخُراسانـيّ، عن ابن عبـاس، قوله:{ يَكادُ سَنا بَرْقِهِ} قال: ضوء برقه.

حدثنا الـحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قَتادة، فـي قوله:{ يَكادُ سَنا بَرْقِهِ} يقول: لَـمَعان البرق يذهب بـالأبصار.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله:{ يَكادُ سَنا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بـالأبْصَارِ } قال: سناه: ضوء يذهب بـالأبصار.

وقرأت قرّاء الأمصار:{ يَكادُ سَنا بَرْقِهِ يَذْهَبُ } بفتـح الـياء من «يَذْهب»، سوى أبـي جعفر القارىء فإنه قرأه بضم الـياء: «يُذْهِبُ بـالأبْصَارِ».

والقراءة التـي لا أختار غيرها هي فتـحها، لإجماع الـحجة من القرّاء علـيها، وأن العرب إذا أدخـلت البـاء فـي مفعول «ذهبت»، لـم يقولوا: إلا ذهب به، دون أذهبت به. وإذا أدخـلوا الألف فـي «أذهبت»، لـم يكادوا أن يدخـلوا البـاء فـي مفعوله، فـيقولون: أذهبته، وذهبت به.

وقوله:{ يُقَلِّبُ اللّهُ اللَّـيْـلَ والنَّهارَ } يقول: يُعْقِب الله بـين اللـيـل والنهار ويصرفهما، إذا أذهب هذا جاء هذا، وإذا أَذهب هذا جاء هذا.{ إنَّ فِـي ذلكَ لَعِبْرَةً لاِولـي الأبْصَارِ} يقول: إنّ فـي إنشاء الله السحاب وإنزاله منه الوَدّقَ ومن السماء البردَ وفـي تقلـيبه اللـيـل والنهار، لعبرةً لـمن اعتبر به وعظةً لـمن اتعظ به مـمن له فهم وعقل لأن ذلك ينبىء ويدلّ علـى أنه له مدبِّراً ومصرِّفـاً ومقلِّبـاً، لا يشبهه شيء.

وَٱللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَآبَّةٍ مِّن مَّآءٍ فَمِنْهُم مَّن يَمْشِى عَلَىٰ بَطْنِهِۦ وَمِنْهُم مَّن يَمْشِى عَلَىٰ رِجْلَيْنِ وَمِنْهُم مَّن يَمْشِى عَلَىٰٓ أَرْبَعٍ يَخْلُقُ ٱللَّهُ مَا يَشَآءُ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ ۝٤٥

اختلفت القرّاء فـي قراءة قوله:{ وَاللّهُ خَـلَق كُلّ دابَّةٍ مِنْ ماءٍ } فقرأته عامة قرّاء الكوفة غير عاصم: «وَاللّهْ خالِقُ كُلِّ دَابَّةٍ». وقرأته عامة قرّاء الـمدينة والبصرة وعاصم:{ وَاللّهُ خَـلَقَ كُلَّ دابَّةٍ } بنصب «كلّ»، و«خَـلَقَ» علـى مثال «فَعَل». وهما قراءتان مشهورتان متقاربتا الـمعنى، وذلك أن الإضافة فـي قراءة من قرأ ذلك «خالق» تدلّ علـى أن معنى ذلك الـمضيّ، فبأيتهما قرأ القارىء فمصيب. وقوله:{ خَـلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ ماءٍ} يعنـي: من نطفة. {فَمِنْهُمْ مَنْ يَـمْشِي عَلـى بَطْنِهِ} كالـحيات وما أشبهها. وقـيـل إنـما قـيـل:{ فَمِنْهُمْ مَنْ يَـمْشِي عَلـى بَطْنِهِ} والـمشي لا يكون علـى البطن لأن الـمشي إنـما يكون لـما له قوائم، علـى التشبـيه، وأنه لـما خالط ما له قوائمُ ما لا قوائمَ له، جاز، كما قال:{ وَمِنْهُمْ مَنْ يَـمْشِي عَلـى رِجْلَـيْنِ} كالطير، {وَمِنْهُمْ مَنْ يَـمْشِي عَلـى أرْبَعٍ كالبهائم}.

فإن قال قائل: فكيف قـيـل: فمنهم من يـمشي، و«مَن» للناس، وكلّ هذه الأجناس أو أكثرها لغيرهم؟ قـيـل: لأنه تفريق ما هو داخـل فـي قوله:{ وَاللّهُ خَـلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ} وكان داخلاً فـي ذلك الناس وغيرهم، ثم قال: فمنهم لاجتـماع الناس والبهائم وغيرهم فـي ذلك واختلاطهم، فكنى عن جميعهم كنايته عن بنـي آدم، ثم فسرهم ب«مَن»، إذ كان قد كنى عنهم كناية بنـي آدم خاصة. {يَخْـلُقُ اللّهُ ما يَشاءُ} يقول: يحدث الله ما يشاء من الـخـلق.{ إنَّ اللّهَ عَلـى كُلّ شَيْءٍ قَديرٌ} يقول: إن الله علـى إحداث ذلك وخـلقه وخـلق ما يشاء من الأشياء غيره، ذو قدرة لا يتعذّر علـيه شيء أراد.

لَّقَدْ أَنزَلْنَآ ءَايَٰتٍ مُّبَيِّنَٰتٍ وَٱللَّهُ يَهْدِى مَن يَشَآءُ إِلَىٰ صِرَٰطٍ مُّسْتَقِيمٍ ۝٤٦

يقول تعالـى ذكره: لقد أنزلنا أيُّها الناس علامات واضحات، دالاّت علـى طريق الـحقّ، وسبـيـل الرشاد.{ وَاللّهُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إلـى صِراطٍ مُسْتَقِـيـمٍ } يقول: والله يرشد من يشاء من خـلقه بتوفـيقه، فـيهديه إلـى دين الإسلام، وهو الصراط الـمستقـيـم والطريق القاصد الذي لا اعوجاج فـيه.

