انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة الأحزاب

تفسير الطبريالآيات 1–12

تفسير سورة الأحزاب آية آية، من تفسير الطبري.

استمع إلى تفسير سورة الأحزاب

الخلاصة من تفسير الطبري · 5 مقاطع · 1:03:30

  1. 1 الآيات 1–17في هذه الصفحة 14:46
  2. 2 الآيات 18–30 11:43
  3. 3 الآيات 31–50 17:54
  4. 4 الآيات 51–59 10:56
  5. 5 الآيات 60–73 8:11

بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ

يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِىُّ ٱتَّقِ ٱللَّهَ وَلَا تُطِعِ ٱلْكَٰفِرِينَ وَٱلْمُنَٰفِقِينَ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا ۝١ وَٱتَّبِعْ مَا يُوحَىٰٓ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا ۝٢

يقول تعالـى ذكره لنبـيه مـحمد صلى الله عليه وسلم: {يا أيُّها النَّبِـيّ اتَّق اللّهَ} بطاعته، وأداء فرائضه، وواجب حقوقه علـيك، والانتهاء عن مـحارمه، وانتهاك حدوده {وَلا تُطِع الكافِرِينَ} الذين يقولون لك: اطرد عنك أتباعك من ضعفاء الـمؤمنـين بك حتـى نـجالسك {وَالـمُنافِقِـينَ} الذين يظهرون لك الإيـمان بـالله والنصيحة لك، وهم لا يألونك وأصحابك ودينك خبالاً، فلا تقبل منهم رأياً، ولا تستشرهم مستنصحاً بهم، فإنهم لك أعداء {إنَّ اللّهَ كانَ عَلِـيـماً حَكِيـماً} يقول: إن الله ذو علـم بـما تضمره نفوسهم، وما الذي يقصدون فـي إظهارهم لك النصيحة، مع الذي ينطوون لك علـيه، حكيـم فـي تدبـير أمرك وأمر أصحابك ودينك، وغير ذلك من تدبـير جميع خـلقه. {وَاتَّبِعْ ما يُوحَى إلَـيْكَ مِنْ رَبِّكَ} يقول: واعمل بـما ينزل الله علـيك من وحيه، وآي كتابه {إنَّ اللّهَ كانَ بـمَا تَعْمَلُونَ خَبِـيراً} يقول: إن الله بـما تعمل به أنت وأصحابك من هذا القرآن، وغير ذلك من أموركم وأمور عبـاده خبـيراً أي ذا خبرة، لا يخفـى علـيه من ذلك شيء، وهو مـجازيكم علـى ذلك بـما وعدكم من الـجزاء. وبنـحو الذي قلنا فـي تأويـل قوله: {وَاتَّبِعْ ما يُوحَى إلَـيْكَ مِنْ رَبِّكَ} قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة {وَاتَّبِعْ ما يُوحَى إلَـيْكَ مِنْ رَبِّكَ} أي هذا القرآن {إنَّ اللّهَ كانَ بِـمَا تَعْمَلُونَ خَبـيراً}.

وَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ وَكِيلًا ۝٣

يقول تعالـى ذكره: وفوّض إلـى الله أمرك يا مـحمد، وثق به {وكَفَـى بـالله وَكِيلاً} يقول: وحسيك بـالله فـيـما يأمرك وكيلاً، وحفـيظاً بك.

مَّا جَعَلَ ٱللَّهُ لِرَجُلٍ مِّن قَلْبَيْنِ فِى جَوْفِهِۦ وَمَا جَعَلَ أَزْوَٰجَكُمُ ٱلَّٰٓـِٔى تُظَٰهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَٰتِكُمْ وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَآءَكُمْ أَبْنَآءَكُمْ ذَٰلِكُمْ قَوْلُكُم بِأَفْوَٰهِكُمْ وَٱللَّهُ يَقُولُ ٱلْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِى ٱلسَّبِيلَ ۝٤

اختلف أهل التأويـل فـي الـمراد من قول الله {ما جَعَلَ اللّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَـيْنِ فِـي جَوْفِهِ} فقال بعضهم: عنى بذلك تكذيب قوم من أهل النفـاق، وصفوا نبـيّ الله صلى الله عليه وسلم بأنه ذو قلبـين، فنفـى الله ذلك عن نبـيه، وكذّبهم. ذكر من قال ذلك:

حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا حفص بن نفـيـل، قال: ثنا زهير بن معاوية، عن قابوس بن أبـي ظبـيان أن أبـاه حدثه، قال: قلنا لابن عبـاس: أرأيت قول الله {ما جَعَلَ اللّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَـيْن فِـي جَوْفِه} ما عنى بذلك؟ قال: قام رسول الله صلى الله عليه وسلم يوماً فصلـى، فخطر خطرة فقال الـمنافقون الذين يصلون معه: إن له قلبـين، قلبـاً معكم، وقلبـا معهم، فأنزل الله: {ما جَعَلَ الله لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَـين فـي جَوْفِهِ}.

وقال آخرون: بل عنى بذلك: رجل من قريش كان يُدعى ذا القلبـين من دِهْيه. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس: {ما جَعَلَ اللّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَـيْنِ فِـي جَوْفِهِ} قال: كان رجل من قريش يسمى من دهيه ذا القلبـين، فأنزل الله هذا فـي شأنه.

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء جميعاً، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد {ما جَعَلَ اللّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَـين فِـي جَوْفِهِ} قال: إن رجلاً من بنـي فهر، قال: إن فـي جوفـي قلبـين، أعقل بكل واحد منهما أفضل من عقل مـحمد «وكذب».

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله {ما جَعَلَ اللّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَـيْنِ فِـي جَوْفِهِ} قال قتادة: كان رجل علـى عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم يسمى ذا القلبـين، فأنزل الله فـيه ما تسمعون.

