انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة النور

تفسير الطبريالآيات 1–5

تفسير سورة النور آية آية، من تفسير الطبري.

استمع إلى تفسير سورة النور

الخلاصة من تفسير الطبري · 4 مقاطع · 1:06:49

  1. 1 الآيات 1–20في هذه الصفحة 13:48
  2. 2 الآيات 21–34 17:32
  3. 3 الآيات 35–52 18:52
  4. 4 الآيات 53–64 16:37

بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ

سُورَةٌ أَنزَلْنَٰهَا وَفَرَضْنَٰهَا وَأَنزَلْنَا فِيهَآ ءَايَٰتٍۭ بَيِّنَٰتٍ لَّعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ۝١

قال أبو جعفر: يعنـي بقوله تعالـى ذكره:{ سُورَةٌ أنْزَلْناها} وهذه السورة أنزلناها. وإنـما قلنا معنى ذلك كذلك، لأن العرب لا تكاد تبتدىء بـالنكرات قبل أخبـارها إذا لـم تكن جوابـاً، لأنها توصل كما يوصل «الذي»، ثم يخبر عنها بخبر سوى الصلة، فـيستقبح الابتداء بها قبل الـخبر إذا لـم تكن موصولة، إذ كان يصير خبرها إذا ابتدىء بها كالصلة لها، ويصير السامع خبرها كالـمتوقع خبرها بعد إذ كان الـخبر عنها بعدها كالصلة لها. وإذا ابتدىء بـالـخبر عنها قبلها، لـم يدخـل الشك علـى سامع الكلام فـي مراد الـمتكلـم. وقد بـيَّنا فـيـما مضى قبلُ أن السورة وصف لـما ارتفع بشواهده فأغنى ذلك عن إعادته فـي هذا الـموضع.

وأما قوله:{ وَفَرَضْناها } فإن القرّاء اختلفت فـي قراءته، فقرأه بعض قرّاء الـحجاز والبصرة: «وَفَرَّضْناها» ويتأوّلونه: وفصَّلناها ونزّلنا فـيها فرائض مختلفة. وكذلك كان مـجاهد يقرؤه ويتأوّله.

حدثنـي أحمد بن يوسف، قال: ثنا القاسم، قال: ثنا ابن مهديّ، عن عبد الوارث بن سعيد، عن حميد، عن مـجاهد، أنه كان يقرؤها: «وَفَرَّضْناها» يعنـي بـالتشديد.

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء جميعاً، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، فـي قوله: «وَفَرَّضْناها» قال: الأمر بـالـحلال، والنهي عن الـحرام.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مـجاهد، مثله.

وقد يحتـمل ذلك إذا قرىء بـالتشديد وجهاً غير الذي ذكرنا عن مـجاهد، وهو أن يوجه إلـى أن معناه: وفرضناها علـيكم وعلـى من بعدكم من الناس إلـى قـيام الساعة. وقرأ ذلك عامة قرّاء الـمدينة والكوفة والشأم:{ وَفَرَضْناها} بتـخفـيف الراء، بـمعنى: أوجبنا ما فـيها من الأحكام علـيكم وألزمناكموه وبـيَّنا ذلك لكم.

والصواب من القول فـي ذلك: أنهما قراءتان مشهورتان قد قرأ بكل واحدة منهما علـماء من القرّاء، فبأيتهما قرأ القارىء فمصيب. وذلك أن الله قد فصلها، وأنزل فـيها ضروبـاً من الأحكام، وأمر فـيها ونهى، وفرض علـى عبـاده فـيها فرائض، ففـيها الـمعنـيان كلاهما: التفريض، والفرض فلذلك قلنا بأية القراءتـين قرأ القارىء فمصيب الصواب. ذكر من تأوّل ذلك بـمعنى الفَرْض والبـيان من أهل التأويـل:

حدثنـي علـيّ، قال: ثنا أبو صالـح، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس، فـي قوله:{ وَفَرَضْناها} يقول: بـيناها.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله:{ سُورَةٌ أنْزَلْناها وَفَرَضْناها} قال: فرضناها لهذا الذي يتلوها مـما فرض فـيها. وقرأ فـيها:{ آياتٍ بَـيِّناتٍ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ}.

وقوله:{ وأنْزَلْنا فِـيها آياتٍ بَـيِّناتٍ } يقول تعالـى ذكره: وأنزلنا فـي هذه السورة علامات ودلالات علـى الـحقّ بـينات، يعنـي واضحات لـمن تأملها وفكر فـيها بعقل أنها من عند الله، فإنها الـحقّ الـمبـين، وإنها تهدي إلـى الصراط الـمستقـيـم.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جُريج:{ وأنْزَلْنا فِـيها آياتٍ بَـيِّناتٍ} قال: الـحلال والـحرام والـحدود.{ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} يقول: لتتذكروا بهذه الآيات البـينات التـي أنزلناها.

ٱلزَّانِيَةُ وَٱلزَّانِى فَٱجْلِدُوا۟ كُلَّ وَٰحِدٍ مِّنْهُمَا مِا۟ئَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُم بِهِمَا رَأْفَةٌ فِى دِينِ ٱللَّهِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْـَٔاخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَآئِفَةٌ مِّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ۝٢

يقول تعالى ذكره: من زنى من الرجال أو زنت من النساء، وهو حُرٌّ بِكرٌ غير مُـحْصَن بزوج، فـاجلدوه ضربـاً مئة جلة عقوبة لِـما صنع وأتـى من معصية الله. {وَلا تَأْخُذُكُمْ بِهِما رأفَةٌ فِـي دِينَ اللّهِ } يقول تعالـى ذكره: لا تأخذكم بـالزانـي والزانـية أيها الـمؤمنون رأفة، وهي رقة الرحمة فـي دين الله، يعنـي فـي طاعة الله فـيـما أمركم به من إقامة الـحدّ علـيهما علـى ما ألزمكم به.

واختلف أهل التأويـل فـي الـمنهيّ عنه الـمؤمنون من أخذ الرأفة بهما، فقال بعضهم: هو ترك إقامة حدّ الله علـيهما، فأما إذا أقـيـم علـيهما الـحدّ فلـم تأخذهم بهما رأفة فـي دين الله.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا أبو هشام، قال: ثنا يحيى بن أبـي زائدة، عن نافع بن عمر، عن ابن أبـي مُلَيْكة، عن عبـيد الله بن عبد الله بن عمر، قال: جَلَد ابن عمر جارية له أحدثت، فجلد رجلـيها قال نافع: وحسبت أنه قال: وظهرها فقلت:{ وَلا تَأْخَذْكُمْ بِهما رأفَةٌ فِـي دِينِ اللّهِ } فقال: وأخذتنـي بها رأفة، إن الله لـم يأمرنـي أن أقتلها.

حدثنـي يعقوب، قال: ثنا ابن عُلَـية، عن ابن جُرَيج، قال: سمعت عبد الله بن أبـي ملـيكة يقول: ثنـي عبـيد الله بن عبد الله بن عمر، أن عبد الله بن عمر حدّ جارية له، فقال للـجالد، وأشار إلـى رجلها وإلـى أسفلها، قلت: فأين قول الله:{ وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِما رأفَةٌ فِـي دِينِ اللّهِ } قال: أفأقتلها؟.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفـيان، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد:{ وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِما رأفَةٌ فِـي دِينِ اللّهِ } فقال: أن تقـيـم الـحدّ.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج،عن ابن جُرَيج:{ وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِما رأفَةٌ فِـي دِينِ اللّهِ } قال: لا تضيعوا حدود الله.

قال ابن جُرَيج: وقال مـجاهد:{ لا تَأْخُذْكُمْ بِهِما رأفَةٌ}: لا تضيعوا الـحدود فـي أن تقـيـموها. وقالها عطاء بن أبـي ربـاح.

