انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة محمد

تفسير القرطبيالآيات 1–24

تفسير سورة محمد آية آية، من تفسير القرطبي.

بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ

ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ وَصَدُّوا۟ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ أَضَلَّ أَعْمَٰلَهُمْ ۝١

قال ٱبن عباس ومجاهد: هم أهل مكة كفروا بتوحيد الله، وصدّوا أنفسهم والمؤمنين عن دين الله وهو الإسلام بنهيهم عن الدخول فيه؛ وقاله السدّي. وقال الضحاك: «عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ» عن بيت الله بمنع قاصديه. ومعنى «أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ»: أبطل كيدهم ومكرهم بالنبيّ صلى الله عليه وسلم، وجعل الدائرة عليهم؛ قاله الضحاك. وقيل: أبطل ما عملوه في كفرهم بما كانوا يسمونه مكارم؛ من صلة الأرحام وفَكّ الأسارى وقِرَى الأضياف وحفظ الجوار. وقال ابن عباس: نزلت في المُطْعِمِين ببدر، وهم اثنا عشر رجلاً: أبو جهل، والحارث بن هشام، وعتبة وشيبة ابنا ربيعة، وأُبَيّ وأُمَيّة ابنا خلف، ومُنَبِّه ونُبَيْه ابنا الحجاج، وأبو البَخْتَريّ بن هشام، وزمعة بن الأسود، وحكيم بن حزام، والحارث بن عامر بن نوفل.

وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّٰلِحَٰتِ وَءَامَنُوا۟ بِمَا نُزِّلَ عَلَىٰ مُحَمَّدٍ وَهُوَ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّـَٔاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ ۝٢

قوله تعالى:{وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ وَآمَنُواْ بِمَا نُزِّلَ عَلَىٰ مُحَمَّدٍ} قال ابن عباس ومجاهد: هم الأنصار. وقال مقاتل: إنها نزلت خاصة في ناس من قريش. وقيل: هما عامّتان فيمن كفر وآمن. ومعنى «أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ»: أبطلها. وقيل: أضلهم عن الهدى بما صرفهم عنه من التوفيق. {وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ} من قال إنهم الأنصار فهي المواساة في مساكنهم وأموالهم. ومن قال إنهم من قريش فهي الهجرة. ومن قال بالعموم فالصالحات جميع الأعمال التي ترضي الله تعالى {وَآمَنُواْ بِمَا نُزِّلَ عَلَىٰ مُحَمَّدٍ} لم يخالفوه في شيء؛ قاله سفيان الثوريّ. وقيل: صدّقوا محمداً صلى الله عليه وسلم فيما جاء به. {وَهُوَ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ} يريد أن إيمانهم هو الحق من ربهم. وقيل: أي إن القرآن هو الحق من ربهم، نسخ به ما قبله {كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ} أي ما مضى من سيئاتهم قبل الإيمان. {وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ} أي شأنهم؛ عن مجاهد وغيره. وقال قتادة: حالهم. ابن عباس: أمورهم. والثلاثة متقاربة وهي متأوّلة على إصلاح ما تعلق بدنياهم. وحكى النقاش أن المعنى أصلح نياتهم؛ ومنه قول الشاعر:

فإن تُقبلي بالودّ أقبل بمثلهوإن تدبري أذهب إلى حال باليا

وهو على هذا التأويل محمول على صلاح دينهم. «والبال» كالمصدر، ولا يعرف منه فعل، ولا تجمعه العرب إلا في ضرورة الشعر فيقولون فيه: بالات. المبرد: قد يكون البال في موضع آخر بمعنى القلب؛ يقال: ما يخطر فلان على بالي؛ أي على قلبي. الجوهري: والبال رخاء النفس؛ يقال فلان رخيّ البال. والبال: الحال؛ يقال ما بالك. وقولهم: ليس هذا من بالي؛ أي مما أباليه. والبال: الحوت العظيم من حيتان البحر؛ وليس بعربي. والبالة: وعاء الطِّيب؛ فارسي معرّب؛ وأصله بالفارسية بيلة. قال أبو ذؤيب:

كأن عليها بالةً لَطَمِيّةلها من خلال الدَّأْيَتَيْن أرِيج

ذَٰلِكَ بِأَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ ٱتَّبَعُوا۟ ٱلْبَٰطِلَ وَأَنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّبَعُوا۟ ٱلْحَقَّ مِن رَّبِّهِمْ كَذَٰلِكَ يَضْرِبُ ٱللَّهُ لِلنَّاسِ أَمْثَٰلَهُمْ ۝٣

قوله تعالى:{ذَلِكَ بِأَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱتَّبَعُواْ ٱلْبَاطِلَ وَأَنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱتَّبَعُواْ ٱلْحَقَّ مِن رَّبِّهِمْ} «ذلِك» في موضع رفع؛ أي الأمر ذلك، أو ذلك الإضلال والهدى المتقدم ذكرهما سببه هذا. فالكافر ٱتبع الباطل، والمؤمن ٱتبع الحق. والباطل: الشرك. والحق: التوحيد والإيمان. {كَذَلِكَ يَضْرِبُ ٱللَّهُ لِلنَّاسِ أَمْثَالَهُمْ} أي كهذا البيان الذي بُيّن يُبَيّن الله للناس أمر الحسنات والسيئات. والضمير في «أَمْثَالَهُمْ» يرجع إلى الذين كفروا والذين آمنوا.

فَإِذَا لَقِيتُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ فَضَرْبَ ٱلرِّقَابِ حَتَّىٰٓ إِذَآ أَثْخَنتُمُوهُمْ فَشُدُّوا۟ ٱلْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّۢا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَآءً حَتَّىٰ تَضَعَ ٱلْحَرْبُ أَوْزَارَهَا ذَٰلِكَ وَلَوْ يَشَآءُ ٱللَّهُ لَٱنتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَٰكِن لِّيَبْلُوَا۟ بَعْضَكُم بِبَعْضٍ وَٱلَّذِينَ قُتِلُوا۟ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ فَلَن يُضِلَّ أَعْمَٰلَهُمْ ۝٤

فيه أربع مسائل:

الأولى ـ قوله تعالى: {فَإِذَا لَقِيتُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَضَرْبَ ٱلرِّقَابِ} لما ميّز بين الفريقين أمر بجهاد الكفار. قال ابن عباس: الكفار المشركون عبدة الأوثان. وقيل: كل من خالف دين الإسلام من مشرك أو كتابي إذا لم يكن صاحب عهد ولا ذِمّة؛ ذكره الماورِدي. وٱختاره ابن العربي وقال: وهو الصحيح لعموم الآية فيه؛ «فَضَرْبَ الرِّقَابِ» مصدر. قال الزجاج: أي فٱضربوا الرقاب ضرباً. وخص الرقاب بالذكر لأن القتل أكثر ما يكون بها. وقيل: نصب على الإغراء. قال أبو عبيدة: هو كقولك يا نفس صبراً. وقيل: التقدير ٱقصدوا ضرب الرقاب. وقال: «فَضَرْبَ الرِّقَابِ» ولم يقل فٱقتلوهم؛ لأن في العبارة بضرب الرقاب من الغِلظة والشدة ما ليس في لفظ القتل؛ لما فيه من تصوير القتل بأشنع صوره؛ وهو حز العنق وإطارة العضو الذي هو رأس البدن وعُلوّه وأوْجَهُ أعضائه.

الثانية ـ قوله تعالى: {حَتَّىٰ إِذَآ أَثْخَنتُمُوهُمْ} أي أكثرتم القتل. وقد مضى في «الأنفال» عند قوله تعالى: «حَتَّى يُثْخِنَ فِي اْلأَرْضِ». {فَشُدُّواْ ٱلْوَثَاقَ} أي إذا أسرتموهم. والوثاق ٱسم من الإيثاق، وقد يكون مصدراً؛ يقال: أوثقته إيثاقاً ووثاقاً. وأما الوِثاق (بالكسر) فهو ٱسم الشيء الذي يوثق به كالرباط؛ قاله القشيري. وقال الجوهرِيّ: وأوثقه في الوثاق أي شدّه، وقال تعالى: «فَشُدُّوا الْوَثَاقَ». والوِثاق (بكسر الواو) لغة فيه. وإنما أمر بشدّ الوثاق لئلا يفلِتوا. {فَإِمَّا مَنًّا} عليهم بالإطلاق من غيرِ فِدْية {وَإِمَّا فِدَآءً}. ولم يذكر القتل هاهنا ٱكتفاء بما تقدّم من القتل في صدر الكلام، و «مَنًّا» و «فِدَاءً» نصب بإضمار فعل. وقرىء «فَدًى» بالقصر مع فتح الفاء؛ أي فإما أن تمنُّوا عليهم مَنًّا، وإما أن تفادوهم فِداءً. روي عن بعضهم أنه قال: كنت واقفاً على رأس الحجاج حين أتِيَ بالأسرى من أصحاب عبد الرحمٰن بن الأشعث وهم أربعة آلاف وثمانمائة فقتل منهم نحو من ثلاثة آلاف حتى قدم إليه رجل مِن كِنْدة فقال: يا حجاج، لا جازاك الله عن السنة والكرم خيرا! قال: ولمَ ذلك؟ قال: لأن الله تعالى قال: {فَإِذَا لَقِيتُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَضَرْبَ ٱلرِّقَابِ حَتَّىٰ إِذَآ أَثْخَنتُمُوهُمْ فَشُدُّواْ ٱلْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَآءً} في حق الذين كفروا؛ فوالله! ما مَنَنْتَ ولا فَدَيْتَ؟ وقد قال شاعركم فيما وصف به قومه من مكارم الأخلاق:

ولا نقتل الأسرى ولكن نفكهمإذا أثقل الأعناقَ حِملُ المغارم

فقال الحجاج: أفٍّ لهذه الجِيَف! أمَا كان فيهم من يحسن مثل هذا الكلامٰ؟ خَلُّوا سبيل من بقي. فَخُلِّيَ يومئذ عن بقية الأسرى، وهم زهاء ألفين، بقول ذلك الرجل.

