انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة الأحزاب

تفسير الطبريالآيات 13–27

تفسير سورة الأحزاب آية آية، من تفسير الطبري.

استمع إلى تفسير سورة الأحزاب

الخلاصة من تفسير الطبري · 5 مقاطع · 1:03:30

  1. 1 الآيات 1–17في هذه الصفحة 14:46
  2. 2 الآيات 18–30في هذه الصفحة 11:43

التفسير الصوتي لسورة الأحزاب كاملًا (5 مقاطع)

وَإِذْ قَالَت طَّآئِفَةٌ مِّنْهُمْ يَٰٓأَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ فَٱرْجِعُوا۟ وَيَسْتَـْٔذِنُ فَرِيقٌ مِّنْهُمُ ٱلنَّبِىَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِىَ بِعَوْرَةٍ إِن يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا ۝١٣ وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِم مِّنْ أَقْطَارِهَا ثُمَّ سُئِلُوا۟ ٱلْفِتْنَةَ لَـَٔاتَوْهَا وَمَا تَلَبَّثُوا۟ بِهَآ إِلَّا يَسِيرًا ۝١٤

يعنـي تعالـى ذكره بقوله: {وَإذْ قالَتْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ يا أهْلَ يَثْرِبَ لا مُقامَ لَكُمْ} وإذ قال بعضهم: يا أهل يثرب، ويثرب: اسم أرض، فـيقال: إن مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم فـي ناحية من يثرب. وقوله: «لا مَقامَ لَكُمْ فـارْجِعُوا» بفتـح الـميـم من مقام. يقول: لا مكان لكم، تقومون فـيه، كما قال الشاعر:

فأيَّـيّ ما وأَيُّكَ كانَ شَرّا فَقـيدَ إلـى الـمَقامَةِ لا يَرَاها

قوله {فـارْجِعُوا} يقول: فـارجعوا إلـى منازلكم أمرهم بـالهرب من عسكر رسول الله صلى الله عليه وسلم والفرار منه، وترك رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقـيـل: إن ذلك من قـيـل أوس بن قـيظي ومن وافقه علـى رأيه. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن ابن إسحاق، قال: ثنـي يزيد، بن رومان {وَإذْ قالَتْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ يا أهْلَ يَثْرِبِ...} إلـى {فِرَاراً} يقول: أوس بن قـيظي، ومن كان علـى ذلك من رأيه من قومه. والقراءة علـى فتـح الـميـم من قوله: «لا مَقامَ لَكُمْ» بـمعنى: لا موضع قـيام لكم، وهي القراءة التـي لا أستـجيز القراءة بخلافها، لإجماع الـحجة من القرّاء علـيها. وذُكر عن أبـي عبد الرحمن السلـمي أنه قرأ ذلك: {لا مُقامَ لَكُمْ} بضم الـميـم، يعنـي: لا إقامة لكم.

وقوله: {وَيَسْتأذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِـيَّ يَقُولُونَ إنَّ بُـيُوتَنا عَوْرَةٌ وَما هِيَ بِعَوْرَةٍ} يقول تعالـى ذكره: ويستأذن بعضهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فـي الإذن بـالانصراف عنه إلـى منزله، ولكنه يريد الفرار والهرب من عسكر رسول الله صلى الله عليه وسلم. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس، قوله: {وَيَسْتأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِـيّ...} إلـى قوله {إلاَّ فِرَاراً} قال: هم بنو حارثة، قالوا: بـيوتنا مخـلـية نـخشى علـيها السرق.

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء جميعاً، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، قوله: {إنَّ بُـيُوتَنا عَوْرَةٌ} قال: نـخشى علـيها السرق.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {وَيَسْتأذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِـيَّ يَقُولُونَ إنَّ بُـيُوتَنا عَوْرَةٌ وَما هِيَ بعَوْرَةٍ} وإنها مـما يـلـي العدوّ، وإنا نـخاف علـيها السرّاق، فبعث النبـيّ صلى الله عليه وسلم، فلا يجد بها عدوّاً، قال الله: {إنْ يُرِيدُونَ إلاَّ فِرَاراً} يقول: إنـما كان قولهم ذلك {إنَّ بُـيُوتَنا عَوْرَةٌ} إنـما كان يريدون بذلك الفرار.

حدثنا مـحمد بن سنان القزاز، قال: ثنا عبـيد الله بن حمران، قال: ثنا عبد السلام بن شدّاد أبو طالوت عن أبـيه فـي هذه الآية {إنَّ بُـيُوتَنا عَوْرَةٌ، وَما هِيَ بِعَوْرَةٍ} قال: ضائعة.

وقوله: {وَلَوْ دُخِـلَتْ عَلَـيْهِمْ مِنْ أقْطارِها} يقول: ولو دخـلت الـمدينة علـى هؤلاء القائلـين {إنَّ بُـيُوتَنا عَوْرَةٌ} من أقطارها، يعنـي: من جوانبها ونواحيها، واحدها: قطر، وفـيها لغة أخرى: قُتر، وأقتار ومنه قول الراجز:

إنْ شِئْتَ أنْ تدهن أو تـمرا فَوَلِّهِنَّ قُتْرَكَ الأشَرَّا

وقوله: {ثُمَّ سُئِلُوا الفِتْنَةَ} يقول: ثم سئلوا الرجوع من الإيـمان إلـى الشرك {لآتَوْها} يقول: لفعلوا ورجعوا عن الإسلام وأشركوا. وقوله: {وَما تَلَبَّثُوا بها إلاَّ يَسِيراً} يقول: وما احتبسوا عن إجابتهم إلـى الشرك إلاَّ يسيراً قلـيلاً، ولأسرعوا إلـى ذلك. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {وَلَوْ دُخِـلَتْ عَلَـيْهِمْ مِنْ أقْطارها} أي لو دخـل علـيهم من نواحي الـمدينة {ثُمَّ سُئِلُوا الفِتْنَةَ}: أي الشرك {لآتَوْها} يقول: لأعطوها، {وَما تَلَبَّثُوا بِها إلاَّ يَسِيراً} يقول: إلاَّ أعطوه طيبة به أنفسهم ما يحتبسونه.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله {وَلَوْ دُخِـلَتْ عَلَـيْهِمْ مِنْ أقْطارِها} يقول: لو دخـلت الـمدينة علـيهم من نواحيها {ثُمَّ سُئِلُوا الفِتْنَةَ لآتَوْها} سئلوا أن يكفروا لكفروا قال: وهؤلاء الـمنافقون لو دخـلت علـيهم الـجيوش، والذين يريدون قتالهم ثم سئلوا أن يكفروا لكفروا قال: والفتنة: الكفر، وهي التـي يقول الله {الفِتْنَةُ أشَدُّ مِنَ القَتْلِ} أي الكفر يقول: يحملهم الـخوف منهم، وخبث الفتنة التـي هم علـيها من النفـاق علـى أن يكفروا به.

واختلفت القرّاء فـي قراءة قوله: {لآتَوْها} فقرأ ذلك عامة قرّاء الـمدينة وبعض قرّاء مكة: «لاَءَتَوْها» بقصر الألف، بـمعنى جاءوها. وقرأه بعض الـمكيـين وعامة قرّاء الكوفة والبصرة: {لآتَوْها} بـمدّ الألف، بـمعنى: لأعطوها، لقوله: ثم سئلوا الفتنة وقالوا: إذا كان سؤال كان إعطاء، والـمدّ أعجب القراءتـين إلـيّ لـما ذكرت، وإن كانت الأخرى جائزة.

وَلَقَدْ كَانُوا۟ عَٰهَدُوا۟ ٱللَّهَ مِن قَبْلُ لَا يُوَلُّونَ ٱلْأَدْبَٰرَ وَكَانَ عَهْدُ ٱللَّهِ مَسْـُٔولًا ۝١٥

يقول تعالـى ذكره: ولقد كان هؤلاء الذين يستأذنون رسول الله صلى الله عليه وسلم فـي الانصراف عنه، ويقولون إن بـيوتنا عورة، عاهدوا الله من قبل ذلك، إن لا يولوا عدوّهم الأدبـار، إن لقولهم فـي مشهد لرسول الله صلى الله عليه وسلم معهم، فما أوفوا بعهدهم {وكانَ عَهْد اللّهِ مَسْئُولاً} يقول: فـيسأل الله ذلك من أعطاه إياه من نفسه. وذُكر أن ذلك نزل فـي بنـي حارثة لـما كان من فعلهم فـي الـخندق بعد الذي كان منهم بأُحد. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن ابن إسحاق، قال: ثنـي يزيد بن رومان {وَلَقَدْ كانُوا عاهَدُوا اللّهَ مِنْ قَبْلُ لا يُوَلُّونَ الأَدْبـارَ، وكانَ عَهْدُ اللّهِ مَسْئُولاً} وهم بنو حارثة، وهم الذين همّوا أن يفشلوا يوم أُحد مع بنـي سلـمة حين همّا بـالفشل يوم أُحد، ثم عاهدوا الله لا يعودون لـمثلها، فذكر الله لهم الذي أعطوه من أنفسهم.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله {وَلَقَدْ كانُوا عاهَدُوا اللّهَ مِنْ قَبْلُ لا يُوَلُّونَ الأدْبـارَ وكانَ عَهْدُ اللّهِ مَسْئُولاً} قال: كان ناس غابوا عن وقعة بدر، ورأوا ما أعطى الله أصحاب بدر من الكرامة والفضيـلة، فقالوا: لئن أشهدنا الله قتالاً لنقاتلنّ، فساق الله ذلك إلـيهم حتـى كان فـي ناحية الـمدينة.

