انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة الأحزاب

تفسير الطبريالآيات 28–36

تفسير سورة الأحزاب آية آية، من تفسير الطبري.

استمع إلى تفسير سورة الأحزاب

الخلاصة من تفسير الطبري · 5 مقاطع · 1:03:30

  1. 1 الآيات 18–30في هذه الصفحة 11:43
  2. 2 الآيات 31–50في هذه الصفحة 17:54

التفسير الصوتي لسورة الأحزاب كاملًا (5 مقاطع)

يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِىُّ قُل لِّأَزْوَٰجِكَ إِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ ٱلْحَيَوٰةَ ٱلدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا ۝٢٨ وَإِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَٱلدَّارَ ٱلْـَٔاخِرَةَ فَإِنَّ ٱللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَٰتِ مِنكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا ۝٢٩

يقول تعالـى ذكره لنبـيه مـحمد صلى الله عليه وسلم: {قُلْ} يا مـحمد {لاءَزْوَاجِكَ إنْ كُنْتنَّ تُرِدْنَ الـحَياةَ الدُّنْـيا وَزِينَتَها فَتَعالَـيْنَ أُمَّتِّعْكُنَّ} يقول فإنـي أمتعكن ما أوجب الله علـى الرجال للنساء من الـمتعة عند فراقهم إياهنّ بـالطلاق بقوله: وَمَتِّعُوهُنَّ علـى الـمُوسِعِ قَدَرُهُ، وَعلـى الـمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتاعاً بـالـمَعْرُوفِ حَقًّا علـى الـمُـحْسِنِـينَ وقوله: {وأُسَرّحْكُنَّ سَراحاً جَمِيلاً} يقول: وأطلقكنّ علـى ما أذن الله به، وأدّب به عبـاده بقوله:

{ إذَا طَلَّقْتُـمُ النِّساءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ }. {وَإنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللّهَ وَرَسُولَهُ} يقول: وإن كنتنّ تردن رضا الله ورضا رسوله وطاعتهما فأطعنهما {فإنَّ اللّهَ أعَدَّ للْـمُـحْسِناتِ مِنْكُنَّ} وهن العاملات منهنّ بأمر الله وأمر رسوله {أجْراً عَظِيـماً}.

وذُكر أن هذه الآية نزلت علـى رسول الله صلى الله عليه وسلم من أجل أن عائشة سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئاً من عرض الدنـيا، إما زيادة فـي النفقة، أو غير ذلك، فـاعتزل رسول الله صلى الله عليه وسلم نساءه شهراً فـيـما ذكر، ثم أمره الله أن يخيرهنّ بـين الصبر علـيه، والرضا بـما قسم لهنّ، والعمل بطاعة الله، وبـين أن يـمتِّعهنّ ويفـارقهنّ إن لـم يرضين بـالذي يقسم لهن. وقـيـل: كان سبب ذلك غيرة كانت عائشة غارتها. ذكر الرواية بقول من قال: كان ذلك من أجل شيء من النفقة وغيرها.

حدثنـي يعقوب بن إبراهيـم، قال: ثنا ابن علـية، عن أيوب، عن أبـي الزبـير، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لـم يخرج صلوات، فقالوا: ما شأنه؟ فقال عمر: إن شئتـم لأعلـمنّ لكم شأنه فأتـى النبـيّ صلى الله عليه وسلم، فجعل يتكلـم ويرفع صوته، حتـى أذن له. قال: فجعلت أقول فـي نفسي: أيّ شيء أكلـم به رسول الله صلى الله عليه وسلم لعله يضحك، أو كلـمة نـحوها؟ فقلت: يا رسول الله لو رأيت فلانة وسألتنـي النفقة فصككتها صكة، فقال:

ذلكَ حَبَسَنِـي عَنكُمْقال: فأتـى حفصة، فقال: لا تسألـي رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئاً، ما كانت لك من حاجة فإلـيّ ثم تتبع نساء النبـيّ صلى الله عليه وسلم، فجعل يكلـمهنّ، فقال لعائشة: أيغرّك أنك امرأة حسناء، وأن زوجك يحبك؟ لتنتهينَّ، أو لـينزلنّ فـيك القرآن قال: فقالت أمّ سلـمة: يا ابن الـخطَّاب، أو مَا بقـي لك إلاَّ أن تدخـل بـين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبـين نسائه، ولن تسأل الـمرأة إلا لزوجها قال: ونزل القرآن {يا أيُّها النَّبِـيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ إنْ كُنْتنَّ تُرِدْنَ الـحَياةَ الدُّنْـيا وَزِينَتَهَا...} إلـى قوله {أجْراً عَظِيـماً} قال: فبدأ بعائشة فخيرها، وقرأ علـيها القرآن، فقالت: هل بدأت بأحد من نسائك قبلـي؟ قال:لا، قالت: فإنـي أختار الله ورسوله، والدار الآخرة، ولا تـخبرهنّ بذلك قال: ثم تتبعهنّ فجعل يخيرهنّ ويقرأ علـيهنّ القرآن، ويخبرهن بـما صنعت عائشة، فتتابعن علـى ذلك.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {يا أيُّها النَّبِـيُّ قُلْ لاءَزْوَاجِكَ إنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الـحَياةَ الدُّنْـيا وَزِينَتَها فَتَعالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وأُسَرّحْكُنَّ سَرَاحاً جَمِيلاً...} إلـى قوله: {أجْراً عَظِيماً} قال: قال الـحسن وقتادة: خيرهنّ بين الدنيا والآخرة والـجنة والنار في شيء كنّ أردنه من الدنـيا. وقال عكرمة في غيرة: كانت غارتها عائشة، وكان تـحته يومئذٍ تسع نسوة، خمس من قُرَيش: عائشة، وحفصة، وأمّ حبـيبة بنت أبـي سفـيان، وسودة بنت زمعة، وأمّ سلـمة بنت أبـي أميَّة، وكانت تـحته صفـية ابنة حُيـيّ الـخَيبرية، وميـمونة بنت الـحارث الهلالـية، وزينب بنت جحش الأسدية، وجُوَيرية بنت الـحارث من بنـي الـمصطلق، وبدأ بعائشة، فلـما اختارت الله ورسوله والدار الآخرة، رُئي الفرح فـي وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فتتابعن كلهنّ علـى ذلك واخترن الله ورسوله والدار الآخرة.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الأعلـى، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، عن الـحسن، وهو قول قتادة، فـي قول الله {يا أيُّها النَبِـيُّ قُلْ لاءَزْوَاجِكَ إنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الـحَياةَ الدُّنْـيا وَزينَتَها...} إلـى قوله {عَظِيـماً} قالا: أمره الله أن يخيرهنّ بـين الدنـيا والآخرة والـجنة والنار قال قتادة: وهي غيرة من عائشة فـي شيء أرادته من الدنـيا، وكان تـحته تسع نسوة: عائشة، وحفصة، وأمّ حبـيبة بنت أبـي سفـيان، وسودة بنت زمعة، وأمّ سلـمة بنت أبـي أميَّة، وزينب بنت جحش، وميـمونة بنت الـحارث الهلالـية، وجُوَيرية بنت الـحارث من بنـي الـمصطلق، وصفـية بنت حُيـيّ بن أخطب فبدأ بعائشة، وكانت أحبهنّ إلـيه فلـما اختارت الله ورسوله والدار الآخرة، رُئي الفرح فـي وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم فتتابعن علـى ذلك.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الأعلـى، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، عن الـحسن، وهو قول قتادة قال: لـما اختَرْنَ الله ورسوله شكرهنّ الله علـى ذلك فقال