وَيَقُولُونَ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ وَبِٱلرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّىٰ فَرِيقٌ مِّنْهُم مِّنۢ بَعْدِ ذَٰلِكَ وَمَآ أُو۟لَٰٓئِكَ بِٱلْمُؤْمِنِينَ ۝٤٧ وَإِذَا دُعُوٓا۟ إِلَى ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُم مُّعْرِضُونَ ۝٤٨

يقول تعالـى ذكره: ويقول الـمنافقون: صدّقنا بـالله وبـالرسول وأطعنا الله وأطعنا الرسول. {ثُمَّ يَتَوَلَّـى فريق مِنْهُمْ} يقول: ثم تُدْبِر كلّ طائفة منهم من بعد ما قالوا هذا القول عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتدعو إلـى الـمـحاكمة إلـى غيره خصمَها.{ وَما أُولَئِكَ بـالـمُؤْمِنِـينَ} يقول: ولـيس قائلو هذه الـمقالة، يعنـي قوله:{ آمَنَّا بـاللّهِ وَبـالرَّسُولِ وأطَعْنا } بـالـمؤمنـين، لتركهم الاحتكام إلـى رسول الله صلى الله عليه وسلم وإعراضهم عنه إذا دُعُوا إلـيه. وقوله:{ وَإذَا دُعُوا إلـى اللّهِ وَرَسُولِهِ } يقول: وإذا دُعِي هؤلاء الـمنافقون إلـى كتاب الله وإلـى رسوله{ لِـيَحْكُمَ بَـيْنَهُمْ} فـيـما اختصموا فـيه بحكم الله،{ إذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ } عن قبول الـحقّ والرضا بحكم رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وَإِن يَكُن لَّهُمُ ٱلْحَقُّ يَأْتُوٓا۟ إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ ۝٤٩ أَفِى قُلُوبِهِم مَّرَضٌ أَمِ ٱرْتَابُوٓا۟ أَمْ يَخَافُونَ أَن يَحِيفَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُۥ بَلْ أُو۟لَٰٓئِكَ هُمُ ٱلظَّٰلِمُونَ ۝٥٠

يقول تعالـى ذكره: وإن يكن الـحقّ لهؤلاء الذين يدعون إلـى الله ورسوله لـيحكم بـينهم، فـيأبَون ويُعْرِضون عن الإجابة إلـى ذلك، قِبَلَ الذين يدعونهم إلـى الله ورسوله، يأتوا إلـى رسول الله مذعنـين، يقول{ مُذْعِنِـينَ } منقادين لـحكمه، مقرّين به طائعين غير مكرهين يقال منه: قد أذعن فلان بحقه: إذا أقرّ به طائعاً غير مستكْرَه وانقاد له وسلَّـم. وكان مـجاهد فـيـما ذكر عنه يقول فـي ذلك، ما:

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مـجاهد، قوله:{ يَأْتُوا إلَـيهِ مُذْعِنِـينَ } قال: سِراعاً.

وقوله:{ أفِـي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ } يقول تعالـى ذكره: أفـي قلوب هؤلاء الذين يُعْرِضون إذا دُعُوا إلـى الله ورسوله لـيحكم بـينهم، شكٌّ فـي رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه لله رسول فهم يـمتنعون من الإجابة إلـى حكمه والرضا به.{ أمْ يَخافُونَ أن يَحِيفَ اللّهُ عَلَـيْهِمْ وَرَسُولُهُ } إذا احتكموا إلـى حكم كتاب الله وحكم رسوله. وقوله:{ أن يَحيفَ اللّهُ عَلَـيْهِمْ وَرَسُولُهُ} والـمعنى: أن يحيف رسولُ الله علـيهم، فبدأ بـالله تعالـى ذكره تعظيـماً لله، كما يقال: ما شاء الله ثم شئت، بـمعنى: ما شئت. ومـما يدلّ علـى أن معنى ذلك كذلك قوله:{ وَإذَا دُعُوا إلـى اللّهِ وَرَسُولهِ لِـيَحْكُمَ بَـيْنَهُمْ } فأفرد الرسول بـالـحكم، ولـم يقُل: لـيحكما. وقوله:{ بَلْ أُولَئِكَ هُمُ الظَّالِـمُونَ } يقول: ما خاف هؤلاء الـمعرضون عن حكم الله وحكم رسوله، إذ أعرضوا عن الإجابة إلـى ذلك، مـما دُعوا إلـيه، أن يحيف علـيهم رسول الله، فـيجورَ فـي حكمه علـيهم ولكنهم قوم أهل ظلـم لأنفسهم بخلافهم أمر ربهم ومعصيتهم الله فـيـما أمرهم من الرضا بحكم رسول الله صلى الله عليه وسلم فـيـما أحبوا وكرهوا، والتسلـيـم له.

إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ ٱلْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوٓا۟ إِلَى ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَن يَقُولُوا۟ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُو۟لَٰٓئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ ۝٥١

يقول تعالى ذكره: إنـما كان ينبغي أن يكون قول الـمؤمنـين إذا دُعُوا إلـى حكم الله وإلـى حكم رسوله،{ لِـيَحْكُمَ بَـيْنَهُمْ} وبـين خصومهم،{ أنْ يَقُولُوا سَمِعْنا} ما قـيـل لنا،{ وأطَعْنا } من دعانا إلـى ذلك. ولـم يُعْنَ بكان فـي هذا الـموضع الـخبر عن أمر قد مضى فـيقضى، ولكنه تأنـيب من الله الذي أُنزلت هذه الآية بسببهم وتأديب منه آخرين غيرهم. وقوله:{ وأُولَئِكَ هُمُ الـمُفْلِـحُونَ } يقول تعالـى ذكره: والذين إذا دُعوا إلـى الله ورسوله لـيحكم بـينهم وبـين خصومهم، أن يقولوا: سمعنا وأطعنا. {الـمفلـحون}: يقول: هم الـمنـجِحون الـمدّركون طَلِبـاتهم، بفعلهم ذلك، الـمخـلدون فـي جنات الله.

وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَيَخْشَ ٱللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُو۟لَٰٓئِكَ هُمُ ٱلْفَآئِزُونَ ۝٥٢

يقول تعالـى ذكره: {ومن يطع الله ورسوله} فـيـما أمره ونهاه، ويسلِّـمْ لـحكمهما له وعلـيه، ويَخَفْ عاقبة معصية الله ويحذره، ويتق عذاب الله بطاعته إياه فـي أمره ونهيه{ فَأُولَئِكَ } يقول: فـالذين يفعلون ذلك هم الفـائزون برضا الله عنهم يوم القـيامة وأمنهم من عذابه.

