انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة محمد

تفسير القرطبيالآيات 25–38

تفسير سورة محمد آية آية، من تفسير القرطبي.

إِنَّ ٱلَّذِينَ ٱرْتَدُّوا۟ عَلَىٰٓ أَدْبَٰرِهِم مِّنۢ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ ٱلْهُدَى ٱلشَّيْطَٰنُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَىٰ لَهُمْ ۝٢٥

قال قتادة: هم كفار أهل الكتاب، كفروا بالنبيّ صلى الله عليه وسلم بعدما عرفوا نعته عندهم؛ قاله ابن جريج. وقال ابن عباس والضحاك والسدي: هم المنافقون، قعدوا عن القتال بعدما علموه في القرآن. {ٱلشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ} أي زيّن لهم خطاياهم؛ قاله الحسن. {وَأَمْلَىٰ لَهُمْ} أي مدّ لهم الشيطان في الأمل ووعدهم طول العمر؛ عن الحسن أيضاً. وقال: إن الذي أملى لهم في الأمل ومدّ في آجالهم هو الله عز وجل؛ قاله الفرّاء والمفضل. وقال الكَلْبيّ ومقاتل: إن معنى «أَمْلَى لَهُمْ» أمهلهم؛ فعلى هذا يكون الله تعالى أمْلَى لهم بالإمهال في عذابهم. وقرأ أبو عمرو وٱبن أبي إسحاق وعيسى بن عمر وأبو جعفر وشيبة «وَأُمْلِي لَهُمْ» بضم الهمزة وكسر اللام وفتح الياء؛ على ما لم يسمّ فاعله. وكذلك قرأ ابن هُرْمُز ومجاهد والجَحْدرِي ويعقوب، إلا أنهم سكّنوا الياء على وجه الخبر من الله تعالى عن نفسه أنه يفعل ذلك بهم؛ كأنه قال: وأنا أملي لهم. وٱختاره أبو حاتم، قال: لأن فتح الهمزة يُوهم أن الشيطان يملي لهم، وليس كذلك؛ فلهذا عدل إلى الضم. قال المهدويّ: ومن قرأ «وَأَمْلَى لَهُمْ» فالفاعل ٱسم الله تعالى. وقيل الشيطان. واختار أبو عبيد قراءة العامة، قال: لأن المعنى معلوم؛ لقوله:

{ لِّتُؤْمِنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ }[الفتح: 9] ردّ التسبيح على اسم الله، والتوقير والتعزيرَ على ٱسم الرسول.

ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا۟ لِلَّذِينَ كَرِهُوا۟ مَا نَزَّلَ ٱللَّهُ سَنُطِيعُكُمْ فِى بَعْضِ ٱلْأَمْرِ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ ۝٢٦

قوله تعالى:{ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ} أي ذلك الإملاء لهم حتى يتمادَوْا في الكفر بأنهم قالوا؛ يعني المنافقين واليهود. {لِلَّذِينَ كَرِهُواْ مَا نَزَّلَ ٱللَّهُ} وهم المشركون. {سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ ٱلأَمْرِ} أي في مخالفة محمد والتظاهر على عداوته، والقعود عن الجهاد معه وتوهين أمره في السر. وهم إنما قالوا ذلك سرًّا فأخبر الله نبيّه. وقراءة العامة «أَسْرَارَهُمْ» بفتح الهمزة جمع سِرّ؛ وهي اختيار أبي عبيد وأبي حاتم. وقرأ الكوفيون وابن وثّاب والأعمش وحمزة والكسائي وحفص عن عاصم «إِسْرَارَهُمْ» بكسر الهمزة على المصدر؛ نحو قوله تعالى:

{ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَاراً } [نوح: 9] جُمع لاْختلاف ضروب السر.

فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمُ ٱلْمَلَٰٓئِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَٰرَهُمْ ۝٢٧

قوله تعالى:{فَكَيْفَ} أي فكيف تكون حالهم. {إِذَا تَوَفَّتْهُمُ ٱلْمَلاَئِكَةُ يَضْرِبُونَ} أي ضاربين؛ فهو في موضع الحال. ومعنى الكلام التخويف والتهديد؛ أي إن تأخر عنهم العذاب فإلى انقضاء العمر. وقد مضى في «الأنفال والنحل». وقال ابن عباس: لا يتوفى أحد على معصية إلا بضرب شديد لوجهه وقفاه. وقيل: ذلك عند القتال نُصْرَةً لرسول الله صلى الله عليه وسلم، بضرب الملائكة وجوههم عند الطلب وأدبارهم عند الهرب. وقيل: ذلك في القيامة عند سَوْقهم إلى النار.

ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمُ ٱتَّبَعُوا۟ مَآ أَسْخَطَ ٱللَّهَ وَكَرِهُوا۟ رِضْوَٰنَهُۥ فَأَحْبَطَ أَعْمَٰلَهُمْ ۝٢٨

قوله تعالى:{ذَلِكَ} أي ذلك جزاؤهم. {بِأَنَّهُمُ ٱتَّبَعُواْ مَآ أَسْخَطَ ٱللَّهَ} قال ابن عباس: هو كتمانهم ما في التوراة من نعت محمد صلى الله عليه وسلم. وإن حُملت على المنافقين فهو إشارة إلى ما أضمروا عليه من الكفر. {وَكَرِهُواْ رِضْوَانَهُ} يعني الإيمان. {فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ} أي ما عملوه من صدقة وصلة رحم وغير ذلك؛ على ما تقدّم.

أَمْ حَسِبَ ٱلَّذِينَ فِى قُلُوبِهِم مَّرَضٌ أَن لَّن يُخْرِجَ ٱللَّهُ أَضْغَٰنَهُمْ ۝٢٩ وَلَوْ نَشَآءُ لَأَرَيْنَٰكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُم بِسِيمَٰهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِى لَحْنِ ٱلْقَوْلِ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَٰلَكُمْ ۝٣٠

قوله تعالى:{أَمْ حَسِبَ ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَّرَضٌ} نفاق وشك، يعني المنافقين. {أَن لَّن يُخْرِجَ ٱللَّهُ أَضْغَانَهُمْ} الأضغان ما يُضمر من المكروه. واختلف في معناه؛ فقال السدّي: غِشّهم. وقال ابن عباس: حسدهم. وقال قُطْرُب: عدوانهم؛ وأنشد قول الشاعر:

قل لاْبن هند ما أردت بمنطقساء الصديق وشيّد الأضغانا

وقيل: أحقادهم. واحدها ضِغن. قال:

وذي ضغن كففت النفس عنه

وقد تقدم. وقال عمرو بن كلثوم:

وإن الضغن بعد الضغن يفشوعليك ويُخرج الداء الدفينا

قال الجوهريّ: الضغن والضغينة: الحقد. وقد ضغِن عليه (بالكسر) ضِغناً. وتضاغن القومُ وٱضْطَغَنُوا: أبطنوا على الأحقاد. وٱضْطَغَنْت الصبيَّ إذا أخذته تحت حضنك. وأنشد الأحمر:

كأنّـه مُضْطَغِـنٌ صبِيّـا

أي حامله في حجره. وقال ابن مُقْبل:

إذا اضطغنتُ سلاحي عند مَغْرِضهاومِرفقٍ كرِئاس السيف إذ شَسَفَا

وفرس ضاغن: لا يعطي ما عنده من الجري إلا بالضرب. والمعنى: أم حسبوا أن لن يظهر الله عداوتهم وحقدهم لأهل الإسلام. {وَلَوْ نَشَآءُ لأَرَيْنَاكَهُمْ} أي لعرّفناكهم. قال ابن عباس: وقد عرّفه إياهم في سورة «براءة». تقول العرب: سأريك ما أصنع؛ أي سأعلمك؛ ومنه قوله تعالى: { بِمَآ أَرَاكَ ٱللَّهُ }[النساء: 105] أي بما أعلمك. {فَلَعَرَفْتَهُم بِسِيمَاهُمْ} أي بعلاماتهم. قال أنس: ما خفي على النبيّ صلى الله عليه وسلم بعد هذه الآية أحد من المنافقين؛ كان يعرفهم بسيماهم. وقد كنا في غزاة وفيها سبعة من المنافقين يشك فيهم الناس، فأصبحوا ذات ليلة وعلى جبهة كل واحد منهم مكتوب «هذا منافق» فذلك سيماهم. وقال ابن زيد: قدر الله إظهارهم وأمر أن يخرجوا من المسجد فأبوا إلا أن يتمسكوا بلا إلٰه إلا الله، فحقنت دماؤهم ونكحوا وأنكحوا بها. {وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ ٱلْقَوْلِ} أي في فحواه ومعناه. ومنه قول الشاعر:

وخير الكلام ما كان لَحْنَا

أي ما عُرف بالمعنى ولم يُصَرَّح به. مأخوذ من اللحن في الإعراب، وهو الذهاب عن الصواب، ومنه قول النبيّ صلى الله عليه وسلم:إنكم تختصمون إليّ ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعضأي أذهب بها في الجواب لقوّته على تصريف الكلام. أبو زيد: لَحَنْت له (بالفتح) أَلْحَنُ لَحْناً إذا قُلْتَ له قَوْلاً يفهمه عنك ويَخْفَى على غيره. ولَحِنَه هو عَنّي (بالكسر) يلحنه لَحْناً أي فهمه. وألحنته أنا إياه، ولاحنت الناس فاطنتهم؛ قال الفَزارِيّ:

وحدِيثٍ ألَذُّه هو ممايَنْعَت النَّاعِتُون يُوزَن وزْنَا منطِقٌ رائعٌ وتَلْحَنُ أحياناً وخير الحديث ما كان لحنَا

يريد أنها تتكلم (بشيء) وهي تريد غيره، وتُعَرِّض في حديثها فتزيله عن جهته من فطنتها وذكائها. وقد قال تعالى: {وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ ٱلْقَوْلِ}. وقال القَتّال الكِلاَبِيّ:

ولقد وَحَيْت لكم لكيما تفهمواولَحَنْتُ لحناً ليس بالمرتاب

وقال مرار الأسدي:

ولحنتِ لحناً فيه غشٌّ ورابنيصدودُك تُرْضين الوشاةَ الأعادِيَا

قال الكلبي: فلم يتكلم بعد نزولها عند النبيّ صلى الله عليه وسلم منافق إلا عرفه. وقيل: كان المنافقون يخاطبون النبي صلى الله عليه وسلم بكلام تواضعوه فيما بينهم؛ والنبي صلى الله عليه وسلم يسمع ذلك ويأخذ بالظاهر المعتاد، فنبهه الله تعالى عليه، فكان بعد هذا يعرف المنافقين إذا سمع كلامهم. قال أنس: فلم يَخْفَ منافق بعد هذه الآية على رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ عَرّفه الله ذلك بوحي أو علامة عرَفها بتعريف الله إياه {وَٱللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ} أي لا يخفى عليه شيء منها.

وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّىٰ نَعْلَمَ ٱلْمُجَٰهِدِينَ مِنكُمْ وَٱلصَّٰبِرِينَ وَنَبْلُوَا۟ أَخْبَارَكُمْ ۝٣١

قوله تعالى:{وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ} أي نتعبّدكم بالشرائع وإن علمنا عواقب الأمور. وقيل: لنعاملنكم معاملة المختبرين. {حَتَّىٰ نَعْلَمَ ٱلْمُجَاهِدِينَ مِنكُمْ وَٱلصَّابِرِينَ} عليه. قال ابن عباس: «حَتَّى نَعْلَمَ» حتى نميّز. وقال عليّ رضي الله عنه. «حَتَّى نَعْلَمَ» حتى نرى. وقد مضى في «البقرة». وقراءة العامة بالنون في «نَبْلُوَنَّـكُـمْ» و «نعلم» و «نَبْلُوَ». وقرأ أبو بكر عن عاصم بالياء فيهنّ. وروى رُوَيس عن يعقوب إسكان الواو من «نبلو» على القطع مما قبل. ونصب الباقون ردًّا على قوله: «حَتَّى نَعْلَمَ». وهذا العلم هو العلم الذي يقع به الجزاء؛ لأنه إنما يجازيهم بأعمالهم لا بعلمه القديم عليهم. فتأويله: حتى نعلم المجاهدين علم شهادة؛ لأنهم إذا أمروا بالعمل يشهد منهم ما عملوا، فالجزاء بالثواب والعقاب يقع على علم الشهادة. {وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ} نختبرها ونظهرها. قال إبراهيم بن الأشعث: كان الفُضيل بن عِياض إذا قرأ هذه الآية بكى وقال: اللهم لا تبتلينا فإنك إذا بلوتنا فضحتنا وهتكت أستارنا.

إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ وَصَدُّوا۟ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ وَشَآقُّوا۟ ٱلرَّسُولَ مِنۢ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ ٱلْهُدَىٰ لَن يَضُرُّوا۟ ٱللَّهَ شَيْـًٔا وَسَيُحْبِطُ أَعْمَٰلَهُمْ ۝٣٢

يرجع إلى المنافقين أو إلى اليهود. وقال ابن عباس: هم المطعمون يوم بدر. نظيرها:

{ إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّواْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ }[الأنفال: 36] الآية. {وَشَآقُّواْ ٱلرَّسُولَ} أي عادوه وخالفوه. {مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ ٱلْهُدَىٰ} أي علموا أنه نبيّ بالحجج والآيات. {لَن يَضُرُّواْ ٱللَّهَ شَيْئاً} بكفرهم. {وَسَيُحْبِطُ أَعْمَالَهُمْ} أي ثواب ما عملوه.

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ أَطِيعُوا۟ ٱللَّهَ وَأَطِيعُوا۟ ٱلرَّسُولَ وَلَا تُبْطِلُوٓا۟ أَعْمَٰلَكُمْ ۝٣٣

فيه مسألتان:

الأولى ـ قوله تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ أَطِيعُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ} لما بيّن حال الكفار أمر المؤمنين بلزوم الطاعة في أوامره والرسول في سننه. {وَلاَ تُبْطِلُوۤاْ أَعْمَالَكُمْ } أي حسناتكم بالمعاصي؛ قاله الحسن. وقال الزُّهْرِي: بالكبائر. ابن جريج: بالرياء والسمعة وقال مقاتل والثُّمَالِيّ: بالمَنّ؛ وهو خطاب لمن كان يمنّ على النبي صلى الله عليه وسلم بإسلامه. وكله متقارب، وقول الحسن يجمعه. وفيه إشارة إلى أن الكبائر تحبط الطاعات، والمعاصي تخرج عن الإيمان.

الثانية ـ احتج علماؤنا وغيرهم بهذه الآية على أن التحلل من التطوّع ـ صلاةً كان أو صوماً ـ بعد التلبس به لا يجوز؛ لأن فيه إبطال العمل وقد نهى الله عنه. وقال من أجاز ذلك ـ وهو الإمام الشافعي وغيره ـ: المراد بذلك إبطال ثواب العمل المفروض؛ فنهى الرجل عن إحباط ثوابه. فأمّا ما كان نفلاً فلا؛ لأنه ليس واجباً عليه. فإن زعموا أن اللفظ عام فالعام يجوز تخصيصه. ووجه تخصيصه أن النفل تطوّع، والتطوّع يقتضي تخييراً. وعن أبي العالية كانوا يرون أنه لا يضر مع الإسلام ذنب؛ حتى نزلت هذه الآية فخافوا الكبائر أن تحبط الأعمال. وقال مقاتل: يقول الله تعالى إذا عصيتم الرسول فقد أبطلتم أعمالكم.

إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ وَصَدُّوا۟ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ ثُمَّ مَاتُوا۟ وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَن يَغْفِرَ ٱللَّهُ لَهُمْ ۝٣٤

بيّن أن الاعتبار بالوفاة على الكفر يوجب الخلود في النار. وقد مضى في «البقرة» الكلام فيه. وقيل: إن المراد بالآية أصحاب القَليب. وحكمها عام.

فَلَا تَهِنُوا۟ وَتَدْعُوٓا۟ إِلَى ٱلسَّلْمِ وَأَنتُمُ ٱلْأَعْلَوْنَ وَٱللَّهُ مَعَكُمْ وَلَن يَتِرَكُمْ أَعْمَٰلَكُمْ ۝٣٥

فيه ثلاث مسائل:

الأولى ـ قوله تعالى: {فَلاَ تَهِنُواْ} أي تضعفوا عن القتال. والوهْن: الضعف. وقد وَهَن الإنسانُ وَوَهَنَهُ غيره، يتعدّى ولا يتعدّى. قال:

إنني لست بموهونٍ فَقِرْ

ووهِن أيضاً (بالكسر) وَهْناً أي ضعف، وقرىء «فما وهُنُوا» بضم الهاء وكسرها. وقد مضى في (آل عمران).