قُل لَّن يَنفَعَكُمُ ٱلْفِرَارُ إِن فَرَرْتُم مِّنَ ٱلْمَوْتِ أَوِ ٱلْقَتْلِ وَإِذًا لَّا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا ۝١٦ قُلْ مَن ذَا ٱلَّذِى يَعْصِمُكُم مِّنَ ٱللَّهِ إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوٓءًا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً وَلَا يَجِدُونَ لَهُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا ۝١٧

يقول تعالـى ذكره لنبـيه مـحمد صلى الله عليه وسلم: {قُلْ} يا مـحمد لهؤلاء الذين يستأذنوك فـي الانصراف عنك ويقولون إن بـيوتنا عورة: {لَنْ يَنْفَعَكُمُ الفِرَارُ إنْ فَرَرْتُـمْ مِنَ الـمَوْتِ أوِ القَتْل} يقول: لأن ذلك، أو ما كتب الله منهما واصل إلـيكم بكل حال، كرهتـم أو أحببتـم. {وإذاً لا تُـمَتَّعُونَ إلاَّ قَلِـيلاً} يقول: وإذا فررتـم من الـموت أو القتل لـم يزد فراركم ذلك فـي أعماركم وآجالكم، بل إنـما تـمتعون فـي هذه الدنـيا إلـى الوقت الذي كتب لكم، ثم يأتـيكم ما كتب لكم وعلـيكم. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الفِرَارُ إنْ فَرَرْتُـمْ منَ الـمَوْتِ أوِ القَتْلِ، وَإذاً لا تُـمَتَّعُونَ إلاَّ قَلِـيلاً} وإنـما الدنـيا كلها قلـيـل.

حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا ابن يـمان، عن سفـيان، عن منصور، عن أبـي رزين، عن ربـيع بن خيثم {وَإذاً لا تُـمَتَّعُونَ إلاَّ قَلِـيلاً} قال: إلـى آجالهم.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفـيان، عن منصور، عن أبـي رزين، عن ربـيع بن خيثم {وَإذاً لا تُـمَتَّعُونَ إلاَّ قَلِـيلاً} قال: ما بـينهم وبـين الأجل.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا يحيى وعبد الرحمن قالا: ثنا سفـيان، عن منصور، عن الأعمش، عن أبـي رزين، عن الربـيع بن خيثم مثله، إلاَّ أنه قال: ما بـينهم وبـين آجالهم.

حدثنا ابن الـمثنى، قال: ثنا مـحمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن منصور، عن أبـي رزين، أنه قال فـي هذه الآية

{ فَلْـيَضْحَكُوا قَلـيلاً وَلْـيَبْكوا كَثِـيراً }قال: لـيضحكوا فـي الدنـيا قلـيلاً، ولـيبكوا فـي النار كثـيراً. وقال فـي هذه الآية: {وَإذاً لا تُـمَتَّعُونَ إلاَّ قَلِـيلاً} قال: إلـى آجالهم. أحد هذين الـحديثـين رفعه إلـى ربـيع بن خيثم.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنـي أبـي، عن الأعمش، عن أبـي رزين، عن الربـيع بن خيثم {وَإذَاً لا تُـمَتَّعُونَ إلاَّ قَلِـيلاً} قال: الأجل. ورفع قوله {تُـمَتَّعُونَ} ولـم ينصب بإذن للواو التـي معها، وذلك أنه إذا كان قبلها واو، كان معنى «إذاً» التأخير بعد الفعل، كأنه قـيـل: ولو فرّوا لا يـمتَّعون إلاَّ قلـيلاً إذاً، وقد يُنصب بها أحياناً، وإن كان معها واو، لأن الفعل متروك، فكأنها لأوّل الكلام.

وقوله {قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنَ اللّهِ إنْ أرَادَ بِكُمْ سُوءا أوْ أرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً} يقول تعالـى ذكره: قل يا مـحمد لهؤلاء الذين يستأذنونك ويقولون: إن بـيوتنا عورة هربـاً من القتل: من ذا الذي يـمنعكم من الله إن هو أراد بكم سوءاً فـي أنفسكم، من قتل أو بلاء أو غير ذلك، أو عافـية وسلامة؟ وهل ما يكون بكم فـي أنفسكم من سوء أو رحمة إلاَّ من قِبَله؟ كما:

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن ابن إسحاق، قال: ثنـي يزيد بن رومان {قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنَ اللّهِ إنْ أرَادَ بِكُمْ سُوءاً أوْ أرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً} أي أنه لـيس الأمر إلاَّ ما قضيت.

وقوله: {وَلا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللّهِ وَلِـيًّا وَلا نَصِيراً} يقول تعالـى ذكره: ولا يجد هؤلاء الـمنافقون إن أراد الله بهم سوءاً فـي أنفسهم وأموالهم من دون الله ولـياً يـلـيهم بـالكفـاية ولا نصيراً ينصرهم من الله فـيدفع عنهم ما أراد الله بهم من سوء في ذلك.

قَدْ يَعْلَمُ ٱللَّهُ ٱلْمُعَوِّقِينَ مِنكُمْ وَٱلْقَآئِلِينَ لِإِخْوَٰنِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا وَلَا يَأْتُونَ ٱلْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلًا ۝١٨ أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ فَإِذَا جَآءَ ٱلْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَٱلَّذِى يُغْشَىٰ عَلَيْهِ مِنَ ٱلْمَوْتِ فَإِذَا ذَهَبَ ٱلْخَوْفُ سَلَقُوكُم بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ أَشِحَّةً عَلَى ٱلْخَيْرِ أُو۟لَٰٓئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا۟ فَأَحْبَطَ ٱللَّهُ أَعْمَٰلَهُمْ وَكَانَ ذَٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرًا ۝١٩

يقول تعالـى ذكره: قد يعلـم الله الذين يعوّقون الناس منكم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فـيصدّونهم عنه، وعن شهود الـحرب معه، نفـاقاً منهم، وتـخذيلاً عن الإسلام وأهله {والقائِلِـينَ لإخْوَانِهِمْ هَلُـمَّ إلَـيْنا}: أي تعالوا إلـينا، ودعوا مـحمداً، فلا تشهدوا معه مشهده، فإنا نـخاف علـيكم الهلاك بهلاكه. {وَلا يَأْتُونَ البأْسَ إلاَّ قَلِـيلاً} يقول: ولا يشهدون الـحرب والقتال إن شهدوا إلاَّ تعذيراً، ودفعاً عن أنفسهم الـمؤمنـين. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله {قَدْ يَعْلَـمُ اللّهُ الـمُعَوّقِـينَ مِنْكُمْ والقائِلِـينَ لإخْوَانِهِمْ} قال: هؤلاء ناس من الـمنافقـين كانوا يقولون لإخوانهم: ما مـحمد وأصحابه إلاَّ أكلة رأس، ولو كانوا لـحماً لالتهمهم أبو سفـيان وأصحابه، دعوا هذا الرجل فإنه هالك.

وقوله: {وَلا يَأْتُونَ البأْسَ إلاَّ قَلِـيلاً}: أي لا يشهدون القتال، يغيبون عنه.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن ابن إسحاق، قال: ثنا يزيد بن رومان {قَدْ يَعْلَـمُ اللّهُ الـمُعَوّقِـينَ مِنْكُمْ}: أي أهل النفـاق {وَالقائِلِـينَ لإخْوَانِهِمْ هَلُـمَّ إلَـيْنا، وَلا يَأْتُونَ البأْسَ إلاَّ قَلِـيلاً}: أي إلاَّ دفعاً وتعذيراً.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله {قَدْ يَعْلَـمُ اللّهُ الـمُعَوّقِـينَ مِنْكُمْ، والقائِلِـينَ لإخْوَانِهِمْ...} إلـى آخر الآية، قال: هذا يوم الأحزاب، انصرف رجل من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فوجد أخاه بـين يديه شواء ورغيف ونبـيذ، فقال له: أنت ههنا فـي الشواء والرغيف والنبـيذ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم بـين الرماح والسيوف؟ فقال: هلـمّ إلـى هذا، فقد بلغ بك وبصاحبك، والذي يحلف به لا يستقبلها مـحمد أبداً، فقال: كذبت والذي يحلف به قال، وكان أخاه من أبـيه وأمِّه: أما والله لأخبرنّ النبـيّ صلى الله عليه وسلم أمرك قال: وذهب إلـى رسول الله صلى الله عليه وسلم لـيخبره قال: فوجده قد نزل جبرائيـل علـيه السلام بخبره {قَدْ يَعْلَـمُ اللّهُ الـمُعَوّقِـين مِنْكُمْ والقائِلِـينَ لإخْوَانِهِمْ هَلُـمَّ إلَـيْنا، وَلا يَأْتُون البأْسَ قَلِـيلاً}.