حدثنا أبو هشام، قال: ثنا عبد الـملك وحجاج، عن عطاء:{ وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِما رأفَةٌ فِـي دِينِ اللّهِ } قال: يقام حدّ الله ولا يعطل، ولـيس بـالقتل.

حدثنا ابن الـمثَّنى، قال: ثنـي مـحمد بن فضيـل، عن داود، عن سعيد بن جبـير، قال: الـجلد.

حدثنـي عبـيد بن إسماعيـل الهَبَّـاريّ، قال: ثنا مـحمد بن فضيـل، عن الـمغيرة، عن إبراهيـم، فـي قوله:{ وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِما رأفَةٌ فـي دينِ الله} قال: الضرب.

حدثنا ابن عبد الأعلـى، قال: ثنا الـمعتـمر، قال: سمعت عمران، قال: قلت لأبـي مـجلز:{ الزَّانِـيَةُ وَالزَّانـي فـاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُما}... إلـى قوله: {والـيَوْمِ الآخرِ} إنا لنرحمهم أن يجلد الرجل حدّا، أو تقطع يده. قال: إنـما ذاك أنه لـيس للسلطان إذا رفعوا إلـيه أن يدعهم رحمة لهم حتـى يقـيـم الـحدّ.

حدثنا الـحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا الثوريّ، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، فـي قوله:{ وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِما رأفَةٌ فـي دِينِ اللّهِ} قال لا تقام الـحدود.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله:{ وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِما رأفَةُ } فتدعوهما من حدود الله التـي أمر بها وافترضها علـيهما.

قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرنا ابن لَهِيعة، عن خالد بن أبـي عمران، أنه سأل سلـيـمان بن يسار، عن قول الله: {وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِما رأفَةٌ فِـي دِينِ الله} أي فـي الـحدود أو فـي العقوبة؟ قال: ذلك فـيهما جميعاً.

حدثنا عمرو بن عبد الـحميد الآمُلِـيّ، قال: ثنا يحيى بن زكريا، عن عبد الـملك بن أبـي سلـيـمان، عن عطاء فـي قوله:{ وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِما رأفَةٌ فـي دِينِ اللّهِ } قال: أن يقام حدّ الله ولا يعطَّل، ولـيس بـالقتل.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن عطاء، عن عامر فـي قوله:{ وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِما رأفَةٌ فـي دين الله } قال: الضرب الشديد.

وقال آخرون: بل معنى ذلك:{ وَلا تَأْخُذْكُمْ بهما رأفَةٌ } فتُـخَفِّفوا الضرب عنهما، ولكن أو جعوهما ضربـاً.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن الـمثنى، قال: ثنا يحيى بن أبـي بكر، قال: ثنا أبو جعفر، عن قَتادة، عن الـحسن وسعيد ابن الـمسيب:{ وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهما رأفَةٌ فِـي دِينِ اللّهِ } قال: الـجلد الشديد.

قال: ثنا مـحمد بن جعفر، عن شعبة، عن حماد، قال: يُحَدّ القاذف والشارب وعلـيهما ثـيابهما. وأما الزانـي فتـخـلع ثـيابه. وتلا هذه الآية:{ وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِما رأفَةٌ فِـي دِينِ اللّهِ } فقلت لـحماد: أهذا فـي الـحكم؟ قال: فـي الـحكم والـجلد.

حدثنا الـحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن الزهريّ، قال: يجتهد فـي حدّ الزانـي والفرية، ويخفف فـي حدّ الشرب. وقال قَتادة: يخفف فـي الشراب، ويجتهد فـي الزانـي.

وأولـى القولـين فـي ذلك بـالصواب قول من قال: معنى ذلك: ولا تأخذكم بهما رأفة فـي إقامة حدّ الله علـيهما الذي افترض علـيكم إقامته علـيهما.

وإنـما قلنا ذلك أولـى التأويـلـين بـالصواب، لدلالة قول الله بعده: «فـي دين الله»، يعنـي فـي طاعة الله التـي أمركم بها. ومعلوم أن دين الله الذي أمر به فـي الزانـيـين: إقامة الـحدّ علـيهما، علـى ما أمر من جلد كل واحد منهما مئة جلدة، مع أن الشدّة فـي الضرب لا حدّ لها يوقـف علـيه، وكلّ ضرب أوجع فهو شديد، ولـيس للذي يوجع فـي الشدّة حدّ لا زيادة فـيه فـيؤمر به وغير جائز وصفه جلّ ثناؤه بأنه أمر بـما لا سبـيـل للـمأموربه إلـى معرفته. وإذا كان ذلك كذلك، فـالذي للـمأمورين إلـى معرفته السبـيـل هو عدد الـجَلد علـى ما أمر به، وذلك هو إقامة الـحد علـى ما قلنا. وللعرب فـي الرأفة لغتان: الرأفة بتسكين الهمزة، والرآفة بـمدّها، كالسأمة والسآمة، والكأْبة والكآبة. وكأنّ الرأفة الـمرّة الواحدة، والرآفة الـمصدر، كما قـيـل: ضَؤُل ضآلة مثل فَعُل فعالة، وقَبُح قبـاحة.

وقوله:{ إنْ كُنْتُـمْ تُؤْمِنُونَ بـاللّهِ وَالْـيَوْمِ الآخِرِ} يقول: إن كنتـم تصدّقون بـالله ر بكم وبـالـيوم الآخر، وأنكم فـيه مبعوثون لـحشر القـيامة وللثواب والعقاب، فإن من كان بذلك مصدّقاً فإنه لا يخالف الله فـي أمره ونهيه خوف عقابه علـى معاصيه. وقوله:{ وَلْـيَشْهَدْ عَذَابَهُما طائِفَةٌ مِنَ الـمُؤْمِنِـينَ } يقول تعالـى ذكره: ولـيحضر جلد الزانـيـين البِكْرَين وحدّهما إذا أقـيـم علـيهما طائفةٌ من الـمؤمنـين. والعرب تسمي الواحد فما زاد. طائفة.{ مِنَ الـمُؤُمِنـينَ} يقول: من أهل الإيـمان بـالله ورسوله.

وقد اختلف أهل التأويـل فـي مبلغ عدد الطائفة الذي أمر الله بشهود عذاب الزانـيـين البِكْرين، فقال بعضهم: أقله واحد. ذكر من قال ذلك:

حدثنا مـحمد بن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفـيان، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، قال: الطائفة: رجل.

حدثنا علـيّ بن سهل بن موسى بن إسحاق الكنانـيّ وابن القوّاس، قالا: ثنا يحيى بن عيسى، عن سفـيان، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، فـي قول الله:{ وَلْـيَشْهَدْ عَذَابَهُما طائِقَةٌ مِنَ الـمُؤْمِنِـينَ } قال: الطائفة رجل. قال علـيّ: فما فوق ذلك وقال ابن القوّاس: فأكثر من ذلك.

حدثنا علـيّ، قال: ثنا زيد، عن سفـيان، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، قال: الطائفة: رجل.

حدثنا يعقوب، قال: ثنا ابن عُلَـية، قال: قال ابن أبـي نـجيح:{ وَلْـيَشْهَدْ عَذَابَهُما طائِفَةٌ مِنَ الـمُؤْمِنِـينَ} قال مـجاهد: أقله رجل.