{ لا يحلُّ لكَ النساءُ مِنْ بَعدُ وَلاَ أنْ تَبَدَّلَ بهِنَّ مِنْ أزْوَاجٍ وَلَوْ أعْجبكَ حُسنُهنَّ }فقصره الله علـيهنّ، وهنّ التسع اللاتـي اخترن الله ورسوله. ذكر من قال ذلك من أجل الغيرة:

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قول الله:

{ تُرْجِي مَنْ تَشاءُ مِنْهُنَّ، وَتُؤْوِي إلَـيْكَ مَنْ تَشاءُ... } الآية، قال: كان أزواجه قد تغايرن علـى النبـيّ صلى الله عليه وسلم، فهجرهنّ شهراً، نزل التـخيـير من الله له فـيهنّ {يا أيُّها النَّبِـيُّ قُلْ لاءَزْوَاجِكَ إنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الـحَياةَ الدُّنْـيا وَزِينَتَها} فقرأ حتـى بلغ { وَلا تبَرَّجْنَ تَبرُّجَ الـجاهِلِـيَّةِ الأُولـى }فخيرهنّ بـين أن يخترن أن يخـلـى سبـيـلهنّ ويسرّحهنّ، وبـين أن يقمن إن أردن الله ورسوله علـى أنهنّ أمَّهات الـمؤمنـين، لا ينكحن أبداً، وعلـى أنه يؤوي إلـيه من يشاء منهنّ، لـمن وهب نفسه له حتـى يكون هو يرفع رأسه إلـيها، ويرجي من يشاء حتـى يكون هو يرفع رأسه إلـيها، ومن ابتغى مـمن هي عنده وعزل فلا جناح علـيه، ذلك أدنى أن تقرّ أعينهنّ، ولا يحزنّ، ويرضين إذا علـمن أنه من قضائي علـيهنّ، إيثار بعضهنّ علـى بعض، أدنى أن يرضين قال: { ومن ابتغيت مـمن عزلت }من ابتغى أصابه، ومن عزل لـم يصبه، فخيرهنّ بـين أن يرضين بهذا، أو يفـارقهنّ، فـاخترن الله ورسوله، إلاَّ امرأة واحدة بدوية ذهبت وكان علـى ذلك، وقد شرط له هذا الشرط، ما زال يعدل بـينهنّ حتـى لقـي الله.

حدثنا أحمد بن عبدة الضبـي، قال: ثنا أبو عوانة، عن عمر بن أبـي سلـمة، عن أبـيه، قال: قالت عائشة: لـما نزل الـخيار، قال لـي رسول الله صلى الله عليه وسلم:

إنّـي أُرِيدُ أنْ أذْكُرَ لَكِ أمْراً فَلا تَقْضِي فِـيهِ شَيْئاً حتـى تَسْتأْمِرِي أبَوَيْكِقالت: قلت: وما هو يا رسول الله؟ قال: فردّه علـيها، فقالت: ما هو يا رسول الله؟ قال: فقرأ علـيهنّ {يا أيُّها النَّبِـيُّ قُلْ لاءَزْوَاجِكَ إنْ كُنْتُنَّ تُردْنَ الـحَياةَ الدُّنْـيا وَزِينَتَها...} إلـى آخر الآية قالت: قلت: بل نـختار الله ورسوله قالت: ففرح بذلك النبـيّ صلى الله عليه وسلم.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا مـحمد بن بشر، عن مـحمد بن عمرو، عن أبـي سلـمة، عن عائشة، قالت: لـما نزلت آية التـخيـير، بدأ النبـيّ صلى الله عليه وسلم بعائشة، فقال:

يا عائِشَةُ إنّـي عارضٌ عَلَـيْكِ أمْراً فَلا تَفْتاتِـي فِـيهِ بشَيْءٍ حتـى تَعْرِضِيهِ علـى أبَوَيْكِ، أبـي بَكْر وأُمّ رُومانَفقالت: يا رسول الله وما هو؟ قال:قال الله يا أيُّها النَّبِـي قُلْ لأَزْوَاجكَ إنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الـحَياةَ الدُّنْـيا وَزينَتَها} إلـى {عَظِيـماً} ، فقلت: إنـي أريد الله ورسوله، والدار الآخرة، ولا أؤامر فـي ذلك أبويّ أبـا بكر وأمّ رومان، فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم استقرأ الـحُجَرَ فقال:إن عائشة قالت كذا، فقلن: ونـحن نقول مثل ما قالت عائشة.

حدثنا سعيد بن يحيى الأموي، قال: ثنا أبـي، عن ابن إسحاق، عن عبد الله بن أبـي بكر، عن عمرة، عن عائشة، أن النبـيّ صلى الله عليه وسلم لـما نزل إلـى نسائه أُمر أن يخيرهنّ، فدخـل علـيّ فقال:

سأذكر لَكِ أمْراً وَلا تَعْجَلِـي حتـى تَسْتَشِيرِي أبـاكِ، فقلت: وما هو يا نبـيّ الله؟ قال:إنّـي أُمِرْتُ أنْ أُخَيِّرَكُنَّ، وتلا علـيها آية التـخيـير إلـى آخر الآيتـين قالت: قلت: وما الذي تقول؟ لا تعجلـي حتـى تستشيري أبـاك، فإنـي أختار الله ورسوله فسُرّ بذلك، وعرض علـى نسائه، فتتابعن كلهنّ، فـاخترن الله ورسوله.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرنـي موسى بن علـيّ، ويونس بن يزيد، عن ابن شهاب، قال: أخبرنـي أبو سلـمة بن عبد الرحمن، أن عائشة زوج النبـيّ صلى الله عليه وسلم قالت: لـما أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بتـخيـير أزواجه، بدأنـي، فقال:

إنّـي ذَاكِرٌ لَكِ أمْراً، فَلا علَـيْكِ أنْ لا تَعْجَلِـي حتـى تَسْتأْمِرِي أبَوَيْكِقالت: قد علـم أن أبويّ لـم يكونا لـيأمرانـي بفراقه قالت: ثم تلا هذه الآية: {يا أيُّها النَّبِـيُّ قُلْ لاِءَزْوَاجِكَ إنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الـحَياةَ الدُّنْـيا وَزِينَتَها فَتَعالَـيْنَ أمَتِّعْكُنَّ وأُسَرّحْكُنَّ سَرَاحاً جَمِيلاً} قالت: فقلت: ففـي أيّ هذا استأمر أبويّ؟ فإنـي أريد الله ورسوله، والدار الآخرة قالت عائشة: ثم فعل أزواج النبـيّ صلى الله عليه وسلم مثل ما فعلت، فلـم يكن ذلك حين قاله لهنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم، فـاخترنه طلاقاً من أجل أنهنّ اخترنه.