وَأَقْسَمُوا۟ بِٱللَّهِ جَهْدَ أَيْمَٰنِهِمْ لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ لَيَخْرُجُنَّ قُل لَّا تُقْسِمُوا۟ طَاعَةٌ مَّعْرُوفَةٌ إِنَّ ٱللَّهَ خَبِيرٌۢ بِمَا تَعْمَلُونَ ۝٥٣

يقول تعالـى ذكره: وحلف هؤلاء المعرِضون عن حكم الله وحكم رسوله إذ دعوا إلـيه {بـاللّهِ جَهْدَ أيـمَانِهِمْ} يقول: أغلظ أيـمانهم وأشدّها:{ لَئِنْ أمَرْتَهُمْ } يا مـحمد بـالـخروج إلـى جهاد عدوّك وعدوّ الـمؤمنـين{ لَـيَخْرُجُنَّ قُلْ لا تُقْسمُوا } لا تـحلفوا، فإن هذه{ طاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ } منكم، فـيها التكذيب. كما:

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مـجاهد، قوله:{ قُلْ لا تُقْسِمُوا طاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ} قال: قد عُرفت طاعتكم إلـيَّ أنكم تكذبون.{ إنَّ اللّهَ خَبـيرٌ بِـمَا تَعْمَلُونَ} يقول: إن الله ذو خبرة بـما تعملون من طاعتكم الله ورسوله، أو خلافكم أمرهما أو غير ذلك من أموركم، لا يخفـي علـيه من ذلك شيء، وهو مـجازيكم بكل ذلك.

قُلْ أَطِيعُوا۟ ٱللَّهَ وَأَطِيعُوا۟ ٱلرَّسُولَ فَإِن تَوَلَّوْا۟ فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُم مَّا حُمِّلْتُمْ وَإِن تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا۟ وَمَا عَلَى ٱلرَّسُولِ إِلَّا ٱلْبَلَٰغُ ٱلْمُبِينُ ۝٥٤

يقول تعالـى ذكره:{ قُلْ} يا مـحمد لهؤلاء الـمقسمين بـالله جهد أيـمانهم لئن أمرتهم لـيُخرجُنّ وغيرهم من أمتك:{ أطِيعُوا اللّهَ } أيها القوم فـيـما أمركم به ونهاكم عنه.{ وأطِيعُوا الرَّسُولَ} فإن طاعته لله طاعة.{ فإن تَوَلَّوْا} يقول: فإن تُعْرِضوا وتُدْبِروا عما أمركم به رسول الله صلى الله عليه وسلم أو نهاكم عنه، وتأبَوا أن تُذْعنوا لـحكمه لكم وعلـيكم.{ فإنَّـمَا عَلَـيْهِ ما حُمِّلَ } يقول: فإنـما علـيه فعل ما أُمِر بفعله من تبلـيغ رسالة الله إلـيكم، علـى ما كلَّفه من التبلـيغ.{ وَعَلَـيْكُمْ ما حُمِّلْتُـمْ } يقول: وعلـيكم أيها الناس أن تفعلوا ما أَلزمكم وأوجب علـيكم من اتبـاع رسوله صلى الله عليه وسلم والانتهاء إلـى طاعته فـيـما أمركم ونهاكم.

وقلنا: إن قوله:{ فإنْ تَوَلَّوْا} بـمعنى: فإن تتولوا، فإنه فـي موضع جزم لأنه خطاب للذين أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن يقول لهم:{ أطِيعُوا اللّهَ وأطِيعُوا الرَّسُولَ } يدلّ علـى أن ذلك كذلك قوله:{ وَعَلَـيْكُمْ ما حُمِّلْتـمْ}، ولو كان قوله:{ تَوَلَّوْا } فعلاً ماضياً علـى وجه الـخبر عن غيب، لكان فـي موضع قوله:{ وَعَلَـيْكُمْ ما حُمِّلْتُـمْ وَعَلَـيْهِمْ ما حُمِّلُوا}.

وقوله:{ وَإنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا } يقول تعالـى ذكره: وإن تطيعوا أيها الناس رسول الله فـيـما يأمركم وينهاكم، تَرْشُدوا وتصيبوا الـحقّ فـي أموركم.{ وَما عَلـى الرَّسُولِ إلاَّ البَلاغُ الـمُبِـينُ} يقول: وغير واجب علـى من أرسله الله إلـى قوم برسالة إلا أن يبلِّغهم رسالته بلاغاً يبـين لهم ذلك البلاغ عما أراد الله به، يقول: فلـيس علـى مـحمد أيها الناس إلا أداء رسالة الله إلـيكم وعلـيكم الطاعة وإن أطعتـموه لـحظوظ أنفسكم تصيبون، وإن عصيتـموه بأنفْسكم فتوبقون.

وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ مِنكُمْ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّٰلِحَٰتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِى ٱلْأَرْضِ كَمَا ٱسْتَخْلَفَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ ٱلَّذِى ٱرْتَضَىٰ لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّنۢ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِى لَا يُشْرِكُونَ بِى شَيْـًٔا وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَٰلِكَ فَأُو۟لَٰٓئِكَ هُمُ ٱلْفَٰسِقُونَ ۝٥٥

يقول تعالـى ذكره:{ وَعَدَ اللّهُ الَّذِين آمَنُوا } بـالله ورسوله{ مِنْكُمْ} أيها الناس،{وَعمِلُوا الصَّالِـحاتِ } يقول: وأطاعوا الله ورسوله فـيـما أمراه ونهياه {لَـيَسْتَـخْـلِفَنَّهُمْ فِـي الأرْضِ } يقول: لَـيُورثنهم الله أرض الـمشركين من العرب والعجم، فـيجعلهم ملوكها وساستها.{ كمَا اسْتَـخْـلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ} يقول: كما فعل من قبلهم ذلك ببنـي إسرائيـل، إذ أهلك الـجبـابرة بـالشأم وجعلهم ملوكها وسكانها. {وَلَـيُـمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ } يقول: ولـيوطئنّ لهم دينهم، يعنـي ملتهم التـي ارتضاها لهم فأمرهم بها. وقـيـل: وعد الله الذين آمنوا، ثم تلقـى ذلك بجواب الـيـمين بقوله:{لَـيَسْتَـخْـلفنَّهُمْ } لأن الوعد قول يصلـح فـيه «أن»، وجواب الـيـمين كقوله: وعدتك أن أكرمك، ووعدتك لأكرمنك.

واختلف القرّاء فـي قراءة قوله:{ كمَا اسْتَـخْـلَفَ} فقرأته عامة القرّاء: كمَا اسْتَـخْـلَفَ بفتـح التاء واللام، بـمعنى: كما استـخـلف الله الذين من قبلهم من الأمـم. وقرأ ذلك عاصم: «كمَا اسْتُـخْـلِفَ» بضم التاء وكسر اللام، علـى مذهب ما لـم يْسَمَّ فـاعله.