وقوله {أشِحَّةً عَلَـيْكُمْ} اختلف أهل التأويـل فـي الـمعنى الذي وصف الله به هؤلاء الـمنافقـين، فـي هذا الـموضع من الشحّ، فقال بعضهم: وصفهم بـالشُّحّ علـيهم فـي الغنـيـمة. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {أشِحَّةً عَلَـيْكُمْ} فـي الغنـيـمة.

وقال آخرون: بل وصفهم بـالشحّ علـيهم بـالـخير. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنـي عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء جميعاً، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد {أشِحَّةً عَلَـيْكُمْ} قال: بـالـخير، الـمنافقون. وقال غيره: معناه: أشحة علـيكم بـالنفقة علـى ضعفـاء الـمؤمنـين منكم.

والصواب من القول فـي ذلك عندي أن يقال: إن الله وصف هؤلاء الـمنافقـين بـالـجبن والشُّحّ، ولـم يخصُص وصفهم من معانـي الشحّ، بـمعنى دون معنى، فهم كما وصفهم الله به أشحة علـى الـمؤمنـين بـالغنـيـمة والـخير والنفقة فـي سبـيـل الله، علـى أهل مسكنة الـمسلـمين. ونصب قوله {أشِحَّةً عَلَـيْكُمْ} علـى الـحال من ذكر الاسم الذي فـي قوله {وَلا يأْتُونَ البأْسَ}، كأنه قـيـل: هم جبناء عند البأس، أشحاء عند قَسْم الغنـيـمة، بـالغنـيـمة. وقد يحتـمل أن يكون قَطْعاً من قوله: {قَدْ يَعْلَـمُ اللّهُ الـمُعَوّقِـينَ مِنْكُمْ} فـيكون تأويـله: قد يعلـم الله الذين يعوّقون الناس علـى القتال، ويَشِحُّون عند الفتـح بـالغنـيـمة. ويجوز أن يكون أيضاً قَطْعاً من قوله: {هلـم إلـينا} أشحة، وهم هكذا أشحة. ووصفهم جلّ ثناؤه بـما وصفهم من الشحّ علـى الـمؤمنـين، لِـما فـي أنفسهم لهم من العداوة والضِّغْن. كما:

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن ابن إسحاق، قال: ثنـي يزيد بن رُومان {أشِحَّةً عَلَـيْكُمْ} أي للضِّغْن الذي فـي أنفسهم.

وقوله: {فإذَا جاءَ الـخَوْفُ...} إلـى قوله {مِنَ الـمَوْتِ} يقول تعالـى ذكره: فإذا حضر البأُس، وجاء القتال، خافوا الهلاك والقَتْل، رأيتهم يا مـحمد ينظرون إلـيك لِواذاً بك، تَدُور أعينهم، خوفـاً من القتل، وفراراً منه. {كالَّذِي يُغْشَى عَلَـيْهِ مِنَ الـمَوْتِ} يقول: كدَوَران عين الذي يُغْشَى علـيه من الـموت النازل به {فإذَا ذَهَبَ الـخَوْفُ} يقول: فإذا انقطعت الـحربُ واطمأنوا {سَلَقُوكُمْ بألْسِنَةٍ حِدادٍ}. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {فإذَا جاءَ الـخَوْفُ رأيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إلَـيْكَ تَدُورُ أعْيُنُهُمْ} من الـخوف.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن ابن إسحاق، قال: ثنـي يزيد بن رومان {فإذَا جاءَ الـخَوْفُ رأيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إلَـيْكَ تَدُورُ أعْيُنُهُمْ كالَّذِي يُغْشَى عَلَـيْهِ منَ الـمَوْتِ}: أي إعظاماً وفَرقاً منه.

وأما قوله {سَلَقُوكُمْ بألْسنَةٍ حِدادٍ}. فإنه يقول: عَضُّوكم بألسنة ذَرِبة. ويقال للرجل الـخطيب الذَّرِب اللسان: خطيب مِسْلَق ومِصْلَق، وخطيب سَلاّق وصَلاّق.

وقد اختلف أهل التأويـل فـي الـمعنى الذي وصف تعالـى ذكره هؤلاء الـمنافقـين أنهم يَسْلُقون الـمؤمنـين به، فقال بعضهم: ذلك سَلْقُهم إياهم عند الغنـيـمة، بـمسألتهم القَسْمَ لهم. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {فإذَا ذَهَبَ الـخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بألْسِنَةٍ حِدادٍ} أما عند الغنـيـمة، فأشحّ قوم، وأسوأ مُقاسَمَة: أعطُونا أعطُونا، فإنا قد شِهدنا معكم. وأما عند البأس فأجبن قوم، وأخذله للـحقّ.

وقال آخرون: بل ذلك سَلْقُهُمْ إياهم بـالأذَى. ذكر ذلك عن ابن عبـاس:

حدثنـي علـيّ، قال: ثنا أبو صالـح، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس، قوله {سَلَقُوكُم بألْسِنَةٍ حِدادٍ} قال: استقبلوكم.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد {سَلَقُوكُمْ بألْسِنَةٍ حِدادٍ} قال: كَلّـموكم.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: أنهم يَسْلُقونهم من القول بـما تُـحبون، نفـاقاً منهم. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن ابن إسحاق، قال: ثنـي يزيد بن رُومان {فإذَا ذَهَبَ الـخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بألْسِنَةٍ حِدَاد}ٍ فـي القول بـما تـحبون، لأنهم لا يرجون آخرة، ولا تَـحمُلهم حِسْبة، فهم يهابون الـموت هيبة من لا يرجو ما بعده.

وأشبه هذه الأقوال بـما دلّ علـيه ظاهر التنزيـل قول من قال {سَلَقُوكُمْ بألْسِنَةٍ حِدَادٍ أشِحَّةً عَلـى الـخَيْرِ} فأخبر أن سَلْقَهُمْ الـمسلـمين شُحَاً منهم علـى الغنـيـمة والـخير، فمعلوم إذ كان ذلك كذلك، أن ذلك لطلب الغنـيـمة. وإذا كان ذلك منهم لطلب الغنـيـمة، دخـل فـي ذلك قول من قال: معنى ذلك: سَلَقوكم بـالأذى، لأن فعلهم ذلك كذلك، لا شكّ أنه للـمؤمنـين أذى.

وقوله: {أشِحَّةً عَلـى الـخَيْرِ} يقول: أشحَّة علـى الغنـيـمة، إذا ظفر الـمؤمنون. وقوله: {لَـمْ يُؤْمنُوا فأحُبَطَ اللّهُ أعمالَهُمْ} يقول تعالـى ذكره: هؤلاء الذين وصفتُ لك صفتهم فـي هذه الآيات، لـم يصدّقوا الله ورسوله، ولكنهم أهل كفر ونِفـاق. {فأحبط الله أعمالهم} يقول: فأذهب الله أجورَ أعمالهم وأبطلَها. وذُكر أن الذي وُصِفَ بهذه الصفة كان بَدْريًّا، فأحبط الله عمله. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله {فَأَحْبَطَ اللّهُ أعمالَهُمْ وكانَ ذلكَ علـى اللّهِ يَسِيراً} قال: فحدثنـي أبـي أنه كان بدرياً، وأن قوله: {أحْبَطَ اللّهُ أعمالَهُمْ}: أحبط الله عمله يوم بدر.

وقوله: {وكانَ ذلكَ علـى اللّهِ يَسِيراً} يقول تعالـى ذكره: وكان إحبـاط عملهم الذي كانوا عملوا قبل ارتدادهم ونفـاقهم علـى الله يسيراً.

يَحْسَبُونَ ٱلْأَحْزَابَ لَمْ يَذْهَبُوا۟ وَإِن يَأْتِ ٱلْأَحْزَابُ يَوَدُّوا۟ لَوْ أَنَّهُم بَادُونَ فِى ٱلْأَعْرَابِ يَسْـَٔلُونَ عَنْ أَنۢبَآئِكُمْ وَلَوْ كَانُوا۟ فِيكُم مَّا قَٰتَلُوٓا۟ إِلَّا قَلِيلًا ۝٢٠

يقول تعالـى ذكره: يحسب هؤلاء الـمنافقون الأحزاب، وهم قريش وغطفـان. كما:

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن ابن إسحاق، قال: ثنـي يزيد بن رومان {يَحْسَبُونَ الأحْزَابُ لَـمْ يَذْهَبُوا} قريش وغطفـان.

وقوله: {لَـمْ يَذْهَبُوا} يقول: لـم ينصرفوا، وإن كانوا قد انصرفوا جبناً وهَلعاً منهم. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء جميعاً، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، قوله: {يَحْسَبُونَ الأحْزَابَ لَـمْ يَذْهَبُوا} قال: يحسبونهم قريبـاً.

وذُكر أن ذلك فـي قراءة عبد الله: «يَحْسَبُونَ الأحْزَابَ قَدْ ذَهَبُوا، فإذَا وَجَدُوهُمْ لَـمْ يَذْهَبُوا وَدُّوا لَوْ أنَّهُمْ بـادُونَ فِـي الأعْرَابِ».