يَٰنِسَآءَ ٱلنَّبِىِّ مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفَٰحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ يُضَٰعَفْ لَهَا ٱلْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ وَكَانَ ذَٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرًا ۝٣٠

يقول تعالـى ذكره لأزواج النبـيّ صلى الله عليه وسلم: {يا نِساء النَّبِـيّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بفـاحِشَةٍ مَبَـيِّنَةٍ} يقول: من يزن منكنّ الزنى الـمعروف الذي أوجب الله علـيه الـحدّ، يضاعف لها العذاب علـى فجورها فـي الآخرة ضعفـين علـى فجور أزواج الناس غيرهم، كما:

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس {يُضَاعَفْ لَهَا العَذَابُ ضِعْفَـيْنِ} قال: يعنـي عذاب الآخرة.

واختلفت القرّاء فـي قراءة ذلك، فقرأته عامة قرّاء الأمصار: {يُضَاعَفْ لَهَا العَذَابُ} بـالألف، غير أبـي عمرو، فإنه قرأ ذلك: «يُضَعَّفْ» بتشديد العين تأوّلاً منه فـي قراءته ذلك أن يضعَّف، بـمعنى: تضعيف الشيء مرّة واحدة، وذلك أن يجعل الشيء شيئين، فكأن معنى الكلام عنده: أن يجعل عذاب من يأتـي من نساء النبـيّ صلى الله عليه وسلم بفـاحشة مبـينة فـي الدنـيا والآخرة، مثلـي عذاب سائر النساء غيرهنّ، ويقول: إنَّ {يُضَاعَفْ} بـمعنى أنْ يجْعَل إلـى الشيء مثلاه، حتـى يكون ثلاثة أمثاله فكأن معنى من قرأ {يُضَاعَفْ} عنده كان أن عذابها ثلاثة أمثال عذاب غيرها من النساء من غير أزواج النبـيّ صلى الله عليه وسلم، فلذلك اختار «يضعَّف» علـى يضاعف. وأنكر الآخرون الذين قرءوا ذلك يضاعف ما كان يقول فـي ذلك، ويقولون: لا نعلـم بـين: ويُضاعَفْ ويُضَعَّفْ فرقاً.

والصواب من القراءة فـي ذلك ما علـيه قرّاء الأمصار، وذلك {يُضَاعَفْ}. وأما التأويـل الذي ذهب إلـيه أبو عمرو، فتأويـل لا نعلـم أحداً من أهل العلـم ادّعاه غيره، وغير أبـي عُبـيدة معمر بن الـمثنى، ولا يجوز خلاف ما جاءت به الـحجة مـجمعة علـيه بتأويـل لا برهان له من الوجه الذي يجب التسلـيـم له.

وقوله {وكانَ ذلكَ على اللّهِ يَسِيراً} يقول تعالى ذكره: وكانت مضاعفة العذاب على من ذلك منهن على الله يسيراً، والله أعلم.

وَمَن يَقْنُتْ مِنكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِۦ وَتَعْمَلْ صَٰلِحًا نُّؤْتِهَآ أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا ۝٣١

يقول تعالـى ذكره: ومن يطع الله ورسوله منكنّ، وتعمل بـما أمر الله به {نُؤْتها أجْرَها مَرَّتَـيْنِ} يقول: يعطها الله ثواب عملها، مثلـي ثواب عمل غيرهنّ من سائر نساء الناس {وأعْتَدْنا لَهَا رِزْقاً كَرِيـماً} يقول: وأعتدنا لها فـي الآخرة عيشاً هنـيئاً فـي الـجنة. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس، قوله: {وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ...} الآية، يعنـي: تطع الله ورسوله. {وَتَعْمَلْ صَالِـحاً} تصوم وتصلـي.

حدثنـي سلـم بن جنادة، قال: ثنا ابن إدريس، عن ابن عون، قال: سألت عامراً عن القنوت، قال: وما هو؟ قال: قلت

{ وَقُومُوا لِلَّهِ قانِتِـينَ }قال: مطيعين قال: قلت {وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولهِ} قال: يطعن.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكنَّ لِلَّهِ وَرَسَولهِ} أي من يطع منكنّ لله ورسوله {وَأعْتَدْنَا لَهَا رِزْقاً كَرِيـماً وهي الـجنة.

واختلفت القرّاء فـي قراءة قوله: {وَتَعْمَلْ صَالِـحاً} فقرأ عامة قرّاء الـحجاز والبصرة: {وَتَعْمَلْ} بـالتاء ردّا علـى تأويـل مَن إذ جاء بعد قوله {مِنْكُنَّ}. وحكى بعضهم عن العرب أنها تقول: كم بـيعَ لك جارية؟ وأنهم إن قدَّموا الـجارية قالوا: كم جارية بـيعت لك؟ فأنَّثوا الفعل بعد الـجارية، والفعل فـي الوجهين لكم لا للـجارية. وذكر الفراء أن بعض العرب أنشده:

أيا أمَّ عَمْروٍ مَن يكُنْ عُقْرُ دارِهِ جِوَاءَ عَدِيّ يأْكُلِ الـحَشَرَاتِ وَيَسْوَدُّ منْ لَفْحِ السَّمُومِ جبـينُهُ وَيَعْرُو إنْ كانَ ذَوِي بَكَرَاتِ

فقال: وإن كانوا، ولـم يقل: وإن كان، وهو لـمن، فردّه علـى الـمعنى. وأما أهل الكوفة، فقرأت ذلك عامة قرّائها: «وَيَعْمَلْ» بـالـياء عطفـا علـى يقنت، إذ كان الـجميع علـى قراءة الـياء.

والصواب من القول فـي ذلك أنهما قراءتان مشهورتان، ولغتان معروفتان فـي كلام العرب، فبأيتهما قرأ القارىء فمصيب وذلك أن العرب تردّ خبر «من» أحياناً علـى لفظها، فتوحد وتذكر، وأحياناً علـى معناها كما قال جلّ ثناؤه:

{ وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَـمِعُونَ إلَـيْكَ أفأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ وَلَوْ كانُوا لا يَعْقِلونَ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْظُرُ إلَـيْكَ }فجمع مرّة للـمعنى، ووحد أخرى للفظ.

يَٰنِسَآءَ ٱلنَّبِىِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ ٱلنِّسَآءِ إِنِ ٱتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِٱلْقَوْلِ فَيَطْمَعَ ٱلَّذِى فِى قَلْبِهِۦ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَّعْرُوفًا ۝٣٢ وَقَرْنَ فِى بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ ٱلْجَٰهِلِيَّةِ ٱلْأُولَىٰ وَأَقِمْنَ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتِينَ ٱلزَّكَوٰةَ وَأَطِعْنَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥٓ إِنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ ٱلرِّجْسَ أَهْلَ ٱلْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا ۝٣٣

يقول تعالـى ذكره لأزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم: {يا نِساءَ النَّبِـيّ لَسْتُنَّ كأحَدٍ مِنَ النِّساءِ} من نساء هذه الأمة {إنِ اتَّقَـيْتُنَّ الله} فأطعتنه فـيـما أمركنّ ونهاكنّ، كما:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {يا نِساءَ النَّبِـيّ لَسْتُنَّ كأحَدٍ مِنَ النِّساءِ} يعنـي من نساء هذه الأمة.

وقوله: {فَلا تَـخْضَعْنَ بـالقَوْلِ} يقول: فلا تلنّ بـالقول للرجال فـيـما يبتغيه أهل الفـاحشة منكنّ. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس، قوله: {يا نِساءَ النَّبِـيّ لَسْتُنَّ كأَحَدٍ مِنَ النِّساءِ إنِ اتَّقَـيْتُنَّ فَلا تَـخْضَعْنَ بـالقَوْلِ} يقول: لا ترخصن بـالقول، ولا تـخضعن بـالكلام.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب قال: قال ابن زيد، فـي قوله: {فَلا تَـخْضَعْنَ بـالقَوْلِ} قال: خضع القول ما يكره من قول النساء للرجال مـما يدخـل فـي قلوب الرجال.