واختلفوا أيضا فـي قراءة قوله:{ وَلَـيُبَدِّلَنَّهُمْ } فقرأ ذلك عامة قرّاء الأمصار سوى عاصم:{ وَلَـيُبْدّلنَّهُمْ } بتشديد الدال، بـمعنى: ولـيغِّيرَنّ حالهم عما هي علـيه من الـخوف إلـى الأمن، والعرب تقول: قد بُدِّل فلان: إذا غيرت حاله ولـم يأت مكان فلان غيره، وكذلك كلّ مغير عن حاله فهو عندهم مبدَّل بـالتشديد. وربـما قـيـل بـالتـخفـيف، ولـيس بـالفصيح. فأما إذا جعل مكان الشيء الـمبدل غيره، فذلك بـالتـخفـيف: أَبْدلته فهو مُبْدَل. وذلك كقولهم: أُبدل هذا الثوب: أي جُعِل مكانه آخر غيره، وقد يقال بـالتشديد غير أن الفصيح من الكلام ما وصفت. وكان عاصم يقرؤه: «وَلَـيُبْدِلَنَّهُمْ» بتـخفـيف الدال.

والصواب من القراءة فـي ذلك: التشديد، علـى الـمعنى الذي وصفت قبلُ، لإجماع الـحجة من قرّاء الأمصار علـيه، وأن ذاك تغيـير حال الـخوف إلـى الأمن. وأرى عاصماً ذهب إلـى أن الأمن لـما كان خلاف الـخوف وجَّه الـمعنى إلـى أنه ذهب بحال الـخوف وجاء بحال الأمن، فخفَّف ذلك.

ومن الدلـيـل علـى ما قلنا من أن التـخفـيف إنـما هو ما كان فـي إبدال شيء مكان آخر، قول أبـي النـجم:

عَزْلُ الأمِيرِ للأَمَيرِ الـمُبْدَلِ

وقوله:

{ يَعْبُدُونَنـي } يقول: يخضعون لـي بـالطاعة ويتذللون لأمري ونهيـي.{ لا يُشْرِكُونَ بِـي شَيْئاً} يقول: لا يشركون فـي عبـادتهم إياي الأوثان والأصنام ولا شيئا غيرها، بل يخـلصون لـي العبـادة فـيفردونها إلـيّ دون كلّ ما عُبد من شيء غيري. وذُكر أن هذه الآية نزلت علـى رسول الله صلى الله عليه وسلم من أجل شكاية بعض أصحابه إلـيه فـي بعض الأوقات التـي كانوا فـيها من العدوّ فـي خوف شديد مـما هُمْ فـيه من الرُّعب والـخوف وما يَـلْقَون بسبب ذلك من الأذى والـمكروه. ذكر الرواية بذلك:

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن أبـي جعفر، عن الربـيع، عن أبـي العالـية، قوله:{ وَعَدَ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِـحات}... الآية، قال: فمكث النبـيّ صلى الله عليه وسلم عَشْر سنـين خائفـاً يدعو إلـى الله سرّاً وعلانـية، قال: ثم أُمر بـالهجرة إلـى الـمدينة. قال: فمكث بها هو وأصحابه خائفون، يُصبحون فـي السلاح ويُـمسون فـيه، فقال رجل: ما يأتـي علـينا يوم نأمن فـيه ونضع عنا السلاج فقال النبـي صلى الله عليه وسلم:

لا تَغْبُرُونَ إلاَّ يَسِيراً حتـى يَجْلِسَ الرَّجُلُ مِنْكُمْ فِـي الـمَلإ العَظيـمِ مُحْتَبِياً فِيهِ لَيْسَ فِـيهِ حَدِيدَةٌ. فأنزل الله هذه الآية:{ وَعَدَ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ}... إلـى قوله: {فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذلكَ} قال: يقول: من كفر بهذه النعمة {فَأُولَئِكَ هُمُ الفـاسقُونَ} ولـيس يعنـي الكفر بـالله. قال: فأظهره الله علـى جزيرة العرب، فآمنوا، ثم تـجَبِّروا، فغَيّر الله ما بهم. وكفروا بهذه النعمة، فأدخـل الله علـيهم الـخوف الذي كان رفعه عنهم قال القاسم: قال أبو علـيّ: بقتلهم عثمان بن عفـان رضي الله عنه

واختلف أهل التأويـل فـي معنى الكفر الذي ذكره الله فـي قوله:{ فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذلكَ} فقال أبو العالـية ما ذكرنا عنه من أنه كفر بـالنعمة لا كفر بـالله. ورُوى عن حُذيفة فـي ذلك ما:

حدثنا به ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفـيان، عن حبـيب بن أبـي الشعثاء، قال: كنت جالساً مع حُذيفة وعبد الله بن مسعود، فقال حُذيفة: ذهب النفـاق، وإنـما كان النفـاق علـى عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإنـما هو الكفر بعد الإيـمان قال: فضحك عبد الله، فقال: لـم تقول ذلك؟ قال: علـمت ذلك، قال:{ وَعَدَ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِـحاتِ لَـيَسْتَـخْـلِفَنَّهُمْ فِـي الأرْضِ}... حتـى بلغ آخرها.

حدثنا ابن الـمثنى، قال: ثنا ابن أبـي عديّ، قال: ثنا شعبة، عن أبـي الشَّعْثاء، قال: قعدت إلـى ابن مسعود وحُذيفة، فقال حذيفة: ذهب النِّفـاق فلا نفـاق، وإنـما هو الكفر بعد الإيـمان فقال عبد الله: تعلـم ما تقول؟ قال: فتلا هذه الآية:{ إنَّـمَا كانَ قَوْلَ الـمُؤْمِنِـينَ}... حتـى بلغ:{ فَأُولَئِكَ هُمُ الفـاسقُونَ } قال: فضحك عبد الله. قال: فلقـيت أبـا الشعثاء بعد ذلك بأيام، فقلت: من أيّ شيء ضحك عبد الله؟ قال: لا أدري، إن الرجل ربـما ضحك من الشيء الذي يُعْجبه وربـما ضحك من الشيء الذي لا يعجبه، فمن أيّ شيء ضحك؟ لا أدري.

والذي قاله أبو العالـية من التأويـل أشبه بتأويـل الآية، وذلك أن الله وعد الإنعام علـى هذه الأمة بـما أخبر فـي هذه الآية أنه منعم به علـيهم ثم قال عقـيب ذلك: فمن كفر هذه النعمة بعد ذلك {فَأُولَئِكَ هُمُ الفـاسِقُونَ}.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مـجاهد، قوله الله:{ يَعْبُدونَنِـي لا يُشْرِكُونَ بِـي شَيْئاً} قال: تلك أمة محمد صلى الله عليه وسلم.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفـيان، عن لـيث، عن مـجاهد:{ أمناً يَعْبُدونَنِـي لا يُشْرِكُونَ بِـي شَيْئاً} قال: لا يخافون غيري.

وَأَقِيمُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتُوا۟ ٱلزَّكَوٰةَ وَأَطِيعُوا۟ ٱلرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ۝٥٦ لَا تَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ مُعْجِزِينَ فِى ٱلْأَرْضِ وَمَأْوَىٰهُمُ ٱلنَّارُ وَلَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ ۝٥٧

يقول تعالـى ذكره: {وأقـيـمُوا} أيها الناس{ الصَّلاةَ } بحدودها فلا تضيعوها. {وآتُوا الزَّكاةَ } التـي فرضها الله علـيكم أهلها، وأطيعوا رسول ربكم فـيـما أمركم ونهاكم.{ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} يقول: كي يرحمكم ربكم فـينـجيكم من عذابه، وقوله:{ لا تَـحْسَبنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مُعْجزِينَ فِـي الأرْضِ} يقول تعالـى ذكره: لا تـحسبنّ يا مـحمد الذين كفروا بـالله معجزيه فـي الأرض إذا أراد إهلاكهم.{ ومأْوَاهُم } بعد هلاكهم{ النَّارُ وَلَبِئْسَ الـمَصِيرُ } الذي يصيرون إلـيه ذلك الـمأوى. وقد كان بعضهم يقول: «لا يحسبنّ الذين كفروا» بـالـياء. وهو مذهب ضعيف عند أهل العربـية وذلك أن «تـحسب» مـحتاج إلـى منصوبـين. وإذا قرىء «يَحْسَبنَّ» لـم يكن واقعاً إلاَّ علـى منصوب واحد، غير أنـي أحسب أن قائله بـالـياء ظنّ أنه قد عمل فـي «معجزين»، وأن منصوبه الثانـي فـي «الأرض»، وذلك لا معنى له إن كان ذلك قصد.

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لِيَسْتَـْٔذِنكُمُ ٱلَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَٰنُكُمْ وَٱلَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا۟ ٱلْحُلُمَ مِنكُمْ ثَلَٰثَ مَرَّٰتٍ مِّن قَبْلِ صَلَوٰةِ ٱلْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُم مِّنَ ٱلظَّهِيرَةِ وَمِنۢ بَعْدِ صَلَوٰةِ ٱلْعِشَآءِ ثَلَٰثُ عَوْرَٰتٍ لَّكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلَا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌۢ بَعْدَهُنَّ طَوَّٰفُونَ عَلَيْكُم بَعْضُكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمُ ٱلْـَٔايَٰتِ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ۝٥٨

اختلف أهل التأويـل فـي الـمعنى بقوله:{ لـيَسْتأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أيـمَانُكُمْ } فقال بعضهم: عُنـي بذلك الرجال دون النساء، ونهوا عن أن يدخـلوا علـيهم فـي هذه الأوقات الثلاثة هؤلاء الذين سُمُّوا فـي هذه الآية إلاَّ بإذن. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام، عن عَنبسة، عن لـيث، عن نافع، عن ابن عمر، قوله:{ لِـيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أيـمَانُكُمْ } قال: هي علـى الذكور دون الإناث.

وقال آخرون: بل عُنِـي به الرجال والنساء.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفـيان، عن أبـي حصين، عن أبـي عبد الرحمن، فـي قوله:{ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لِـيَسْتأذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أيـمَانُكُمْ } قال: هي فـي الرجال والنساء، يستأذنون علـى كلّ حال، بـاللـيـل والنهار.

وأولـى القولـين فـي ذلك عندي بـالصواب قول من قال: عُنـي به الذكور والإناث لأن الله عمّ بقوله:{ الَّذِينَ مَلَكَتْ أيـمانُكُمْ } جميع أملاك أيـماننا، ولـم يخصص منهم ذكراً ولا أنثى فذلك علـى جميع من عمه ظاهر التنزيـل.

فتأويـل الكلام: يا أيها الذين صدّقوا الله ورسوله، لـيستأذنكم فـي الدخول علـيكم عبـيدُكم وإماؤكم، فلا يدخـلوا علـيكم إلاَّ بإذن منكم لهم.

{ وَالَّذِينَ لَـمْ يَبْلُغُوا الـحُلُـمَ مِنْكُمْ } يقول: والذين لـم يحتلـموا من أحراركم ثلاث مرّات، يعنـي ثلاث مرات فـي ثلاثة أوقات من ساعات لـيـلكم ونهاركم. كما:

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مـجاهد، فـي قوله:{ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لِـيَسْتأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أيـمَانُكُمْ } قال: عبـيدكم الـمـملوكون. {وَالَّذينَ لَـمْ يَبْلُغُوا الـحُلُـمَ منْكُمْ} قال: لـم يحتلـموا من أحراركم.

قال ابن جُرَيج: قال لـي عطاء بن أبـي ربـاح: فذلك علـى كل صغير وصغيرة أن يستأذن، كما قال:{ ثَلاَثَ مرّاتٍ منْ قَبْلِ صَلاةِ الفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِـيابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلاةِ العِشاءِ } قالوا: هي العَتَـمة. قلت: فإذا وضعوا ثـيابهم بعد العتـمة استأذنوا علـيهم حتـى يصبحوا؟ قال نعم. قلت لعطاء: هل استئذانهم إلاَّ عند وضع الناس ثـيابهم؟ قال: لا.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جُرَيج، عن صالـح بن كيسان ويعقوب بت عُتبة وإسماعيـل ابن مـحمد، قالوا: لا استئذان علـى خدم الرجل علـيه إلاَّ فـي العورات الثلاث.

حدثنـي علـيّ، قال: ثنا أبو صالـح، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس، فـي قوله:{ لِـيَسْتأذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أيـمَانُكُمْ } يقول: إذا خلا الرجل بأهله بعد صلاة العشاء، فلا يدخـل علـيه خادم ولا صبـيّ إلاَّ بإذن حتـى يصلِّـي الغداة، فإذا خلا بأهله عند صلاة الظهر فمثل ذلك.

حدثنـي يونس بن عبد الأعلـى، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرنـي قرة بن عبد الرحمن، عن ابن شهاب، عن ثعلبة، عن أبـي مالك القرظي: أنه سأل عبد الله بن سُوَيد الـحارثـيّ، وكان من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، عن الإذن فـي العورات الثلاث، فقال: إذا وضعت ثـيابـي من الظهيرة، لـم يـلـج علـيّ أحد من الـخدم الذي بلغ الـحلـم ولا أحد مـمن لـم يبلغ الـحلـم من الأحرار، إلاَّ بإذن.

