انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة الطور

تفسير الطبريالآيات 35–49

تفسير سورة الطور آية آية، من تفسير الطبري.

استمع إلى تفسير سورة الطور

الخلاصة من تفسير الطبري · مقطعان · 16:34

  1. 1 الآيات 24–49في هذه الصفحة 9:53

التفسير الصوتي لسورة الطور كاملًا (مقطعان)

أَمْ خُلِقُوا۟ مِنْ غَيْرِ شَىْءٍ أَمْ هُمُ ٱلْخَٰلِقُونَ ۝٣٥ أَمْ خَلَقُوا۟ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ بَل لَّا يُوقِنُونَ ۝٣٦

يقول تعالى ذكره: أخلق هؤلاء المشركون من غير شيء، أي من غير آباء ولا أمَّهات، فهم كالجماد، لا يعقلون ولا يفهمون لله حجة، ولا يعتبرون له بعبرة، ولا يتعظون بموعظة. وقد قيل: إن معنى ذلك: أم خلقوا لغير شيء، كقول القائل: فعلت كذا وكذا من غير شيء، بمعنى: لغير شيء.

وقوله: {أمْ هُمُ الخالِقُونَ} يقول: أم هم الخالقون هذا الخلق، فهم لذلك لا يأتمرون لأمر الله، ولا ينتهون عما نهاهم عنه، لأن للخالق الأمر والنهي {أمْ خَلَقُوا السَّمَوَاتِ والأرْضَ} يقول: أخلقوا السموات والأرض فيكونوا هم الخالقين، وإنما معنى ذلك: لم يخلقوا السموات والأرض، {بَلْ لا يُوقِنُونَ} يقول: لم يتركوا أن يأتمروا لأمر ربهم، وينتهوا إلى طاعته فيما أمر ونهى، لأنهم خلقوا السموات والأرض، فكانوا بذلك أرباباً، ولكنهم فعلوا، لأنهم لا يوقنون بوعيد الله وما أعدّ لأهل الكفر به من العذاب في الآخرة.

أَمْ عِندَهُمْ خَزَآئِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ ٱلْمُصَۣيْطِرُونَ ۝٣٧ أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُم بِسُلْطَٰنٍ مُّبِينٍ ۝٣٨

يقول تعالى ذكره: أعند هؤلاء المكذّبين بآيات الله خزائن ربك يا محمد، فهم لاستغنائهم بذلك عن آيات ربهم معرضون، أم هم المسيطرون. اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك، فقال بعضهم: معناه: أم هم المسلَّطون. ذكر من قال ذلك:

حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله: {أمْ هُمْ المُسَيْطِرُونَ} يقول: المسلَّطون.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: أم هم المُنْزِلُونَ. ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: {أمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ أمْ هُمُ المُسَيْطِرُونَ} قال: يقول أم هم المنزلون.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: أم هم الأرباب، وممن قال ذلك معمر بن المثنى، قال: يقال: سيطرتَ عليّ: أي اتخذتني خولاً لك.

وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال: معنى ذلك: أم هم الجبَّارون المتسلطون المستكبرون على الله، وذلك أن المسيطر في كلام العرب الجبار المتسلط، ومنه قول الله:

{ { لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ } } يقول: لست عليهم بجبار مسلط.

وقوله: {أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ} يقول: أم لهم سلم يرتقون فيه إلى السماء يستمعون عليه الوحي، فيدَّعون أنهم سمعوا هنالك من الله أن الذي هم عليه حقّ، فهم بذلك متمسكون بما هم عليه.

وقوله: {فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُمْ بِسُلْطانٍ مُبِينٍ} يقول: فإن كانوا يدّعون ذلك فليأت من يزعم أنه استمع ذلك، فسمعه بسلطان مبين، يعني بحجة تبين أنها حقّ، كما أتى محمد صلى الله عليه وسلم بها على حقيقة قوله، وصدقه فيما جاءهم به من عند الله. والسُّلَّم في كلام العرب: السبب والمرقاة ومنه قول ابن مقبل:

لا تُحْرِزِ المَرْءَ أَحْجاءُ الْبِلادِ وَلاتُبْنَى لَهُ في السَّمَواتِ السَّلالِيمُ

ومنه قوله: جعلت فلاناً سَلَّماً لحاجتي: إذا جعلته سبباً لها.