وقوله: {وَإنْ يَأْتِ الأحْزَابُ يَوَدُّوا لَوْ أنهُمْ بـادُونَ فِـي الأعْرابِ} يقول تعالـى ذكره: وإن يأت الـمؤمنـين الأحزاب وهم الـجماعة: واحدهم حزب {يَوَدُّوا} يقول: يتـمنوا من الـخوف والـجبن أنهم غيب عنكم فـي البـادية مع الأعراب خوفـاً من القتل. وذلك أن قوله: {لَوْ أنَّهُمْ بـادُونَ فِـي الأعْرَابِ} تقول: قد بدا فلان إذا صار فـي البدو فهو يبدو، وهو بـاد وأما الأعراب: فإنهم جمع أعرابـيّ، وواحد العرب عربـيّ، وإنـما قـيـل أعرابـيّ لأهل البدو، فرقاً بـين أهل البوادي والأمصار، فجعل الأعراب لأهل البـادية، والعرب لأهل الـمصر.

وقوله: {يَسأَلُونَ عَنْ أنْبـائِكُمْ} يقول: يستـخبر هؤلاء الـمنافقون أيها الـمؤمنون الناس عن أنبـائكم، يعنـي عن أخبـاركم بـالبـادية، هل هلك مـحمد وأصحابه؟ نقول: يتـمنون أن يسمعوا أخبـاركم بهلاككم، أن لا يشهدوا معكم مشاهدكم. {وَلَوْ كانُوا فِـيكُمْ ما قاتَلُوا إلاَّ قَلِـيلاً} يقول تعالـى ذكره للـمؤمنـين: ولو كانوا أيضاً فـيكم ما نفعوكم، وما قاتلوا الـمشركين إلاَّ قلـيلاً. يقول: إلاَّ تعذيراً، لأنهم لا يقاتلونهم حسبة ولا رجاء ثواب. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء جميعاً، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، قوله {يَسألَونَ عَنْ أنْبـائِكُمْ} قال: أخبـاركم. وقرأت قرّاء الأمصار جميعاً سوى عاصم الـجحدري: {يَسأَلُونَ عَنْ أنْبـائِكُمْ} بـمعنى: يسألون من قدم علـيهم من الناس عن أنبـاء عسكركم وأخبـاركم، وذكر عن عاصم الـجحدري أنه كان يقرأ ذلك: «يَسَّاءَلونَ» بتشديد السين، بـمعنى: يتساءلون: أي يسأل بعضهم بعضاً عن ذلك.

والصواب من القول فـي ذلك عندنا ما علـيه قرّاء الأمصار، لإجماع الـحجة من القرّاء علـيه.

لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِى رَسُولِ ٱللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُوا۟ ٱللَّهَ وَٱلْيَوْمَ ٱلْـَٔاخِرَ وَذَكَرَ ٱللَّهَ كَثِيرًا ۝٢١ وَلَمَّا رَءَا ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلْأَحْزَابَ قَالُوا۟ هَٰذَا مَا وَعَدَنَا ٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥ وَصَدَقَ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّآ إِيمَٰنًا وَتَسْلِيمًا ۝٢٢

اختلفت القرّاء فـي قراءة قوله: {أُسْوَةٌ} فقرأ ذلك عامة قرّاء الأمصار: «إسْوَةٌ» بكسر الألف، خلا عاصم بن أبـي النـجود، فإنه قرأه بـالضمّ: {أُسْوَةٌ}. وكان يحيى بن وثاب يقرأ هذه بـالكسر، ويقرأ قوله

{ لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِـيهِمْ أُسْوَةٌ }بـالضمّ، وهما لغتان. وذُكر أن الكسر فـي أهل الـحجاز، والضمّ فـي قـيس. يقولون: أُسوة، وأُخوة. وهذا عتاب من الله للـمتـخـلفـين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وعسكره بـالـمدينة، من الـمؤمنـين به. يقول لهم جلّ ثناؤه: لقد كان لكم فـي رسول الله أسوة حسنة، أن تتأسوا به، وتكونوا معه حيث كان، ولا تتـخـلَّفوا عنه. {لِـمَنْ كانَ يَرْجُو اللّهَ} يقول: فإن من يرجو ثواب الله ورحمته فـي الآخرة لا يرغب بنفسه، ولكنه تكون له به أُسوة فـي أن يكون معه حيث يكون هو. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن ابن إسحاق، قال: ثنـي يزيد بن رومان، قال: ثم أقبل علـى الـمؤمنـين، فقال {لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِـي رَسُولِ اللّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لـمَنْ كانَ يَرْجُو اللّهَ وَالـيَومَ الآخِرَ} أن لا يرغبوا بأنفسهم عن نفسه، ولا عن مكان هو به. {وَذَكَرَ اللّهَ كَثِـيراً} يقول: وأكثر ذكر الله فـي الـخوف والشدّة والرخاء.

وقوله: {ولَـمَّا رأى الـمُؤْمِنُونَ الأحْزَابَ} يقول: ولـمَّا عاين الـمؤمنون بـالله ورسوله جماعات الكفـار قالوا تسلـيـماً منهم لأمر الله، وإيقاناً منهم بأن ذلك إنـجاز وعده لهم، الذي وعدهم بقوله

{ أمْ حَسِبْتُـمْ أنْ تَدْخُـلُوا الـجَنَّةَ ولَـمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَـلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ... }إلـى قوله { قَرِيبٌ }هذا ما وعدنا الله ورسوله، وصدق الله ورسوله، فأحسن الله علـيهم بذلك من يقـينهم، وتسلـيـمهم لأمره الثناء، فقال: وما زادهم اجتـماع الأحزاب علـيهم إلاَّ إيـماناً بـالله وتسلـيـماً لقضائه وأمره، ورزقهم به النصر والظفر علـى الأعداء. وبـالذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس، قوله: {ولَـمَّا رأى الـمُؤْمِنُونَ الأَحْزَابَ...} الآية قال: ذلك أن الله قال لهم فـي سورة البقرة

{ أمْ حَسِبْتُـمْ أنْ تَدْخُـلُوا الـجَنَّةَ... }إلـى قوله { إنَّ نَصْرَ اللّهِ قَرِيبٌ }قال: فلـما مسهم البلاء حيث رابطوا الأحزاب فـي الـخندق، تأوّل الـمؤمنون ذلك، ولـم يزدهم ذلك إلاَّ إيـماناً وتسلـيـماً.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن ابن إسحاق، قال: ثنـي يزيد بن رومان، قال: ثم ذكر الـمؤمنـين وصدقهم وتصديقهم بـما وعدهم الله من البلاء يختبرهم به {قالُوا هَذَا ما وَعَدَنا اللّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَما زَادَهُمْ إلاَّ إيـماناً وَتَسْلِـيـماً}: أي صبراً علـى البلاء، وتسلـيـماً للقضاء، وتصديقاً بتـحقـيق ما كان الله وعدهم ورسوله.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {ولَـمَّا رأى الـمُؤْمِنُونَ الأحْزَابَ قالُوا هَذَا ما وَعَدَنا اللّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللّهُ وَرَسُولُهُ} وكان الله قد وعدهم فـي سورة البقرة فقال:

{ أمْ حَسِبْتُـمْ أنْ تَدْخُـلُوا الـجَنَّةَ ولَـمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَـلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمْ البأْساءُ والضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حتـى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ }خيرهم وأصبرهم وأعلـمهم بـالله { مَتـى نَصْرُ اللّهِ ألا إنَّ نَصْرَ اللّهِ قَرِيبٌ }هذا والله البلاء والنقص الشديد، وإن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لـما رأوا ما أصابهم من الشدّة والبلاء {قالُوا هَذَا ما وَعَدَنا اللّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَما زَادَهُمْ إلاَّ إيـمَاناً وَتَسْلِـيـماً} وتصديقاً بـما وعدهم الله، وتسلـيـماً لقضاء الله.

مِّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا۟ مَا عَٰهَدُوا۟ ٱللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُۥ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا۟ تَبْدِيلًا ۝٢٣ لِّيَجْزِىَ ٱللَّهُ ٱلصَّٰدِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ ٱلْمُنَٰفِقِينَ إِن شَآءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا ۝٢٤

يقول تعالـى ذكره {مِنَ الـمُؤْمِنِـينَ} بـالله ورسوله {رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللّهَ عَلَـيْه} يقول: أوفوا بـما عاهدوه علـيه من الصبر علـى البأساء والضرّاء، وحين البأس {فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَـحْبَهُ} يقول: فمنهم من فرغ من العمل الذي كان نذره الله وأوجبه له علـى نفسه، فـاستشهد بعض يوم بدر، وبعض يوم أُحد، وبعض فـي غير ذلك من الـمواطن {وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ} قضاءه والفراغ منه، كما قضى من مضى منهم علـى الوفـاء لله بعهده، والنصر من الله، والظفر علـى عدوَّه. والنَّـحب: النذر فـي كلام العرب. وللنـحب أيضاً فـي كلامهم وجوه غير ذلك، منها الـموت، كما قال الشاعر:

قَضَى نَـحْبَهُ فِـي مُلْتَقَـى القَوْمِ هَوْبَرُ

يعنـي: منـيته ونفسه ومنها الـخطر العظيـم، كما قال جرير:

بِطَخْفَةَ جالَدْنا الـمُلُوكَ وَخَيْـلُنَا عَشِيَّةَ بِسْطامٍ جَرَيْنَ عَلـى نَـحْبِ

أي علـى خطر عظيـم ومنها النـحيب، يقال: نـحب فـي سيره يومه أجمع: إذا مدّ فلـم ينزل يومه ولـيـلته ومنها التنـحيب، وهو الـخطار، كما قال الشاعر:

وإذْ نَـحَّبَتْ كَلْبٌ علـى النَّاس أيُّهُمْ أحَقُّ بِتاجِ الـمَاجِدِ الـمُتَكَوِّم؟

وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن ابن إسحاق، قال: ثنـي يزيد بن رومان {مِنَ الـمُؤْمِنـينَ رجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللّهَ عَلَـيْهِ}: أي وفوا الله بـما عاهدوه علـيه {فمنهم من قَضَى نَـحْبَهُ} أي فرغ من عمله، ورجع إلـى ربه، كمن استشهد يوم بدر ويوم أُحد {ومنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ} ما وعد الله من نصره والشهادة علـى ما مضى علـيه أصحابه.