الثالثة ـ واختلف العلماء في تأويل هذه الآية على خمسة أقوال:

الأوّل ـ أنها منسوخة، وهي في أهل الأوثان، لا يجوز أن يفادوا ولا يُمَنّ عليهم. والناسخ لها عندهم قوله تعالى:

{ فَٱقْتُلُواْ ٱلْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ } [التوبة: 5] وقوله: { فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي ٱلْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِم مَّنْ خَلْفَهُمْ }[الأنفال:7 5] وقوله: { وَقَاتِلُواْ ٱلْمُشْرِكِينَ كَآفَّةً }[التوبة:6 3] الآية؛ قاله قتادة والضحاك والسدّي وابن جُرَيج والعَوْفِي عن ابن عباس، وقاله كثير من الكوفيين. وقال عبد الكريم الجَوْزِيّ: كُتب إلى أبي بكر في أسير أسِر، فذكروا أنهم التمسوه بفداء كذا وكذا؛ فقال اقتلوه، لَقَتْلُ رجلٍ من المشركين أحبّ إليّ من كذا وكذا.

الثاني ـ أنها في الكفار جميعاً. وهي منسوخة على قول جماعة من العلماء وأهل النظر، منهم قتادة ومجاهد. قالوا: إذا أسِر المشرك لم يجز أن يُمَنّ عليه، ولا أن يفادى به فيردّ إلى المشركين؛ ولا يجوز أن يفادى عندهم إلا بالمرأة؛ لأنها لا تُقتل. والناسخ لها: «فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ» إذ كانت براءة آخر ما نزلت بالتوقيف؛ فوجب أن يُقتل كل مشرك إلا من قامت الدلالة على تركه من النساء والصبيان ومن يؤخذ منه الجِزية. وهو المشهور من مذهب أبي حنيفة؛ خيفة أن يعودوا حَرْباً للمسلمين. ذكر عبد الرّزاق أخبرنا معمر عن قتادة «فَإمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإمَّا فِدَاءً» قال: نسخها «فَشَرِّدْ بِهِم مَنْ خَلْفَهُمْ». وقال مجاهد: نسخها {فَٱقْتُلُواْ ٱلْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ}. وهو قول الحَكَم.

الثالث ـ أنها ناسخة؛ قاله الضحاك وغيره. روى الثوري عن جُوَيْبِر عن الضحاك: {فَٱقْتُلُواْ ٱلْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ} قال: نسخها «فَإمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإمَّا فِدَاءً». وقال ابن المبارك عن ابن جُرَيج عن عطاء: «فَإمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإمَّا فِدَاءً» فلا يُقتل المشرك ولكن يُمَنّ عليه ويُفادى؛ كما قال الله عز وجل. قال أشعث: كان الحسن يكره أن يقتل الأسير، ويتلو {فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَآءً}. وقال الحسن أيضاً: في الآية تقديم وتأخير؛ فكأنه قال: فضرب الرّقاب حتى تضع الحرب أوزارها. ثم قال: {حَتَّىٰ إِذَآ أَثْخَنتُمُوهُمْ فَشُدُّواْ ٱلْوَثَاقَ}. وزعم أنه ليس للإمام إذا حصل الأسير في يديه أن يقتله؛ لكنه بالخيار في ثلاث منازل: إما أن يَمُنّ، أو يفادي، أو يسترق.

الرابع ـ قول سعيد بن جُبَير: لا يكون فداء ولا أسر إلا بعد الإثخان والقتل بالسيف؛ لقوله تعالى:

{ مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَىٰ حَتَّىٰ يُثْخِنَ فِي ٱلأَرْضِ }[الأنفال:7 6]. فإذا أسِر بعد ذلك فللإمام أن يحكم بما رآه من قتل أو غيره.

الخامس ـ أن الآية محكمة، والإمام مخيَّر في كل حال؛ رواه علي بن أبي طلحة عن ابن عباس، وقاله كثير من العلماء منهم ابن عمر والحسن وعطاء، وهو مذهب مالك والشافعي والثوري والأوزاعي وأبي عبيد وغيرهم. وهو الاختيار؛ لأن النبيّ صلى الله عليه وسلم والخلفاء الراشدين فعلوا كل ذلك؛ قَتل النبيّ صلى الله عليه وسلم عُقْبَة بن أبي مُعَيْط والنضر بن الحارث يوم بدر صَبْراً، وفادى سائر أسارى بدر، ومَنّ على ثُمامة بن أُثَال الحنفي وهو أسير في يده، وأخذ من سلمة بن الأكْوَع جارية ففدى بها أناساً من المسلمين، وهبط عليه عليه السلام قوم من أهل مكة فأخذهم النبيّ صلى الله عليه وسلم ومنّ عليهم، وقد منّ على سَبْيِ هوازن. وهذا كله ثابت في الصحيح، وقد مضى جميعه في (الأنفال) وغيرها. قال النحاس: وهذا على أن الآيتين محكمتان معمول بهما؛ وهو قول حسن، لأن النسخ إنما يكون لشيء قاطع، فإذا أمكن العمل بالآيتين فلا معنى للقول بالنسخ، إذا كان يجوز أن يقع التعبُّد إذا لقينا الذين كفروا قتلناهم، فإذا كان الأسر جاز القتل والاسترقاق والمفاداة والمنّ؛ على ما فيه الصلاح للمسلمين. وهذا القول يروى عن أهل المدينة والشافعي وأبي عبيد، وحكاه الطحاوي مذهباً عن أبي حنيفة، والمشهور عنه ما قدّمناه، وبالله عز وجل التوفيق.

الرابعة ـ قوله تعالى: {حَتَّىٰ تَضَعَ ٱلْحَرْبُ أَوْزَارَهَا} قال مجاهد وابن جبير: هو خروج عيسى عليه السلام. وعن مجاهد أيضاً: أن المعنى حتى لا يكون دين إلا دين الإسلام؛ فَيُسْلِم كلّ يهوديّ ونصراني وصاحب مِلّة، وتأمن الشاة من الذئب. ونحوه عن الحسن والكلبي والفرّاء والكسائي. قال الكسائي: حتى يُسْلِم الخلق. وقال الفرّاء: حتى يؤمنوا ويذهب الكفر. وقال الكلبي: حتى يظهر الإسلام على الدِّين كله. وقال الحسن: حتى لا يعبدوا إلا الله. وقيل: معنى الأوزار السلاح؛ فالمعنى شدّوا الوثاق حتى تأمنوا وتضعوا السلاح. وقيل: معناه حتى تضع الحرب، أي الأعداء المحاربون أوزارهم، وهو سلاحهم بالهزيمة أو الموادعة. ويقال للكراع أوزار. قال الأعشى:

وأعددت للحرب أوزارهارماحاً طوالاً وخيلاً ذكورا ومِن نَسْج داود يحدي بهاعلى أثر الحيّ عِيراً فعِيرَا

وقيل: «حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا» أي أثقالها. والوِزر الثقل؛ ومنه وزير الملك لأنه يتحمل عنه الأثقال. وأثقالها السلاح لثقل حملها. قال ابن العربي: قال الحسن وعطاء: في الآية تقديم وتأخير؛ المعنى فضرب الرقاب حتى تضع الحرب أوزارها فإذا أثخنتموهم فشدّوا الوثاق؛ وليس للإمام أن يقتل الأسير. وقد روي عن الحجاج أنه دفع أسيراً إلى عبد الله بن عمر ليقتله فأبى وقال: ليس بهذا أمرنا الله؛ وقرأ «حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ». قلنا: قد قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم وفعله، وليس في تفسير الله للمنّ والفداء منع من غيره؛ فقد بيّن الله في الزنى حكم الجلد، وبيّن النبيّ صلى الله عليه وسلم حكم الرجم؛ ولعل ٱبن عمر كره ذلك من يد الحجاج فاعتذر بما قال، وربك أعلم.