قال قتادة: وكان الـحسن يقول: كان رجل يقول لـي: نفس تأمرنـي، ونفس تنهانـي، فأنزل الله فـيه ما تسمعون.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبـي، عن سفـيان، عن خصيف، عن عكرمة، قال: كان رجل يسمى ذا القلبـين، فنزلت {ما جَعَلَ اللّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَـيْنِ فِـي جَوْفِه}.

وقال آخرون: بل عنى بذلك زيد بن حارثة من أجل أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان تبنَّاه، فضرب الله بذلك مثلاً. ذكر من قال ذلك:

حدثنا الـحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن الزهري، فـي قوله: {ما جَعَلَ اللّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَـيْنِ فِـي جَوْفِهِ} قال: بلغنا أن ذلك كان فـي زيد بن حارثة، ضرب له مثلاً يقول: لـيس ابن رجل آخر ابنك.

وأولـى الأقوال فـي ذلك بـالصواب قول من قال: ذلك تكذيب من الله تعالـى قول من قال لرجل فـي جوفه قلبـان يعقل بهما، علـى النـحو الذي رُوي عن ابن عبـاس وجائز أن يكون ذلك تكذيبـاً من الله لـمن وصف رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك، وأن يكون تكذيبـاً لـمن سمى القرشيّ الذي ذُكر أنه سمي ذا القلبـين من دهيه، وأيّ الأمرين كان فهو نفـي من الله عن خـلقه من الرجال أن يكونوا بتلك الصفة.

وقوله: {وَما جَعَلَ أزْوَاجَكُمُ اللاَّئِي تُظاهِرُونَ مِنْهُنَّ أمَّهاتِكُمْ} يقول تعالـى ذكره: ولـم يجعل الله أيها الرجال نساءكم اللائي تقولون لهنّ: أنتن علـينا كظهور أمهاتنا أمهاتكم، بل جعل ذلك من قـيـلكم كذبـاً، وألزمكم عقوبة لكم كفَّـارة. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله {وَما جَعَلَ أزْوَاجَكُمُ اللاَّئي تُظاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهاتِكُمْ}: أي ما جعلها أمك فإذا ظاهر الرجل من امرأته، فإن الله لـم يجعلها أمه، ولكن جعل فـيها الكفَّـارة.

وقوله: {وَما جَعَلَ أدعِياءَكُمْ أبْناءَكُمْ} يقول: ولـم يجعل الله من ادّعيت أنه ابنك، وهو ابن غيرك ابنك بدعواك. وذُكر أن ذلك نزل علـى رسول الله صلى الله عليه وسلم من أجل تبنـيه زيد بن حارثة. ذكر الرواية بذلك:

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء جميعاً، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، قوله: {أدْعِياءَكُمْ أبْناءَكُمْ} قال: نزلت هذه الآية فـي زيد بن حارثة.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله: {وَما جَعَلَ أدْعِياءَكُمْ أبْناءَكُمْ} قال: كان زيد بن حارثة حين منّ الله ورسوله علـيه، يقال له: زيد بن مـحمد، كان تبنَّاه، فقال الله:

{ ما كانَ مُـحَمَّدٌ أبـا أحَدٍ مِنْ رِجالِكُمْ }قال: وهو يذكر الأزواج والأخت، فأخبره أن الأزواج لـم تكن بـالأمهات أمهاتكم، ولا أدعياءكم أبناءكم.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {وَما جَعَلَ أدْعِياءَكُمْ أبْناءَكُمْ} وما جعل دعَّيك ابنك، يقول: إذا ادّعى رجل رجلاً ولـيس بـابنه {ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بأفْوَاهِكُمْ...} الآية. وذُكر لنا أن النبـيّ صلى الله عليه وسلم كان يقول:

من ادّعى إلـى غَير أبِـيهِ مُتَعَمِّداً حَرَّمَ اللّهُ عَلَـيْهِ الـجَنَّةَ

حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا ابن أبـي زائدة، عن أشعث، عن عامر، قال: لـيس فـي الأدعياء زيد.

وقوله {ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بأفْوَاهِكُمْ} يقول تعالـى ذكره هذا القول وهو قول الرجل لامرأته: أنت علـيّ كظهر أمي، ودعاؤه من لـيس بـابنه أنه ابنه، إنـما هو قولكم بأفواهكم لا حقـيقة له، لا يثبت بهذه الدعوى نسب الذي ادّعيت بنوّته، ولا تصير الزوجة أمًّا بقول الرجل لها: أنت علـيّ كظهر أمي {وَاللّهُ يقُولُ الـحَقَّ} يقول: والله هو الصادق الذي يقول الـحقّ، وبقوله يثبت نسب من أثبت نسبه، وبه تكون الـمرأة للـمولود، أمًّا إذا حكم بذلك {وَهُوَ يَهْدِي السَّبِـيـلَ} يقول تعالـى ذكره: والله يبـين لعبـاده سبـيـل الـحقّ، ويرشدهم لطريق الرشاد.

ٱدْعُوهُمْ لِـَٔابَآئِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِندَ ٱللَّهِ فَإِن لَّمْ تَعْلَمُوٓا۟ ءَابَآءَهُمْ فَإِخْوَٰنُكُمْ فِى ٱلدِّينِ وَمَوَٰلِيكُمْ وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَآ أَخْطَأْتُم بِهِۦ وَلَٰكِن مَّا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا ۝٥