حدثنـي يعقوب، قال: ثنا هشيـم، قال: أخبرنا أبو بشر، عن مـجاهد، فـي قوله:{ وَلْـيَشْهَدْ عَذَابَهُما طائِفَةٌ مِنَ الـمُؤْمِنِـينَ} قال: الطائفة: الواحد إلـى الألف.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا مـحمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن أبـي بشر، عن مـجاهد فـي هذه الآية:{ وَلْـيَشْهَدْ عَذَابَهُما طائِفَةٌ مِن الـمُؤْمِنـينَ } قال: الطائفة واحد إلـى الألف

{ وَإنْ طائِفَتانِ مِنَ الـمُؤْمنِـينَ اقْتَتَلُوا فأَصْلِـحُوا بَـيْنَهُما }

حدثنا ابن الـمثنى، قال: ثنـي وهب بن جرير، قال: ثنا شعبة، عن أبـي بشر، عن مـجاهد، قال: الطائفة: الرجل الواحد إلـى الألف، قال:{ وَإنْ طائِفَتانِ مِنَ الـمُؤْمِنِـينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِـحُوا بَـيْنَهُما}: إنـما كانا رجلـين.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: سمعت عيسى بن يونس، يقول: ثنا النعمان بن ثابت، عن حماد وإبراهيـم قالا: الطائفة: رجل.

حدثنا الـحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا الثوريّ، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، فـي قوله:{ وَلْـيَشْهَدْ عَذَابَهُما طائِفَةٌ مِنَ الـمُؤْمِنِـينَ } قال: الطائفة: رجل واحد فما فوقه.

وقال آخرون: أقله فـي فـي هذا الـموضع رجلان.

ذكر من قال ذلك:

حدثنـي يعقوب بن إبراهيـم، قال: ثنا ابن عُلَـية، قال: ثنا ابن أبـي نـجيح، فـي قوله:{ وَلْـيَشْهَدْ عَذَابَهُما طائِفَةٌ مِنَ الـمُؤْمِنِـينَ} قال: قال عطاء: أقله رجلان.

حدثنـي القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جُرَيج، قال: أخبرنـي عمر بن عطاء عن عكرمة قال: لـيحضر رجلان فصاعداً.

وقال آخرون: أقلّ ذلك ثلاثة فصاعداً.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنا عيسى بن يونس، عن ابن أبـي ذئب، عن الزهريّ، قال: الطائفة: الثلاثة فصاعداً.

حدثنا مـحمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا مـحمد بن ثور، عن معمر، عن قَتادة، فـي قوله:{ وَلْـيَشْهَدْ عَذَابَهُما طائِفَةٌ مِنَ الـمُؤْمِنِـينَ} قال: نفر من الـمسلـمين.

حدثنا الـحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قَتادة، مثله.

حدثنـي أبو السائب، قال: ثنا حفص بن غياث، قال: ثنا أشعث، عن أبـيه، قال: أتـيت أبـا بَرْزة الأسلـميّ فـي حاجة وقد أخرج جارية إلـى بـاب الدار وقد زنت، فدعا رجلاً فقال: اضربها خمسين فدعا جماعة، ثم قرأ:{ وَلْـيَشْهَدْ عَذَابَهُما طائِفَةٌ مِنَ الـمُؤْمِنِـينَ}.

حدثنا أبو هشام الرفـاعيّ، قال: ثنا يحيى، عن أشعث، عن أبـيه، أن أبـا بَرْزة أمر ابنه أن يضرب جارية له ولدت من الزنا ضربـاً غير مبرِّح، قال: فألقـى علـيها ثوبـا وعنده قوم، وقرأ:{ وَلْـيَشْهَدْ عَذَابَهُما } الآية.

وقال آخرون: بل أقلّ ذلك أربعة.

ذكر من قال ذلك:

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله:{ وَلْـيَشْهَدْ عَذَابَهُما طائِفَةٌ مِنَ الـمُؤْمِنِـينَ } قال: فقال: الطائفة التـي يجب بها الـحدّ أربعة.

وأولـى الأقوال فـي ذلك بـالصواب قول من قال: أقلّ ما ينبغي حضور ذلك من عدد الـمسلـمين: الواحد فصاعداً وذلك أن الله عمّ بقوله:{ وَلْـيَشْهَدْ عَذَابَهُما طائِفَةٌ } والطائفة: قد تقع عند العرب علـى الواحد فصاعداً. فإذا كان ذلك كذلك، ولـم يكن الله تعالـى ذكره وضع دلالة علـى أن مراده من ذلك خاصّ من العدد، كان معلوماً أن حضور ما وقع علـيه أدنى اسم الطائفة ذلك الـمـحضر مخرج مقـيـم الـحدّ مـما أمره الله به بقوله:{ وَلَـيَشْهَدْ عَذَابَهُما طائِفَةٌ مِنَ الـمُؤْمِنِـينَ}. غير أنـي وإن كان الأمر علـى ما وصفت، أستـحبّ أن لا يقصر بعدد من يحضر ذلك الـموضع عن أربعة أنفس عدد من تقبل شهادته علـى الزنا لأن ذلك إذا كان كذلك فلا خلاف بـين الـجمع أنه قد أدّى الـمقـيـم الـحدّ ما علـيه فـي ذلك، وهم فـيـما دون ذلك مختلفون.

ٱلزَّانِى لَا يَنكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَٱلزَّانِيَةُ لَا يَنكِحُهَآ إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَٰلِكَ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ ۝٣

اختلف أهل التأويـل فـي تأويـل ذلك، فقال بعضهم: نزلت هذه الآية فـي بعض من استأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم فـي نكاح نسوة كنّ معروفـات بـالزنا من أهل الشرك، وكنّ أصحاب رايات، يُكْرِين أنفسهنّ، فأنزل الله تـحريـمهنّ علـى الـمؤمنـين، فقال: الزانـي من الـمؤمنـين لا يتزوّج إلاَّ زانـية أو مشركة، لأنهنّ كذلك والزانـية من أولئك البغايا لا ينكحها إلاَّ زان من الـمؤمنـين أو الـمشركين أو مشرك مثلها، لأنهنّ كنّ مشركات.{ وَحُرِّمَ ذلكَ عَلـى الـمُؤْمِنِـينَ} فحرّم الله نكاحهنّ فـي قول أهل هذه الـمقالة بهذه الآية.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا مـحمد بن عبد الأعلـى، قال: ثنا الـمعتـمر، عن أبـيه، قال: ثنـي الـحضرميّ، عن القاسم بن مـحمد، عن عبد الله بن عمرو: أن رجلاً من الـمسلـمين استأذن نبـيّ الله فـي امرأة يقال لها أمّ مهزول، كانت تسافح الرجل وتشترط له أن تنفق علـيه، وأنه استأذن فـيها نبـيّ الله صلى الله عليه وسلم وذكر له أمرها، قال: فقرأ نبـيّ الله صلى الله عليه وسلم:{ الزَّانِـيَةُ لا يَنْكِحُها إلاَّ زَانٍ أوْ مُشْرِكٌ} أو قال: فأنزلت الزانـية....

حدثنـي يعقوب بن إبراهيـم، قال: ثنـي هُشَيـم، عن التـيـميّ، عن القاسم بن مـحمد، عن عبد الله بن عمرو فـي قوله:{ الزَّانـي لا يَنْكِحُ إلاَّ زَانِـيَةً أوْ مُشْرِكَةً، وَالزَّانِـيَةُ لا يَنْكِحُها إلاَّ زَانٍ أوْ مُشْرِكٌ} قال: كنّ نساء معلومات، قال: فكان الرجل من فقراء الـمسلـمين يتزوّج الـمرأة منهنّ لتنفق علـيه، فنهاهم الله عن ذلك.

قال: أخبرنا سلـيـمان التـيـمي، عن سعيد بن الـمسيب، قال: كنّ نساء موارد بـالـمدينة.