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء جميعاً، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد {فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَـحْبَهُ} قال: عهده فقتل أو عاش {وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ} يوماً فـيه جهاد، فـيقضي نـحبه عهده، فـيقتل أو يصدق فـي لقائه.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا ابن عيـينة، عن ابن جريج، عن مـجاهد {فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَـحْبَهُ} قال: عهده {وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ} قال: يوماً فـيه قتال، فـيصدق فـي اللقاء.

قال: ثنا أبـي، عن سفـيان، عن مـجاهد {فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَـحْبَهُ} قال: مات علـى العهد.

قال: ثنا أبو أُسامة، عن عبد الله بن فلان قد سماه ذهب عنى اسمه عن أبـيه {فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَـحْبَهُ} قال: نذره.

حدثنا ابن إدريس، عن طلـحة بن يحيى، عن عمه عيسى بن طلـحة: أن أعرابـياً أتـى النبـيّ صلى الله عليه وسلم، فسأله: من الذين قضوا نـحبهم؟ فأعرض عنه، ثم سأله، فأعرض عنه، ودخـل طلـحة من بـاب الـمسجد وعلـيه ثوبـان أخضران، فقال:

هَذَا مِنَ الَّذِينَ قَضَوْا نَـحْبَهُمْ

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا هوَّذة، قال: ثنا عوف، عن الـحسن، قوله {فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَـحْبَهُ} قال: موته علـى الصدق والوفـاء. {وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ} الـموت علـى مثل ذلك، ومنهم من بدّل تبديلاً.

حدثنـي مـحمد بن عمارة، قال: ثنا عبـيد الله بن موسى، قال: أخبرنا إسرائيـل، عن سعيد بن مسروق، عن مـجاهد {فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَـحْبَهُ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ} قال: النـحب: العهد.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة {مِنَ الـمُؤْمِنِـينَ رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدوا اللّهَ عَلَـيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَـحْبَهُ} علـى الصدق والوفـاء {وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ} من نفسه الصدق والوفـاء.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله {فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَـحْبَهُ} قال: مات علـى ما هو علـيه من التصديق والإيـمان {وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ} ذلك.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا ابن أبـي بكير، قال شريك بن عبد الله، أخبرناه عن سالـم، عن سعيد بن جُبَـير، عن ابن عبـاس {فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَـحْبَهُ} قال: الـموت علـى ما عاهد الله علـيه {وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ} الـموت علـى ما عاهد الله علـيه.

وقـيـل: إن هذه الآية نزلت فـي قوم لـم يشهدوا بدراً، فعاهدوا الله أن يفوا قتالاً للـمشركين مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فمنهم من أوفـى فقضى نـحبه، ومنهم من بدّل، ومنهم من أوفـى ولـم يقض نـحبه، وكان منتظراً، علـى ما وصفهم الله به من صفـاتهم فـي هذه الآية. ذكر من قال ذلك:

حدثنا عمرو بن علـيّ، قال: ثنا عبد الرحمن بن مهدي، قال: ثنا حماد بن سلـمة، عن ثابت، عن أنس، أن أنس بن النضر تغيب عن قتال بدر، فقال: تغيبت عن أوّل مشهد شهده رسول الله صلى الله عليه وسلم، لئن رأيت قتالاً لـيرينّ الله ما أصنع فلـما كان يوم أُحُد، وهُزم الناس، لقـي سعد بن معاذ فقال: والله إنـي لأجدُ ريح الـجنة، فتقدّم فقاتل حتـى قُتل، فنزلت فـيه هذه الآية: {مِنَ الـمُؤْمِنِـينَ رِجالُ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللّهَ عَلَـيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَـحْبَهُ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ}.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الله بن بكير، قال: ثنا حميد، قال: زعم أنس بن مالك قال: غاب أنس بن النضر، عن قتال يوم بدر، فقال: غبت عن قتال رسول الله صلى الله عليه وسلم الـمشركين، لئن أشهدنـي الله قتالاً، لـيرينّ الله ما أصنع فلـما كان يوم أُحُد، انكشف الـمسلـمون، فقال: اللهم إنـي أبرأ إلـيك مـما جاء به هؤلاء الـمشركون، وأعتذر إلـيك مـما صنع هؤلاء، يعنـي الـمسلـمين، فمشى بسيفه، فلقـيه سعد بن معاذ، فقال: أي سعد إنـي لأجد ريح الـجنة دون أُحُد. فقال سعد: يا رسول الله فما استطعت أن أصنع ما صنع. قال أنس بن مالك: فوجدناه بـين القتلـى، به بضع ثمانون جراحة، بـين ضربة بسيف، وطعنة برمـح، ورمية بسهم، فما عرفناه حتـى عرفته أخته ببنانه. قال أنس: فكنا نتـحدّث أن هذه الآية {مِنَ الـمُؤْمِنِـينَ رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللّهَ عَلَـيْهِ، فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَـحْبَهُ} نزلت فـيه، وفـي أصحابه.

حدثنا سوار بن عبد الله، قال: ثنا الـمعتـمر، قال: سمعت حميداً يحدّث، عن أنس بن مالك، أن أنس بن النضر، غاب عن قتال بدر، ثم ذكر نـحوه.

حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا يونس بن بكير، قال: ثنا طلـحة بن يحيى، عن موسى وعيسى بن طلـحة عن طلـحة أن أعرابـياً أتـى رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: وكانوا لا يجرءون علـى مسألته، فقالوا للأعرابـي: سله {مَنْ قَضَى نَـحْبَهُ} من هو؟ فسأله، فأعرض عنه، ثم سأله، فأعرض عنه، ثم دخـلت من بـاب الـمسجد وعلـيّ ثـياب خُضر فلـما رآنـي رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:

أيْنَ السَّائِلـيُ عَمَّنْ قَضَى نَـحْبَهُ؟قال الأعرابـيّ: أنا يا رسول الله، قال:هَذَا مِـمَّنْ قَضَى نَـحْبَهُ

حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا عبد الـحميد الـحِمَّانـي، عن إسحاق بن يحيى الطَّلْـحِي، عن موسى بن طلـحة، قال: قام معاوية بن أبـي سفـيان، فقال: إنـي سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:

طَلْـحَةُ مـمَّنْ قَضَى نَـحْبَهُ

حدثنـي مـحمد بن عمرو بن تـمام الكلبـي، قال: ثنا سلـيـمان بن أيوب، قال: ثنـي أبـي، عن إسحاق، عن يحيى بن طلـحة، عن عمه موسى بن طلـحة، عن أبـيه طلـحة، قال: لـما قدمنا من أُحُد وصرنا بـالـمدينة، صعد النبـيّ صلى الله عليه وسلم الـمنبر، فخطب الناس وعزّاهم، وأخبرهم بـما لهم فـيه من الأجر، ثم قرأ: {رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللّهَ عَلَـيْهِ...} الآية، قال: فقام إلـيه رجل فقال: يا رسول الله، من هؤلاء؟ فـالتفت وعلـيّ ثوبـات أخضران، فقال:

أيُّها السَّائِلُ هَذَا مِنْهُمْ

وقوله: {وَما بَدَّلُوا تَبْدِيلاً}: وما غيروا العهد الذي عاقدوا ربهم تغيـيراً، كما غيره الـمعوّقون القائلون لإخوانهم: هلّ إلـينا، والقائلون: إن بـيوتنا عورة. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {وَما بَدَّلُوا تَبْديلاً} يقول: ما شكُّوا وما تردّدوا فـي دينهم، ولا استبدلوا به غيره.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله {وَما بَدَّلُوا تَبْديلاً}: لـم يغيروا دينهم كما غير الـمنافقون.

وقوله: {لِـيَجْزِيَ اللّهُ الصَّادِقِـينَ بصِدْقِهِمْ} يقول تعالـى ذكره {مِنَ الـمُؤْمِنِـينَ رِجالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللّهَ عَلَـيْهِ لِـيَجْزِيَ اللّهُ الصَّادِقِـينَ بِصِدْقِهِمْ}: يقول: لـيثـيب الله أهل الصدق بصدقهم الله بـما عاهدوه علـيه، ووفـائهم له به {وَيُعَذِّبَ الـمُنافِقِـينَ إنْ شاءَ} بكفرهم بـالله ونفـاقهم {أوْ يَتُوبَ عَلَـيهِمْ} من نفـاقهم، فـيهديهم للإيـمان. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة {وَيُعَذّبَ الـمُنافِقِـينَ إنْ شاءَ، أوْ يَتُوبَ عَلَـيْهِمْ} يقول: إن شاء أخرجهم من النفـاق إلـى الإيـمان.