قوله تعالى: {ذَلِكَ وَلَوْ يَشَآءُ اللَّهُ لاَنْتَصَرَ مِنْهُمْ} «ذَلِكَ» في موضع رفع على ما تقدّم؛ أي الأمر ذلك الذي ذكرت وبينت. وقيل: هو منصوب على معنى افعلوا ذلك. ويجوز أن يكون مبتدأ؛ المعنى ذلك حكم الكفار. وهي كلمة يستعملها الفصيح عند الخروج من كلام إلى كلام؛ وهو كما قال تعالى:

{ هَـٰذَا وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ }[صۤ: 55]. أي هذا حق وأنا أعرفكم أن للظالمين كذا. ومعنى: «لاَنْتَصَرَ مِنْهُمْ» أي أهلكهم بغير قتال. وقال ابن عباس: لأهلكهم بجند من الملائكة. {وَلَـٰكِن لِّيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ} أي أمركم بالحرب ليبلُوَ ويختبر بعضكم ببعض فيعلم المجاهِدِين والصابرين؛ كما في السورة نفسها. {وَٱلَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ} يريد قتلى أُحُد من المؤمنين {فَلَن يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ} قراءة العامة «قاتلوا» وهي ٱختيار أبي عبيد. وقرأ أبو عمرو وحفص «قُتِلوا» بضم القاف وكسر التاء، وكذلك قرأ الحسن إلا أنه شدّد التاء على التكثير. وقرأ الجَحْدرِي وعيسى بن عمر وأبو حَيْوة «قَتَلُوا» بفتح القاف والتاء من غير ألف؛ يعني الذين قتلوا المشركين. قال قتادة: ذكر لنا أن هذه الآية نزلت يوم أُحُد ورسول الله صلى الله عليه وسلم في الشِّعب، وقد فَشَت فيهم الجراحات والقتل، وقد نادى المشركون: ٱعْلُ هُبَلُ. ونادى المسملون: الله أعلى وأجل. وقال المشركون: يومٌ بيوم بَدْر والحرب سِجال. فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم:«قولوا لا سواء. قتلانا أحياء عند ربهم يرزقون وقتلاكم في النار يعذَّبون». فقال المشركون: إن لنا العُزَّى ولا عُزَّى لكم. فقال المسلمون: الله مولانا ولا مولى لكم. وقد تقدّم ذكر ذلك في« آل عمران».

سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ ۝٥

قال القشيري: قراءة أبي عمرو «قُتِلوا» بعيدة؛ لقوله تعالى: {سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ } والمقتول لا يوصف بهذا. قال غيره: يكون المعنى سيهديهم إلى الجنة، أو سيهدي من بقي منهم؛ أي يحقق لهم الهداية. وقال ابن زياد: سيهديهم إلى محاجة منكر ونكير في القبر. قال أبو المعالي: وقد ترد الهداية والمراد بها إرشاد المؤمنين إلى مسالك الجنان والطرق الْمُفْضية إليها؛ من ذلك قوله تعالى في صفة المجاهدين: «فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ. سَيَهْدِيهِمْ» ومنه قوله تعالى:

{ فَٱهْدُوهُمْ إِلَىٰ صِرَاطِ ٱلْجَحِيمِ } [الصافات: 23] معناه فاسلكوا بهم إليها.

وَيُدْخِلُهُمُ ٱلْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ ۝٦

أي إذا دخلوها يقال لهم تفرّقوا إلى منازلكم؛ فهم أعرف بمنازلهم من أهل الجمعة إذا ٱنصرفوا إلى منازلهم. قال معناه مجاهد وأكثر المفسرين. وفي البخاري ما يدل على صحة هذا القول عن أبي سعيد الخُدْرِيّ، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

يخلص المؤمنون من النار فيُحبسون على قنطرة بين الجنة والنار (فَيُقَصُّ لبعضهم من بعض مظالم كانت بينهم في الدنيا) حتى إذا هُذِّبُوا ونُقُّوا أذِن لهم في دخول الجنة فوالذي نفس محمد بيده لأحدهم أهدى بمنزله في الجنة (منه) بمنزله في الدنيا. وقيل: «عَرَّفَهَا لَهُمْ» أي بيّنها لهم حتى عرفوها من غير استدلال. قال الحسن: وصف الله تعالى لهم الجنة في الدنيا، فلما دخلوها عرفوها بصفتها. وقيل: فيه حذف؛ أي عَرَّف طرقها ومساكنها وبيوتها لهم؛ فحذف المضاف. وقيل: هذا التعريف بدليل، وهو المَلَك الموكل بعمل العبد يمشي بين يديه ويتبعه العبد حتى يأتي العبد منزله، ويعرّفه المَلَك جميع ما جُعل له في الجنة. وحديث أبي سعيد الْخُدْرِيّ يردّه. وقال ابن عباس: «عَرَّفَهَا لَهُمْ» أي طيّبها لهم بأنواع الملاذ؛ مأخوذ من العَرْف، وهو الرائحة الطيبة. وطعام مُعَرَّف أي مطيّب؛ تقول العرب: عرّفت القدر إذا طيبتها بالملح والأبزار. وقال الشاعر يخاطب رجلاً ويمدحه:

عَرُفْتَ كإتْبٍ عرّفته اللَّطائم

يقوله: كما عَرُف الإتْب، وهو البَقِير والبَقِيرة، وهو قميص لا كُمَّين له تلبسه النساء. وقيل: هو من وضع الطعام بعضه على بعض من كثرته؛ يقال حرير معرّف؛ أي بعضه على بعض، وهو من العُرْف المتتابع كعُرْف الفرس. وقيل: «عَرَّفَهَا لَهُمْ» أي وفّقهم للطاعة حتى استوجبوا الجنة. وقيل: عرّف أهل السماء أنها لهم إظهاراً لكرامتهم فيها. وقيل: عرّف المطيعين أنها لهم.

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِن تَنصُرُوا۟ ٱللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ ۝٧

قوله تعالى:{يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِن تَنصُرُواْ ٱللَّهَ يَنصُرْكُمْ} أي إن تنصروا دين الله ينصركم على الكفار. نظيره: «وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ» وقد تقدّم. وقال قُطْرُب: إن تنصروا نبيّ الله ينصركم الله؛ والمعنى واحد. {وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ} أي عند القتال. وقيل على الإسلام. وقيل على الصراط. وقيل: المراد تثبيت القلوب بالأمن؛ فيكون تثبيت الأقدام عبارةً عن النصر والمعونة في موطن الحرب. وقد مضى في «الأنفال» هذا المعنى. وقال هناك:

{ إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى ٱلْمَلاۤئِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُواْ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ }[الأنفال: 12] فأثبت هناك (واسطة ونفاها هنا)؛ كقوله تعالى: { قُلْ يَتَوَفَّاكُم مَّلَكُ ٱلْمَوْتِ }[السجدة: 11] ثم نفاها بقوله: { ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ }[الروم:0 4]. { ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلْمَوْتَ وَٱلْحَيَاةَ }[الملك: 2] ومثله كثير؛ فلا فاعل إلا الله وحده.

وَٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ فَتَعْسًا لَّهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمَٰلَهُمْ ۝٨

قوله تعالى:{وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} يحتمل الرفع على الابتداء، والنصب بما يفسره «فَتَعْساً لَهُمْ» كأنه قال: أتْعَسَ الذين كفروا. و «تَعْساً لَهُمْ» نصب على المصدر بسبيل الدعاء؛ قاله الفرّاء، مثل سَقْياً له ورَعْياً. وهو نقيض لَعاً له. قال الأعشى:

فالتَّعْس أوْلَى لها من أن أقول لَعَا

وفيه عشرة أقوال: الأوّل ـ بُعْداً لهم؛ قاله ابن عباس وابن جريج. الثاني ـ حُزْناً لهم؛ قاله السدي. الثالث ـ شقاء لهم؛ قاله ابن زيد. الرابع ـ شَتْماً لهم من الله؛ قاله الحسن. الخامس ـ هلاكاً لهم؛ قاله ثعلب. السادس ـ خَيْبَةً لهم؛ قاله الضحاك وابن زيد. السابع ـ قبحاً لهم؛ حكاه النقاش. الثامن ـ رغماً لهم؛ قاله الضحاك أيضاً. التاسع ـ شَرًّا لهم؛ قاله ثعلب أيضاً. العاشر ـ شِقْوة لهم؛ قاله أبو العالية. وقيل: إن التَّعْس الانحطاط والعِثار. قال ابن السِّكّيت: التعس أن يَخِرّ على وجهه. والنَّكْس أن يَخِرّ على رأسه. قال: والتعس أيضاً الهلاك. قال الجوهري: وأصله الكَبّ، وهو ضدّ الانتعاش. وقد تَعَس (بفتح العين) يَتْعَس تَعْساً، وأتعسه الله. قال مُجَمِّع بن هلال:

تقول وقد أفردْتُها من خَلِيلهاتَعِسْتَ كما أتْعَسْتَنِي يا مُجَمِّعُ

يقال: تعساً لفلان؛ أي ألزمه الله هلاكاً. قال القُشَيْرِي: وجوّز قوم تعِس (بكسر العين).