حدثنا أحمد بن الـمِقدام، قال: ثنا الـمعتـمر، قال: سمعت أبـي، قال: ثنا قَتادة، عن سعيد بن الـمسيب فـي هذه الآية:{ وَالزَّانِـيَةُ لا يَنْكِحُها إلاَّ زَانٍ أوْ مُشْرِكٌ} قال: نزلت فـي نساء موارد كنّ بـالـمدينة.

حدثنا ابن الـمثنى، قال: ثنا عمرو بن عاصم الكلابـيّ، قال: ثنا معتـمر، عن أبـيه، عن قَتادة، عن سعيد، بنـحوه.

حدثنا مـحمد بن الـمثنى، قال: ثنا عبد الأعلـى، قال: ثنا داود، عن رجل، عن عمرو بن سعيد، قال: كان لـمرثَد صديقة فـي الـجاهلـية يقال لها عِناق، وكان رجلاً شديداً، وكان يقال له دُلْدُل، وكان يأتـي مكة فـيحمل ضَعَفة الـمسلـمين إلـى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلقـي صديقته، فدعته إلـى نفسها، فقال: إن الله قد حرّم الزنا فقالت: أنَّى تَبْرُز فخشي أن تشيع علـيه، فرجع إلـى الـمدينة، فأتـى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله كانت لـي صديقة فـي الـجاهلـية، فهل ترى لـي نكاحها؟ قال: فأنزل الله:{ الزَّانـي لا يَنْكِحُ إلاَّ زَانِـيَةً أوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِـيَةُ لا يَنْكِحُها إلاَّ زَانٍ أوْ مُشْرِكٌ} قال: كنّ نساء معلومات يُدْعَوْن القلـيقـيات.

حدثنا ابن الـمثنى، قال: ثنا مـحمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن إبراهيـم بن مهاجر، قال: سمعت مـجاهداً يقول فـي هذه الآية:{ الزَّانـي لا يَنْكِحُ إلاَّ زَانِـيَةً أوْ مُشَرِكَةً} قال: كنّ بغايا فـي الـجاهلـية.

حدثنـي يعقوب بن إبراهيـم، قال: ثنا هشيـم، عن عبد الـملك، عمن أخبره، عن مـجاهد، نـحواً من حديث ابن الـمثنى، إلاَّ أنه قال: كانت امرأَة منهنّ يقال لها: أمّ مهزول يعنـي فـي قوله:{ الزَّانِـي لا ينْكِحُ إلاَّ زَانِـيَةً أوْ مُشْرِكَةً } قال: فكنّ نساء معلومات، قال: فكان الرجل من فقراء الـمسلـمين يتزوّج الـمرأة منهنّ لتنفق علـيه، فنهاهم الله عن ذلك. هذا من حديث التـيـميّ.

حدثني مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء جميعاً، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، فـي قول الله:{ الزَّانـي لا يَنْكحُ إلاَّ زَانـيَةً} قال: رجال كانوا يريدون الزنا بنساء زوان بغايا متعالـمَات كنّ فـي الـجاهلـية، فقـيـل لهم هذا حرام، فأرادوا نكاحهن، فحرم الله علـيهم نكاحهن.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مـجاهد، بنـحوه، إلاَّ أنه قال: بغايا مُعْلِنات كنّ كذلك فـي الجاهلية.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبـي، عن هشام بن عروة، عن أبـيه وإسماعيـل بن أبـي خالد، عن الشعبـيّ وابن أبـي ذئب، عن شعبة، عن ابن عبـاس، قال: كنّ بغايا فـي الـجاهلـية، علـى أبوابهنّ رايات مثل رايات البـيطار يعرفن بها.

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن قـيس بن سعد، عن عطاء بن أبـي ربـاح، عن ابن عبـاس، قال: نساء بغايا متعالـمَات، حرّم الله نكاحهنّ، لا ينكحهنّ إلاَّ زان من الـمؤمنـين أو مشرك من الـمشركين.

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس، قوله:{ الزَّانِـي لا يَنْكحُ إلاَّ زَانِـيَةً أوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانـيَةُ لا يَنْكِحُها إلاَّ زَانٍ أوْ مُشْرِكٌ وحُرِّمَ ذلكَ عَلـى الـمُؤْمِنـينَ} قال: كانت بـيوتٌ تسمى الـمواخير فـي الـجاهلـية، وكانوا يؤاجرون فـيها فتـياتهنّ، وكانت بـيوتاً معلومة للزنا، لا يدخـل علـيهنّ ولا يأتـيهنّ إلاَّ زان من أهل القبلة أو مشرك من أهل الأوثان، فحرّم الله ذلك علـى الـمؤمنـين.

حدثنـي يعقوب، قال: ثنا ابن علـية، عن ابن جُرَيج، عن عطاء، فـي قوله:{ الزَّانِـي لا يَنْكِحُ إلاَّ زَانـيَةً أوْ مُشْرِكَةً والزَّانِـيَةُ لا يَنْكِحُها إلاَّ زَانٍ أوْ مُشْرِكٌ} قال: بغايا متعالـمَات كنّ فـي الـجاهلـية بغيّ آل فلان وبغيّ آل فلان، فأنزل الله:{ الزَّانِـي لا يَنْكِحُ إلاَّ زَانِـيَةً أوْ مُشْرِكَةً والزَّانـيَةُ لا يَنْكِحُها إلاَّ زَانٍ أوْ مُشْرِكٌ وَحُرّمَ ذلكَ عَلـى الـمُؤْمِنِـينَ} فحكم الله بذلك من أمر الـجاهلـية علـى الإسلام. فقال له سلـيـمان بن موسى: أبلغك ذلك عن ابن عبـاس؟ فقال: نعم.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جُرَيج، قال: سمعت عطاء بن أبـي ربـاح يقول فـي ذلك: كنّ بغايا متعالـمَات بغيّ آل فلان وبغيّ آل فلان، وكنّ زوانـي مشركات، فقال: {الزّانِـي لا يَنْكِحُ إلاَّ زَانِـيَةً أوْ مُشْرِكَةً والزَّانِـيَةُ لا يَنْكِحُها إلاَّ زَانٍ أوْ مُشْرِكٌ وَحُرّمَ ذلكَ عَلـى الـمُؤْمِنِـينَ } قال: أَحَكَم الله من أمر الـجاهلـية بهذا. قـيـل له: أبلغك هذا عن ابن عبـاس؟ قال: نعم.

قال ابن جريج: وقال عكرِمة: إنه كان يسمِّي تسعا بعد صواحب الرايات، وكنّ أكثر من ذلك، ولكن هؤلاء أصحاب الرايات: أمّ مهزول جارية السائب بن أبـي السائب الـمخزوميّ، وأمّ عُلَـيط جارية صفوان بن أمية، وحنّة القبطية جارية العاصي ابن وائل، ومَرِيّة جارية مالك بن عميـلة بن السبـاق بن عبد الدار، وحلالة جارية سهيـل بن عمرو، وأمّ سويد جارية عمرو بن عثمان الـمخزومي، وسريفة جارية زمعة بن الأسود، وفرسة جارية هشام بن ربـيعة بن حبـيب بن حذيفة بن جبل بن مالك بن عامر بن لؤُيّ، وقريبـا جارية هلال بن أنس بن جابر بن نـمر بن غالب بن فهر.

حدثنا مـحمد بن عبد الأعلـى، قال: ثنا مـحمد بن ثور، عن معمر، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، وقال الزهري وقتادة، قالوا: كان فـي الـجاهلـية بغايا معلوم ذلك منهنّ، فأراد ناس من الـمسلـمين نكاحهنّ، فأنزل الله: {الزَّانِـي لا يَنْكِحُ إلاَّ زَانِـيَةً أوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِـيَةُ لا يَنْكِحُها إلاَّ زَانٍ أوْ مُشْرِكٌ... } الآية.