يقول الله تعالـى ذكره: انسبوا أدعياءكم الذين ألـحقتـم أنسابهم بكم لآبـائهم. يقول لنبـيه مـحمد صلى الله عليه وسلم: ألـحق نسب زيد بأبـيه حارثة، ولا تدعه زيداً بن مـحمد. وقوله {هُوَ أقْسَطُ عِنْدَ الله} يقول: دعاؤكم إياهم لآبـائهم هو أعدل عند الله، وأصدق وأصوب من دعائكم إياهم لغير آبـائهم ونسبتكموهم إلـى من تبنَّاهم وادّعاهم ولـيسوا له بنـين. كما:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {ادْعُوهُمْ لآبـائهِمْ هُوَ أقْسَطُ عِنْدَ اللّهِ}: أي أعدل عند الله، وقوله: {فإنْ لَـمْ تَعْلـمُوا آبـاءَهُمْ فَإخْوَانُكُمْ فِـي الدِّينِ وَمَوَالِـيكُمْ} يقول تعالـى ذكره: فإن أنتـم أيها الناس لـم تعلـموا آبـاء أدعيائكم من هم فتنسبوهم إلـيهم، ولـم تعرفوهم، فتلـحقوهم بهم، {فإخوانكم فـي الدين} يقول: فهم إخوانكم فـي الدين، إن كانوا من أهل ملَّتكم، وموالـيكم إن كانوا مـحرّريكم ولـيسوا ببنـيكم. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {ادْعُوهُمْ لآبـائهمْ هُوَ أقْسَطُ عِنْدَ اللّهِ}: أي أعدل عند الله {فإنْ لَـمْ تَعْلَـمُوا آبـاءَهُمْ فإخْوَانَكُمْ فِـي الدّينِ وَمَوَالِـيكُمْ} فإن لـم تعلـموا من أبوه فإنـما هو أخوك ومولاك.

حدثنـي يعقوب، قال: ثنا ابن علـية، عن عُيـينة بن عبد الرحمن، عن أبـيه، قال: قال أبو بكرة: قال الله {ادْعُوهُمْ لآبـائهِمْ هُوَ أقْسَطُ عِنْدَ اللّهِ، فإنْ لَـمْ تَعْلَـمُوا آبـاءَهُمْ فإخْوَانُكُمْ فِـي الدّينِ وَمَوَالِـيكُمْ} فأنا مـمن لا يُعرف أبوه، وأنا من إخوانكم فـي الدين، قال: قال أبـي: والله إنـي لأظنه لو علـم أن أبـاه كان حمَّاراً لانتـمى إلـيه.

وقوله: {وَلَـيْسَ عَلـيْكُمْ جُناحٌ فِـيـما أخْطأْتُـمْ بِهِ} يقول: ولا حرج علـيكم ولا وزر فـي خطأ يكون منكم فـي نسبة بعض من تنسبونه إلـى أبـيه، وأنتـم ترونه ابن من ينسبونه إلـيه، وهو ابن لغيره {وَلَكِنْ ما تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ} يقول: ولكن الإثم والـحرج علـيكم فـي نسبتكموه إلـى غير أبـيه، وأنتـم تعلـمونه ابن غير من تنسبونه إلـيه. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {وَلَـيْسَ عَلَـيْكُمْ جُناحٌ فِـيـما أخْطأْتُـمْ بِهِ} يقول: إذا دعوت الرجل لغير أبـيه، وأنت ترى أنه كذلك {وَلَكِنْ ما تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ} يقول الله: لا تدعه لغير أبـيه متعمداً. أما الـخطأ فلا يؤاخذكم الله به {وَلَكِنْ يُؤَاخِذْكُمْ بِـمَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ}.

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء جميعاً، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد {تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ} قال: فـالعمد ما أتـى بعد البـيان والنهي فـي هذا وغيره.

و «ما» التـي فـي قوله {وَلَكِنْ ما تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ} خفض ردًّا علـى «ما» التـي فـي قوله {فِـيـما أخْطأْتُـمْ بِهِ} وذلك أن معنى الكلام: لـيس علـيكم جناح فـيـما أخطأتـم به، ولكن فـيـما تعمدت قلوبكم.

وقوله: {وكانَ اللّهُ غَفُوراً رَحِيـماً} يقول الله تعالـى ذكره: وكان الله ذا ستر علـى ذنب من ظاهر زوجته فقال البـاطل والزور من القول، وذنب من ادّعى ولد غيره ابناً له، إذا تابـا وراجعا أمر الله، وانتهيا عن قـيـل البـاطل بعد أن نهاهما ربهما عنه ذا رحمة بهما أن يعاقبهما علـى ذلك بعد توبتهما من خطيئتهما.

ٱلنَّبِىُّ أَوْلَىٰ بِٱلْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ وَأَزْوَٰجُهُۥٓ أُمَّهَٰتُهُمْ وَأُو۟لُوا۟ ٱلْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَىٰ بِبَعْضٍ فِى كِتَٰبِ ٱللَّهِ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُهَٰجِرِينَ إِلَّآ أَن تَفْعَلُوٓا۟ إِلَىٰٓ أَوْلِيَآئِكُم مَّعْرُوفًا كَانَ ذَٰلِكَ فِى ٱلْكِتَٰبِ مَسْطُورًا ۝٦

يقول تعالـى ذكره: النبـيّ مـحمد أولـى بـالـمؤمنـين، يقول: أحقّ بـالـمؤمنـين به من أنفسهم، أن يحكم فـيهم بـما يشاء من حكم، فـيجوز ذلك علـيهم. كما:

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد {النَّبِـيُّ أوْلَـى بـالـمُؤْمِنِـينَ مِنْ أنْفُسِهِمْ} كما أنت أولـى بعبدك ما قضى فـيهم من أمر جاز، كما كلـما قضيت علـى عبدك جاز.

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء جميعاً، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد {النَّبِـيُّ أولـى بـالـمُؤْمِنـينَ مِنْ أنْفُسِهِمْ} قال: هو أب لهم.