وقوله: {فَـيَطْمَعَ الَّذِي فِـي قَلْبِهِ مَرَضٌ} يقول: فـيطمع الذي فـي قلبه ضعف فهو لضعف إيـمانه فـي قلبه، إما شاكّ فـي الإسلام منافق، فهو لذلك من أمره يستـخفّ بحدود الله، وإما متهاون بإتـيان الفواحش.

وقد اختلف أهل التأويـل فـي تأويـل ذلك، فقال بعضهم: إنـما وصفه بأن فـي قلبه مرضاً، لأنه منافق. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {فَـيَطْمَعَ الَّذِي فِـي قَلْبِه مَرَضٌ} قال: نفـاق.

وقال آخرون: بل وصفه بذلك لأنهم يشتهون إتـيان الفواحش. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد عن قتادة {فَـيَطْمَعَ الَّذِي فِـي قَلْبِهِ مَرَضٌ} قال: قال عكرمة: شهوة الزنا.

وقوله: {وَقُلْنَ قَوْلاً مَعْرُوفـاً} يقول: وقلن قولاً قد أذن الله لكم به وأبـاحه. كما:

حدثنا يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله: {وَقُلْنَ قَوْلاً مَعْرُوفـاً} قال: قولاً جميلاً حسناً معروفـاً فـي الـخير.

واختلفت القرّاء فـي قراءة قوله: {وَقَرْنَ فِـي بُـيُوتِكُنَّ} فقرأته عامة قرّاء الـمدينة وبعض الكوفـيـين: {وَقَرْنَ} بفتـح القاف، بـمعنى: واقررن فـي بـيوتكنّ، وكأن من قرأ ذلك كذلك حذف الراء الأولـى من اقررن، وهي مفتوحة، ثم نقلها إلـى القاف، كما قـيـل:

{ فَظَلْتُـمْ تَفَكَّهُونَ }وهو يريد فظللتـم، فأسقطت اللام الأولـى وهي مكسورة، ثم نُقلت كسرتها إلـى الظاء. وقرأ ذلك عامة قرّاء الكوفة والبصرة: «وَقِرْنَ» بكسر القاف، بـمعنى: كنّ أهل وقار وسكينة {فِـي بُـيُوتِكُنَّ}.

وهذه القراءة وهي الكسر فـي القاف أَولـى عندنا بـالصواب، لأن ذلك إن كان من الوقار علـى ما اخترنا، فلا شكّ أن القراءة بكسر القاف، لأنه يقال: وقر فلان فـي منزله فهو يقر وقوراً، فتكسر القاف فـي تفعل فإذا أمر منه قـيـل: قرّ، كما يقال من وزن: يزن زن، ومن وَعد: يعِد عِد. وإن كان من القرار، فإن الوجه أن يقال: اقررن، لأن من قال من العرب: ظلت أفعل كذا، وأحست بكذا، فأسقط عين الفعل، وحوّل حركتها إلـى فـائه فـي فعل وفعلنا وفعلتـم، لـم يفعل ذلك فـي الأمر والنهِي، فلا يقول: ظلّ قائماً، ولا تظلّ قائماً، فلـيس الذي اعتلّ به من اعتلّ لصحة القراءة بفتـح القاف فـي ذلك يقول العرب فـي ظللت وأحسست ظلت، وأحست بعلة توجب صحته لـما وصفت من العلة. وقد حكى بعضهم عن بعض الأعراب سماعاً منه: ينـحطن من الـجبل، وهو يريد: ينـحططن. فإن يكن ذلك صحيحاً، فهو أقرب إلـى أن يكون حجة لأهل هذه القراءة من الـحجة الأخرى.

وقوله: {وَلا تَبَرَّجْنَ تُبرُّجَ الـجاهِلِـيَّةِ الأُولـى} قـيـل: إن التبرّج فـي هذا الـموضع التبخْتُر والتكسُّر. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {وَلا تَبرَّجْنَ تَبرُّجَ الـجاهِلِـيَّةِ الأُولـى}: أي إذا خرجتن من بـيوتكنّ قال: كانت لهن مشية وتكسُّر وتغنُّـج، يعنـي بذلك الـجاهلـية الأولـى فنهاهنّ الله عن ذلك.

حدثنـي يعقوب، قال: ثنا ابن علـية، قال: سمعت ابن أبـي نـجيح، يقول فـي قوله: {وَلا تَبَرَّجْنَ تَبرُّجَ الـجاهِلِـيَّةِ الأُولـى} قال: التبختر. وقـيـل: إن التبرّج هو إظهار الزينة، وإبراز الـمرأة مـحاسنها للرجال.

وأما قوله: {تَبرُّجَ الـجاهِلِـيَّةِ الأُولـى} فإن أهل التأويـل اختلفوا فـي الـجاهلـية الأولـى، فقال بعضهم: ذلك ما بـين عيسى ومـحمد علـيهما السلام. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبـي، عن زكريا، عن عامر {وَلا تَبرَّجْنَ تَبرُّجَ الـجاهِلِـيَّةِ الأُولـى} قال: الـجاهلـية الأولـى: ما بـين عيسى ومـحمد علـيهما السلام.

وقال آخرون: ذلك ما بـين آدم ونوح. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا ابن عيـينة، عن أبـيه، عن الـحكم {وَلا تَبرَّجْنَ تَبرُّجَ الـجاهِلِـيَّةِ الأُولـى} قال: وكان بـين آدم ونوح ثمان مائة سنة، فكان نساؤهم من أقبح ما يكون من النساء، ورجالهم حسان، فكانت الـمرأة تريد الرجل علـى نفسه، فأنزلت هذه الآية: {وَلا تَبرَّجْنَ تَبرُّجَ الـجاهِلِـيَّةِ الأُولـى}.

وقال آخرون: بل ذلك بـين نوح وإدريس. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي ابن زهير، قال: ثنا موسى بن إسماعيـل، قال: ثنا داود، يعنـي ابن أبـي الفرات، قال: ثنا علبـاء بن أحمر، عن عكرمة، عن ابن عبـاس، قال: تلا هذه الآية: {وَلا تَبرَّجْنَ تَبرُّجَ الـجاهِلِـيَّةِ الأُولـى} قال: كان فـيـما بـين نوح وإدريس، وكانت ألف سنة وإن بطنـين من ولد آدم كان أحدهما يسكن السهل، والآخر يسكن الـجبل، وكان رجال الـجبل صبـاحاً، وفـي النساء دمامة، وكان نساء السهل صبـاحاً، وفـي الرجال دمامة، وإن إبلـيس أتـى رجلاً من أهل السهل فـي صورة غلام، فأجر نفسه منه، وكان يخدمه، واتـخذ إبلـيس شيئاً مثل ذلك الذي يزمر فـيه الرّعاء، فجاء فـيه بصوت لـم يسمع مثله، فبلغ ذلك من حولهم، فـانتابوهم يسمعون إلـيه، واتـخذوا عيداً يجتـمعون إلـيه فـي السنة، فتتبرّج الرجال للنساء. قال: ويتزين النساء للرجال، وإن رجلاً من أهل الـجبل هجم علـيهم وهم فـي عيدهم ذلك، فرأى النساء، فأتـى أصحابه فأخبرهم بذلك، فتـحوّلوا إلـيهنّ، فنزلوا معهنّ، فظهرت الفـاحشة فـيهنّ، فهو قول الله: {وَلا تَبرَّجْنَ تَبرُّجَ الـجاهِلِـيَّةِ الأُولـى}.