الثانية ـ قوله تعالى: {وَتَدْعُوۤاْ إِلَى ٱلسَّلْمِ} أي الصلح. {وَأَنتُمُ ٱلأَعْلَوْنَ} أي وأنتم أعلم بالله منهم. وقيل: وأنتم الأعلون في الحجة. وقيل: المعنى وأنتم الغالبون لأنكم مؤمنون وإن غلبوكم في الظاهر في بعض الأحوال. وقال قتادة: لا تكونوا أوّل الطائفتين ضرعت إلى صاحبتها.

الثالثة ـ واختلف العلماء في حكمها؛ فقيل: إنها ناسخة لقوله تعالى:

{ وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ فَٱجْنَحْ لَهَا }[الأنفال: 61]؛ لأن الله تعالى منع من الميل إلى الصلح إذا لم يكن بالمسلمين حاجة إلى الصلح. وقيل: منسوخة بقوله تعالى: { وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ فَٱجْنَحْ لَهَا }[الأنفال: 16]. وقيل: هي محكمة. والآيتان نزلتا في وقتين مختلفي الحال. وقيل: إن قوله: {وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ فَٱجْنَحْ لَهَا} مخصوص في قوم بأعيانهم، والأخرى عامة. فلا يجوز مهادنة الكفار إلا عند الضرورة؛ وذلك إذا عجزنا عن مقاومتهم لضعف المسلمين. وقد مضى هذا المعنى مستوفى. {وَٱللَّهُ مَعَكُمْ} أي بالنصر والمعونة؛ مثل: { وَإِنَّ ٱللَّهَ لَمَعَ ٱلْمُحْسِنِينَ }[العنكبوت: 69]: {وَلَن يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ} أي لن ينقصكم؛ عن ابن عباس وغيره. ومنه الموتور الذي قتل له قتيل فلم يدرك بدمه؛ تقول منه: وَتَره يَتِره وَتْراً وَتِرَةً. ومنه قوله عليه السلام: من فاتته صلاة العصر فكأنما وَتَرَ أهله وماله أي ذهب بهما. وكذلك وَتَرَهُ حقّه أي نقصه. وقوله تعالى: {وَلَن يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ} أي لن ينتقصكم في أعمالكم؛ كما تقول: دخلت البيت؛ وأنت تريد في البيت؛ قاله الجوهريّ. الفرّاء: «وَلَنْ يَتِرَكُمْ» هو مشتق من الوتر وهو الفرد؛ فكان المعنى: ولن يفردكم بغير ثواب.

إِنَّمَا ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَإِن تُؤْمِنُوا۟ وَتَتَّقُوا۟ يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ وَلَا يَسْـَٔلْكُمْ أَمْوَٰلَكُمْ ۝٣٦ إِن يَسْـَٔلْكُمُوهَا فَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُوا۟ وَيُخْرِجْ أَضْغَٰنَكُمْ ۝٣٧

قوله تعالى:{إِنَّمَا ٱلْحَيَاةُ ٱلدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ} تقدّم في «الأنعام». {وَإِن تُؤْمِنُواْ وَتَتَّقُواْ يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ} شرط وجوابه {وَلاَ يَسْأَلْكُمْ أَمْوَالَكُمْ} أي لا يأمركم بإخراج جميعها في الزكاة؛ بل أمر بإخراج البعض؛ قاله ابن عُيينة وغيره. وقيل: «لاَ يَسْأَلْكُمْ أَمْوَالَكُمْ» لنفسه أو لحاجة منه إليها؛ إنما يأمركم بالإنفاق في سبيله ليرجع ثوابه إليكم. وقيل: «لاَ يَسْأَلْكُمْ أَمْوَالَـكُمْ» إنما يسألكم أمواله؛ لأنه المالك لها وهو المنعم بإعطائها. وقيل: ولا يسألكم محمد أموالكم أجراً على تبليغ الرسالة. نظيره:

{ قُلْ مَآ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ } [الفرقان: 75] الآية. {إِن يَسْأَلْكُمُوهَا فَيُحْفِكُمْ} يلحّ عليكم؛ يقال: أحفى بالمسألة وألحف وألحّ بمعنًى واحد. والحَفِيّ المستقصِي في السؤال؛ وكذلك الإحفاء الاستقصاء في الكلام والمنازعة. ومنه أحفى شاربه أي استقصى في أخذه. {تَبْخَلُواْ وَيُخْرِجْ أَضْغَانَكُمْ} أي يخرج البخل أضغانكم. قال قتادة: قد علم الله أن في سؤال المال خروج الأضغان. وقرأ ابن عباس ومجاهد وابن مُحَيصِن وحميد «وتَخرُج» بناء مفتوحة وراء مضمومة. «أَضْغَانُكُمْ» بالرفع لكونه الفاعل. وروى الوليد عن يعقوب الحضرميّ «ونخرج» بالنون. وأبو معمر عن عبد الوارث عن أبي عمرو «ويخرج» بالرفع في الجيم على القطع والاستئناف والمشهور عنه «ويُخْرِج» كسائر القرّاء، عطف على ما تقدّم.

هَٰٓأَنتُمْ هَٰٓؤُلَآءِ تُدْعَوْنَ لِتُنفِقُوا۟ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ فَمِنكُم مَّن يَبْخَلُ وَمَن يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَن نَّفْسِهِۦ وَٱللَّهُ ٱلْغَنِىُّ وَأَنتُمُ ٱلْفُقَرَآءُ وَإِن تَتَوَلَّوْا۟ يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوٓا۟ أَمْثَٰلَكُم ۝٣٨

قوله تعالى:{هَا أَنتُمْ هَـٰؤُلاَءِ تُدْعَوْنَ} أي هأنتم هؤلاء أيها المؤمنون تدعون {لِتُنفِقُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ} أي في الجهاد وطريق الخير. {فَمِنكُم مَّن يَبْخَلُ وَمَن يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَن نَّفْسِهِ} أي على نفسه؛ أي يمنعها الأجر والثواب. {وَٱللَّهُ ٱلْغَنِيُّ} أي إنه ليس بمحتاج إلى أموالكم. {وَأَنتُمُ ٱلْفُقَرَآءُ} إليها. {وَإِن تَتَوَلَّوْاْ يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ} أي أطوع لِلّه منكم. روى الترمذيّ

عن أبي هريرة قال: تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية {وَإِن تَتَوَلَّوْاْ يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لاَ يَكُونُوۤاْ أَمْثَالَكُم} قالوا: ومن يُستبدل بنا؟ قال: فضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم على منكِب سلمان ثم قال:«هذا وقومه. هذا وقومه» قال: حديث غريب في إسناده مقال. وقد روى عبد الله بن جعفر بن نجيح والد علي بن المديني أيضاً هذا الحديث عن العلاء بن عبد الرحمٰن عن أبيه عن أبي هريرة قال: قال أناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يا رسول الله، من هؤلاء الذين ذكر الله إن تَوَلَّينا ٱستبدلوا ثم لا يكونوا أمثالنا؟ قال: وكان سلمان جنب رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: فضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم فخذ سلمان، قال:«هذا وأصحابه. والذي نفسي بيده لو كان الإيمان مَنُوطاً بالثُّرَيَّا لتناوله رجال من فارس». وقال الحسن: هم العجم. وقال عكرمة: هم فارس والروم. قال المحاسبيّ: فلا أحد بعد العرب من جميع أجناس الأعاجم أحسنُ دِيناً، ولا كانت العلماء منهم إلا الفرس. وقيل: إنهم اليمن، وهم الأنصار؛ قاله شريح بن عبيد. وكذا قال ابن عباس: هم الأنصار. وعنه أنهم الملائكة. وعنه هم التابعون. وقال مجاهد: إنهم من شاء من سائر الناس. {ثُمَّ لاَ يَكُونُوۤاْ أَمْثَالَكُم} قال الطبريّ: أي في البخل بالإنفاق في سبيل الله. وحكي عن أبي موسى الأشعري أنه لما نزلت هذه الآية فرح بها رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال:هي أحبّ إليّ من الدنيا. والله أعلم.
الاثنين، 26 أكتوبر 2026 15 جمادى الأولى 1448 هـ