أَمْ لَهُ ٱلْبَنَٰتُ وَلَكُمُ ٱلْبَنُونَ ۝٣٩ أَمْ تَسْـَٔلُهُمْ أَجْرًا فَهُم مِّن مَّغْرَمٍ مُّثْقَلُونَ ۝٤٠ أَمْ عِندَهُمُ ٱلْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ ۝٤١

يقول تعالى ذكره للمشركين به من قريش: ألربكم أيها القوم البنات ولكم البنون؟ ذلك إذن قسمة ضيزى، وقوله: {أمْ تَسألُهُمْ أجْراً فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ} يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: أتسأل هؤلاء المشركين الذين أرسلناك إليهم يا محمد على ما تدعوعهم إليه من توحيد الله وطاعته ثواباً وعوضاً من أموالهم، فهم من ثِقل ما حملتهم من الغرم لا يقدرون على إجابتك إلى ما تدعوهم إليه. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {أمْ تَسأَلُهُمْ أجْراً فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ} يقول: هل سألتَ هؤلاء القوم أجرا يُجْهدهم، فلا يستطيعون الإسلام.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وَهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: {أمْ تَسأَلُهُمْ أجْراً فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ} قال: يقول: أسألتهم على هذا أجراً، فأثقلهم الذي يُبْتَغَى أخذَه منهم.

وقوله: {أمْ عِنْدَهُمُ الغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ} يقول تعالى ذكره: أم عندهم علم الغيب، فهم يكتبون ذلك للناس، فينبئونهم بما شاؤوا، ويخبرونهم بما أرادوا.

أَمْ يُرِيدُونَ كَيْدًا فَٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ هُمُ ٱلْمَكِيدُونَ ۝٤٢ أَمْ لَهُمْ إِلَٰهٌ غَيْرُ ٱللَّهِ سُبْحَٰنَ ٱللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ ۝٤٣

يقول تعالى ذكره: بل يريد هؤلاء المشركون يا محمد بك، وبدين الله كيداً {فالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ المَكِيدُونَ} يقول: فهم المكيدون الممكورُ بهم دونك، فثق بالله، وامض لما أمرك به.

وقوله: {أمْ لَهُمْ إلَهٌ غَيرُ اللّهِ}: يقول جلّ ثناؤه: أمْ لَهُم معبود يستحق عليهم العبادةُ غير الله، فيجوز لهم عبادته، يقول: ليس لهم إله غير الله الذي له العبادة من جميع خلقه {سُبْحانَ اللّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ} يقول: تنزيهاً لله عن شركهم وعبادتهم معه غيرَه.

وَإِن يَرَوْا۟ كِسْفًا مِّنَ ٱلسَّمَآءِ سَاقِطًا يَقُولُوا۟ سَحَابٌ مَّرْكُومٌ ۝٤٤ فَذَرْهُمْ حَتَّىٰ يُلَٰقُوا۟ يَوْمَهُمُ ٱلَّذِى فِيهِ يُصْعَقُونَ ۝٤٥

يقول تعالى ذكره: وإن ير هؤلاء المشركون قِطْعاً من السماء ساقطاً، والكِسْف: جمع كِسْفة، مثل التمر جمع تمرة، والسِّدْر جمع سِدْرة. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:

حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله: {كِسْفاً} يقول: قِطْعاً.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {وَإنْ يَرْوا كِسْفاً} يقول: وإن يروا قِطْعاً {مِنَ السَّماءِ ساقِطاً يَقُولُوا سَحَابٌ مَرْكُومٌ} يقول جلّ ثناؤه: يقولوا لذلك الكِسْف من السماء الساقط: هذا سحاب مركوم، يعني بقوله مركوم: بعضه على بعض.