حدثنـي يعقوب، قال: ثنا ابن عُلَـية، عن ابن جُرَيج، قال: سمعت عطاء يقول: قال ابن عبـاس: ثلاث آيات جَحَدَهنّ الناس: الإذن كله، وقال:

{ إنَّ أكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللّهِ أتْقاكُمْ } وقال الناس: أكرمكم أعظمكم بـيتا، ونسيت الثالثة.

حدثنا ابن أبـي الشوارب، قال: ثنا يزيد بن زريع، قال: ثنا يونس، عن الـحسن، فـي هذه الآية:{ لِـيَسْتأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أيـمانُكُمْ} قال: كان الـحسن يقول: إذا أبـات الرجل خادمه معه فهو إذنه، وإن لـم يبته معه استأذن فـي هذه الساعات.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا يحيى بن سعيد، قال: ثنا سفـيان، قال: ثنـي موسى بن أبـي عائشة، عن الشعبـيّ فـي قوله:{ لِـيَسْتأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أيـمَانُكُمْ } قال: لـم تُنسخ. قلت: إن الناس لا يعملون به قال: الله الـمستعان.

قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفـيان، عن موسى بن أبـي عائشة، عن الشعبـيّ، وسألته عن هذه الآية:{ لِـيَسْتأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أيـمَانُكُمْ } قلت: منسوخة هي؟ قال: لا والله ما نُسخت، قلت: إن الناس لا يعملون بها قال: الله الـمستعان.

قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا أبو عَوانة، عن أبـي بشر، عن سعيد بن جُبـير، قال: إن ناسا يقولون نسخت، ولكنها مـما يتهاون الناس به.

قال: ثنا مـحمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن أبـي بشر، عن سعيد بن جُبـير فـي هذه الآية:{ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لِـيَسْتأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أيـمَانُكُمْ}... إلـى آخر الآية، قال: لا يعمل بها الـيوم.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: ثنا حنظلة، أنه سمع القاسم بن مـحمد يُسْأَل عن الإذن، فقال: يستأذن عند كلّ عورة، ثم هو طوّاف يعنـي الرجل علـى أمه.

حدثنا مـحمد بن الـمثنى، قال: ثنا عثمان بن عمر، قال: أخبرنا عبد العزيز بن أبـي رَوّاد، قال: أخبرنـي رجل من أهل الطائف، عن غَيلان بن شُرَحبـيـل، عن عبد الرحمن بن عوف، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:

لا يَغْلِبَنَّكُمُ الأعْرَابُ عَلـى اسْمِ صَلاَتِكُمْ، قالَ اللّهُ {وَمِنْ بَعْدِ صَلاةِ العِشاءِ ثَلاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ} وإنَّـمَا العَتَـمَةُ عَتَـمَةُ الإبِلِ

وقوله:{ ثَلاَثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ} اختلفت القرّاء فـي قراءة ذلك، فقرأته عامة قرّاء الـمدينة والبصرة:{ ثَلاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ} برفع «الثلاث»، بـمعنى الـخبر عن هذه الأوقات التـي ذكرت. كأنه عندهم قـيـل: هذه الأوقات الثلاثة التـي أمرناكم بأن لا يدخـل علـيكم فـيها من ذكرنا إلاَّ بإذن، ثلاثُ عورات لكم لأنكم تضعون فـيها ثـيابكم وتـخـلُون بأهلـيكم. وقرأ ذلك عامة قرّاء الكوفة: «ثَلاثَ عَوْرَاتٍ» بنصب «الثلاث» علـى الردّ علـى «الثلاث» الأولـى. وكأن معنى الكلام عندهم: لـيستأذنكم الذين ملكت أيـمانكم والذين لـم يبلغوا الـحلـم منكم ثلاثَ مرّات، ثلاثُ عورات لكم.

والصواب من القول فـي ذلك أنهما قراءتان متقاربتا الـمعنى، وقد قرأ بكل واحدة منهما علـماء من القرّاء، فبأيتهما قرأ القارىء فمصيب.

وقوله:{ لَـيْسَ عَلَـيْكُمْ وَلا عَلَـيْهِمْ جُناحٌ بَعْدَهُنَّ، طَوَّافُونَ عَلَـيْكُمْ} يقول تعالـى ذكره: لـيس علـيكم معشر أربـاب البـيوت والـمساكن،{ ولا عَلَـيْهِمْ} يعنـي: ولا علـى الذين ملكت أيـمانكم من الرجال والنساء والذين لـم يبلغوا الـحلـم من أولادكم الصغار حرج ولا إثم بعدهنّ، يعنـي بعد العورات الثلاث. والهاء والنون فـي قوله: {بَعْدَهُنَّ} عائدتان علـى «الثلاث» من قوله:{ ثَلاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ}. وإنـما يعنـي بذلك أنه لا حرج ولا جُناح علـى الناس أن يدخـل علـيهم مـمالـيكهم البـالغون وصبـيانهم الصغار بغير إذن بعد هذه الأوقات الثلاث اللاتـي ذكرهنّ فـي قوله:{ مِنْ قَبْلِ صَلاةِ الفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِـيابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلاةِ العِشاءِ}.

وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل.

ذكر من قال ذلك:

حدثنـي علـيّ، قال: ثنا أبو صالـح، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس، قال: ثم رخص لهم فـي الدخول فـيـما بـين ذلك بغير إذن، يعنـي فـيـما بـين صلاة الغداة إلـى الظهر، وبعد الظهر إلـى صلاة العشاء أنه رخص لـخادم الرجل والصبـيّ أن يدخـل علـيه منزله بغير إذن. قال: وهو قوله:{ لَـيْسَ عَلَـيْكُمْ وَلا عَلَـيْهِمْ جُناحٌ بَعْدَهُنَّ} فأما من بلغ الـحلُـم فإنه لا يدخـل علـى الرجل وأهله إلاَّ بإذن علـى كل حال.

وقوله: {طَوَّافُونَ عَلَـيْكُمْ} رفع «الطوّافون» بـمضمر، وذلك «هم». يقول لهؤلاء الـمـمالـيك والصبـيان الصغار هم طوّافون علـيكم أيها الناس، ويعنـي بـالطوّافـين: أنهم يدخـلون ويخرجون علـى موالـيهم وأقربـائهم فـي منازلهم غدوة وعشية بغير إذن، يطوفون علـيهم بعضكم علـى بعض فـي غير الأوقات الثلاث التـي أمرهم أن لا يدخـلوا علـى ساداتهم وأقربـائهم فـيها إلاَّ بإذن. {كَذلكَ يُبَـيِّنُ اللّهُ لَكُمُ الآياتِ } يقول جلّ ثناؤه: كما بـينت لكم أيها الناس أحكام الاستئذان فـي هذه الآية، كذلك يبـين الله لكم جميع أعلامه وأدلته وشرائع دينه.{ وَاللّهُ عَلِـيـمٌ حَكِيـمٌ } يقول: والله ذو علـم بـما يصلـح عبـاده، حكيـم فـي تدبـيره إياهم وغير ذلك من أموره.