وأَولـى الأقوال فـي ذلك عندي بـالصواب أن يقال: إن الله تعالـى ذكره نهى نساء النبـيّ أن يتبرّجن تبرّج الـجاهلـية الأولـى، وجائز أن يكون ذلك ما بـين آدم وعيسى، فـيكون معنى ذلك: ولا تبرّجن تبرّج الـجاهلـية الأولـى التـي قبل الإسلام.

فإن قال قائل: أَوَ فـي الإسلام جاهلـية حتـى يقال: عنى بقوله {الـجاهِلِـيَّةِ الأولـى} التـي قبل الإسلام؟ قـيـل: فـيه أخلاقٌ من أخلاق الـجاهلـية. كما:

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله: {وَلا تَبرَّجْنَ تَبرُّجَ الـجاهِلِـيَّةِ الأُولـى} قال: يقول: التـي كانت قبل الإسلام، قال: وفـي الإسلام جاهلـية؟ قال: قال النبـيّ صلى الله عليه وسلم لأبـي الدرداء، وقال لرجل وهو ينازعه: يا ابْن فلانة، لأُمّ كان يعيره بها فـي الـجاهلـية، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

يا أبـا الدَّرْدَاءِ إنَّ فِـيكَ جاهِلِـيَّةً، قال: أجاهلـية كفر أو إسلام؟ قال:بل جاهِلِـيَّةُ كُفْرٍ، قال: فتـمنـيت أن لو كنت ابتدأت إسلامي يومئذ. قال: وقال النبـيّ صلى الله عليه وسلم:ثَلاثٌ مِنْ عَمَلِ أهْلِ الـجاهِلِـيَّةِ لا يَدَعُهُنَّ النَّاسُ: الطَّعْنُ بـالأنْساب، والإسْتِـمْطارُ بـالكَوَاكِبِ، والنِّـياحَةُ

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، قال: أخبرنـي سلـيـمان بن بلال، عن ثور، عن عبد الله بن عبـاس، أن عمر بن الـخطاب، قال له: أرأيت قول الله لأزواج النبـيّ صلى الله عليه وسلم: {وَلا تَبرَّجْنَ تَبرُّجَ الـجاهِلِـيَّةِ الأُولـى} هل كانت إلا واحدة، فقال ابن عبـاس: وهل كانت من أُولـى إلا ولها آخرة؟ فقال عمر: لله درك يابن عبـاس، كيف قلت؟ فقال: يا أمير الـمؤمنـين، هل كانت من أُولـى إلا ولها آخرة؟ قال: فأت بتصديق ما تقول من كتاب الله، قال: نعم

{ وَجاهِدُوا فِـي اللَّهِ حَقَّ جِهادِهِ كمَا جاهَدْتُـمْ أوَّلَ مَرَّةٍ }. قال عمر: فمن أُمر بـالـجهاد؟ قال: قبـيـلتان من قريش: مخزوم، وبنو عبد شمس، فقال عمر: صدقت.

وجائز أن يكون ذلك ما بـين آدم ونوح. وجائز أن يكون ما بـين إدريس ونوح، فتكون الـجاهلـية الآخرة، ما بـين عيسى ومـحمد، وإذا كان ذلك مـما يحتـمله ظاهر التنزيـل. فـالصواب أن يقال فـي ذلك، كما قال الله: إنه نهى عن تبرّج الـجاهلـية الأولـى.

وقوله: {وأقِمْنَ الصَّلاةَ وآتِـينَ الزَّكاةَ} يقول: وأقمن الصلاة الـمفروضة، وآتـين الزكاة الواجبة علـيكنّ فـي أموالكنّ {وَأطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولهُ} فـيـما أمراكنّ ونهياكنّ {إنَّـمَا يُريدُ اللَّهُ لِـيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرّجْسَ أهْلَ البَـيْتِ} يقول: إنـما يريد الله لـيذهب عنكم السوء والفحشاء يا أهل بـيت مـحمد، ويطهركم من الدنس الذي يكون فـي أهل معاصي الله تطهيراً. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {إنَّـمَا يَرِيدُ اللَّهُ لـيُذْهبَ عَنْكُمُ الرّجْسَ أهْلَ البَـيْتِ وَيُطَهِّركُمْ تَطْهيراً} فهم أهل بـيت طهرهم الله من السوء، وخصهم برحمة منه.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله: {إنَّـمَا يُرِيدُ اللَّهُ لـيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرّجْسَ أهْلَ البَـيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهيراً} قال: الرجس ههنا: الشيطان، وسوى ذلك من الرجس: الشرك.

اختلف أهل التأويـل فـي الذين عنوا بقوله {أهْلَ البَـيْتِ} فقال بعضهم: عنى به رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلـيّ وفـاطمة والـحسن والـحسين رضوان الله علـيهم. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن الـمثنى، قال: ثنا بكر بن يحيى بن زبـان العنزي، قال: ثنا مندل، عن الأعمش، عن عطية، عن أبـي سعيد الـخدريّ، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فِـي خَمْسَةٍ: فِـيّ، وفِـي علـيّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وَحَسَنٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وَحُسَيْنٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وَفـاطِمَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها {إنَّـمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِـيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرّجْسَ أهْلَ البَـيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً}.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا مـحمد بن بشر، عن زكريا، عن مصعب بن شيبة، عن صفـية بنت شيبة قالت: قالت عائشة: خرج النبـيّ صلى الله عليه وسلم ذات غداة، وعلـيه مِرْطٌ مُرَجَّلٌ من شعر أسود، فجاء الـحسن، فأدخـله معه، ثم قال: إنَّـمَا يُريدُ اللَّهُ لِـيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرّجْسَ أهْلَ البَـيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا مـحمد بن بكر، عن حماد بن سلـمة، عن علـيّ بن زيد، عن أنس أن النبـيّ صلى الله عليه وسلم كان يـمرّ ببـيت فـاطمة ستة أشهر، كلـما خرج إلـى الصلاة فـيقول:

الصَّلاةَ أهْلَ البَـيْتِ إنَّـمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِـيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرّجْسَ أهْلَ البَـيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهيرَاً.

حدثنـي موسى بن عبد الرحمن الـمسروقـي، قال: ثنا يحيى بن إبراهيـم بن سويد النـخعي، عن هلال، يعنـي ابن مقلاص، عن زبـيد، عن شهر بن حوشب، عن أمّ سلـمة، قالت: كان النبـيّ صلى الله عليه وسلم عندي، وعلـيّ وفـاطمة والـحسن والـحسين، فجعلت لهم خزيرة، فأكلوا وناموا، وغطى علـيهم عبـاءة أو قطيفة، ثم قال:

اللَّهُمَّ هَؤُلاءِ أهْلُ بَـيْتِـي، أذْهِبْ عَنْهُمُ الرّجْسَ وَطَهِّرْهُمْ تَطْهِيراً

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبو نعيـم، قال: ثنا يونس بن أبـي إسحاق، قال: أخبرنـي أبو داود، عن أبـي الـحمراء، قال: رابطت الـمدينة سبعة أشهر علـى عهد النبـيّ صلى الله عليه وسلم، قال: رأيت النبـيّ صلى الله عليه وسلم إذا طلع الفجر، جاء إلـى بـاب علـيّ وفـاطمة فقال:

الصَّلاةَ الصَّلاةَ {إنَّـمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِـيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرّجْسَ أهْلَ البَـيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً}.