حدثنا الـحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن ابن نـجيح، عن مـجاهد، وقاله الزهريّ وقتادة، قالوا: كانوا فـي الـجاهلـية بغايا، ثم ذكر نـحوه.

حدثنا ابن عبد الأعلـى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن ابن أبـي نـجيح، عن القاسم بن أبـي بَزّة: كان الرجل ينكح الزانـية فـي الـجاهلـية التـي قد علـم ذلك منها يتـخذها مَأْكلة، فأراد ناس من الـمسلـمين نكاحهنّ علـى تلك الـجهة، فُنهوا عن ذلك.

حدثنا الـحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن ابن أبـي نـجيح، قال: قال القاسم بن أبـي بزّة، فذكر نـحوه.

حدثنـي يعقوب، قال: ثنا هشيـم، قال: أخبرنا سلـيـمان التـيـميّ، عن سعيد بن الـمسيب، قال: كنّ نساء مَواردَ بـالـمدينة.

حدثنا أبو كُريب، قال: ثنا ابن إدريس، قال: أخبرنا عبد الـملك بن أبـي سلـيـمان، عن سعيد بن جُبـير: أن نساء فـي الـجاهلـية كنّ يُؤاجرن أنفسهنّ، وكان الرجل إنـما ينكح إحداهنّ يريد أن يصيب منها عَرَضاً، فنهوا عن ذلك، ونزل:{ الزّانِـي لا يَنْكِحُ إلاَّ زَانِـيَةً أوْ مُشْرِكَةً والزَّانِـيَةُ لا يَنْكِحُها إلاَّ زَانٍ أوْ مُشْرِكٌ} ومنهنّ امرأة يقال لها أمّ مهزول.

حدثنا أبو كُريب، قال: ثنا جابر بن نوح، عن إسماعيـل، عن الشعبـيّ، فـي قوله:{ الزَّانِـي لا يَنْكِح إلاَّ زَانـيَةً أوْ مُشْرِكَةً والزَّانـيَةُ لا يَنْكِحُها إلاَّ زَانٍ أوْ مُشْرِكٌ} قال: كنّ نساء يُكْرِين أنفسهنّ فـي الـجاهلـية.

وقال آخرون: معنى ذلك: الزانـي لا يزني إلاَّ بزانـية أو مشركة، والزانـية لا يزنى بها إلاَّ زان أو مشرك. قالوا: ومعنى النكاح فـي هذا الـموضع: الـجماع.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا هناد، قال: ثنا أبو الأحوص، عن حُصَين، عن عكرِمة، عن ابن عبـاس، فـي قول الله:{ الزَّانِـي لا يَنْكِحُ إلاَّ زَانِـيَةً أوْ مُشْرِكَةً } قال: لا يزنى إلاَّ بزانـية أو مشركة.

حدثنا ابن الـمثنى، قال: ثنا مـحمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن يَعْلَـى بن مسلـم، عن سعيد بن جُبـير أنه قال فـي هذه الآية:{ وَالزَّانِـيَةُ لا يَنْكِحُها إلاَّ زانٍ أوْ مُشْرِكٌ} قال: لا يزني الزانـي إلاَّ بزانـية مثله أو مشركة.

حدثنا الـحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن ابن شُبْرُمة، عن سعيد بن جُبـير وعكرمة فـي قوله:{ الزَّانِـي لا يَنْكِحُ إلاَّ زَانِـيَةً أوْ مُشْرِكَةً } قالا: هو الوطء.

حدثنا ابن عبد الأعلـى، قال: ثنا مـحمد، عن معمر، قال: قال سعيد بن جُبـير ومـجاهد:{ الزَّانِـي لا يَنْكِحُ إلاَّ زَانِـيَةً أوْ مُشْرِكَةً } قالا: هو الوطء.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبـي عن سلـمة بن نبـيط، عن الضحاك بن مزاحم وشعبة، عن يعلـى بن مسلـم، عن سعيد بن جُبـير، قوله:{ الزَّانـي لا يَنْكِحُ إلاَّ زَانِـيَةً أوْ مُشْرِكَةً والزَّانـيَةُ لا يَنْكِحُها إلاَّ زَانٍ أوْ مُشْرِكٌ} قالا: لا يزنـي الزانـي حين يزنـي إلاَّ بزانـية مثله أو مشركة، ولا تزنـي مشركة إلاَّ بـمثلها.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قول الله:{ الزَّانـي لا يَنْكِحُ إلاَّ زَانِـيَةً أوْ مُشْرِكَةً والزَّانِـيَةُ لا يَنْكِحُها إلاَّ زَانٍ أوْ مُشْرِكٌ } قال: هؤلاء بغايا كنّ فـي الـجاهلـية، والنكاح فـي كتاب الله الإصابة، لا يصيبها إلاَّ زان أو مشرك، لا يحرم الزنا، ولا تصيب هي إلاَّ مثلها. قال: وكان ابن عبـاس يقول: بغايا كنّ فـي الـجاهلـية.

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء جميعاً، عن ابن أبـي نـجيح، عن قـيس بن سعد، عن سعيد بن جُبير، قال: إذا زنى بها فهو زان.

حدثنا علـيّ، قال: ثنا عبد الله، قال: ثنا معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس، قوله:{ الزَّانـي لا يَنْكِحُ إلاَّ زَانـيَةً أوْ مُشْرِكَةً} قال: الزانـي من أهل القبلة لا يزني إلاَّ بزانـية مثله أو مشركة. قال: والزانـية من أهل القبلة لا تزني إلاَّ بزان مثلها من أهل القبلة أو مشرك من غير أهل القبلة. ثم قال:{ وَحُرّمَ ذلكَ علـى الـمُؤْمِنـينَ}.

وقال آخرون: كان هذا حكم الله فـي كلّ زان وزانـية، حتـى نسخه بقوله:

{ وأنْكِحُوا الأيامَى منْكُمْ }، فأحلّ نكاح كلّ مسلـمة وإنكاح كلّ مسلـم. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي يعقوب، قال: ثنا هشيـم، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن الـمسيب، فـي قوله:{ الزّانـي لا يَنْكِحُ إلاَّ زَانِـيَةً أوْ مُشْرِكَةً والزَّانِـيَةُ لا يَنْكِحُها إلاَّ زَانٍ أوْ مُشْرِكٌ وحُرّم ذلكَ عَلـى الـمُؤْمِنِـينَ} قال: يَرَوْن الآية التـي بعدها نسختها:

{ وأنْكِحُوا الأيامَى مِنْكُمْ }قال: فهن من أيامى الـمسلـمين.

حدثنا القاسم، قال ثنا الـحسين قال: ثنـي حجاج، عن ابن جُرَيج، قال: أخبرنـي يحيى بن سعيد، عن سعيد بن الـمسيب:{ الزَّانـي لا يَنْكِحُ إلاَّ زَانِـيَةً أوْ مُشْرِكَةً والزَّانِـيَةُ لا يَنْكِحُها إلاَّ زَانٍ أوْ مُشْرِكٌ } قال: نسختها التـي بعدها:

{ وأنْكِحُوا الأيامَى مِنْكُمْ } وقال: إنهنّ من أيامى الـمسلـمين.

حدثنا ابن عبد الأعلـى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، قال: وذكر عن يحيى، عن ابن الـمسيب، قال: نسختها: وأنْكِحُوا الأيامَى مِنْكُمْ.