حدثنا مـحمد بن الـمثنى، قال: ثنا عثمان بن عمر، قال: ثنا فلـيح، عن هلال بن علـيّ، عن عبد الرحمن بن أبـي عمرة، عن أبـي هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:

ما مِنْ مُؤْمِنٍ إلاَّ وأنا أوْلَـى النَّاسِ بِهِ فِـي الدُّنْـيا والآخِرَةِ، اقْرَءُوا إنْ شِئْتُـمْ {النَّبِـيُّ أوْلَـى بـالـمُؤْمِنِـينَ مِنْ أنْفُسِهِمْ} وأيُّـمَا مُؤْمِنٍ تَرَكَ مالاً فَلِوَرَثَتِهِ وَعَصَبَتِهِ مَنْ كانُوا، وَإنْ تَرَكَ دَيْناً أوْ ضِياعاً فَلْـيأْتِنـي وأنا مَوْلاه«.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا حسن بن علـيّ، عن أبـي موسى إسرائيـل بن موسى، قال: قرأ الـحسن هذه الآية {النَّبِـيُّ أوْلَـى بـالـمُؤْمِنِـينَ مِنْ أنْفُسِهمْ، وأزْوَاجُهُ أمَّهاتُهُمْ} قال: قال الـحسن: قال النبـيّ صلى الله عليه وسلم:

أنا أوْلَـى بكُلِّ مُؤْمِنٍ مِنْ نَفْسِهقال الـحسن: وفـي القراءة الأولـى: «أوْلَـى بـالـمُؤْمنـينَ مِنْ أنْفُسِهِمْ، وَهُوَ أبٌ لَهُمْ».

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قال فـي بعض القراءة: «النَّبِـيُّ أوْلَـى بـالـمُؤْمِنِـينَ مِنْ أنْفُسِهمْ وَهُوَ أبٌ لَهُمْ» وذُكر لنا أن نبـيّ الله صلى الله عليه وسلم قال:

أيُّـمَا رَجُلٍ تَرَكَ ضِياعاً فَأنا أوْلَـى بِهِ، وَإنْ تَرَكَ مالاً فَهُوَ لِوَرَثَتِهِ

« وقوله: {وأزْوَاجُهُ أمَّهاتُهُمْ} يقول: وحرمة أزواجه حرمة أمهاتهم علـيهم، فـي أنهن يحرم علـيهن نكاحهن من بعد وفـاته، كما يحرمُ علـيهم نكاح أمهاتهم. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {النَّبِـيُّ أولَـى بـالـمُؤْمِنـينَ مِنْ أنْفُسِهِمْ، وأزْوَاجُهُ أُمِّهاتُهُمْ} يعظِّم بذلك حقهنّ، وفـي بعض القراءة: «وَهُوَ أبٌ لَهُمْ».

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله {وأزْوَاجُهُ أُمَّهاتُهُمْ} مـحرّمات علـيهم.

وقوله: {وأُولُوا الأرْحامِ بَعْضُهُمْ أوْلَـى بِبَعْضٍ فِـي كِتابِ اللّهِ مِنَ الـمُؤْمِنِـينَ وَالـمُهاجِرِينَ} يقول تعالـى ذكره: وأولوا الأرحام الذين وَرَّثْتُ بعضهم من بعض، هم أولـى بـميراث بعض من الـمؤمنـين والـمهاجرين أن يرث بعضهم بعضاً، بـالهجرة والإيـمان دون الرحم. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {وأُولُوا الأرْحامِ بَعْضُهُمْ أوْلَـى ببَعْضٍ فِـي كِتابِ اللّهِ مِنَ الـمُؤْمِنِـينَ والـمُهاجرِينَ} لبث الـمسلـمون زماناً يتوارثون بـالهجرة، والأعرابـيّ الـمسلـم لا يرث من الـمهاجرين شيئاً، فأنزل الله هذه الآية، فخـلط الـمؤمنـين بعضهم ببعض، فصارت الـمواريث بـالـملل.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد فـي قوله {وأُولُوا الأرْحامِ بَعْضُهُمْ أوْلَـى بِبَعْضٍ فِـي كِتابِ اللّهِ مِنَ الـمُؤْمِنـينَ والـمُهاجِرِينَ إلاَّ أنْ تَفْعَلُوا إلـى أوْلِـيائِكُمْ مَعْرُوفـاً} قال: كان النبـيّ صلى الله عليه وسلم قد آخَى بـين الـمهاجرين والأنصار أوّل ما كانت الهجرة، وكانوا يتوارثون علـى ذلك، وقال الله

{ وَلِكُلّ جَعَلْنا مَوَالِـيَ مـمَّا تَرَكَ الوَالِدَانِ والأقْربُونَ والَّذِينَ عَقَدَتْ أيـمَانُكُمْ، فآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ }قال: إذا لـم يأت رحم لهذا يحول دونهم، قال: فكان هذا أوّلاً، فقال الله: {إلاَّ أنْ تَفْعَلُوا إلـى أوْلِـيائكُمْ مَعْرُوفـاً} يقول: إلاَّ أن تُوصُوا لهم {كانَ ذلكَ فِـي الكِتابِ مَسْطُوراً} أنّ أولـي الأرحام بعضهم أولـى ببعض فـي كتاب الله، قال: وكان الـمؤمنون والـمهاجرون لا يتوارثون إن كانوا أولـي رحم، حتـى يهاجروا إلـى الـمدينة، وقرأ قال الله: { وَالَّذِينَ آمَنُوا ولَـمْ يُهاجِرُوا ما لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهمْ مِنْ شَيْءٍ حتـى يُهاجِرُوا... }إلـى قوله { وَفَسادٌ كَبِـيرٌ }، فكانوا لا يتوارثون، حتـى إذا كان عام الفتـح، انقطعت الهجرة، وكثر الإسلام، وكان لا يُقْبل من أحد أن يكون علـى الذي كان علـيه النبـيّ ومن معه إلاَّ أن يهاجر قال: وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لمن بَعَث:اغْدُوا عَلـى اسْمِ اللّهِ لا تَغُلُّوا وَلا تُوَلُّوا، ادْعُوهُمْ إلـى الإسْلامِ، فإنْ أجابُوكُمْ فـاقْبَلُوا وَادْعُوهُمْ إلـى الهِجْرَةِ، فإنْ هاجَرُوا مَعَكُمْ، فَلَهُمْ ما لَكُمْ، وَعَلَـيْهِمْ ما عَلَـيْكُمْ، فإنْ أبَوْا ولَـمْ يُهاجِرُوا وَاخْتارُوا دَارَهُمْ فَأقِرُّوهُمْ فِـيها، فَهُمْ كالأعْرابِ تَـجْرِي عَلَـيْهمْ أحْكامُ الإسْلامِ، ولَـيْسَ لَهُمْ فِـي هَذَا الفَـيْءِ نَصِيبٌ« قال: فلـما جاء الفتـح، وانقطعت الهجرة، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا هِجْرَةَ بَعْدَ الفَتْـحِوكثر الإسلام، وتوارث الناس علـى الأرحام حيث كانوا، ونسخ ذلك الذي كان بـين الـمؤمنـين والـمهاجرين، وكان لهم فـي الفـيء نصيب، وإن أقاموا وأبَوا، وكان حقهم فـي الإسلام واحد، الـمهاجر وغير الـمهاجر والبدوي وكلّ أحد، حين جاء الفتـح.