حدثنـي عبد الأعلـى بن واصل، قال: ثنا الفضل بن دكين، قال: ثنا يونس بن أبـي إسحاق، بإسناده عن النبـيّ صلى الله عليه وسلم، مثله.

حدثنـي عبد الأعلـى بن واصل، قال: ثنا الفضل بن دكين، قال: ثنا عبد السلام بن حرب، عن كلثوم الـمـحاربـي، عن أبـي عمار، قال: إنـي لـجالس عند واثلة بن الأسقع إذ ذكروا علـيا رضي الله عنه، فشتـموه فلـما قاموا، قال: اجلس حتـى أخبرك عن هذا الذي شتـموا، إنـي عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذ جاءه علـيّ وفـاطمة وحسن وحسين، فألقـى علـيهم كساء له، ثم قال:

اللَّهُمَّ هَؤُلاءِ أهْلُ بَـيْتِـي، اللَّهُمَّ أذْهِبْ عَنْهُمُ الرّجْسَ وَطَهِّرْهُمْ تَطْهيراً. قلت: يا رسول الله وأنا؟ قال:وأنْتَقال: فوالله إنها لأوثق عملـي عندي.

حدثنـي عبد الكريـم بن أبـي عمير، قال: ثنا الولـيد بن مسلـم، قال: ثنا أبو عمرو، قال: ثنـي شدّاد أبو عمار قال: سمعت واثلة بن الأسقع يحدّث، قال: سألت عن علـيّ بن أبـي طالب فـي منزله، فقالت فـاطمة: قد ذهب يأتـي برسول الله صلى الله عليه وسلم، إذ جاء، فدخـل رسول الله صلى الله عليه وسلم ودخـلت، فجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم علـى الفراش وأجلس فـاطمة عن يـمينه، وعلـياً عن يساره وحسناً وحسيناً بـين يديه، فلفع علـيهم بثوبه وقال:

{إنَّـمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِـيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرّجْسَ أهْلَ البَـيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً} اللَّهُمَّ هَؤلاءِ أهْلـي، اللَّهُمَّ أهْلـي أحَقُّ. قال واثلة: فقلت من ناحية البـيت: وأنا يا رسول الله من أهلك؟ قال:وأنت من أهلـي، قال واثلة: إنها لـمن أَرْجَى ما أرتـجي.

حدثنـي أبو كريب، قال: ثنا وكيع، عن عبد الـحميد بن بهرام، عن شهر بن حوشب، عن فضيـل بن مرزوق، عن عطية، عن أبـي سعيد الـخدري، عن أمّ سلـمة، قالت: لـما نزلت هذه الآية: {إنَّـمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِـيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرّجْسَ أهْلَ البَـيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً} دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم علـياً وفـاطمة وحسناً وحسيناً، فجلل علـيهم كساء خَيبريا، فقال:

اللَّهُمَّ هَؤُلاءِ أهْلُ بَـيْتِـي، اللَّهُمَّ أذْهِبْ عَنْهُمُ الرّجْسَ وَطَهِّرْهُمْ تَطْهِيراًقالت أمّ سلـمة: ألستُ منهم؟ قال: أنت إلـى خَيْرٍ.

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا مصعب بن الـمقدام، قال: ثنا سعيد بن زربـي، عن مـحمد بن سيرين، عن أبـي هريرة، عن أمّ سلـمة، قالت: جاءت فـاطمة إلـى رسول الله صلى الله عليه وسلم بُبْرَمة لها قد صنعت فـيها عصيدة تـحلها علـى طبق، فوضعته بـين يديه، فقال:

أين ابن عمك وابناك؟فقالت: فـي البـيت، فقال:ادعيهم، فجاءت إلـى علـيّ، فقالت: أجب النبـيّ صلى الله عليه وسلم أنت وابناك. قالت أمّ سلـمة: فلـما رآهم مقبلـين مدّ يده إلـى كساء كان علـى الـمنامة فمدّه وبسطه وأجلسهم علـيه، ثم أخذ بأطراف الكساء الأربعة بشماله، فضمه فوق رؤوسهم وأومأ بـيده الـيـمنى إلـى ربه، فقال:هَؤُلاءِ أهْلُ البَـيْتِ، فأذْهِبْ عَنْهُمُ الرّجْسَ وَطَهِّرْهُمْ تَطْهِيراً

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا حسن بن عطية، قال: ثنا فضيـل بن مرزوق، عن عطية، عن أبـي سعيد عن أمّ سلـمة زوج النبـيّ صلى الله عليه وسلم أن هذه الآية نزلت فـي بـيتها {إنَّـمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِـيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرّجْسَ أهْلَ البَـيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً} قالت: وأنا جالسة علـى بـاب البـيت، فقلت: أنا يا رسول الله ألست من أهل البـيت؟ قال:

إنَّكِ إلـى خَيْرٍ، أنْتِ مِنْ أزْوَاجِ النَّبِـيّ صلـى اللَّهُ علـيهِ وسلَّـمَ قالت: وفـي البـيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلـيّ وفـاطمة والـحسن والـحسين رضي الله عنهم.

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا خالد بن مخـلد، قال: ثنا موسى بن يعقوب، قال: ثنـي هاشم بن هاشم بن عتبة بن أبـي وقاص، عن عبد الله بن وهب بن زمعة، قال: أخبرتنـي أمّ سلـمة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جمع علـياً والـحَسنـين، ثم أدخـلهم تـحت ثوبه، ثم جأر إلـى الله، ثم قال:

هؤلاء أهل بـيتـي، فقالت أمّ سلـمة: يا رسول الله أدخـلنـي معهم، قال:إنَّكِ مِنْ أهْلِـي

حدثنـي أحمد بن مـحمد الطوسي، قال: ثنا عبد الرحمن بن صالـح، قال: ثنا مـحمد بن سلـيـمان الأصبهانـي، عن يحيى بن عبـيد الـمكي، عن عطاء، عن عمر بن أبـي سلـمة، قال: نزلت هذه الآية علـى النبـيّ صلى الله عليه وسلم وهو فـي بـيت أمّ سلـمة {إنَّـمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِـيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرّجْسَ أهْلَ البَـيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً} فدعا حسناً وحُسيناً وفـاطمة، فأجلسهم بـين يديه، ودعا علـياً فأجلسه خـلفه، فتـجلَّل هو وهم بـالكساء ثم قال:

هَؤُلاءِ أهْلُ بَـيْتِـي، فَأذْهِبْ عَنْهُمُ الرّجْسَ وَطَهِّرْهُمْ تَطْهِيراًقالت أم سلـمة: أنا معهم مكانك وأنْتِ علـى خَيْرٍ.