حدثنا الـحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن الـمسيب، قال: نسختها قوله: وأنْكِحُوا الأيامَى.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا أنس بن عياض، عن يحيى، قال: ذكر عند سعيد بن الـمسيب:{ الزّانِـي لا يَنْكِحُ إلاَّ زَانِـيَةً أوْ مُشْرِكَةً} قال: فسمعته يقول: إنها قد نسختها التـي بعدها. ثم قرأها سعيد، قال: يقول الله:{ الزَّانِـي لا يَنْكِحُ إلاَّ زَانِـيَةً أوْ مُشْرِكَةً} ثم يقول الله:

{ وأنْكِحُوا الأيامَى مِنْكُمْ } فهنّ من أيامى الـمسلـمين.

قال أبو جعفر: وأولـى الأقوال فـي ذلك عندي بـالصواب قول من قال: عُنـي بـالنكاح فـي هذا الـموضع الوطء، وأن الآية نزلت فـي البغايا الـمشركات ذوات الرايات وذلك لقـيام الـحجة علـى أن الزانـية من الـمسلـمات حرام علـى كلّ مشرك، وأن الزانـي من الـمسلـمين حرام علـيه كلّ مشركة من عَبَدة الأوثان. فمعلوم إذ كان ذلك كذلك أنه لـم يُعْنَ بـالآية أن الزانـي من الـمؤمنـين لا يعقد عقد نكاح علـى عفـيفة من الـمسلـمات ولا ينكح إلاَّ بزانـية أو مشركة. وإذ كان ذلك كذلك، فبـين أن معنى الآية: الزانـي لا يزنـي إلاَّ بزانـية لا تستـحلّ الزنا أو بـمشركة تستـحلّه.

وقوله:{ وَحُرّمَ ذلكَ عَلـى الـمُؤْمِنِـينَ} يقول: وحرّم الزنا علـى الـمؤمنـين بـالله ورسوله، وذلك هو النكاح الذي قال جلّ ثناؤه:{ الزّانـي لا يَنْكِحُ إلاَّ زَانِـيَةً}.

وَٱلَّذِينَ يَرْمُونَ ٱلْمُحْصَنَٰتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا۟ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَآءَ فَٱجْلِدُوهُمْ ثَمَٰنِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا۟ لَهُمْ شَهَٰدَةً أَبَدًا وَأُو۟لَٰٓئِكَ هُمُ ٱلْفَٰسِقُونَ ۝٤

يقول تعالـى ذكره: والذين يَشْتُـمون العفـائف من حرائر الـمسلـمين، فـيرمونهنّ بـالزنا، ثم لـم يأتوا علـى ما رمَوْهن به من ذلك بأربعة شهداء عُدول يشهدون علـيهنّ أنهنّ رأوهنّ يفعلن ذلك، فـاجلدوا الذين رمَوْهنّ بذلك ثمانـين جلدة، ولا تقبلوا لهم شهادة أبداً، وأولئك هم الذين خالفوا أمر الله وخرجوا من طاعته ففسقوا عنها.

وذُكر أن هذه الآية إنـما نزلت فـي الذين رموا عائشة زوج النبـيّ صلى الله عليه وسلم بـما رموها به من الإفك.

ذكر من قال ذلك:

حدثنـي أبو السائب وإبراهيـم بن سعيد، قالا: ثنا ابن فضيـل، عن خَصِيف، قال: قلت لسعيد بن جُبـير: الزنا أشدّ، أو قذف الـمـحصنة؟ قال: لا، بل الزنا. قلت: إن الله يقول: {والَّذِين يَرْمُونَ المُحصَناتِ} قال: إنـما هذا فـي حديث عائشة خاصة.

حُدثت عن الـحسين، قال: سمعت أبـا معاذ يقول: أخبرنا عبـيد، قال: سمعت الضحاك يقول فـي قوله:{ الّذِينَ يَرْمُونَ الـمُـحْصَناتِ ثُمَّ لَـمْ يَأْتُوا بأرْبَعَةِ شُهَدَاءَ... } الآية فـي نساء الـمسلـمين.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله:{ وأُولَئكَ هُمُ الفـاسقونَ} قال: الكاذبون.

إِلَّا ٱلَّذِينَ تَابُوا۟ مِنۢ بَعْدِ ذَٰلِكَ وَأَصْلَحُوا۟ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ۝٥

اختلف أهل التأويـل فـي الذي استثنـي منه قوله: { إلاَّ الَّذِينَ تابُوا منْ بَعْدِ ذَلكَ وأصْلَـحُوا} فقال بعضهم: استثنـي من قوله:

{ وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهادَةً أبَداً وأُولَئِكَ هُمُ الفـاسِقُونَ } وقالوا: إذا تاب القاذف قُبلت شهادته وزال عنه اسم الفسق، حُدّ فـيه أو لـم يحدّ.

ذكر من قال ذلك:

حدثنـي أحمد بن حماد الدّولابـيّ، قال: ثنـي سفـيان، عن الزهري، عن سعيد إن شاء الله، أن عمر قال لأبـي بكرة: إن تبت قبلت شهادتك، أو رَدَّيْت شهادتك.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن ابن إسحاق، عن الزهري، عن سعيد بن الـمسيب: أن عمر بن الـخطاب ضرب أبـا بكرة وشبلَ بن معبد ونافع بن الـحارث بن كَلَدة حَدّهم. وقال لهم: من أكذب نفسه أجزت شهادته فـيـما استقبل، ومن لـم يفعل لـم أجز شهادته. فأكذب شبلٌ نفسَه ونافع، وأبى أبو بكرة أن يفعل. قال الزهريّ: هو والله سُنّة فـاحفظوه.

حدثنا ابن أبـي الشوارب، قال: ثنا يزيد بن زُرَيع، قال: ثنا داود، عن الشعبـيّ، قال: إذا تاب يعنـي القاذف ولـم يعلـم منه إلاَّ خير، جازت شهادته.

حدثنا عمران بن موسى، قال: ثنا عبد الوارث، قال: ثنا داود، عن الشعبـي، قال: علـى الإمام أن يستتـيب القاذف بعد الـجَلْد، فإن تاب وأونس منه خير جازت شهادته، وإن لـم يتب فهو خليع لا تـجوز شهادته.

حدثنا ابن الـمثنى، قال: ثنا عبد الوارث، قال: ثنا داود، عن عامر، أنه قال فـي القاذف: إذا تاب وعلـم منه خير إن شهادته جائزة، وإن لـم يتب فهو خـلـيع لا تـجوز شهادته، وتوبته إكذابه نفسه.

قال: ثنا ابن أبـي عديّ، عن داود، عن الشعبـيّ، نـحوه.

حدثنا أبو كريب وأبو السائب، قالا: ثنا ابن إدريس، قال: أخبرنا داود بن أبـي هند، عن الشعبـيّ، قال فـي القاذف: إذا تاب وأكذب نفسه قُبلت شهادته، وإلا كان خـلـيعا لا شهادة له لأن الله يقول:

{ لَوْلا جاءُوا عَلَـيْهِ بأرْبَعَةِ شُهَدَاءَ... } إلـى آخر الآية.

حدثنـي يعقوب، قال: ثنا هشيـم، قال: أخبرنا داود بن أبـي هند، عن الشعبـيّ أنه كان يقول فـي شهادة القاذف: إذا رجع عن قوله حين يُضرب، أو أكذب نفسه، قُبلت شهادته.

قال: ثنا هشيـم، عن إسماعيـل بن أبـي خالد، عن الشعبـي أنه كان يقول: يقبل الله توبته، وتردّون شهادته؟ وكان يقبل شهادته إذا تاب.

قال: أخبرنا إسماعيـل عن الشعبـيّ أنه كان يقول فـي القاذف: إذا شهد قبل أن يُضرب الـحدّ، قُبلت شهادته.

قال: ثنا هشيـم، قال: أخبرنا عبـيدة عن إبراهيـم، وإسماعيـل بن سالـم عن الشعبـي، أنهما قالا فـي القاذف: إذا شهد قبل أن يُجلد فشهادته جائزة.