إن قال قائل: ما وجه الشرط فـي قوله {وَيُعَذّبَ الـمُنافِقِـينَ} بقوله: {إنْ شاءَ} والـمنافق كافر وهل يجوز أن لا يشاء تعذيب الـمنافق، فـيقال ويعذّبه إن شاء؟ قـيـل: إن معنى ذلك علـى غير الوجه الذي توهمته. وإنـما معنى ذلك: ويعذّب الـمنافقـين بأن لا يوفقهم للتوبة من نفـاقهم حتـى يـموتوا علـى كفرهم إن شاء، فـيستوجبوا بذلك العذاب، فـالاستثناء إنـما هو من التوفـيق لا من العذاب إن ماتوا علـى نفـاقهم.

وقد بـين ما قلنا فـي ذلك قوله: {أوْ يَتُوبَ عَلَـيْهِمْ} فمعنى الكلام إذن: ويعذّب الـمنافقـين إذ لـم يهدهم للتوبة، فـيوفقهم لها، أو يتوب علـيهم فلا يعذّبهم.

وقوله: {إنَّ اللّهَ كانَ غَفُوراً رَحِيـماً} يقول: إن الله كان ذا ستر علـى ذنوب التائبـين، رحيـماً بـالتائبـين أن يعاقبهم بعد التوبة.

وَرَدَّ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا۟ خَيْرًا وَكَفَى ٱللَّهُ ٱلْمُؤْمِنِينَ ٱلْقِتَالَ وَكَانَ ٱللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا ۝٢٥

يقول تعالـى ذكره: {ورَدَّ اللّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا} به وبرسوله من قُرَيش وغطفـان {بِغَيْظِهِمْ} يقول: بكربهم وغمهم، بفوتهم ما أمَّلوا من الظفر، وخيبتهم مـما كانوا طَمِعوا فـيه من الغَلَبة {لَـمْ ينَالوا خَيْراً} يقول: لـم يصيبوا من الـمسلـمين مالاً ولا إساراً {وكَفَـى اللّهُ الـمُؤْمِنِـينَ القِتالَ} بجنود من الـملائكة والريح التـي بعثها علـيهم. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء جميعاً، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، قوله: {وَرَدَّ اللّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَـمْ يَنالُوا خَيْراً} الأحزاب.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة، قوله {وَرَدَّ اللّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَـمْ يَنالُوا خَيْراً} وذلك يوم أبـي سفـيان والأحزاب، ردّ الله أبـا سفـيان وأصحابه بغيظهم لـم ينالوا خيراً {وكَفَـى اللّهُ الـمُؤْمِنِـينَ القِتالَ} بـالـجنود من عنده، والريح التـي بعث علـيهم.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن ابن إسحاق، قال: ثنـي يزيد بن رومان {وَرَدَّ اللّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَـمْ يَنالُوا خَيْراً}: أي قريش وغطفـان.

حدثنـي الـحسين بن علـيّ الصُّدائي، قال: ثنا شبـابة، قال: ثنا ابن أبـي ذئب، عن سعيد بن أبـي سعيد الـمقبري، عن عبد الرحمن بن أبـي سعيد الـخدري، عن أبـيه، قال: حُبِسنا يوم الـخندق عن الصلاة، فلـم نصلّ الظهر، ولا العصر، ولا الـمغرب، ولا العشاء، حتـى كان بعد العشاء بهويّ كفـينا، وأنزل الله: {وكَفَـى اللّهُ الـمُؤْمِنِـينَ القِتالَ، وكانَ اللّهُ قَوِيًّا عَزِيزاً} فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بلالاً، فأقام الصلاة، وصلـى الظهر، فأحسن صلاتها، كما كان يصلـيها فـي وقتها، ثم صلـى العصر كذلك، ثم صلـى الـمغرب كذلك، ثم صلـى العشاء كذلك، جعل لكل صلاة إقامة، وذلك قبل أن تنزل صلاة الـخوف

{ فإنْ خِفْتُـمْ فِرِجالاً أوْ رُكْبـاناً }

حدثنـي مـحمد بن عبد الله بن عبد الـحكم، قال: ثنا ابن أبـي فديك، قال: ثنا ابن أبـي ذئب، عن الـمقبري عن عبد الرحمن بن أبـي سعيد، عن أبـي سعيد الـخدري قال: حُبسنا يوم الـخندق، فذكر نـحوه.

وقوله: {وكانَ اللّهُ قَوِيًّا عَزِيزاً} يقول: وكان الله قوياً علـى فعل ما يشاء فعله بخـلقه، فـينصر من شاء منهم علـى من شاء أن يخذله، لا يغلبه غالب {عزيزاً} يقول: هو شديد انتقامه مـمن انتقم منه من أعدائه. كما:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {وكانَ اللّهُ قَويًّا عَزيزاً}: قوياً فـي أمره، عزيزاً فـي نقمته.

وَأَنزَلَ ٱلَّذِينَ ظَٰهَرُوهُم مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَٰبِ مِن صَيَاصِيهِمْ وَقَذَفَ فِى قُلُوبِهِمُ ٱلرُّعْبَ فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا ۝٢٦ وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَٰرَهُمْ وَأَمْوَٰلَهُمْ وَأَرْضًا لَّمْ تَطَـُٔوهَا وَكَانَ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرًا ۝٢٧

يقول تعالـى ذكره: وأنزل الله الذين أعانوا الأحزاب من قريش وغطفـان علـى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وذلك هو مظاهرتهم إياه، وعنى بذلك بنـي قريظة، وهم الذين ظاهروا الأحزاب علـى رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقوله {مِنْ أهْلِ الكِتابِ} يعنـي: من أهل التوراة، وكانوا يهود: وقوله: {منْ صَياصِيهمْ} يعنـي: من حصونهم. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء جميعاً، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد {وأنْزَلَ الَّذِينَ ظاهَرُوهُمْ مِنْ أهْلِ الكِتابِ} قال قريظة، يقول: أنزلهم من صياصيهم.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله {وأنْزَلَ الَّذينَ ظاهَرُوهُمْ مِنْ أهْلِ الكِتابِ} وهم بنو قُرَيظة، ظاهروا أبـا سفـيان وراسلوه، فنكثوا العهد الذي بـينهم وبـين نبـيّ الله. قال: فبـينا رسول الله صلى الله عليه وسلم عند زينب بنت جحش يغسل رأسه، وقد غسلت شقه، إذ أتاه جبرائيـل صلى الله عليه وسلم، فقال: عفـا الله عنك، ما وضعت الـملائكة سلاحها منذ أربعين لـيـلة، فـانهض إلـى بنـي قريظة، فإنـي قد قطعت أوتارهم، وفتـحت أبوابهم، وتركتهم فـي زلزال وبلبـال قال: فـاستلأم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم سلك سكة بنـي غنـم، فـاتبعه الناس وقد عصب حاجبه بـالتراب قال: فأتاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فحاصروهم وناداهم: يا إخوان القردة، فقالوا: يا أبـا القاسم ما كنت فحاشا، فنزلوا علـى حكم ابن معاذ، وكان بـينهم وبـين قومه حلف، فرجوا أن تأخذه فـيهم هوادة، وأومأ إلـيهم أبو لبـابة أنه الذبح، فأنزل الله:

{ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَـخُونُوا اللّهَ والرَّسُولَ وتَـخُونُوا أماناتكمْ وأنْتُـمْ تَعْلَـمُونَ }فحكم فـيهم أن تقتل مقاتلتهم، وأن تسبى ذراريهم، وأن عقارهم للـمهاجرين دون الأنصار، فقال قومه وعشيرته: آثرت الـمهاجرين بـالعقار علـينا قال: فإنكم كنتـم ذوي عقار، وإن الـمهاجرين كانوا لا عقار لهم. وذُكر لنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كبر وقال:قَضَى فِـيكُمْ بِحُكْمِ اللّهِ

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن ابن إسحاق، قال: لـما انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الـخندق راجعاً إلـى الـمدينة والـمسلـمون، ووضعوا السلاح، فلـما كانت الظهر أتـى جبريـل رسول الله صلى الله عليه وسلم. كما:

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، قال: ثنـي مـحمد بن إسحاق، عن ابن شهاب الزهري معتـجراً بعمامة من استبرق، علـى بغلة علـيها رحالة، علـيها قطيفة من ديبـاج فقال: أقد وضعت السلاح يا رسول الله؟ قال:

نعم، قال جبريـل: ما وضعت الـملائكة السلاح بعد، ما رجعت الآن إلاَّ من طلب القوم، إن الله يأمرك يا مـحمد بـالسير إلـى بنـي قريظة، وأنا عامد إلـى بنـي قريظة، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم منادياً، فأذّن فـي الناس: إن من كان سامعاً مطيعاً فلا يصلـينّ العصر إلاَّ فـي بنـي قريظة. وقدّم رسول الله صلى الله عليه وسلم علـيّ بن أبـي طالب رضي الله عنه برايته إلـى بنـي قريظة وابتدرها الناس، فسار علـيّ بن أبـي طالب رضي الله عنه حتـى إذا دنا من الـحصون، سمع منها مقالة قبـيحة لرسول الله صلى الله عليه وسلم منهم فرجع حتـى لقـي رسول الله صلى الله عليه وسلم بـالطريق، فقال: يا رسول الله لا علـيك ألاّ تدنو من هؤلاء الأخبـاث، قال:لِـمَ؟ أظُنُّك سَمِعْتَ لـي مِنْهُمْ أذًى، قال: نعم يا رسول الله. قال:لَوْ قَدْ رأَونِـي لَـمْ يقُولُوا مِنْ ذلكَ شَيْئاً. فلـما دنا رسول الله صلى الله عليه وسلم من حصونهم قال:يا إخْوَانَ القِرَدَة هَلْ أخْزَاكُمُ اللّهُ وأنْزَلَ بِكُمْ نِقْمَتَهُ؟قالُوا: يا أبـا القاسم، ما كنت جهولاً ومرّ رسول الله صلى الله عليه وسلم علـى أصحابه بـالصورين قبل أن يصل إلـى بنـي قريظة، فقال:هل مَرَّ بِكُمْ أحَدٌ؟فقالوا: يا رسول الله، قد مرّ بنا دِحية بن خـلـيفة الكلبـي علـى بغلة بـيضاء علـيها رحالة علـيها قطيفة ديبـاج، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ذَاكَ جَبْرَائِيـلُ بعِثَ إلـى بَنِـي قُرَيْظَةَ يُزَلْزلُ بِهِمْ حُصُونَهُمْ، وَيَقْذفُ الرُّعْبَ فِـي قُلُوبِهِمْفلـما أتـى رسول الله صلى الله عليه وسلم قريظة نزل علـى بئر من آبـارها فـي ناحية من أموالهم يقال لها: بئر أنا، فتلاحق به الناس، فأتاه رجال من بعد العشاء الآخرة، ولـم يصلوا العصر لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم:لا يُصَلِّـيَنَّ أحَدٌ العَصْرَ إلاَّ فِـي بَنِـي قُرَيْظَةَ، فصلوا العصر فما عابهم الله بذلك فـي كتابه ولا عنفهم به رسوله.

والـحديث عن مـحمد بن إسحاق، عن أبـيه، عن معبد بن كعب بن مالك الأنصاري، قال: وحاصرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم خمساً وعشرين لـيـلة حتـى جهدهم الـحصار وقذف الله فـي قلوبهم الرعب. وقد كان حُيَـيُّ بن أخطب دخـل علـى بنـي قريظة فـي حصنهم حين رجعت عنهم قريش وغطفـان وفـاء لكعب بن أسد بـما كان عاهده علـيه فلـما أيقنوا بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم غير منصرف عنهم حتـى يناجزهم، قال كعب بن أسد لهم: يا معشر يهود، إنه قد نزل بكم من الأمر ما ترون، وإنـي عارض علـيكم خلالاً ثلاثاً، فخذوا أيها قالوا: وما هنّ؟ قال: نبـايع هذا الرجل ونصدّقه، فوالله لقد تبـين لكم إنه لنبـيّ مرسل، وإنه الذي كنتـم تـجدونه فـي كتابكم، فتأمنوا علـى دمائكم وأموالكم وأبنائكم ونسائكم، قالوا: لا نفـارق حكم التوراة أبداً، ولا نستبدل به غيره قال: فإذا أبـيتـم هذه علـيّ، فهلـمّ فلنقتل أبناءنا ونساءنا، ثم نـخرج إلـى مـحمد وأصحابه رجالاً مصلتـين بـالسيوف، ولـم نترك وراءنا ثقلاً يهمنا حتـى يحكم الله بـيننا وبـين مـحمد، فإن نهلك نهلك ولـم نترك وراءنا شيئاً نـخشى علـيه، وإن نظهر فلعمري لنتـخذنّ النساء والأبناء، قالوا: نقتل هؤلاء الـمساكين، فما خير العيش بعدهم قال: فإذا أبـيتـم هذه علـيّ، فإن اللـيـلة لـيـلة السبت، وإنه عسى أن يكون مـحمد وأصحابه قد أمنوا، فـانزلوا لعلنا أن نصيب من مـحمد وأصحابه غرّة. قالوا: نفسد سبتنا ونـحدث فـيه ما لـم يكن أحدث فـيه من كان قبلنا؟ أما من قد علـمت فأصابهم من الـمسخ ما لـم يخف علـيك؟ قال: ما بـات رجل منكم منذ ولدته أمه لـيـلة واحدة من الدهر حازماً، قال: ثم إنهم بعثوا إلـى رسول الله صلى الله عليه وسلم: أن ابعث إلـينا أبـا لبـابة بن عبد الـمنذر أخا بنـي عمرو بن عوف، وكانوا من حلفـاء الأوس، نستشيره فـي أمرنا فأرسله رسول الله صلى الله عليه وسلم فلـما رأوه قام إلـيه الرجال، وجهش إلـيه النساء والصبـيان يبكون فـي وجهه، فرقّ لهم وقالوا له: يا أبـا لبـابة، أترى أن ننزل علـى حكم مـحمد؟ قال: نعم، وأشار بـيده إلـى حلقه، إنه الذبح قال أبو لبـابة: فوالله ما زالت قدماي حتـى عرفت أنـي قد خُنت الله ورسوله ثم انطلق أبو لبـابة علـى وجهه، ولـم يأت رسول الله صلى الله عليه وسلم حتـى ارتبط فـي الـمسجد إلـى عمود من عُمده وقال: لا أبرح مكانـي حتـى يتوب الله علـيّ مـما صنعت وعاهد الله لا يطأ بنـي قريظة أبداً ولا يرانـي الله فـي بلد خنت الله ورسوله فـيه أبداً. فلـما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم خبره، وكان قد استبطأه، قال:

أما إنَّهُ لَوْ كانَ جاءَنِـي لاسْتَغْفَرْتُ لَهُ. أمَّا إذْ فَعَلَ ما فَعَلَ، فَمَا أنا بـالَّذي أُطْلِقُهُ مِنْ مَكانِه حتـى يَتُوبَ اللّهُ عَلَـيْهِثم إن ثعلبة بن سعية، وأسيد بن سعية، وأسد بن عبـيد، وهم نفر من بنـي هذيـل لـيسوا من بنـي قريظة، ولا النضير، نسبهم فوق ذلك، هم بنو عمّ القوم، أسلـموا تلك اللـيـلة التـي نزلت فـيها قريظة علـى حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وخرج فـي تلك اللـيـلة عمرو بن سعدى القرظي، فمرّ بحرس رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعلـيه مـحمد بن مسلـمة الأنصاري تلك اللـيـلة فلـما رآه قال: مَنْ هَذَا؟ قال: عمرو بن سعدى وكان عمرو قد أبى أن يدخـل مع بنـي قريظة فـي غدرهم برسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: لا أغدر بـمـحمد أبداً، فقال مـحمد بن مسلـمة حين عرفه: اللهمّ لا تـحرمنـي إقالة عثرات الكرام، ثم خـلـى سبـيـله فخرج علـى وجهه حتـى بـات فـي مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم بـالـمدينة تلك اللـيـلة، ثم ذهب، فلا يُدرى أين ذهب من أرض الله إلـى يومه هذا فذُكر لرسول الله صلى الله عليه وسلم شأنه، فقال:ذَاكَ رَجُلٌ نَـجَّاهُ اللّهُ بِوَفـائهِ. قال: وبعض الناس كان يزعم أنه كان أُوثق برمة فـيـمن أوثق من بنـي قريظة حين نزلوا علـى حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأصبحت رمته مُلقاة، ولا يُدرَى أين ذهب، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم تلك الـمقالة، فـالله أعلـم.

فلـما أصبحوا، نزلوا علـى حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فتواثبت الأوس، فقالوا: يا رسول الله إنهم موالـينا دون الـخزرج، وقد فعلت فـي موالـي الـخزرج بـالأمس ما قد علـمت، وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل بنـي قريظة حاصر بنـي قـينقاع، وكانوا حلفـاء الـخزرج، فنزلوا علـى حكمه، فسأله إياهم عبد الله بن أُبـيّ بن سلول، فوهبهم له فلـما كلَّـمته الأوس، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