وإنما عنى بذلك جلّ ثناؤه المشركين من قريش الذين سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم الآيات، فقالوا له:

{ { لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حتى تُفَجِّرَ لنَا مِنَ الأرْضِ يَنْبُوعاً } } ... إلى قوله: { { عَلَيْنا كِسْفاً } }، فقال الله لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: وإن ير هؤلاء المشركون ما سألوا من الآيات، فعاينوا كِسَفاً من السماء ساقطاً، لم ينتقلوا عما هم عليه من التكذيب، ولقالوا. إنما هذا سحاب بعضه فوق بعض، لأن الله قد حتم عليهم أنهم لا يؤمنون. كما:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة يقولوا {سَحَابٌ مَرْكُومٌ} يقول: لا يصدّقوا بحديث، ولا يؤمنوا بآية.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: {وَإنْ يَرَوْا كِسْفاً مِنَ السَّماءِ ساقِطاً يَقُولُوا سَحَابٌ مَرْكُومٌ} قال: حين سألوا الكِسْف قالوا: أسقط علينا كِسْفاً من السماء إن كنت من الصادقين قال: يقول: لو أنا فعلنا لقالوا: سحاب مركوم.

وقوله: {فَذَرْهُمْ حتى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ} يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: فدع يا محمد هؤلاء المشركين حتى يلاقوا يومهم الذي فيه يهلكون، وذلك عند النفخة الأولى.

واختلفت القرّاء في قراءة قوله: {فِيهِ يُصْعَقُونَ} فقرأته عامة قرّاء الأمصار سوى عاصم بفتح الياء من «يَصْعَقُونَ»، وقرأه عاصم {يُصْعَقُونَ} بضم الياء، والفتح أعجب القراءتين إلينا، لأنه أفصح اللغتين وأشهرهما، وإن كانت الأخرى جائزة، وذلك أن العرب تقول: صعق الرجل وصُعِق، وسَعد وسُعد. وقد بيَّنا معنى الصَّعْق بشواهده، وما قال فيه أهل التأويل فيما مضى بما أغنى عن إعادته.

يَوْمَ لَا يُغْنِى عَنْهُمْ كَيْدُهُمْ شَيْـًٔا وَلَا هُمْ يُنصَرُونَ ۝٤٦

يعني جلّ ثناؤه بقوله: {يَوْمَ لا يُغْنِي عَنْهُمْ كَيْدُهُمْ شيْئَاً} يوم القيامة، حتى يلاقوا يومهم الذي فيه يصعقون، ثم بين عن ذلك اليوم أيّ يوم هو، فقال: يوم لا يغني عنهم كيدهم شيئاً، يعني: مَكرهم أنه لا يدفع عنهم عن عذاب الله شيئاً، فاليوم الثاني ترجمة عن الأوّل.

وقوله: {وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ} يقول: ولا هم ينصرهم ناصر، فيستقيد لهم ممن عذّبهم وعاقبهم.

وقوله: {وَإنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذَاباً دُونَ ذلكَ} اختلف أهل التأويل في العذاب الذي توعَّد الله به هؤلاء الظلمة من دون يوم الصعقة، فقال بعضهم: هو عذاب القبر. ذكر من قال ذلك:

حدثنا إسماعيل بن موسى الفزاري، قال: أخبرنا شريك، عن أبي إسحاق، عن البراء {عَذَاباً دُونَ ذَلِكَ} قال: عذاب القبر.

حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله: {وَإنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذَاباً دُونَ ذلكَ} يقول: عذاب القبر قبل عذاب يوم القيامة.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، أن ابن عباس كان يقول: إنكم لتجدون عذاب القبر في كتاب الله {وَإنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذَاباً دُونَ ذلكَ}.

حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، أن ابن عباس كان يقول: إن عذاب القبر في القرآن. ثم تلا {وَإنَّ لِلَّذِينَ ظَلمُوا عَذَاباً دُونَ ذلكَ}.

وقال آخرون: عنى بذلك الجوع. ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعاً، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: {عَذَاباً دُونَ ذلكَ} قال: الجوع.