حدثنـي مـحمد بن عمارة، قال: ثنا إسماعيـل بن أبـان، قال: ثنا الصبـاح بن يحيى الـمرّيّ، عن السديّ، عن أبـي الديـلـم، قال: قال علـيّ بن الـحسين لرجل من أهل الشأم: أما قرأت فـي الأحزاب: {إنَّـمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِـيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرّجْسَ أهْلَ البَـيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً} قال: ولأنتـم هم؟ قال: نعم.

حدثنا ابن الـمثنى، قال: ثنا أبو بكر الـحنفـي، قال: ثنا بكير بن مسمار، قال: سمعت عامر بن سعد، قال: قال سعد: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين نزل علـيه الوحي، فأخذ علـياً وابنـيه وفـاطمة، وأدخـلهم تـحت ثوبه، ثم قال:

رَبّ هَؤُلاءِ أهْلِـي وأهْلُ بَـيْتِـي

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا عبد الله بن عبد القدوس، عن الأعمش، عن حكيـم بن سعد، قال: ذكرنا علـيّ بن أبـي طالب رضي الله عنه عند أمّ سلـمة قالت: فـيه نزلت: {إنَّـمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِـيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرّجْسَ أهْلَ البَـيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً} قالت أمّ سلـمة: جاء النبـيّ صلى الله عليه وسلم إلـى بـيتـي، فقال: «لا تَأْذَنِـي لأَحَدٍ»، فجاءت فـاطمة، فلـم أستطع أن أحجبها عن أبـيها، ثم جاء الـحسن، فلـم أستطع أن أمنعه أن يدخـل علـى جدّه وأمه، وجاء الـحسين، فلـم أستطع أن أحجبه، فـاجتـمعوا حول النبـيّ صلى الله عليه وسلم علـى بساط، فجللهم نبـيّ الله بكساء كان علـيه، ثم قال:

هَؤُلاءِ أهْلُ بَـيْتِـي، فَأذْهِبْ عَنْهُمُ الرّجْسَ وَطَهِّرْهُمْ تَطْهِيراً، فنزلت هذه الآية حين اجتـمعوا علـى البساط قالت: فقلت: يا رسول الله: وأنا، قالت: فوالله ما أنعم وقال:إنَّكِ إلـى خَيْرٍ

وقال آخرون: بل عنى بذلك أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يحيى بن واضح، قال: ثنا الأصبغ، عن علقمة، قال: كان عكرمة ينادي فـي السوق: {إنَّـمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِـيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرّجْسَ أهْلَ البَـيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً} قال: نزلت فـي نساء النبـيّ صلى الله عليه وسلم خاصة.

وَٱذْكُرْنَ مَا يُتْلَىٰ فِى بُيُوتِكُنَّ مِنْ ءَايَٰتِ ٱللَّهِ وَٱلْحِكْمَةِ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا ۝٣٤

يقول تعالـى ذكره لأزواج نبـيه مـحمد صلى الله عليه وسلم: واذكرْنَ نعمة الله علـيكنّ، بأن جعلكنّ فـي بـيوت تُتلـى فـيها آيات الله والـحكمة، فـاشكرن الله علـى ذلك، واحمدنه علـيه وعنى بقوله: {وَاذْكُرْنَ ما يُتْلَـى فِـي بُـيُوتِكُنَّ مِنْ آياتِ اللَّهِ} واذكرن ما يقرأ فـي بـيوتكنّ من آيات كتاب الله والـحكمة ويعنـي بـالـحكمة: ما أُوحي إلـى رسول الله صلى الله عليه وسلم من أحكام دين الله، ولـم ينزل به قرآن، وذلك السنة.

وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، فـي قوله: {وَاذْكُرْنَ ما يُتْلَـى فِـي بَـيوتِكُنَّ مِنْ آياتِ اللَّهِ والْـحِكْمَةِ}: أي السنة، قال: يـمتنّ علـيهم بذلك.

وقوله: {إنَّ اللَّهَ كانَ لَطِيفـاً خَبِـيراً} يقول تعالـى ذكره: إن الله كان ذا لطف بكنّ، إذ جعلكنّ فـي البـيوت التـي تتُلـى فـيها آياته والـحكمة، خبـيراً بكُنَّ إذ اختاركن لرسوله أزواجاً.

إِنَّ ٱلْمُسْلِمِينَ وَٱلْمُسْلِمَٰتِ وَٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَٰتِ وَٱلْقَٰنِتِينَ وَٱلْقَٰنِتَٰتِ وَٱلصَّٰدِقِينَ وَٱلصَّٰدِقَٰتِ وَٱلصَّٰبِرِينَ وَٱلصَّٰبِرَٰتِ وَٱلْخَٰشِعِينَ وَٱلْخَٰشِعَٰتِ وَٱلْمُتَصَدِّقِينَ وَٱلْمُتَصَدِّقَٰتِ وَٱلصَّٰٓئِمِينَ وَٱلصَّٰٓئِمَٰتِ وَٱلْحَٰفِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَٱلْحَٰفِظَٰتِ وَٱلذَّٰكِرِينَ ٱللَّهَ كَثِيرًا وَٱلذَّٰكِرَٰتِ أَعَدَّ ٱللَّهُ لَهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا ۝٣٥

يقول تعالـى ذكره: إن الـمتذلِّلـين لله بـالطاعة والـمتذلِّلات، والـمصدِّقـين والـمصدّقات رسول الله صلى الله عليه وسلم فـيـما أتاهم به من عند الله، والقانتـين والقانتات لله، والـمطيعين لله والـمطيعات له فـيـما أمرهم ونهاهم، والصادقـين لله فـيـما عاهدوه علـيه والصادقات فـيه، والصابرين لله فـي البأساء والضرّاء علـى الثبـات علـى دينه، وحين البأس والصابرات، والـخاشعة قلوبهم لله وجَلاً منه ومن عقابه والـخاشعات، والـمتصدّقـين والـمتصدقات، وهم الـمؤدّون حقوق الله من أموالهم والـمؤدّيات، والصائمين شهر رمضان الذي فرض الله صومه علـيهم والصائمات، الـحافظين فروجهم إلا علـى أزواجهم أو ما ملكت أيـمانهم، والـحافظات ذلك إلا علـى أزواجهنّ إن كنّ حرائر، أو مَنْ ملكهنّ إن كنّ إماء، والذاكرين الله بقلوبهم وألسنتهم وجوارحهم والذاكرات، كذلك أعدّ الله لهم مغفرة لذنوبهم، وأجراً عظيـماً: يعنـي ثوابـا فـي الآخرة علـى ذلك من أعمالهم عظيـماً ، وذلك الـجنة.

وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قال: دخـل نساء علـى نساء النبـيّ صلى الله عليه وسلم، فقلن: قد ذكركنّ الله فـي القرآن، ولـم نُذكر بشيء، أما فـينا ما يُذْكَر؟

فأنزل الله تبـارك وتعالـى:

{إِنَّ ٱلْمُسْلِمِينَ وَٱلْمُسْلِمَاتِ وَٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَاتِ وَٱلْقَانِتِينَ وَٱلْقَانِتَاتِ وَٱلصَّادِقِينَ وَٱلصَّادِقَاتِ وَٱلصَّابِرِينَ وَٱلصَّابِرَاتِ وَٱلْخَاشِعِينَ وَٱلْخَاشِعَاتِ وَٱلْمُتَصَدِّقِينَ وَٱلْمُتَصَدِّقَاتِ وٱلصَّائِمِينَ وٱلصَّائِمَاتِ وَٱلْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَٱلْحَافِـظَاتِ وَٱلذَّاكِـرِينَ ٱللَّهَ كَثِيراً وَٱلذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ ٱللَّهُ لَهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً}.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله: {وأجْرَاً عَظِيـماً} قال: الـجنة وفـي قوله: {والقانِتِـينَ والقانِتاتِ} قال: الـمطيعين والـمطيعات.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن عطاء، عن عامر، قال: القانتات: الـمطيعات.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مؤمل، قال: سفـيان، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، قال: قالت أمّ سلـمة: يا رسول الله يذكر الرجال ولا نُذكر، فنزلت: {إنَّ الـمُسْلِـمِينَ والُـمسْلِـماتِ والـمُؤْمِنِـينَ وَالـمُؤْمِناتِ}.