قلت: ومنه حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

تَعِس عَبْدُ الدينار والدرهم والقَطِيفة والخَمِيصة إن أُعطِي رَضِيَ وإن لم يُعْطَ لم يرضخرّجه البخاري. في بعض طرق هذا الحديث تعس وٱنتكس وإذا شِيك فلا ٱنتقشخرّجه ابن ماجه.

قوله تعالى: {وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ} أي أبطلها لأنها كانت في طاعة الشيطان. ودخلت الفاء في قوله: «فَتَعْساً» لأجل الإبهام الذي في «الَّذِينَ»، وجاء «وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ» على الخبر حملاً على لفظ الذين؛ لأنه خبر في اللفظ، فدخول الفاء حملاً على المعنى، «وأضلّ» حَمْلاً على اللفظ.

ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا۟ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَٰلَهُمْ ۝٩

أي ذلك الإضلال والإتعاس؛ لأنهم {كَرِهُواْ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ} من الكتب والشرائع. {فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ} أي ما لهم من صور الخيرات، كعمارة المسجد وقِرى الضيف وأصناف القُرَب، ولا يَقْبَل الله العمل إلا من مؤمن. وقيل: أحبط أعمالهم أي عبادة الصنم.

أَفَلَمْ يَسِيرُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ فَيَنظُرُوا۟ كَيْفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ دَمَّرَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَٰفِرِينَ أَمْثَٰلُهَا ۝١٠

بيّن أحوال المؤمن والكافر تنبيهاً على وجوب الإيمان، ثم وصل هذا بالنظر؛ أي ألم يَسِر هؤلاء في أرض عاد وثمود وقوم لوط وغيرهم ليعتبروا بهم {فَيَنظُرُواْ} بقلوبهم {كَيْفَ كَانَ} آخر أمر الكافرين قبلهم {دَمَّرَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمْ} أي أهلكهم واستأصلهم. يقال: دمّره تدميراً، ودمّر عليه بمعنًى. ثم تواعد مشركي مكة فقال: {وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا} أي أمثال هذه الفعلة؛ يعني التدمير. وقال الزجاج والطبري: الهاء تعود على العاقبة؛ أي وللكافرين من قريش أمثال عاقبة تكذيب الأمم السالفة إن لم يؤمنوا.

ذَٰلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ مَوْلَى ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَأَنَّ ٱلْكَٰفِرِينَ لَا مَوْلَىٰ لَهُمْ ۝١١

أي وليّهم وناصرهم. وفي حرف ابن مسعود «ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا». فالمولى: الناصر هاهنا؛ قاله ابن عباس وغيره. قال:

فَغدَت كِلاَ الفَرْجَيْن تحسِب أنهمَوْلَى المخافة خَلْفُها وأمامها

قال قتادة: نزلت يوم أُحُد والنبيّ صلى الله عليه وسلم في الشِّعب، إذ صاح المشركون: يومٌ بيوم، لنا العُزّى ولا عُزَّى لكم؛ قال النبي صلى الله عليه وسلم: قولوا الله مولانا ولا مولى لكم وقد تقدّم. {وَأَنَّ ٱلْكَافِرِينَ لاَ مَوْلَىٰ لَهُمْ} أي لا ينصرهم أحد من الله.

إِنَّ ٱللَّهَ يُدْخِلُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّٰلِحَٰتِ جَنَّٰتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَٰرُ وَٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ ٱلْأَنْعَٰمُ وَٱلنَّارُ مَثْوًى لَّهُمْ ۝١٢

قوله تعالى:{إِنَّ ٱللَّهَ يُدْخِلُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ} تقدّم في غير موضع. {وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يَتَمَتَّعُونَ} في الدنيا كأنهم أنعام، ليس لهم همّة إلا بطونهم وفروجهم، ساهون عما في غدِهم. وقيل: المؤمن في الدنيا يتزوّد، والمنافق يتزين، والكافر يتمتع. {وَٱلنَّارُ مَثْوًى لَّهُمْ} أي مقام ومنزل.

وَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ هِىَ أَشَدُّ قُوَّةً مِّن قَرْيَتِكَ ٱلَّتِىٓ أَخْرَجَتْكَ أَهْلَكْنَٰهُمْ فَلَا نَاصِرَ لَهُمْ ۝١٣

قوله تعالى:{وَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ} تقدّم الكلام في «كَأَيِّنْ» في (آل عمران). وهي هاهنا بمعنى كم؛ أي وكم من قرية. وأنشد الأخفش قول لبيد:

وكائن رأينا من ملوك وسُوقةومفتاحِ قَيْد للأسير المكبل

فيكون معناه: وكم من أهل قرية. {هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِّن قَرْيَتِكَ ٱلَّتِيۤ أَخْرَجَتْكَ} أي أخرجك أهلها. {أَهْلَكْنَاهُمْ فَلاَ نَاصِرَ لَهُمْ} قال قتادة وابن عباس:لما خرج النبيّ صلى الله عليه وسلم من مكة إلى الغار التفت إلى مكة وقال: «اللَّهُمّ أنتِ أحبّ البلاد إلى الله وأنت أحبّ البلاد إليّ ولولا المشركون أَهْلُكِ أخرجوني لما خرجت منك». (فنزلت الآية)؛ ذكره الثعلبي، وهو حديث صحيح.

أَفَمَن كَانَ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِۦ كَمَن زُيِّنَ لَهُۥ سُوٓءُ عَمَلِهِۦ وَٱتَّبَعُوٓا۟ أَهْوَآءَهُم ۝١٤

قوله تعالى:{أَفَمَن كَانَ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِ} الألف ألف تقرير. ومعنى «على بينةٍ» أي على ثبات ويقين؛ قاله ابن عباس. أبو العالية: وهو محمد صلى الله عليه وسلم. والبينة: الوَحْيُ. {كَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوۤءُ عَمَلِهِ} أي عبادة الأصنام، وهو أبو جهل والكفار. {وَٱتَّبَعُوۤاْ أَهْوَاءَهُمْ} أي ما اشتهوا. وهذا التزيين من جهة الله خلقاً. ويجوز أن يكون من الشيطان دعاءً ووسوسة. ويجوز أن يكون من الكافر؛ أي زيّن لنفسه سوء عمله وأصرّ على الكفر. وقال: «سُوءُ» على لفظ «مَن» «وَاتَّبَعُوا» على معناه.

مَّثَلُ ٱلْجَنَّةِ ٱلَّتِى وُعِدَ ٱلْمُتَّقُونَ فِيهَآ أَنْهَٰرٌ مِّن مَّآءٍ غَيْرِ ءَاسِنٍ وَأَنْهَٰرٌ مِّن لَّبَنٍ لَّمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُۥ وَأَنْهَٰرٌ مِّنْ خَمْرٍ لَّذَّةٍ لِّلشَّٰرِبِينَ وَأَنْهَٰرٌ مِّنْ عَسَلٍ مُّصَفًّى وَلَهُمْ فِيهَا مِن كُلِّ ٱلثَّمَرَٰتِ وَمَغْفِرَةٌ مِّن رَّبِّهِمْ كَمَنْ هُوَ خَٰلِدٌ فِى ٱلنَّارِ وَسُقُوا۟ مَآءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَآءَهُمْ ۝١٥

قوله تعالى:{مَّثَلُ ٱلْجَنَّةِ ٱلَّتِي وُعِدَ ٱلْمُتَّقُونَ} لما قال عز وجل: {إِنَّ ٱللَّهَ يُدْخِلُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ جَنَاتٍ} وصف تلك الجنات، أي صفة الجنة المعدّة للمتقين. وقد مضى الكلام في هذا في «الرعد». وقرأ علي بن أبي طالب «مِثَالُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ». {فِيهَآ أَنْهَارٌ مِّن مَّآءٍ غَيْرِ آسِنٍ} أي غير متغير الرائحة. والآسِن من الماء مثل الآجِن. وقد أسَن الماء يأسُن ويأسِن (أسْناً و) أُسُوناً إذا تغيّرت رائحته. وكذلك أجَن الماء يأجُن ويأجِن أجْناً وأُجُوناً. ويقال بالكسر فيهما: أجِن وأسِن يأسن ويأجن أسْناً وأجْناً؛ قاله اليزيدي. وأسِن الرجل أيضاً يأسَن (بالكسر لا غير) إذا دخل البئر فأصابته ريح منتِنة من ريح البئر أو غير ذلك فغشِي عليه أو دار رأسُه؛ قال زُهير:

قد أترك القِرن مُصْفَرًّا أناملهيَميد في الرُّمح مَيد المائح الأسِن

ويروى «الوسن». وتأسّن الماء تغيّر. أبو زيد: تأسّن عليّ تأسّناً ٱعتلّ وأبطأ. أبو عمرو: تأسّن الرجل أباه أخذ أخلاقه. وقال الَّلحياني: إذا نزع إليه في الشَّبه. وقراءة العامة «آسن» بالمدّ. وقرأ ٱبن كثير وحُميد «أسن» بالقصر، وهما لغتان؛ مثل حاذر وحذر. وقال الأخفش: أسن للحال، وآسن (مثل فاعل) يراد به الاستقبال. {وَأَنْهَارٌ مِّن لَّبَنٍ لَّمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ} أي لم يحمض بطول المقام كما تتغير ألبان الدنيا إلى الحموضة. {وَأَنْهَارٌ مِّنْ خَمْرٍ لَّذَّةٍ لِّلشَّارِبِينَ} أي لم تدنسها الأرجل ولم تُرَنِّقْها الأيدي كخمر الدنيا؛ فهي لذيذة الطعم طيبة الشرب لا يتركها الشاربون. يقال: شراب لَذّ ولذيذ بمعنًى. وٱستلذّه عدّه لذيذاً. {وَأَنْهَارٌ مِّنْ عَسَلٍ مُّصَفًّى} العسل ما يسيل من لعاب النحل. «مُصَفًّى» أي من الشمع والقَذَى، خلقه الله كذلك لم يطبخ على نار ولا دنّسه النحل. وفي الترمذي عن حكيم بن معاوية عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:إن في الجنة بحر الماء وبحر العسل وبحر اللبن وبحر الخمر ثم تشقّق الأنهار بعدُ. قال: حديث حسن صحيح. وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: سَيْحان وجَيْحان والنيل والفُرات كلٌّ من أنهار الجنة. وقال كعب: نهر دجلة نهر ماء أهل الجنة، ونهر الفرات نهر لبنهم، ونهر مصر نهر خمرهم، ونهر سَيْحان نهر عسلهم. وهذه الأنهار الأربعة تخرج من نهر الكوثر. والعسل: يذكر ويؤنث. وقال ٱبن عباس: «مِن عَسَلٍ مُصَفًّى» أي لم يخرج من بطون النحل. {وَلَهُمْ فِيهَا مِن كُلِّ ٱلثَّمَرَاتِ} «مِن» زائدة للتأكيد. {وَمَغْفِرَةٌ مِّن رَّبِّهِمْ} أي لذنوبهم. {كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ فِي ٱلنَّارِ} قال الفرّاء: المعنى أفمن يخلد في هذا النعيم كمن يخلد في النار. وقال الزجاج: أي أفمن كان على بينة من ربه وأعطي هذه الأشياء كمن زُيِّن له سوء عمله وهو خالد في النار. فقوله: «كَمَنْ» بدل من قوله: {أَفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوۤءَ عَمَلِهِ}. وقال ابن كيسان: مثل هذه الجنة التي فيها الثمار والأنهار كمثل النار التي فيها الحميم والزقوم. ومثل أهل الجنة في النعيم المقيم كمثل أهل النار في العذاب المقيم. {وَسُقُواْ مَآءً حَمِيماً} أي حاراً شديد الغليان، إذا أُدْني منهم شوى وجوههم، ووقعت فروة رؤوسهم؛ فإذا شربوه قطع أمعاءهم وأخرجها من دبورهم. والأمعاء: جمع مِعًى، والتثنية مِعيان، وهو جميع ما في البطن من الحوايا.

وَمِنْهُم مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّىٰٓ إِذَا خَرَجُوا۟ مِنْ عِندِكَ قَالُوا۟ لِلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْعِلْمَ مَاذَا قَالَ ءَانِفًا أُو۟لَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ طَبَعَ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ وَٱتَّبَعُوٓا۟ أَهْوَآءَهُمْ ۝١٦ وَٱلَّذِينَ ٱهْتَدَوْا۟ زَادَهُمْ هُدًى وَءَاتَىٰهُمْ تَقْوَىٰهُمْ ۝١٧

قوله تعالى:{وَمِنْهُمْ مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ} أي من هؤلاء الذين يتمتعون ويأكلون كما تأكل الأنعام، وزُيّن لهم سوء عملهم قوم يستمعون إليك وهم المنافقون: عبد الله بن أُبَيّ بن سَلُول ورفاعة بن التابوت وزيد بن الصليت والحارث بن عمرو ومالك بن دُخْشم، كانوا يحضرون الخطبة يوم الجمعة فإذا سمعوا ذكر المنافقين فيها أعرضوا عنه، فإذا خرجوا سألوا عنه؛ قاله الكلبي ومقاتل. وقيل: كانوا يحضرون عند رسول الله صلى الله عليه وسلم مع المؤمنين؛ فيستمعون منه ما يقول، فيَعِيَه المؤمن ولا يعيه الكافر. {حَتَّىٰ إِذَا خَرَجُواْ مِنْ عِندِكَ} أي إذا فارقوا مجلسك. {قَالُواْ لِلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ} قال عكرمة: هو عبد الله بن العباس. قال ٱبن عباس: كنت ممن يُسأل، أي كنت من الذين أوتوا العلم. وفي رواية عن ابن عباس: أنه يريد عبد الله بن مسعود. وكذا قال عبد الله بن بريدة: هو عبد الله بن مسعود. وقال القاسم بن عبد الرحمٰن: هو أبو الدرداء. وقال ابن زيد: إنهم الصحابة. {مَاذَا قَالَ آنِفاً} أي الآن؛ على جهة الاْستهزاء. أي أنا لم ألتفت إلى قوله. و «آنِفاً» يراد به الساعة التي هي أقرب الأوقات إليك؛ من قولك: ٱستأنفت الشيء إذا ٱبتدأت به. ومنه أَمْرٌ أُنُف، ورَوْضة أنُف؛ أي لم يرعها أحد. وكأس أنف: إذا لم يُشرب منها شيء؛ كأنه ٱستؤنف شربها مثل روضة أنف. قال الشاعر:

ويَحْرُم سِرُّ جارتهم عليهمويأكل جارهم أنفَ القصاع

وقال آخر:

إن الشِّواء والنَّشِيل والرُّغُفْوالْقَيْنَةَ الحسناءَ والكأسَ الأُنُفْ للطاعنين الخيل والخيل قُطُف

وقال ٱمرؤ القيس:

قد غَدَا يحملني في أنفه

أي في أوّله. وأَنْفُ كلّ شيء أوّله. وقال قتادة في هؤلاء المنافقين: الناس رجلان: رجل عَقَل عن الله فانتفع بما سمع، ورجل لم يعقل ولم ينتفع بما سمع. وكان يقال: الناس ثلاثة: فسامع عامل، وسامع عاقل، وسامع غافل تارك.

قوله تعالى: {أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ طَبَعَ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ} فلم يؤمنوا. {وَٱتَّبَعُوۤاْ أَهْوَآءَهُمْ} في الكفر. {وَٱلَّذِينَ ٱهْتَدَوْاْ} أي للإيمان زادهم الله هدى. وقيل: زادهم النبيّ صلى الله عليه وسلم هدى. وقيل: ما يستمعونه من القرآن هدى؛ أي يتضاعف يقينهم. وقال الفرّاء: زادهم إعراض المنافقين واستهزاؤهم هدى. وقيل: زادهم نزول الناسخ هدى. وفي الهدى الذي زادهم أربعة أقاويل: أحدها ـ زادهم علماً؛ قاله الربيع بن أنس. الثاني ـ أنهم علموا ما سمعوا وعملوا بما علموا؛ قاله الضحاك. الثالث ـ زادهم بصيرة في دينهم وتصديقاً لنبيّهم؛ قاله الكلبيّ. الرابع ـ شرح صدورهم بما هم عليه من الإيمان. {وَآتَاهُمْ تَقُوَاهُمْ} أي ألهمهم إياها. وقيل: فيه خمسة أوجه: أحدها ـ آتاهم الخشية؛ قاله الربيع. الثاني ـ ثواب تقواهم في الآخرة؛ قاله السدّي. الثالث ـ وفقهم للعمل الذي فرض عليهم؛ قاله مقاتل. الرابع ـ بيّن لهم ما يتقون؛ قاله ٱبن زياد والسدّيّ أيضاً. الخامس ـ أنه ترك المنسوخ والعمل بالناسخ؛ قاله عطية. الماورديّ: ويحتمل. سادساً ـ أنه ترك الرخص والأخذ بالعزائم. وقرىء «وَأَعْطَاهُمْ» بدل «وَآتَاهُمْ». وقال عكرمة: هذه نزلت فيمن آمن من أهل الكتاب.

فَهَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا ٱلسَّاعَةَ أَن تَأْتِيَهُم بَغْتَةً فَقَدْ جَآءَ أَشْرَاطُهَا فَأَنَّىٰ لَهُمْ إِذَا جَآءَتْهُمْ ذِكْرَىٰهُمْ ۝١٨

قوله تعالى:{فَهَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ ٱلسَّاعَةَ أَن تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً} أي فجأة. وهذا وعيد للكفار. {فَقَدْ جَآءَ أَشْرَاطُهَا} أي أماراتها وعلاماتها. وكانوا قد قرءوا في كتبهم أن محمداً صلى الله عليه وسلم آخر الأنبياء، فَبَعْثُه من أشراطها وأدلتها، قاله الضحاك والحسن. وفي الصحيح عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

بعثت أنا والساعة كهاتين وضمّ السبابة والوسطى، لفظ مسلم: وخرّجه البخاريّ والترمذيّ وابن ماجه. ويروىبعثت والساعة كَفَرَسَيْ رِهان. وقيل: أشراط الساعة أسبابها التي هي دون معظمها. ومنه يقال للدُّون من الناس: الشَّرَط. وقيل: يعني علامات الساعة ٱنشقاق القمر والدخان، قاله الحسن أيضاً. وعن الكلبي: كثرة المال والتجارة وشهادة الزور وقطع الأرحام، وقلة الكرام وكثرة اللئام. وقد أتينا على هذا الباب في كتاب «التذكرة» مستوفًى والحمد لله. وواحد الأشراط شَرَط، وأصله الأعلام. ومنه قيل الشُّرَط، لأنهم جعلوا لأنفسهم علامة يعرفون بها. ومنه الشَّرْط في البيع وغيره. قال أبو الأسود:

فإن كنتِ قد أزْمَعْتِ بالصُّرْمِ بيننافقد جعلت أشراط أوّله تبدو

ويقال: أشرط فلان نفسه في عمل كذا أي أعلمها وجعلها له. قال أوس بن حَجر يصف رجلاً تدلّى بحبل من رأس جبل إلى نَبْعة يقطعها ليتّخذ منها قَوْساً:

فأشْرَط نفسه فيها وهو مُعْصِمٌوألقى بأسبابٍ له وَتَوَكَّلا

{أَن تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً} «أَنْ» بدل اشتمال من «الساعة»؛ نحو قوله: {أَن تَطَئُوهُمْ} من قوله: { رِجَالٌ مُّؤْمِنُونَ وَنِسَآءٌ مُّؤْمِنَاتٌ }[الفتح: 25]. وقرىء «بَغَتَّةً» بوزن جَرَبَّة، وهي غريبة لم ترد في المصادر أختها؛ وهي مَرْوِية عن أبي عمرو. الزمخشريّ: وما أخوفني أن تكون غلطة من الراوي عن أبي عمرو، وأن يكون الصواب «بَغَتة» بفتح الغين من غير تشديد؛ كقراءة الحسن. وروى أبو جعفر الرؤاسي وغيره من أهل مكة «إِنْ تَأْتِهِمْ بَغْتَةً». قال المهدويّ: ومن قرأ «إِنْ تَأْتِهِمْ بَغْتَةً» كان الوقف على «السَّاعَةَ» ثم استأنف الشرط. وما يحتمله الكلام من الشك مردود إلى الخلق؛ كأنه قال: إن شكُّوا في مجيئها «فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا».

قوله تعالى: {فَأَنَّىٰ لَهُمْ إِذَا جَآءَتْهُمْ ذِكْرَاهُمْ} «ذِكْرَاهُمْ» ابتداء و «أَنَّى لَهُمْ» الخبر. والضمير المرفوع في «جَاءَتْهُمْ» للساعة؛ التقدير: فمن أين لهم التذكر إذا جاءتهم الساعة؛ قال معناه قتادة وغيره. وقيل: فكيف لهم بالنجاة إذا جاءتهم الذكرى عند مجيء الساعة؛ قاله ابن زيد. وفي الذكرى وجهان: أحدهما ـ تذكيرهم بما عملوه من خير أو شر. الثاني ـ هو دعاؤهم بأسمائهم تبشيراً وتخويفاً؛ روى أبان عن أنس عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال:

أحسنوا أسماءكم فإنكم تدعون بها يوم القيامة يا فلان قم إلى نورك يا فلان قم لا نور لك ذكره المَاوَرْدِيّ.

فَٱعْلَمْ أَنَّهُۥ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا ٱللَّهُ وَٱسْتَغْفِرْ لِذَنۢبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَٰتِ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَىٰكُمْ ۝١٩

قوله تعالى:{فَٱعْلَمْ أَنَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلأ ٱللَّهُ} قال الماورديّ: وفيه ـ وإن كان الرسول عالماً بالله ـ ثلاثة أوجه: يعني ٱعلم أن الله أعلمك أن لا إلٰه إلا الله. الثاني ـ ما علمته ٱستدلالاً فٱعلمه خبراً يقيناً. الثالث ـ يعني فاذكر أن لا إلٰه إلا الله؛ فعبّر عن الذكر بالعلم لحدوثه عنه. وعن سفيان بن عيينة أنه سئل عن فضل العلم فقال: ألم تسمع قوله حين بدأ به

{ فَٱعْلَمْ أَنَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلا ٱللَّهُ وَٱسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ } [محمد: 19] فأمر بالعمل بعد العلم وقال: { ٱعْلَمُوۤاْ أَنَّمَا ٱلْحَيَاةُ ٱلدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ ـ إلى قوله ـ سَابِقُوۤاْ إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ } [الحديد:0 2 ـ21 ] وقال: { وَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّمَآ أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلاَدُكُمْ فِتْنَةٌ }[الأنفال: 82]. ثم قال بعد: «فَٱحْذَرُوهُمْ». وقال تعالى: { وَٱعْلَمُوۤا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ للَّهِ خُمُسَهُ } [الأنفال: 41]. ثم أمر بالعمل بعد.

قوله تعالى: {وَٱسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ} يحتمل وجهين: أحدهما ـ يعني ٱستغفر الله أن يقع منك ذنب. الثاني ـ ٱستغفر الله ليعصمك من الذنوب. وقيل: لما ذكر له حال الكافرين والمؤمنين أمره بالثبات على الإيمان؛ أي ٱثبت على ما أنت عليه من التوحيد والإخلاص والحذر عما تحتاج معه إلى ٱستغفار. وقيل: الخطاب له والمراد به الأمة؛ وعلى هذا القول توجب الآية استغفار الإنسان لجميع المسلمين. وقيل: كان عليه السلام يضيق صدره من كفر الكفار والمنافقين؛ فنزلت الآية. أي فٱعلم أنه لا كاشف يكشف ما بك إلا الله، فلا تعلق قلبك بأحد سواه. وقيل: أمر بالاْستغفار لتقتدي به الأمة. {وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَاتِ} أي ولذنوبهم. وهذا أمر بالشفاعة. وروى مسلم عن عاصم الأحول عن عبد الله بن سَرْجِس المخزوميّ قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وأكلت من طعامه فقلت: يا رسول الله، غفر الله لكٰ فقال له صاحبي: هل ٱستغفر لك النبي صلى الله عليه وسلم؟ قال: نعم، ولك. ثم تلا هذه الآية: {وَٱسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَاتِ} ثم تحوّلت فنظرت إلى خاتم النبوة بين كتفيه، جُمْعاً (عليه) خِيلان كأنه الثآليل.

{وَٱللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ} فيه خمسة أقوال: أحدها ـ يعلم أعمالكم في تصرفكم وإقامتكم. الثاني ـ «مُتَقَلَّبَـكُم» في أعمالكم نهاراً «وَمَثْوَاكُمْ» في ليلكم نياماً. وقيل «مُتَقَلَّبَـكُمْ» في الدنيا. «وَمَثْوَاكُمْ» في الدنيا والآخرة؛ قاله ابن عباس والضحاك. وقال عكرمة: «مُتَقَلَّبَـكُمْ» في أصلاب الآباء إلى أرحام الأمهات. «وَمَثْوَاكُمْ» مقامكم في الأرض. وقال ابن كَيْسان: «مُتَقَلَّبَـكُمْ» من ظهر إلى بطن إلى الدنيا. «ومثواكم» في القبور.

قلت: والعموم يأتي على هذا كله، فلا يخفى عليه سبحانه شيء من حركات بني آدم وسكناتهم، وكذا جميع خلقه. فهو عالم بجميع ذلك قبل كونه جملة وتفصيلاً أُولَى وأخْرَى. سبحانه! لا إلٰه إلا هو.

وَيَقُولُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَوْلَا نُزِّلَتْ سُورَةٌ فَإِذَآ أُنزِلَتْ سُورَةٌ مُّحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا ٱلْقِتَالُ رَأَيْتَ ٱلَّذِينَ فِى قُلُوبِهِم مَّرَضٌ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ ٱلْمَغْشِىِّ عَلَيْهِ مِنَ ٱلْمَوْتِ فَأَوْلَىٰ لَهُمْ ۝٢٠ طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَّعْرُوفٌ فَإِذَا عَزَمَ ٱلْأَمْرُ فَلَوْ صَدَقُوا۟ ٱللَّهَ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ ۝٢١

قوله تعالى:{وَيَقُولُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} أي المؤمنون المخلصون. {لَوْلاَ نُزِّلَتْ سُورَةٌ} ٱشتياقاً للوَحْي وحرصاً على الجهاد وثوابه. ومعنى «لَوْلاَ» هلا. {فَإِذَآ أُنزِلَتْ سُورَةٌ مُّحْكَمَةٌ} لا نسخ فيها. قال قتادة: كل سورة ذكر فيها الجهاد فهي مُحْكمة، وهي أشدّ القرآن على المنافقين. وفي قراءة عبد الله «فَإذَا أنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْدَثَةٌ» أي محدثة النزول. {وَذُكِرَ فِيهَا ٱلْقِتَالُ} أي فرض فيها الجهاد. وقرىء «فَإذَا أنْزِلَتْ سُورَةٌ وذَكَر فِيهَا الْقِتَالَ» على البناء للفاعل ونصب القتال. {رَأَيْتَ ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَّرَضٌ} أي شك ونفاق. {يَنظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ ٱلْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ ٱلْمَوْتِ} أي نظر مغموصين مغتاظين بتحديد وتحديق؛ كمن يشخص بصره عند الموت؛ وذلك لجبنهم عن القتال جزعاً وهلعاً، ولميلهم في السر إلى الكفار.

قوله تعالى: {فَأَوْلَىٰ لَهُمْ طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَّعْرُوفٌ} «فَأَوْلَى لَهُمْ» قال الجوهريّ: وقولهم: أَوْلَى لَكَ، تهديد ووعيد. قال الشاعر:

فأوْلَى ثم أَوْلَى ثم أَوْلَىوهل لِلدَّرِّ يُحْلَبُ من مَرَدِّ

قال الأصمعي: معناه قارَبَه ما يُهْلكه؛ أي نزل به. وأنشد:

فعادَى بين هادِيَتَيْن منهاوأوْلَى أن يزيد على الثلاث

أي قارب أن يزيد. قال ثعلب: ولم يقل أحد في «أَوْلَى» أحسن مما قال الأصمعي.

وقال المُبَرِّد: يقال لمن هَمّ بالعَطَب ثم أفْلَت: أوْلى لك؛ أي قاربت العطب. كما رُوِي أن أعرابيًّا كان يوالي رَمْيَ الصيد فيُفْلِت منه فيقول: أوْلى لك. ثم رمى صيداً فَقاربه ثم أفلت منه فقال:

فلو كان أوْلَى يُطعِم القومَ صِدْتُهمولكنّ أوْلَى يَتْرُكُ القومَ جُوَّعَا

وقيل: هو كقول الرجل لصاحبه: يا محروم، أيّ شيء فاتك! وقال الجُرْجَانِيّ: هو مأخوذ من الويل؛ فهو أفعل، ولكن فيه قلب؛ وهو أن عين الفعل وقع موقع اللام. وقد تم الكلام على قوله: {فَأَوْلَىٰ لَهُمْ}. قال قتادة: كأنه قال العقاب أوْلَى لهم. وقيل: أي وَلِيَهم المكروه. ثم قال: «طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ» أي طاعة وقول معروف أمثل وأحسن؛ وهو مذهب سيبويه والخليل. وقيل: إن التقدير أمرنا طاعة وقول معروف؛ فحذف المبتدأ فيوقف على «فَأَوْلَى لَهُمْ». وكذا من قدّر يقولون مِنَّا طاعة. وقيل: إن الآية الثانية متصلة بالأولى. واللام في قوله: «لَهُمْ» بمعنى الباء؛ أي الطاعة أولى وأليق بهم، وأحق لهم من ترك ٱمتثال أمر الله. وهي قراءة أُبَيّ «يَقُولُونَ طَاعَةٌ». وقيل إن: «طَاعَةٌ» نعت لـ «سورة»؛ على تقدير: فإذا أنزلت سورة ذات طاعة، فلا يوقف على هذا على «فَأَوْلَى لَهُمْ». قال ابن عباس: إن قولهم «طَاعَةٌ» إخبار من الله عز وجل عن المنافقين. والمعنى لهم طاعة وقول معروف، قيل: وجوب الفرائض عليهم، فإذا أنزلت الفرائض شق عليهم نزولها. فيوقف على هذا على «فَأَوْلَى».

قوله تعالى: {فَإِذَا عَزَمَ ٱلأَمْرُ} أي جدّ القتال، أو وجب فرض القتال، كرهوه. فكرهوه جواب «إذا» وهو محذوف. وقيل: المعنى فإذا عزم أصحاب الأمر. {فَلَوْ صَدَقُواْ ٱللَّهَ} أي في الإيمان والجهاد. {لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ} من المعصية والمخالفة.

فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوٓا۟ أَرْحَامَكُمْ ۝٢٢ أُو۟لَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ لَعَنَهُمُ ٱللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَىٰٓ أَبْصَٰرَهُمْ ۝٢٣ أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ ٱلْقُرْءَانَ أَمْ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقْفَالُهَآ ۝٢٤

فيه أربع مسائل:

الأولى ـ قوله تعالى: {فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ} اختلف في معنى «إِنْ تَوَلَّيْتُمْ» فقيل: هو من الوِلاية. قال أبو العالية: المعنى فهل عسيتم إن توليتم الحكم فجعِلتم حكاماً أن تفسدوا في الأرض بأخذ الرُّشَا. وقال الكلبيّ: أي فهل عسيتم إن توليتم أمر الأمة أن تفسدوا في الأرض بالظلم. وقال ابن جريج: المعنى فهل عسيتم إن توليتم عن الطاعة أن تفسدوا في الأرض بالمعاصي وقطع الأرحام. وقال كعب: المعنى فهل عسيتم إن توليتم الأمر أن يقتل بعضكم بعضاً. وقيل: من الإعراض عن الشيء. قال قتادة: أي فهل عسيتم إن توليتم عن كتاب الله أن تفسدوا في الأرض بسفك الدماء الحرام، وتقطعوا أرحامكم. وقيل: «فَهَلْ عَسَيْتُمْ» أي فلعلكم إن أعرضتم عن القرآن وفارقتم أحكامه أن تفسدوا في الأرض فتعودوا إلى جاهليتكم. وقرىء بفتح السين وكسرها. وقد مضى في «البقرة» القول فيه مستوفى. وقال بكر المزني: إنها نزلت في الحَرُوريّة والخوارج؛ وفيه بُعْدٌ. والأظهر أنه إنما عُني بها المنافقون. وقال ابن حيان: قريش. ونحوه قال المسيّب بن شريك والفرّاء، قالا: نزلت في بني أمية وبني هاشم؛ ودليل هذا التأويل ما روى عبد الله بن مُغَفّل قال سمعت النبيّ صلى الله عليه وسلم يقول:

«فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي اْلأَرْضِ» ـ ثم قال ـ هم هذا الحيّ من قريش أخذ الله عليهم إن وَلُوا الناس ألاّ يفسدوا في الأرض ولا يقطعوا أرحامهم». وقرأ عليّ بن أبي طالب «إِنْ تُوُلِّيتُم أَنْ تُفْسِدُوا فِي اْلأَرْضِ» بضم التاء والواو وكسر اللام. وهي قراءة ابن أبي إسحاق، ورواها رُوَيْس عن يعقوب. يقول: إن وليتكم ولاة جائرة خرجتم معهم في الفتنة وحاربتموهم. {وَتُقَطِّعُوۤاْ أَرْحَامَكُمْ} بالبغي والظلم والقتل. وقرأ يعقوب وسلام وعيسى وأبو حاتم «وتَقْطَعُوا» بفتح التاء وتخفيف القاف، من القطع؛ ٱعتباراً بقوله تعالى: { وَيَقْطَعُونَ مَآ أَمَرَ ٱللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ }[الرعد: 52]. وروى هذه القراءة هارون عن أبي عمرو. وقرأ الحسن «وَتَقَطَّعُوا» مفتوحة الحروف مشدّدة؛ ٱعتباراً بقوله تعالى: { وَتَقَطَّعُوۤاْ أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ }[الأنبياء: 93]. الباقون «وتُقَطِّعُوا» بضم التاء مشدّدة الطاء، من التقطيع على التكثير؛ وهو ٱختيار أبي عبيد. وتقدّم ذكر «عَسَيْتُمْ» في (البقرة). وقال الزجاج في قراءة نافع: لو جاز هذا لجاز «عَسِي» بالكسر. قال الجوهريّ: ويقال عَسَيت أن أفعل ذلك، وعَسِيت بالكسر. وقرىء «فَهَلْ عَسِيتُم» بالكسر.