فمعنى الكلام علـى هذا التأويـل: وأولوا الأرحام بعضهم أولـى ببعض من الـمؤمنـين والـمهاجرين ببعضهم أن يرثوهم بـالهِجرة، وقد يحتـمل ظاهر هذا الكلام أن يكون من صلة الأرحام من الـمؤمنـين والـمهاجرين، أوْلـى بـالـميراث، مـمن لـم يؤمن، ولـم يهاجر.

وقوله: {إلاَّ أنْ تَفْعَلُوا إلـى أوْلِـيائِكُمْ مَعْرُوفـاً} اختلف أهل التأويـل فـي تأويـله، فقال بعضهم: معنى ذلك: إلاَّ أن توصوا لذوي قرابتكم من غير أهل الإيـمان والهجرة. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبو معاوية، عن حجَّاج، عن سالـم، عن ابن الـحنفـية {إلاَّ أنْ تَفْعَلُوا إلـى أوْلِـيائِكُمْ مَعْرُوفـاً} قالوا: يوصي لقرابته من أهل الشرك.

قال: ثنا عبدة، قال: قرأت علـى ابن أبـي عروبة، عن قتادة {إلاَّ أنْ تَفْعَلُوا إلـى أوْلِـيائِكُمْ مَعْرُوفـاً} قال: للقرابة من أهل الشرك وصية، ولا ميراث لهم.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله {إلاَّ أنْ تَفْعَلُوا إلـى أوْلِـيائِكُمْ مَعْرُوفـاً} قال: إلـى أولـيائكم من أهل الشرك وصية، ولا ميراث لهم.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبو أحمد الزبـيري ويحيى بن آدم، عن ابن الـمبـارك، عن معمر، عن يحيى بن أبـي كثـير، عن عكرِمة {إلـى أوْلِـيائِكُمْ مَعْرُوفـاً} قال: وصية.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرنـي مـحمد بن عمرو، عن ابن جريج، قال: قلت لعطاء: ما قوله {إلاَّ أنْ تَفْعَلُوا إلـى أوْلِـيائِكُمْ مَعْرُوفـاً} فقال: العطاء، فقلت له: الـمؤمن للكافر بـينهما قرابة؟ قال: نعم عطاؤه إياه حبـاء ووصية له.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: إلاَّ أن تـمسكوا بـالـمعروف بـينكم بحقّ الإيـمان والهجرة والـحلف، فتؤتونهم حقهم من النصرة والعقل عنهم. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء جميعاً، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، قوله: {إلاَّ أنْ تَفْعَلُوا إلـى أوْلِـيائِكُمْ مَعْرُوفـاً} قال: حلفـاؤكم الذين والـى بـينهم النبـيّ صلى الله عليه وسلم من الـمهاجرين والأنصار، إمساك بـالـمعروف والعقل والنصر بـينهم.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: أن توصوا إلـى أولـيائكم من الـمهاجرين وصية. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد {إلاَّ أنْ تَفْعَلُوا إلـى أوْلِـيائِكُمْ مَعْرُوفـاً} يقول: إلاَّ أن توصوا لهم.

وأولـى الأقوال فـي ذلك عندي بـالصواب أن يقال: معنى ذلك إلاَّ أن تفعلوا إلـى أولـيائكم الذين كان رسول الله صلى الله عليه وسلم آخَى بـينهم وبـينكم من الـمهاجرين والأنصار، معروفـاً من الوصية لهم، والنصرة والعقل عنهم، وما أشبه ذلك، لأن كلّ ذلك من الـمعروف الذي قد حثّ الله علـيه عبـاده.

وإنـما اخترت هذا القول، وقلت: هو أولـى بـالصواب من قـيـل من قال: عنى بذلك الوصية للقرابة من أهل الشرك، لأن القريب من الـمشرك، وإن كان ذا نسب فلـيس بـالـمولـى، وذلك أن الشرك يقطع ولاية ما بـين الـمؤمن والـمشرك، وقد نهى الله الـمؤمنـين أن يتـخذوا منهم ولـياً بقوله:

{ لا تَتَّـخِذُوا عَدُوّي وَعَدُوَّكُمْ أوْلِـياءَ }وغير جائز أن ينهاهم عن اتـخاذهم أولـياء، ثم يصفهم جلّ ثناؤه بأنهم لهم أولـياء. وموضع «أن» من قوله {إلاَّ أنْ تَفْعَلُوا} نصب علـى الاستثناء. ومعنى الكلام: وأولوا الأرحام بعضهم أولـى ببعض فـي كتاب الله من الـمؤمنـين والـمهاجرين، إلاَّ أن تفعلوا إلـى أولـيائكم الذين لـيسوا بأولِـي أرحام منكم معروفـاً.