وقال آخرون: عنى بذلك: المصائب التي تصيبهم في الدنيا من ذهاب الأموال والأولاد. ذكر من قال ذلك:

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: {وَإنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذَاباً دُونَ ذَلكَ} قال: دون الآخرة في هذه الدنيا يعذّبهم به من ذهاب الأموال والأولاد، قال: فهي للمؤمنين أجر وثواب عند الله، عدا مصائبهم ومصائب هؤلاء، عجلهم الله إياها في الدنيا، وقرأ

{ { فَلا تُعْجِبْكَ أمْوَالُهُمْ وَلا أوْلادُهُمْ } } ... إلى آخر الآية.

والصواب من القول في ذلك عندي أن يقال: إن الله تعالى ذكره أخبر أن للذين ظلموا أنفسهم بكفرهم به عذاباً دون يومهم الذي فيه يصعقون، وذلك يوم القيامة، فعذاب القبر دون يوم القيامة، لأنه في البرزخ، والجوع الذي أصاب كفار قريش، والمصائب التي تصيبهم في أنفسهم وأموالهم وأولادهم دون يوم القيامة، ولم يخصص الله نوعاً من ذلك أنه لهم دون يوم القيامة دون نوع بل عمّ فقال {وَإنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذَاباً دُونَ ذَلِكَ} فكلّ ذلك لهم عذاب، وذلك لهم دون يوم القيامة، فتأويل الكلام: وإن للذين كفروا بالله عذاباً من الله دون يوم القيامة {وَلِكنَّ أكْثرَهُمْ لا يَعْلمُونَ} بأنهم ذائقو ذلك العذاب.

وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا۟ عَذَابًا دُونَ ذَٰلِكَ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ۝٤٧

And assuredly for those who do wrong, by their [persistence in] disbelief, there is a chastisement beyond that, in this world, before their death — thus they were punished with famine and drought for seven years, and with being killed on the day of Badr; but most of them do not know, that the chastisement will befall them.

Tafsir al-Jalalayn, trans. Feras Hamza
© 2017 Royal Aal al-Bayt Institute for Islamic Thought, Amman, Jordan (http://www.aalalbayt.org) ® All Rights Reserved
Apart from any fair dealing for the purposes of research or private study, or criticism or review, this work may not be reproduced, stored or transmitted, in any form or by any means, without the prior permission in writing of the Great Tafsirs Project, Royal Aal al-Bayt Institute for Islamic Thought ([email protected])

وَٱصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ ۝٤٨ وَمِنَ ٱلَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبَٰرَ ٱلنُّجُومِ ۝٤٩

يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم {وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ} يا محمد الذي حكم به عليك، وامض لأمره ونهيه، وبلِّغ رسالاته {فإنَّكَ بأَعْيُنِنا} يقول جلّ ثناؤه: فإنك بمرأى منا نراك ونرى عملك، ونحن نحوطك ونحفظك، فلا يصل إليك من أرادك بسوء من المشركين.

وقوله: {وَسَبِّحْ بِحمْدِ رَبِّكَ} اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك، فقال بعضهم: معنى ذلك: إذا قمت من نومك فقل: سبحان اللّهِ وبحمده. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا سفيان، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، في قوله: {وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ} قال: من كل منامة، يقول حين يريد أن يقوم: سبحانَك وبحمدك.

حدثنا ابن حُمَيد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص عوف بن مالك {وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ} قال: سبحان الله وبحمده.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: {وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ} قال: إذا قام لصلاة من ليل أو نهار. وقرأ

{ { يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذَا قُمْتُمْ إلى الصَّلاةِ } } قال: من نوم، ذكره عن أبيه.

وقال بعضهم: بل معنى ذلك: إذا قمت إلى الصلاة المفروضة فقل: سبحانك اللهمّ وبحمدك. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن حُمَيد، قال: ثنا ابن المبارك، عن جُوَيبر، عن الضحاك. {وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تقومُ} قال: إذا قام إلى الصلاة قال: سبحانك اللهمّ وبحمدك، وتبارك اسمك ولا إله غيرك.

حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: {وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ} إلى الصلاة المفروضة.

وأولى القولين في ذلك بالصواب قول من قال: معنى ذلك: وصلّ بحمد ربك حين تقوم من مَنامك، وذلك نوم القائلة، وإنما عنى صلاة الظهر.