وَإِذَا بَلَغَ ٱلْأَطْفَٰلُ مِنكُمُ ٱلْحُلُمَ فَلْيَسْتَـْٔذِنُوا۟ كَمَا ٱسْتَـْٔذَنَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمْ ءَايَٰتِهِۦ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ۝٥٩

يقول تعالـى ذكره: إذا بلغ الصغار من أولادكم وأقربـائكم ويعنـي بقوله:{ مِنْكُمْ } من أحراركم الـحُلُـمَ يعنـي الاحتلام واحتلـموا.{ فَلْـيَسْتأْذِنُوا} يقول: فلا يدخـلوا علـيكم فـي وقت من الأوقات إلاَّ بإذن، لا فـي أوقات العَورات الثلاث ولا فـي غيرها. وقوله:{ كمَا اسْتَأذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ } يقول: كما استأذن الكبـار من ولد الرجل وأقربـائه الأحرار. وخصّ الله تعالـى ذكره فـي هذه الآية الأطفـال بـالذكر وتعريف حكمهم عبـاده فـي الاستئذان دون ذكر ما ملكت أيـماننا، وقد تقدّمت الآية التـي قبلها بتعريفهم حكم الأطفـال الأحرار والـمـمالـيك لأن حكم ما ملكت أيـمانكم من ذلك حكم واحد، سواء فـيه حكم كبـارهم وصغارهم فـي أن الإذن علـيهم فـي الساعات الثلاث التـي ذكرها الله فـي الآية التـي قبل.

وبنـحو ما قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي علـيّ، قال: ثنا أبو صالـح، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس، قال: أما من بلغ الـحُلُـم، فإنه لا يدخـل علـى الرجل وأهله يعنـي من الصبـيان الأحرار إلا بإذن علـى كل حال وهو قوله:{ وَإذَا بَلَغَ الأطْفـالُ مِنْكُمُ الـحُلُـمَ فَلْـيَسْتأْذِنُوا كمَا اسْتأذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهمْ}.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، قال: قال عطاء:{ وَإذَا بَلَغَ الأطْفـالُ مِنْكُمُ الـحُلُـمَ فَلْـيَستأْذِنُوا} قال: واجب علـى الناس أجمعين أن يستأذنوا إذا احتلـموا، علـى مَنْ كان مِنَ الناس.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرنـي يونس، عن ابن شهاب، عن ابن الـمسيب، قال: يستأذن الرجل علـى أمه. قال: إنـما نزلت:{ وَإذَا بَلَغَ الأطْفـالُ مِنْكُمُ الـحُلُـمَ} فـي ذلك. {كَذلكَ يُبَـيِّنُ اللّهُ لَكُمْ آياتِهِ } يقول: هكذا يبـين الله لكم آياته، أحكامه وشرائع دينه، كما بـين لكم أمر هؤلاء الأطفـال فـي الاستئذان بعد البلوغ.{ وَاللّهُ عَلِـيـمٌ حَكِيـمٌ } يقول: والله علـيـم بـما يصلـح خـلقه وغير ذلك من الأشياء، حكيـم فـي تدبـيره خـلقه.

وَٱلْقَوَٰعِدُ مِنَ ٱلنِّسَآءِ ٱلَّٰتِى لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَن يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَٰتٍۭ بِزِينَةٍ وَأَن يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَّهُنَّ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ۝٦٠

يقول تعالـى ذكره: واللواتـي قد قعدن عن الولد من الكبر من النساء، فلا يحضن ولا يـلدن واحدتهنّ قاعد.{ اللاَّتـي لا يَرْجُونَ نِكاحاً} يقول: اللاتـي قد يئسن من البعولة، فلا يطمعن فـي الأزواج.{ فَلَـيْسَ عَلَـيْهنَّ جُناحٌ أنْ يَضَعْنَ ثِـيابَهُنَّ } يقول: فلـيس علـيهنّ حرج ولا إثم أن يضعن ثـيابهنّ، يعنـي جلابـيبهنّ، وهي القناع الذي يكون فوق الـخمار والرداء الذي يكون فوق الثـياب، لا حرج علـيهنّ أن يضعن ذلك عند الـمـحارم من الرجال وغير الـمـحارم من الغربـاء غير متبرِّجات بزينة.

وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل.

ذكر من قال ذلك:

حدثنـي علـيّ، قال: ثنا أبو صالـح، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس، قوله:{ والقَوَاعِدُ مِنَ النِّساءِ اللاَّتـي لا يَرْجُونَ نِكاحاً} وهي الـمرأة، لا جناح علـيها أن تـجلس فـي بـيتها بدِرع وخِمار وتضع عنها الـجلبـاب ما لـم تتبرّج لـما يكره الله، وهو قوله:{ فَلَـيْسَ عَلَـيْهنَّ جُناحٌ أنْ يَضَعْنَ ثِـيابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبرّجاتٍ بِزِينَةٍ } ثم قال: {وأنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ}.

حُدثت عن الـحسين، قال: سمعت أبـا معاذ يقول: أخبرنا عبـيد، قال: سمعت الضحاك يقول فـي قوله:{ يَضَعْنَ ثِـيابَهُنَّ} يعنـي: الـجلبـاب، وهو القِناع وهذا للكبـيرة التـي قد قعدت عن الولد، فلا يضرّها أن لا تـجلبب فوق الـخمار. وأما كلّ امرأة مسلـمة حرّة، فعلـيها إذا بلغت الـمـحيض أن تدنَى الـجلبـاب علـى الـخمار. وقال الله فـي سورة الأحزاب:

{ يُدْنِـينَ عَلَـيْهِنَّ مِنْ جَلابِـيبِهِنَّ ذلكَ أدْنَى أنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ }} وكان بـالـمدينة رجال من الـمنافقـين إذا مرّت بهم امرأة سيئة الهيئة والزيّ، حَسِب الـمنافقون أنها مزنـية وأنها من بغيتهم، فكانوا يؤذون الـمؤمنات بـالرفث، ولا يعلـمون الـحرّة من الأمة فأنزل الله فـي ذلك: { يا أيُّها النَّبِـيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ وَبَناتِكَ وَنِساءِ الـمُؤْمِنِـينَ يُدْنِـينَ عَلَـيْهِنَّ مِنْ جَلابِـيبِهِنَّ ذلكَ أدْنَى أنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ } يقول: إذا كان زِيهنّ حسناً لـم يطمع فـيهنّ الـمنافقون.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، قال: قال ابن جُرَيج، فـي قوله:{ وَالقَوَاعِدُ مِنَ النِّساءِ } التـي قعدت من الوَلد وكِبرت. قال ابن جُرَيج: قال مـجاهد:{ اللاتـي لا يَرْجُونَ نِكاحاً} قال: لا يردنه.{ فَلَـيْسَ عَلَـيْهِنَّ جُناحٌ أنْ يَضَعْنَ ثِـيابَهُنَّ } قال: جلابـيبهنّ.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله: {والقَوَاعِدُ مِنَ النِّساءِ اللاَّتـي لا يَرْجُونَ نِكاحاً فَلَـيْسَ عَلَـيْهِنَّ جُناحٌ أنْ يَضَعْنَ ثِـيابَهُنَّ غيرَ مُتَبَرّجاتٍ بِزِينَةٍ } قال: وضع الـخمار، قال: التـي لا ترجو نكاحاً، التـي قد بلغت أن لا يكون لها فـي الرجال حاجة ولا للرجال فـيها حاجة فإذا بلغن ذلك وضعن الـخمار غير متبرّجات بزينة. ثم قال:{ وأنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ } كان أبـي يقول هذا كله.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا يحيى وعبد الرحمن، قالا: ثنا سفـيان، عن علقمة بن مَرْثَد، عن ذرّ، عن أبـي وائل، عن عبد الله، فـي قوله:{ فَلَـيْسَ عَلَـيْهِنَّ جُناحٌ أنْ يَضَعْنَ ثِـيابَهُنَّ } قال: الـجلبـاب أو الرداء. شكّ سفـيان.

قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفـيان، عن الأعمش، عن مالك بن الـحارث، عن عبد الرحمن بن يزيد، عن عبد الله:{ فَلَـيْسَ عَلَـيْهِنَّ جُناحٌ أنْ يَضَعْنَ ثِـيابَهُنَّ } قال: الرداء.

حدثنـي يحيى بن إبراهيـم الـمسعودي، قال: ثنا أبـي، عن أبـيه، عن جدّه، عن الأعمش، عن مالك بن الـحارث، عن عبد الرحمن بن يزيد، قال: قال عبد الله فـي هذه الآية:{ فَلَـيْسَ عَلَـيْهِنَّ جُناحٌ أنْ يَضَعْنَ ثِـيابَهُنَّ} قال: هي الـمِلْـحَفة.

حدثنا مـحمد بن الـمثنى، قال: ثنا مـحمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن الـحكم، قال: سمعت أبـا وائل قال: سمعت عبد الله يقول فـي هذه الآية:{ فَلَـيْسَ عَلَـيْهِنَّ جُناحٌ أنْ يَضَعْنَ ثِـيابَهُنَّ } قال: الـجلبـاب.

حدثنا يحيى بن سعيد، عن شعبة، قال: أخبرنـي الـحَكَم، عن أبـي وائل، عن عبد الله، مثله.

حدثنا الـحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، عن الثَّوري، عن الأعمش، عن مالك بن الـحارث، عن عبد الرحمن بن يزيد، عن ابن مسعود، فـي قوله:{ أنْ يَضَعْنَ ثِـيابَهُنَّ غيرَ مُتَبرّجاتٍ بِزِينَةٍ } قال: هو الرداء.

قال الـحسن، قال: عبد الرزاق، قال الثوريّ: وأخبرنـي أبو حصين وسالـم الأفطس، عن سعيد بن جُبـير، قال: هو الرداء.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن مغيرة، عن الشعبـيّ:{ أنْ يَضَعْنَ ثِـيابَهُنَّ غيرَ مُتَبرِّجاتٍ بِزِينَةٍ } قال: تضع الـجلبـاب الـمرأة التـي قد عجزت ولـم تزوّج. قال الشعبـيّ: فإن أُبـيّ بن كعب يقرأ: «أنْ يَضَعْنَ مِنْ ثِـيابِهِنَّ».

حدثنـي يعقوب بن إبراهيـم، قال: ثنا ابن عُلَـية، قال: قلت لابن أبـي نـجيح، قوله:{ فَلَـيْسَ عَلَـيْهِنَّ جُناحٌ أنْ يَضَعْنَ ثِـيابَهُنَّ غيرَ مُتَبرّجاتٍ بِزِينَةٍ } قال: الـجلبـاب. قال يعقوب، قال أبو يونس: قلت له: عن مـجاهد؟ قال: نعم، فـي الدار والـحجرة.

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء جميعاً، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، قوله:{ فَلَـيْسَ عَلَـيْهِنَّ جُناحٌ أنْ يَضَعْنَ ثِـيابَهُنَّ } قال: جلابـيبهنّ.

وقوله:{ غيرَ مُتَبرّجاتٍ بِزِينَةٍ } يقول: لـيس علـيهنّ جناح فـي وضع أرديتهنّ إذا لـم يُرِدن بوضع ذلك عنهنّ أن يبدين ما علـيهنّ من الزينة للرجال. والتبرّج: هو أن تظهر الـمرأة من مـحاسنها ما ينبغي لها أن تستره.

وقوله:{ وأنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ } يقول: وإن تعففن عن وضع جلابـيبهنّ وأرديتهنّ، فـيـلبسنها، خير لهنّ من أن يضعنها.

وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء جميعاً، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد: أنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ قال: أن يـلبسن جلابـيبنّ.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن مُغِيرة، عن الشعبـيّ:{ وأنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيرٌ لَهُنَّ } قال: ترك ذلك، يعنـي ترك وضع الثـياب.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله:{ وأنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ } والاستعفـاف: لبس الـخِمار علـى رأسها، كان أبـي يقول هذا كله.

{ وَاللّهُ سَمِيعٌ} ما تنطقون بألسنتكم. {عَلِـيـمٌ} بـما تضمره صدوركم، فـاتقوه أن تنطقوا بألسنتكم ما قد نهاكم عن أن تنطقوا بها، أو تضمروا فـي صدوركم ما قد كرهه لكم، فتستوجبوا بذلك منه عقوبة.

الثلاثاء، 3 نوفمبر 2026 23 جمادى الأولى 1448 هـ