وقوله: {كانَ ذلكَ فِـي الكِتابِ مَسْطُوراً} يقول: كان أولوا الأرحام بعضهم أولـى ببعض فـي كتاب الله: أي فـي اللوح الـمـحفوظ {مسطوراً} أي مكتوبـاً، كما قال الراجز

: فـي الصُّحُفِ الأُولـى التـي كانَ سَطَرْ

وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله {كانَ ذلكَ فِـي الكِتابِ مَسْطُوراً}: أي أن أولـي الأرحام بعضهم أولـى ببعض فـي كتاب الله.

وقال آخرون: معنى ذلك: كان ذلك فـي الكتاب مسطوراً: لا يرث الـمشرك الـمؤمن.

وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ ٱلنَّبِيِّـۧنَ مِيثَٰقَهُمْ وَمِنكَ وَمِن نُّوحٍ وَإِبْرَٰهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَى ٱبْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُم مِّيثَٰقًا غَلِيظًا ۝٧

يقول تعالـى ذكره: كان ذلك فـي الكتاب مسطوراً، إذ كتبنا كلّ ما هو كائن فـي الكتاب {وَإذْ أخَذْنا مِنَ النَّبِـيِّـينَ مِيثاقَهُمْ} كان ذلك أيضاً فـي الكتاب مسطوراً، ويعنـي بـالـميثاق: العهد، وقد بـيَّنا ذلك بشواهده فـيـما مضى قبل. {وَمِنْكَ} يا مـحمد {وَمِنْ نُوحٍ وإبْرَاهِيـم وَمُوسَى وَعِيسَى ابنِ مَرْيَـمَ، وأخَذْنا مِنْهُمْ مِيثاقاً غَلِـيظاً} يقول: وأخذنا من جميعهم عهداً مؤكداً أن يصدّق بعضهم بعضا. كما:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {وَإذْ أخَذْنا مِنَ النَّبِـيِّـينَ مِيثاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ} قال: وذُكر لنا أن نبـيّ الله صلى الله عليه وسلم كان يقول:

كُنْتُ أوَّلَ الأَنْبِـياءِ فِـي الـخَـلْقِ، وآخِرَهُمْ فِـي البَعْثِ، {وَإبْرَاهِيـمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَـمَ، وأخَذْنا مِنْهُمْ مِيثاقاً غَلِـيظاً} ميثاق أخذه الله علـى النبـيـين، خصوصاً أن يصدّق بعضهم بعضاً، وأن يتبع بعضهم بعضا.

حدثنا مـحمد بن بشار، قال: ثنا سلـيـمان، قال: ثنا أبو هلال، قال: كان قتادة إذا تلا هذه الآية {وَإذْ أخَذْنا مِنَ النَّبِـيِّـينَ مِيثاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ} قال: كان نبـيّ الله صلى الله عليه وسلم فـي أوّل النبـيـين فـي الـخـلق.

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء جميعاً، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، فـي قول الله {مِنَ النَّبِـيِّـينَ مِيثاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ} قال: فـي ظهر آدم.

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس، قوله: {وأخَذْنا مِنْهُمْ مِيثاقاً غَلِـيظاً} قال: الـميثاق الغلـيظ: العهد.

لِّيَسْـَٔلَ ٱلصَّٰدِقِينَ عَن صِدْقِهِمْ وَأَعَدَّ لِلْكَٰفِرِينَ عَذَابًا أَلِيمًا ۝٨

يقول تعالـى ذكره: أخذنا من هؤلاء الأنبـياء ميثاقهم كيـما أسأل الـمرسلـين عما أجابتهم به أمـمهم، وما فعل قومهم فـيـما أبلغوهم عن ربهم من الرسالة. وبنـحو قولنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام، عن عنبسة، عن لـيث، عن مـجاهد {لِـيَسْأَلَ الصَّادقِـينَ عَنْ صِدْقِهِمْ} قال: الـمبلغين الـمؤدّين من الرسل.

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء جميعاً، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد {لِـيَسْألَ الصَّادقِـينَ عَنْ صدْقِهِمْ} قال: الـمبلغين الـمؤدّين من الرسل.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبو أُسامة، عن سفـيان، عن رجل، عن مـجاهد {لِـيَسْأَلَ الصَّادقِـينَ عَنْ صِدْقِهِمْ} قال: الرسل الـمؤدّين الـمبلغين.

وقوله: {وأعَدَّ للكافِرِينَ عَذَابـاً ألِـيـماً} يقول: وأعدّ للكافرين بـالله من الأمـم عذابـاً موجعاً.

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱذْكُرُوا۟ نِعْمَةَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَآءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَّمْ تَرَوْهَا وَكَانَ ٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا ۝٩

يقول تعالـى ذكره: {يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ الله عَلَـيْكُمْ} التـي أنعمها علـى جماعتكم وذلك حين حوصر الـمسلـمون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم أيام الـخندق {إذْ جاءَتْكُمْ جُنُودٌ}: جنود الأحزاب: قُريش، وغَطفـان، ويهود بنـي النضير {فأَرْسَلْنا عَلَـيْهِمْ رِيحاً} وهي فـيـما ذكر: ريح الصَّبـا. كما:

حدثنا مـحمد بن الـمثنى، قال: ثنا عبد الأعلـى، قال: ثنا داود، عن عكرِمة، قال: قالتِ الـجنوبُ للشمال لـيـلة الأحزاب: انطلقـي ننصر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال الشمال: إن الـحرّة لا تسري بـاللـيـل، قال: فكانت الريح التـي أُرسلت علـيهم الصَّبـا.