قلت: ويدل قوله هذا على أنهما لغتان. وقد مضى القول فيه في «البقرة» مستوفى. {أَوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ لَعَنَهُمُ ٱللَّهُ} أي طردهم وأبعدهم من رحمته. (فَأَصَمَّهُمْ) عن الحق. {وَأَعْمَىٰ أَبْصَارَهُمْ} أي قلوبهم عن الخير. فأتبع الأخبارَ بأن مَن فعل ذلك حقّت عليه لعنته، وسلبه الانتفاع بسمعه وبصره حتى لا ينقاد للحق وإن سمعه؛ فجعله كالبهيمة التي لا تعقل. وقال: «فَهَلْ عَسَيْتُمْ» ثم قال: «أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ» فرجع من الخطاب إلى الغيبة على عادة العرب في ذلك.

الثانية ـ قوله تعالى: {أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ ٱلْقُرْآنَ} أي يتفهمونه فيعلمون ما أعدّ الله للذين لم يتولّوا عن الإسلام. {أَمْ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقْفَالُهَآ} أي بل على قلوب أقفال أقفلها الله عز وجل عليهم فهم لا يعقلون. وهذا يردّ على القدرية والإمامية مذهبهم. وفي حديث مرفوع أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال:

إن عليها أقفالاً كأقفال الحديد حتى يكون الله يفتحها. وأصل القَفْل اليُبْس والصلابة. ويقال لما يبس من الشجر: القَفْل. والقفيل مثله. والقَفِيل أيضاً نبت. والقفِيل: الصوت. قال الراجز:

لما أتاك يابساً قِرْشَباًقمت إليه بالقفِيل ضربا كيف قَرَيْتَ شَيْخَك الأَزَبّا

القِرْشَبُّ (بكسر القاف) المسِنّ؛ عن الأصمعي. وأقفله الصوم أي أيبسه؛ قاله القشيريّ والجوهريّ. فالأقفال هاهنا إشارة إلى ارتتاج القلب وخلوّه عن الإيمان. أي لا يدخل قلوبهم الإيمان ولا يخرج منها الكفر؛ لأن الله تعالى طبع على قلوبهم وقال: «عَلَى قُلُوبٍ» لأنه لو قال على قلوبهم لم يدخل قلب غيرهم في هذه الجملة. والمراد أم على قلوب هؤلاء وقلوب من كانوا بهذه الصفة أقفالها.

الثالثة ـ في صحيح مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

إن الله خلق الخلق حتى إذا فرغ منهم قامت الرَّحِم فقالت هذا مَقام العائذ من القطيعة قال نعم أما ترضين أن أصل من وصلكِ وأقطع من قطعكِ قالت بلى قال فذاكِ لكِ ـ ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ـ اقرءوا إن شئتم {فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُواْ فِي ٱلأَرْضِ وَتُقَطِّعُوۤاْ أَرْحَامَكُمْ * أَوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ لَعَنَهُمُ ٱللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَىٰ أَبْصَارَهُمْ * أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ ٱلْقُرْآنَ أَمْ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقْفَالُهَآ }. وظاهر الآية أنها خطاب لجميع الكفار. وقال قتادة وغيره: معنى الآية فلعلكم، أو يخاف عليكم، إن أعرضتم عن الإيمان أن تعودوا إلى الفساد في الأرض لسفك الدماء. قال قتادة: كيف رأيتم القوم حين تَوَلَّوْا عن كتاب الله تعالى! ألم يسفكوا الدماء الحرام ويقطعوا الأرحام وعصَوُا الرَّحمٰن. فالرحِم على هذا رَحِم دين الإسلام والإيمان، التي قد سماها الله إخوة بقوله تعالى: { إِنَّمَا ٱلْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ } [الحجرات: 10]. وعلى قول الفرّاء أن الآية نزلت في بني هاشم وبني أمية؛ والمراد من أضمر منهم نفاقاً؛ فأشار بقطع الرحِم إلى ما كان بينهم وبين النبيّ صلى الله عليه وسلم من القرابة بتكذيبهم النبيّ صلى الله عليه وسلم. وذلك يوجب القتال. وبالجملة فالرحم على وجهين: عامة وخاصة؛ فالعامة رحِم الدين، ويجب مواصلتها بملازمة الإيمان والمحبة لأهله ونصرتهم، والنصيحة وترك مضارتهم والعدل بينهم، والنَّصَفة في معاملتهم والقيام بحقوقهم الواجبة؛ كتمريض المرضى وحقوق الموتى مِن غسلهم والصلاة عليهم ودفنهم، وغير ذلك من (الحقوق) المترتبة لهم. وأما الرحم الخاصة وهي رحم القرابة من طرفي الرجل أبيه وأمه، فتجب لهم الحقوق الخاصة وزيادة؛ كالنفقة وتفقد أحوالهم، وترك التغافل عن تعاهدهم في أوقات ضروراتهم؛ وتتأكد في حقهم حقوق الرحم العامة، حتى إذا تزاحمت الحقوق بدىء بالأقرب فالأقرب. وقال بعض أهل العلم: إن الرحم التي تجب صلتها هي كل رَحِم مَحْرَم، وعليه فلا تجب في بني الأعمام وبني الأخوال. وقيل: بل هذا في كل رحم ممن ينطلق عليه ذلك من ذوي الأرحام في المواريث، مَحْرَماً كان أو غير محرم. فيخرج من هذا أن رحم الأم التي لا يتوارث بها لا تجب صلتهم ولا يحرم قطعهم. وهذا ليس بصحيح، والصواب أن كل ما يشمله ويعمه الرحم تجب صلته على كل حال، قربةً ودينية؛ على ما ذكرناه أولاً والله أعلم. وقد روى أبو داود الطيالسي في مسنده قال: حدثنا شعبة قال أخبرني محمد بن عبد الجبار قال سمعت محمد بن كعب القُرَظِي يحدّث عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:إن للرحم لساناً يوم القيامة تحت العرش يقول يا رب قُطعتُ يا رب ظُلمت يا رب أُسِيء إليّ فيجيبها ربُّها ألا تَرْضَيْن أن أصل مَن وصلكِ وأقطع مَن قطعكِ. وفي صحيح مسلم عن جُبير بن مُطْعِم عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: لا يدخل الجنة قاطع. قال ابن أبي عمر قال سفيان: يعني قاطع رحِم. ورواه البخاري.

الرابعة ـ قوله عليه السلام:

إن الله تعالى خلق الخلق حتى إذا فرغ منهم... «خلق» بمعنى اخترع وأصله التقدير؛ كما تقدّم. والخلق هنا بمعنى المخلوق. ومنه قوله تعالى: { هَـٰذَا خَلْقُ ٱللَّهِ } [لقمان: 11] أي مخلوقه. ومعنى «فرغ منهم» كمل خلقهم. لا أنه اشتغل بهم ثم فرغ من شغله بهم؛ إذ ليس فعله بمباشرة ولا مناولة، ولا خَلْقُه بآلة ولا محاولة؛ تعالى عن ذلك. وقوله: «قامت الرّحم فقالت» يحمل على أحد وجهين: أحدهما ـ أن يكون الله تعالى أقام من يتكلم عن الرحم من الملائكة فيقول ذلك، وكأنه وكل بهذه العبادة من يناضل عنها ويكتب ثواب من وصلها ووزر مَن قطعها؛ كما وكل الله بسائر الأعمال كراماً كاتبين، وبمشاهدة أوقات الصلوات ملائكة متعاقبين. وثانيهما ـ أن ذلك على جهة التقدير والتمثيل المفهم للإعياء وشدّة الاعتناء. فكأنه قال: لو كانت الرحم ممن يعقل ويتكلم لقالت هذا الكلام؛ كما قال تعالى: { لَوْ أَنزَلْنَا هَـٰذَا ٱلْقُرْآنَ عَلَىٰ جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعاً مُّتَصَدِّعاً مِّنْ خَشْيَةِ ٱللَّهِ ـ ثم قال ـ وَتِلْكَ ٱلأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ } [الحشر: 21]. وقوله: «فقالت هذا مقام العائذ بك من القطيعة» مقصود هذا الكلام الإخبار بتأكّد أمر صلة الرحم، وأن الله سبحانه قد أنزلها بمنزلة من ٱستجار به فأجاره، وأدخله في ذمته وخُفارته. وإذا كان كذلك فجار الله غير مخذول وعهده غير منقوض. ولذلك قال مخاطباً للرَّحِم: «أمَا تَرْضَيْن أن أصل مَن وصلكِ وأقطع مَن قطعكِ». وهذا كما قال عليه السلام: ومن صلى الصبح فهو في ذمة الله تعالى فلا يطلبنكم الله من ذمته بشيء فإنه من يطلبه بذمته بشيء يدركه ثم يَكُبّه في النار على وجهه».
الأربعاء، 21 أكتوبر 2026 10 جمادى الأولى 1448 هـ