ألا تَرْضَوْنَ يا مَعْشَرَ الأَوْسِ أنْ يَحْكُمَ فِـيهِمْ رَجُلٌ مِنْكُمْ؟قالوا: بلـى، قال:فَذَاكَ إلـى سَعْدِ بْنِ مُعاذٍوكان سعد بن معاذ قد جعله رسول الله صلى الله عليه وسلم فـي خيـمة امرأة من أسلـم يقال لها رفـيدة فـي مسجده، كانت تداوي الـجَرْحَى، وتـحتسب بنفسها علـى خدمة من كانت به ضيعة من الـمسلـمين. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قال لقومه حين أصابه السهم بـالـخندق:اجْعَلُوهُ فِـي خَيْـمَةِ رُفِـيْدَةَ حتـى أعُودَهُ مِنْ قَرِيبٍفلـما حكَّمه رسول الله صلى الله عليه وسلم فـي بنـي قريظة، أتاه قومه فـاحتـملوه علـى حمار، وقد وطئوا له بوسادة من أدم، وكان رجلاً جسيـماً، ثم أقبلوا معه إلـى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهم يقولون: يا أبـا عمرو أحسن فـي موالـيك، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولاك ذلك لتُـحسن فـيهم فلـما أكثروا علـيه قال: قد آن لسعد أن لا تأخذه فـي الله لومة لائم، فرجع بعض من كان معه من قومه إلـى دار بنـي عبد الأشهل، فنعى إلـيهم رجال بنـي قريظة قبل أن يصل إلـيهم سعد بن معاذ من كلـمته التـي سمع منه فلـما انتهى سعد إلـى رسول الله صلى الله عليه وسلم والـمسلـمين، قال: قوموا إلـى سيدكم، فقاموا إلـيه فقالوا: يا أبـا عمرو إن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولاك موالـيَك لتـحكم فـيهم، فقال سعد: علـيكم بذلك عهد الله وميثاقه، إن الـحكم فـيهم كما حكمت، قال: نعم، قال: وعلـى من ههنا فـي الناحية التـي فـيها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو معرض عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إجلالاً له، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:نَعَمْ، قال سعد: فإنـي أحكم فـيهم أن تُقتل الرجال، وتقسَّم الأموال، وتْسبى الذراري والنساء.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، قال: فحدثنـي مـحمد بن إسحاق، عن عاصم بن عمر بن قتادة، عن عبد الرحمن بن عمرو بن سعد بن معاذ، عن علقمة بن وقاص اللـيثـي، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

لَقَدْ حَكَمْتَ فِـيهِمْ بِحُكْمِ اللّهِ مِنْ فَوْقِ سَبْعَةِ أرْقِعَةٍ، ثم استنزلوا، فحبسهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فـي دار ابنة الـحارث امرأة من بنـي النَّـجار. ثم خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلـى سوق الـمدينة، التـي هي سوقها الـيوم، فخندق بها خنادق، ثم بعث إلـيهم، فضرب أعناقهم فـي تلك الـخنادق، يخرج بهم إلـيه أرسالاً، وفـيهم عدوّ الله حُيَـيّ بن أخطب، وكعب بن أسد رأس القوم، وهم ستّ مئة أو سبع مئة، والـمكثر منهم يقول: كانوا من الثمان مئة إلـى التسع مئة، وقد قالوا لكعب بن أسد وهم يُذهب بهم إلـى رسول الله صلى الله عليه وسلم أرسالاً: يا كعب، ما ترى ما يُصنع بنا؟ فقال كعب: أفـي كلّ موطن لا تعقلون؟ ألا ترون الداعي لا ينزع، وإنه من يُذهب به منكم فما يرجع، هو والله القتل فلـم يزل ذلك الدأب حتـى فرغ منهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأُتـي بحُيـيّ بن أخطب عدوّ الله، وعلـيه حلة له فُقَّاحية قد شققها علـيه من كل ناحية كموضع الأنـملة أنـملة أنـملة، لئلا يسلبها مـجموعة يداه إلـى عنقه بحبل، فلـما نظر إلـى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: أما والله ما لـمت نفسي فـي عداوتك، ولكنه من يخذل الله يُخْذَل ثم أقبل علـى الناس فقال: أيها الناس، إنه لا بأس بأمر الله، كتاب الله وقدره، وملـحمة قد كُتِبت علـى بنـي إسرائيـل، ثم جلس فضربت عنقه فقال جبل بن جوّال الثعلبـي:

لعَمرُكَ مَا لامَ ابنُ أخْطَبَ نَفْسه ولكنَّهُ مَنْ يَخْذُلِ اللّهَ يُخْذَلِ لـجَاهَدَ حتـى أبْلَغَ النَّفْسَ عُذْرَها وقَلْقَلَ يَبغي العِزَّ كلَّ مُقَلْقَلِ

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، قال: ثنا مـحمد بن إسحاق، عن مـحمد بن جعفر بن الزبـير، عن عروة بن الزبـير، عن عائشة، قالت: لـم يقتل من نسائهم إلاَّ امرأة واحدة، قالت: والله إنها لعندي تـحدّث معي وتضحك ظهراً، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقتل رجالهم بـالسوق، إذ هتف هاتف بـاسمها: أين فلانة؟ قالت: أنا والله. قالت: قلت: ويـلك ما لك؟ قالت: أقتل؟ قلت: ولِـمَ؟ قالت: لـحدث أحدثته قال: فـانطلق بها، فضُربت عنقها، فكانت عائشة تقول: ما أنسى عجبـي منها طيب نفس، وكثرة ضحك، وقد عرفت أنها تُقتل.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن ابن إسحاق، قال: ثنـي زيد بن رومان {وأنْزَلَ الَّذِينَ ظاهَرُوهُمْ مِنْ أهْلِ الكِتابِ مِنْ صَياصِيهِمْ} والصياصي: الـحصون والآطام التـي كانوا فـيها {وَقذَفَ فِـي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ}.

حدثنا عمرو بن مالك البكري، قال: ثنا وكيع بن الـجرّاح وحدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبـي، عن ابن عيـينة، عن عمرو بن دينار، عن عكرمة {مِنْ صَياصِيهِمْ} قال: من حصونهم.

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء جميعاً، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد {مِنْ صَياصِيهِمْ} يقول: أنزلهم من صياصيهم، قال: قصورهم.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله {مِنْ صَياصِيهِمْ}: أي من حصونهم وآطامهم.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله: {وأَنْزَلَ الَّذِينَ ظاهَرُوهمْ مِنْ أهْلِ الكِتابِ مِنْ صَياصِيهِمْ} قال: الصياصي: حصونهم التـي ظنوا أنها مانعتهم من الله تبـارك وتعالـى.

وأصل الصياصي: جمع صيصة يقال: وعنى بها ههنا: حصونهم والعرب تقول لطرف الـجبل: صيصة ويقال لأصل الشيء: صيصة يقال: جزّ الله صيصة فلان: أي أصله ويقال لشوك الـحاكة: صياصي، كما قال الشاعر

: كَوَقْعِ الصَّياصِي فِـي النَّسِيجِ الـمُـمَدَّدِ

وهي شوكتا الديك. وقوله: {وَقَذَفَ فِـي قُلُوبِهُمُ الرُّعْبَ} يقول: وألقـى فـي قلوبهم الـخوف منكم {فَريقاً تَقْتُلُونَ} يقول: تقتلون منهم جماعة، وهم الذين قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم حين ظهر علـيهم {وتَأْسِرُونَ فَرِيقاً} يقول: وتأسرون منهم جماعة، وهم نساؤهم وذراريهم الذين سبوا، كما:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {فَرِيقاً تَقْتُلُونَ} الذين ضربت أعناقهم {وتَأْسِرُونَ فَرِيقاً} الذين سبوا.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن ابن إسحاق، قال: ثنـي يزيد بن رومان {فَرِيقاً تَقْتُلُونَ وتَأْسِرُونَ فَرِيقاً} أي قتل الرجال وسبى الذراريّ والنساء. {وأوْرَثَكُمْ أرْضَهُمْ وَديارَهُمْ وأمْوَالَهُم} يقول: وملككم بعد مهلكهم أرضهم، يعنـي مزارعهم ومغارسهم {وديارهم} يقول: ومساكنهم {وأموالهم} يعنـي سائر الأموال غير الأرض والدور.

وقوله: {وأرْضاً لَـمْ تَطَئُوها} اختلف أهل التأويـل فـيها، أيّ أرض هي؟ فقال بعضهم: هي الروم وفـارس ونـحوها من البلاد التـي فتـحها الله بعد ذلك علـى الـمسلـمين. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {وأرْضاً لَـمْ تَطَئُوها} قال: قال الـحسن: هي الروم وفـارس، وما فتـح الله علـيهم.

وقال آخرون: هي مكة. وقال آخرون: بل هي خيبر. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن ابن إسحاق، قال: ثنـي يزيد بن رومان {وأرْضاً لَـمْ تَطَئُوها} قال: خيبر.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله {وأوْرَثَكُمْ أرْضَهُمْ وَدِيارَهُمْ} قال: قُرَيظة والنضير أهل الكتاب {وأرْضاً لَـمْ تَطَئُوها} قال: خيبر.

والصواب من القول فـي ذلك أن يقال: إن الله تعالـى ذكره أخبر أنه أورث الـمؤمنـين من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أرض بنـي قريظة وديارهم وأموالهم، وأرضاً لـم يطئوها يومئذٍ ولـم تكن مكة ولا خَيبر، ولا أرض فـارس والروم ولا الـيـمن، مـما كان وطئوه يومئذٍ، ثم وطئوا ذلك بعد، وأورثهموه الله، وذلك كله داخـل فـي قوله {وأرْضاً لَـمْ تَطَئُوها} لأنه تعالـى ذكره لـم يخصص من ذلك بعضاً دون بعض. {وكانَ اللّهُ علـى كُلّ شَيْءٍ قَدِيراً} يقول تعالـى ذكره: وكان الله علـى أن أورث الـمؤمنـين ذلك، وعلـى نصره إياهم، وغير ذلك من الأمور قدرة، لا يتعذّر علـيه شيء أراده، ولا يـمتنع علـيه فعل شيء حاول فعله.

الأحد، 8 نوفمبر 2026 28 جمادى الأولى 1448 هـ