وإنما قلت: هذا القول أولى القولين بالصواب، لأن الجميع مجمعون على أنه غير واجب أن يقال في الصلاة: سبحانك وبحمدك، وما رُوي عن الضحاك عند القيام إلى الصلاة، فلو كان القول كما قاله الضحاك لكان فرضاً أن يُقال لأن قوله: {وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ} أمر من الله تعالى بالتسبيح، وفي إجماع الجميع على أن ذلك غير واجب الدليل الواضح على أن القول في ذلك غير الذي قاله الضحاك.

فإن قال قائل: ولعله أُريد به الندب والإرشاد. قيل: لا دلالة في الآية على ذلك، ولم تقم حجة بأن ذلك معنيّ به ما قاله الضحاك، فيجعل إجماع الجميع على أن التسبيح عند القيام إلى الصلاة مما خير المسلمون فيه دليلاً لنا على أنه أُريد به الندب والإرشاد.

وإنما قلنا: عُنِي به القيام من نوم القائلة، لأنه لا صلاة تجب فرضاً بعد وقت من أوقات نوم الناس المعروف إلا بعد نوم الليل، وذلك صلاة الفجر، أو بعد نوم القائلة، وذلك صلاة الظهر فلما أمر بعد قوله: {وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ} بالتسبيح بعد إدبار النجوم، وذلك ركعتا الفجر بعد قيام الناس من نومها ليلاً، عُلِم أن الأمر بالتسبيح بعد القيام من النوم هو أمر بالصلاة التي تجب بعد قيام من نوم القائلة على ما ذكرنا دون القيام من نوم الليل.

وقوله: {وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ} يقول: ومن الليل فعظِّم ربك يا محمد بالصلاة والعبادة، وذلك صلاة المغرب والعشاء. وكان ابن زيد يقول في ذلك ما:

حدثني به يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: {وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ} قال: ومن الليل صلاة العشاء {وَإدْبارَ النُّجُومِ} يعني حين تدبر النجوم للأفول عند إقبال النهار. وقيل: عُنِي بذلك ركعتا الفجر. ذكر بعض من قال ذلك:

حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: {فَسَبِّحْهُ وَإدْبارَ النُّجُومِ} قال: هما السجدتان قبل صلاة الغداة.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإدْبارَ النُّجُومِ} كنا نحدّث أنهما الركعتان عند طلوع الفجر. قال: وذُكر لنا أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان يقول: لهما أحبّ إليّ من حُمْر النَّعَم.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، عن زرارة بن أوفي، عن سعيد بن هشام عن عائشة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في ركعتي الفجر

هُمَا خَيرٌ مِنَ الدُّنيْا جَمِيعاً

» حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة وَإدْبارَ النُّجُومِ قال: ركعتان قبل صلاة الصبح.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا ابن أبي عديّ وحماد بن مسعدة قالا: ثنا حميد، عن الحسن، عن علي، في قوله: {وَإدْبارَ النُّجُومِ} قال: الركعتان قبل صلاة الصبح.

حدثنا ابن حُمَيد، قال: ثنا جرير، عن عطاء، قال: قال عليّ رضي الله عنه {إدْبارَ النُّجُومِ} الركعتان قبل الفجر.

وقال آخرون: عنى بالتسبح {إدْبارَ النُّجُومِ}: صلاة الصبح الفريضة. ذكر من قال ذلك:

حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ، يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: {وَإدْبارَ النُّجُومِ} قال: صلاة الغداة.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: {وَإدْبارَ النُّجُومِ} قال: صلاة الصبح.

وأولى القولين في ذلك عندي بالصواب قول من قال: عني بها: الصلاة المكتوبة صلاة الفجر، وذلك أن الله أمر فقال: {وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإدْبارَ النُّجُومِ} والركعتان قبل الفريضة غير واجبتين، ولم تقم حجة يجب التسليم لها، أن قوله فسبحه على الندب، وقد دللنا في غير موضع من كتبنا على أمر الله على الفرض حتى تقوم حجة بأنه مراد به الندب، أو غير الفرض بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع.

السبت، 31 أكتوبر 2026 20 جمادى الأولى 1448 هـ