حدثنا ابن الـمثنى، قال: ثنا أبو عامر، قال: ثنـي الزبـير، يعنـي ابن عبد الله، قال: ثنـي ربـيح بن أبـي سعيد، عن أبـيه، عن أبـي سعيد، قال: قلنا يوم الـخندق: يا رسول الله بلغت القلوب الـحناجر، فهل من شيء تقوله؟ قال:

نَعَمْ قُولُوا: اللَّهُمَّ اسْتُرْ عَوْرَاتِنا، وآمِنْ روْعاتِنا، فَضَرَبَ اللّهُ وُجُوهَ أعْدائهِ بـالرِّيحِ، فهَزَمَهُمُ اللّهُ بـالرّيحِ.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: ثنـي عبد الله بن عمرو، عن نافع، عن عبد الله، قال: أرسلنـي خالـي عثمان بن مظعون لـيـلة الـخندق فـي برد شديد وريح، إلـى الـمدينة، فقال: ائتنا بطعام ولـحاف قال: فـاستأذنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأذن لـي وقال:

مَنْ لَقِـيتَ مِنْ أصحَابِـي فَمُرْهُم يَرْجِعُوا. قال: فذهبت والريح تَسْفِـي كل شيء، فجعلت لا ألقـى أحداً إلاَّ أمرته بـالرجوع إلـى النبـيّ صلى الله عليه وسلم، قال: فما يَـلْوِي أحد منهم عنقه قال: وكان معي تُرْس لـي، فكانت الريح تضربه علـيّ، وكان فـيه حديد، قال: فضربته الريح حتـى وقع بعض ذلك الـحديد علـى كفـي، فأنفذها إلـى الأرض.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة: قال: ثنـي مـحمد بن إسحاق، عن يزيد بن زياد، عن مـحمد بن كعب القُرَظِيّ، قال: قال فتـى من أهل الكوفة لـحُذَيفة بن الـيـمان: يا أبـا عبد الله، رأيتـم رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحبتـموه؟ قال: نعم يا بن أخي، قال: فكيف كنتـم تصنعون؟ قال: والله لقد كنا نَـجْهَد، قال الفتـى: والله لو أدركناه ما تركناه يـمشي علـى الأرض، لـحملناه علـى أعناقنا. قال حُذَيفة: يا بن أخي، والله لقد رأيتُنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بـالـخندق، وصلـى رسول الله هَوِيًّا من اللـيـل، ثم التفت إلـينا فقال:

من رجل يقوم فـينظر لنا ما فعل القوم؟ يشرط له رسول الله صلى الله عليه وسلم إن يرجع أدخـله الله الـجنة، فما قام أحد، ثم صلـى رسول الله صلى الله عليه وسلم هَوِياً من اللـيـل، ثم التفت إلـينا فقال مثله، فما قام منا رجل، ثم صلـى رسول الله صلى الله عليه وسلم هَوِياً من اللـيـل، ثم التفت إلـينا فقال:مَنْ رَجُلٌ يَقُومُ فَـيَنْظُرُ لَنا ما فَعَلَ القَوْمُ ثُمَّ يَرْجِعُ، يَشْتَرِطُ لَهُ رَسُولُ اللّهِ صَلـى اللّهُ علـيهِ وسلَّـمَ الرَّجْعَةَ، أسأَلُ اللّهُ أنْ يكُونَ رَفِـيقـي فِـي الـجَنَّةِفما قام رجل من شدّة الـخوف، وشدّة الـجوع، وشدّة البرد فلـما لـم يقم أحد، دعانـي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلـم يكن لـي بدّ من القـيام حين دعانـي، فقال:يا حُذَيْفَةُ اذْهَبْ فـادْخُـلْ فِـي القَوْمِ فـانْظُرْ ما يَفْعَلونَ، وَلا تُـحْدِثَنَّ شَيْئاً حتـى تَأْتِـينَا. قال: فذهبت فدخـلت فـي القوم، والريح وجنود الله تفعل بهم ما تفعل، لا تُقِرّ لهم قِدراً ولا ناراً ولا بناء فقام أبو سُفـيان فقال: يا معشر قريش، لـينظر امرؤ من جلـيسه، فقال حُذَيفة: فأخذت بـيد الرجل الذي إلـى جنبـي، فقلت: من أنت؟ فقال: أنا فلان بن فلان ثم قال أبو سفـيان: يا معشر قريش، إنكم والله ما أصبحتـم بدار مقام، ولقد هلك الكراع والـخفّ، واختلفت بنو قريظة، وبلغنا عنهم الذي نكره، ولقـينا من هذه الريح ما ترون، والله ما يطمئنّ لنا قدر، ولا تقوم لنا نار، ولا يستـمسك لنا بناء، فـارتـحلوا فإنـي مرتـحل. ثم قام إلـى جمله وهو معقول، فجلس علـيه، ثم ضربه فوثب به علـى ثلاث، فما أطلق عقاله إلاَّ وهو قائم. ولولا عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلـيّ أنلا تُـحدث شيئاً حتـى تأتـينـي، لو شئت لقتلته بسهم قال حُذَيفة: فرجعت إلـى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو قائم يصلـي فـي مرط لبعض نسائه فلـما رآنـي أدخـلنـي بـين رجلـيه، وطرح علـيّ طرَف الـمِرط، ثم ركع وسجد وإنـي لفـيه فلـما سلـم أخبرته الـخبر، وسمعت غَطفـان بـما فعلت قريش، فـانشمروا راجعين إلـى بلادهم.

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء جميعاً، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، قوله {إذْ جاءَتْكُمْ جُنُودٌ} قال: الأحزاب: عيـينة بن بدر، وأبو سفـيان، وقريظة.