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا أبو معاوية، عن مـحمد بن عمرو، عن أبـي سلـمة، أن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب، حدّثه، عن أمّ سلـمة قالت: قلت: يا رسول الله، أيُذكر الرجال فـي كلّ شيء، ولا نُذكر؟ فأنزل الله: {إنَّ الـمُسْلِـمِينَ والـمُسْلِـماتِ}.... الآية.

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا سيار بن مظاهر العنزي، قال: ثنا أبو كدينة يحيى بن مهلب، عن قابوس بن أبـي ظَبـيان، عن أبـيه، عن ابن عبـاس قال: قال نساء النبـيّ صلى الله عليه وسلم: ماله يذكر الـمؤمنـين، ولا يذكر الـمؤمنات؟ فأنزل الله: {إنَّ الـمُسْلِـمِينَ والـمُسْلِـماتِ}... الآية.

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعاً عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، قوله: {إنَّ الـمُسْلِـمِينَ والـمُسْلِـماتِ} قال: قالت أمّ سلـمة زوج النبـيّ صلى الله عليه وسلم: ما للنساء لا يذكرن مع الرجال فـي الصلاح؟ فأنزل الله هذه الآية.

حدثنـي مـحمد بن الـمعمر، قال: ثنا أبو هشام، قال: ثنا عبد الواحد، قال: ثنا عثمان بن حكيـم، قال: ثنا عبد الرحمن بن شيبة، قال: سمعت أمّ سلـمة زوج النبـيّ صلى الله عليه وسلم تقول: قلت للنبـيّ صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله، ما لنا لا نذكر فـي القرآن كما يُذكر الرجال؟ قالت: فلـم يرعنـي ذات يوم ظهراً إلا نداؤه علـى الـمنبر وأنا أسرح رأسي، فلففت شعري ثم خرجت إلـى حُجرة من حُجَرهنّ، فجعلت سمعي عند الـجريد، فإذا هو يقول علـى الـمنبر:

يا أيُّها النَّاسُ إنَّ اللَّهَ يَقُولُ فِـي كِتابِهِ: { إنَّ الـمُسْلِـمِينَ والُـمسْلِـماتِ والـمُؤْمِنِـينَ وَالـمُؤْمِنات}ِ.... إلـى قوله: {أعَدَّ اللَّهَ لَهُمْ مَغْفِرَةً وأجْرَاً عَظِيـماً}.

وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى ٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥٓ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ ٱلْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَٰلًا مُّبِينًا ۝٣٦

يقول تعالـى ذكره: لـم يكن لـمؤمن بـالله ورسوله، ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله فـي أنفسهم قضاء أن يتـخيروا من أمرهم غير الذي قضى فـيهم، ويخالفوا أمر الله وأمر رسوله وقضاءهما فـيعصوهما، ومن يعص الله ورسوله فـيـما أَمَراً أو نَهَياً {فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً مُبِـيناً} يقول: فقد جار عن قصد السبـيـل، وسلك غير سبـيـل الهدى والرشاد.

وذُكر أن هذه الآية نزلت فـي زينب بنت جحش حين خطبها رسول الله صلى الله عليه وسلم علـى فتاه زيد بن حارثة، فـامتنعت من إنكاحه نفسها. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس، قوله: {وَما كانَ لِـمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أمْراً}.... إلـى آخر الآية، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم انطلق يخطب علـى فتاه زيد بن حارثة، فدخـل علـى زينب بنت جحش الأسدية فخطبها، فقالت: لست بناكحته، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «فـانكحيه»، فقلت: يا رسول الله أؤامَر فـي نفسي فبـينـما هما يتـحدّثان أنزل الله هذه الآية علـى رسوله: {وَما كانَ لِـمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ}... إلـى قوله: {ضَلالاً مُبِـيناً} قالت: قد رضيته لـي يا رسول الله مَنْكَحاً؟ قال: «نَعم»، قالت: إذن لا أعصى رسول الله، قد أنكحته نفسي.

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعاً عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، قوله: {أنْ تَكُونَ لَهُمُ الـخِيرَةُ مِنْ أمْرِهِمْ} قال: زينب بنت جحش وكراهتها نكاح زيد بن حارثة حين أمرها به رسول الله صلى الله عليه وسلم.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله: {وَما كانَ لِـمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أمْراً أنْ يَكُونَ لَهُمُ الـخِيرَةُ مِنْ أمْرِهِمْ} قال: نزلت هذه الآية فـي زينب بنت جحش، وكانت بنت عمة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فخطبها رسول الله صلى الله عليه وسلم فرضيت، ورأت أنه يخطبها علـى نفسه فلـما علـمت أنه يخطبها علـى زيد بن حارثة أبت وأنكرت، فأنزل الله: {وَما كانَ لِـمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أمْراً أنْ يَكُونَ لَهُمُ الـخِيرَةُ مِنْ أمْرِهِمْ} قال: فتابعته بعد ذلك ورضيت.

حدثنـي أبو عبـيد الوصافـي، قال: ثنا مـحمد بن حمير، قال: ثنا ابن لهيعة، عن ابن أبـي عمرة، عن عكرمة عن ابن عبـاس، قال: خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم زينب بنت جحش لزيد بن حارثة، فـاستنكفت منه وقالت: أنا خير منه حَسَبـاً، وكانت امرأة فـيها حدّة، فأنزل الله: {وَما كانَ لِـمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أمْراً}... الآية كلها.

وقـيـل: نزلت فـي أمّ كلثوم بنت عُقْبة بن أبـي مُعَيط، وذلك أنها وهبت نفسها لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فزوّجها زيد بن حارثة. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله: {وَما كانَ لِـمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أمْراً}.... إلـى آخر الآية، قال: نزلت فـي أمّ كلثوم بنت عقبة بن أبـي مُعَيط، وكانت من أوّل من هاجر من النساء، فوهبت نفسها للنبـيّ صلى الله عليه وسلم، فزوّجها زيد بن حارثة، فسخِطت هي وأخوها، وقالا: إنـما أردنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فزوّجنا عبده قال: فنزل القرآن: {وَما كانَ لِـمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أمْراً أنْ يَكُونَ لَهُمُ الـخِيرَةُ مِنْ أمْرِهِمْ}... إلـى آخر الآية قال: وجاء أمر أجمع من هذا:

{ النَّبِـيُّ أوْلَـى بـالـمُؤْمِنِـينَ منْ أنْفُسِهمْ }قال: فذاك خاصّ، وهذا إجماع.
السبت، 7 نوفمبر 2026 27 جمادى الأولى 1448 هـ