حدثنـي يعقوب، قال: قال أبو بشر، يعنـي ابن عُلَـية، سمعت ابن أبـي نـجيح يقول: القاذف إذا تاب تـجوز شهادته. وقال: كنا نقوله. فقـيـل له: من؟ قال: قال عطاء وطاوس ومـجاهد.

حدثنا ابن بشار، وابن الـمثنى، قالا: ثنا مـحمد بن خالد بن عَثْمة، قال: ثنا سعيد بن بشير، عن قتادة، عن عمر بن طلـحة، عن عبد الله، قال: إذا تاب القاذف جلد وجازت شهادته. قال أبو موسى: هكذا قال ابن أبـي عَثْمة.

حدثنا ابن بشار وابن الـمثنى، قالا: ثنا ابن أبـي عَثْمة، قال: ثنا سعيد بن بشير، عن قَتادة، عن سلـيـمان بن يسار والشعبـي قالا: إذا تاب القاذف عند الـجلد جازت شهادته.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الأعلـى، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة: أن عمر بن عبد الله بن أبـي طلـحة جلد رجلاً فـي قذف، فقال: أَكْذِبْ نفسك حتـى تـجوز شهادتك

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفـيان، عن أبـي الهيثم، قال: سمعت إبراهيـم والشعبـيّ يتذاكران شهادة القاذف، فقال الشعبـيّ لإبراهيـم: لِـم لا تقبل شهادته؟ فقال: لأنـي لا أدري تاب أم لا.

قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا عبد الله بن الـمبـارك، عن مـجالد، عن الشعبـيّ، عن مسروق، قال: تُقبل شهادته إذا تاب.

قال: ثنا عبد الله بن الـمبـارك، عن يعقوب بن القعقاع، عن مـحمد بن زيد، عن سعيد بن جبـير، مثله.

قال: ثنا عبد الله بن الـمبـارك، عن ابن جُرَيج، عن عمران بن موسى، قال: شهدت عمر بن عبد العزيز أجاز شهادة القاذف ومعه رجل.

حدثنا ابن الـمثنى، قال: ثنا مـحمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن الـحكم، قال: قال الشعبـيّ: إذا تاب جازت شهادته، قال ابن الـمثنى. قال: عندي، يعنـي فـي القذف.

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا ابن إدريس، قال: أخبرنا مسعر، عن عمران بن عمير: أن عبد الله بن عتبة كان يجيز شهادة القاذف إذا تاب.

حدثنـي يعقوب، قال: ثنـي هشيـم، عن جويبر، عن الضحاك، قال: إذا تاب وأصلـح قُبلت شهادته يعنـي القاذف.

حدثنا ابن عبد الأعلـى، قال: أخبرنا ابن ثور، عن معمر، عن قَتادة، عن ابن الـمسيب، قال: تقبل شهادة القاذف إذا تاب.

حدثنا الـحسن، قال: ثنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قَتادة، عن ابن الـمسيب، مثله.

حدثنا ابن عبد الأعلـى، قال: ثنا مـحمد، عن معمر، قال: قال الزُهريّ: إذا حدّ القاذف، فإنه ينبغي للإمام أن يستتـيبه، فإن تاب قُبلت شهادته، وإلاَّ لـم تقبل. قال: كذلك فعل عمر بن الـخطاب بـالذين شهدوا علـى الـمغيرة بن شعبة، فتابوا إلاَّ أبـا بكرة، فكان لا تقبل شهادته.

وقال آخرون: الاستثناء فـي ذلك من قوله:

{ وَأُولَئِكَ هُمُ الفَـاسِقُون }

وأما قوله:

{ وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهادَةً أبَداً } فقد وصل بـالأبد ولا يجوز قبولها أبدا. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن أبـي الشوارب، قال: ثنا يزيد بن زريع، قال: ثنا أشعث بن سوّار، قال: ثنـي الشعبـيّ، قال: كان شريح يجيز شهادة صاحب كلّ عمل إذا تاب إلاَّ القاذف، فإن توبته فـيـما بـينه وبـين ربه ولا نـجيز شهادته.

حدثنا حميد بن مسعدة، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا أشعث بن سوار، قال: ثنا الشعبـيّ، عن شُريح بنـحوه، غير أنه قال: صاحب كلّ حدّ إذا كان عدلاً يوم شهد.

حدثنـي أبو السائب، قال: ثنا أبو معاوية عن الأعمش، عن إبراهيـم، عن شريح، قال: كان لا يجيز شهادة القاذف، ويقول: توبته فـيـما بـينه وبـين ربه.

حدثنا أبو كريب وأبو السائب، قالا: ثنا ابن إدريس، عن مُطَرَّف، عن أبـي عثمان، عن شريح فـي القاذف: يقبل الله توبته، ولا أقبل شهادته.

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا ابن إدريس، قال: أخبرنا أشعث، عن الشعبـيّ، قال: أتاه خصمان، فجاء أحدهما بشاهد أقطع، فقال الـخصم: ألا ترى ما به؟ قال: قد أراه. قال: فسأل القوم، فأثنوا علـيه خيرا، فقال شريح: نـجيز شهادة كل صاحب حدّ، إذا كان يوم شهد عدلاً إلاَّ القاذف، فإن توبته فـيـما بـينه وبـين ربه.

حدثنا أبو السائب، قال: ثنا ابن إدريس، قال: أخبرنا أشعث، عن الشعبـيّ، قال: جاء خصمان إلـى شُرَيح، فجاء أحدهما ببـينة، فجاء بشاهد أقطع، فقال الـخصم: ألا ترى إلـى ما به؟ فقال شريح: قد رأيناه، وقد سألنا القوم فأثنوا خيرا. ثم ذكر سائر الـحديث، نـحو حديث أبـي كريب.

حدثنـي يعقوب، قال: ثنا هشيـم، قال: أخبرنا الشيبـانـيّ، عن الشعبـيّ، عن شريح أنه كان يقول: لا تُقبل له شهادة أبدا، توبته فـيـما بـينه وبـين ربه يعنـي القاذف.

قال: ثنا هشيـم، قال: أخبرنا الأشعث، عن الشعبـيّ، بأن ربـابـا قطع رجلاً فـي قَطْعِ الطريق، قال: فقطع يده ورجله. قال: ثم تاب وأصلـح، فشهد عند شريح، فأجاز شهادته. قال: فقال الـمشهود علـيه: أتـجيز شهادته علـيّ وهو أقطع؟ قال: فقال شريح: كل صاحب حدّ إذا أقـيـم علـيه ثم تاب وأصلـح، فشهادته جائزة إلاَّ القاذف.

حدثنا ابن الـمثنى، قال: ثنا أبو الولـيد، قال: ثنا شعبة، قال الـمغيرة: أخبرنـي، قال: سمعت إبراهيـم يحدّث عن شريح، قال: قضاء من الله لا تقبل شهادته أبدا، توبته فـيـما بـينه وبـين ربه. قال أبو موسى: يعنـي القاذف.

حدثنـي يعقوب، قال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا مغيرة، عن إبراهيم، قال: قال شريح: لا يقبل الله شهادته أبدا.

حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا أبو الوليد، قال: ثنا حماد، عن قَتادة، عن سعيد بن المسيب، قال: لا تـجوز شهادة القاذف، توبته فيما بينه وبين الله.

حدثناابن بشار، قال: ثنا ابن عبد الأعلـى، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة، عن الـحسن، أنه قال: القاذف توبته فـيـما بـينه وبـين الله، وشهادته لا تُقبل.

حدثنا ابن الـمثنى، قال: ثنا أبو الولـيد، قال: ثنا حماد، عن قَتادة، عن سعيد بن الـمسيب، قال: لا تـجوز شهادة القاذف، توبته فـيـما بـينه وبـين الله.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الأعلـى، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة، عن الـحسن، أنه قال: القاذف توبته فـيـما بـينه وبـين الله، وشهادته لا تُقبل.

حدثنا ابن الـمثنى، قال: ثنا مـحمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن الـحكم، عن إبراهيـم أنه قال فـي الرجل يُجْلَد الـحدّ، قال: لا تـجوز شهادته أبدا.

حدثنـي يعقوب، قال: ثنا هشيـم، قال: أخبرنا مغيرة، عن إبراهيـم: أنه كان لا يقبل له شهادة أبدا، وتوبته فـيـما بـينه وبـين الله يعنـي القاذف.

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا معتـمر بن سلـيـمان، عن حجاج، عن عمرو بن شعيب، عن أبـيه، عن جدّه، عن النبـيّ صلى الله عليه وسلم قال:

لا تَـجُوزُ شَهادَةُ مَـحْدُودٍ فِـي الإسْلامِ

حدثنا ابن عبد الأعلـى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن الـحسن:

{ وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهادَةً أبَداً } قال: كان يقول: لا تقبل شهادة القاذف أبدا، إنـما توبته فـيـما بـينه وبـين الله. وكان شريح يقول: لا تُقبل شهادته.

حدثنـي علـيّ، قال: ثنا عبد الله، عن علـيّ، عن ابن عبـاس، قوله:

{ وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهادَةً أبَداً }، ثم قال: فَمَنْ تابَ وأصْلَـحَ فشهادته فـي كتاب الله تقبل.

والصواب من القول فـي ذلك عندنا: أن الاستثناء من الـمعنـيـين جميعاً، أعنـي من قوله:

{ وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهادَةً أبَداً }، ومن قوله: { وأُولَئِكَ هُمُ الفـاسِقُونَ }. وذلك أنه لا خلاف بـين الـجميع أن ذلك كذلك إذا لـم يحدّ فـي القذف حتـى تاب، إما بأن يرفع إلـى السلطان بعفو الـمقذوفة عنه، وإما بأن ماتت قبل الـمطالبة بحدّها ولـم يكن لها طالب يطلب بحدّها. فإذ كان ذلك كذلك وحدثت منه توبة صحت له بها العدالة.

فإذ كان من الـجميع إجماعا، ولـم يكن الله تعالـى ذكره شرط فـي كتابه أن لا تقبل شهادته أبدا بعد الـحدّ فـي رميه، بل نهى عن قبول شهادته فـي الـحال التـي أوجب علـيه فـيها الـحدّ وسماه فـيها فـاسقا، كان معلوما بذلك أنّ إقامة الـحدّ علـيه فـي رميه، لا تـحدث فـي شهادته مع التوبة من ذنبه، ما لـم يكن حادثا فـيها قبل إقامته علـيه، بل توبته بعد إقامة الـحدّ علـيه من ذنبه أحرى أن تكون شهادته معها أجوز منها قبل إقامته علـيه لأن الـحدّ يزيد الـمـحدود علـيه تطهيرا من جُرمه الذي استـحقّ علـيه الـحدّ.

فإن قال قائل: فهل يجوز أن يكون الاستثناء من قوله:

{ فـاجْلِدُوهُمْ ثَمانِـينَ جَلْدَةً }فتكون التوبة مُسقطة عنه الـحدّ، كما كانت لشهادته عندك قبل الـحدّ وبعده مـجيزة ولاسم الفسق عنه مزيـلة؟ قـيـل: ذلك غير جائز عندنا وذلك أن الـحدّ حقّ عندنا للـمقذوفة كالقصاص الذي يجب لها من جناية يجنـيها علـيها مـما فـيه القصاص. ولا خلاف بـين الـجميع أن توبته من ذلك لا تضع عنه الواجب لها من القصاص منه، فكذلك توبته من القذف لا تضع عنه الواجب لها من الـحدّ، لأن ذلك حقّ لها، إن شاءت عفته، وإن شاءت طالبت به. فتوبة العبد من ذنبه إنـما تضع عن العبد الأسماء الذميـمة والصفـات القبـيحة، فأما حقوق الآدميـين التـي أوجبها الله لبعضهم علـى بعض فـي كلّ الأحوال فلا تزول بها ولا تبطل.

واختلف أهل العلـم فـي صفة توبة القاذف التـي تقبل معها شهادته، فقال بعضهم: هو إكذابه نفسه فـيه. وقد ذكرنا بعض قائلـي ذلك فـيـما مضى قبل، ونـحن نذكر بعض ما حضرنا ذكره مـما لـم نذكره قبل.

حدثنـي أبو السائب، قال: ثنا حفص، عن لـيث، عن طاوس، قال: توبة القاذف أن يكذّب نفسه.

حدثنـي يعقوب بن إبراهيـم، قال: ثنا هشيـم، قال: أخبرنا حصين، قال: رأيت رجلاً ضُرب حدًّا فـي قذف بـالـمدينة، فلـما فرغ من ضربه تناول ثوبه، ثم قال: أستغفر الله وأتوب إلـيه من قذف الـمـحصنات قال: فلقـيت أبـا الزناد، فذكرت ذلك له، قال: فقال: إن الأمر عندنا هاهنا أنه إذا قال ذلك حين يفرغ من ضربه ولـم نعلـم منه إلاَّ خيراً قُبلت شهادته.

حُدثت عن الـحسين، قال: سمعت أبـا معاذ يقول: أخبرنا عبـيد، قال: سمعت الضحاك يقول فـي قوله:{ وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهادَةً أبَدا وأُولَئِكَ هُمُ الفَـاسِقُونَ إلاَّ الَّذِينَ تابُوا... }. الآية، قال: من اعترف وأقرّ علـى نفسه علانـية أنه قال البهتان وتاب إلـى الله توبة نصوحا والنصوح: أن لايعودوا، وإقراره واعترافه عند الـحدّ حين يؤخذ بـالـجلد فقد تاب والله غفور رحيـم.

وقال آخرون: توبته من ذلك صلاح حاله وندمه علـى ما فرط منه من ذلك والاستغفـار منه وتركه العود فـي مثل ذلك من الـجُرم. وذلك قول جماعة من التابعين وغيرهم، وقد ذكرنا بعض قائلـيه فـيـما مضى، وهو قول مالك بن أنس.

وهذا القول أولـى القولـين فـي ذلك بـالصواب لأن الله تعالـى ذكره جعل توبة كل ذي ذنب من أهل الإيـمان تركه العود منه، والندم علـى ما سلف منه، واستغفـار ربه منه، فـيـما كان من ذنب بـين العبد وبـينه دون ما كان من حقوق عبـاده ومظالـمهم بـينهم. والقاذف إذا أُقـيـم علـيه فـيه الـحدّ أو عُفـي عنه فلـم يبق علـيه إلاَّ توبته من جرمه بـينه وبـين ربه، فسبـيـل توبته منه سبـيـل توبته من سائر أجرامه. فإذا كان الصحيح فـي ذلك من القول ما وصفنا، فتأويـل الكلام: وأولئك هم الفـاسقون، إلاَّ الذين تابوا من جُرمهم الذي اجترموه بقذفهم الـمـحصنات من بعد اجترامهموه،{ فإنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَحِيـمٌ} يقول: ساتر علـى ذنوبهم بعفوه لهم عنها، رحيـم بهم بعد التوبة أن يعذّبهم علـيها، فـاقبلوا شهادتهم ولا تسموهم فَسَقة، بل سموهم بأسمائهم التـي هي لهم فـي حال توبتهم.

الخميس، 29 أكتوبر 2026 18 جمادى الأولى 1448 هـ