وقوله: {فَأَرْسَلْنا عَلَـيْهِمْ رِيحاً} قال: ريح الصبـا أرسلت علـى الأحزاب يوم الـخندق، حتـى كفأت قدورهم علـى أفواهها، ونزعت فساطيطهم حتـى أظعنتهم. وقوله: {وَجُنُوداً لَـمْ تَرَوْها} قال: الـملائكة ولـم تقاتل يومئذ.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله {يا أيها الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللّهِ عَلَـيْكُمْ، إذْ جاءَتْكُمْ جُنُودٌ فأرْسَلْنا عَلَـيْهِمْ رِيحاً وَجُنُوداً لَـمْ تَرَوْها} قال: يعنـي الـملائكة، قال: نزلت هذه الآية يوم الأحزاب وقد حصر رسول الله صلى الله عليه وسلم شهراً فخندق رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأقبل أبو سفـيان بقريش ومن تبعه من الناس، حتـى نزلوا بعقوة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأقبل عُيـينة بن حصن، أحد بنـي بدر ومن تبعه من الناس حتـى نزلوا بعقوة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكاتبت الـيهود أبـا سفـيان وظاهروه، فقال حيث يقول الله تعالـى:

{ إذْ جاءوُكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أسْفَلَ مِنْكُمْ }فبعث الله علـيهم الرعب والريح، فذكر لنا أنهم كانوا كلـما أوقدوا نارا أطفأها الله، حتـى لقد ذكر لنا أن سيد كلّ حيّ يقول: يا بنـي فلان هلـمّ إلـيّ، حتـى إذا اجتـمعوا عنده فقال: النـجاء النـجاء، أتـيتـم لـما بعث الله علـيهم من الرعب.

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس، قوله {يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نَعْمَةَ اللّهِ عَلَـيْكُمْ...} الآية، قال: كان يوم أبـي سفـيان يوم الأحزاب.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن ابن إسحاق، قال: ثنـي يزيد بن رومان، فـي قول الله: {يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللّهِ عَلَـيْكُمْ إذْ جاءَتْكُمْ جُنُودٌ فأَرْسَلْنا عَلَـيْهِم رِيحاً وَجُنُوداً لَـمْ تَرَوْها} والـجنود قريش وغطفـان وبنو قريظة، وكانت الـجنود التـي أرسل الله علـيهم مع الريح: الـملائكة.

وقوله: {وكانَ اللّهُ بِـمَا تَعْملُونَ بَصِيراً} يقول تعالـى ذكره: وكان الله بأعمالكم يومئذٍ، وذلك صبرهم علـى ما كانوا فـيه من الـجَهْد والشدّة، وثَبـاتهم لعَدُوّهم، وغير ذلك من أعمالهم، بصيراً لا يخفـى علـيه من ذلك شيء، يُحصيه علـيهم، لـيجزيَهُمْ علـيه.

إِذْ جَآءُوكُم مِّن فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ ٱلْأَبْصَٰرُ وَبَلَغَتِ ٱلْقُلُوبُ ٱلْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِٱللَّهِ ٱلظُّنُونَا۠ ۝١٠ هُنَالِكَ ٱبْتُلِىَ ٱلْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا۟ زِلْزَالًا شَدِيدًا ۝١١ وَإِذْ يَقُولُ ٱلْمُنَٰفِقُونَ وَٱلَّذِينَ فِى قُلُوبِهِم مَّرَضٌ مَّا وَعَدَنَا ٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥٓ إِلَّا غُرُورًا ۝١٢

يقول تعالـى ذكره: وكان الله بـما تعملون بَصِيراً، إذ جاءتكم جنودُ الأحزاب من فوقِكم، ومن أسفلَ منكم. وقـيـل: إن الذين أتَوْهم من أسفل منهم، أبو سفـيان فـي قريش ومن معه. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء جميعاً، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد {إذْ جاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ} قال عيـينة بن بدر فـي أهل نـجد، ومن أسفل منكم، قال: أبو سفـيان. قال: وواجَهَتْهم قُرَيظة.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا عبدة، عن هشام بن عروة، عن أبـيه، عن عائشة: ذكرت يوم الـخندق وقرأت: {إذْ جاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أسْفَلَ مِنْكُمْ، وَإذْ زَاغَتِ الأبْصَارُ، وَبَلَغَتِ القُلُوبُ الـحَناجِرَ} قالت: هو يوم الـخندق.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلَـمة، قال: ثنـي مـحمد بن إسحاق، عن يزيد بن رُومان مولـى آل الزبـير، عن عُروة بن الزبـير، وعمن لاأتهم، عن عُبـيد الله بن كعب بن مالك، وعن الزُّهريّ، وعن عاصم بن عمر بن قتادة، عن عبد الله بن أبـي بكر بن مـحمد بن عمرو بن حزم، وعن مـحمد بن كعب القُرَظيّ، وعن غيرهم من علـمائنا: أنه كان من حديث الـخندق، أن نَفَراً من الـيهود، منهم سلام بن أبـي الـحُقَـيق النَّضَريّ، وحُيـيّ بن أخطب النَّضَري، وكِنانة بن الرَّبـيع بن أبـي الـحُقَـيق النضريّ، وهَوْذَة بن قـيس الوائلـيّ، وأبو عمار الوائلـيّ، فـي نفر من بنـي النضير، ونفر من بنـي وائل، وهم الذين حَزَّبوا الأحزاب علـى رسول الله صلى الله عليه وسلم، خرجوا حتـى قدِموا مكة علـى قريش، فدعَوْهم إلـى حرب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقالوا: إنا سنكون معكم علـيه، حتـى نستأصلَه. فقال لهم قريش: يا معشر يهود، إنكم أهل الكتاب الأوّل، والعلـم بـما أصبحنا نـختلف فـيه نـحن ومـحمد، أَفَدِيننا خير أم دينه؟ قالوا: بل دينكم خير من دينه، وأنتـم أولـى بـالـحقّ منه. قال: فهم الذين أنزل الله فـيهم:

{ ألَـمْ تَرَ إلـى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبـاً مِنَ الكِتابِ يُؤْمِنُونَ بـالـجِبْتِ والطَّاغُوتِ، وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلاءِ أهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِـيلاً... }إلـى قوله: { وكَفَـى بِجَهَنَّـمَ سَعِيراً } فلـما قالوا ذلك لقريش، سرّهم ما قالوا، ونشطوا لـما دعوهم له من حرب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فـاجتـمعوا لذلك، واتعدوا له. ثم خرج أولئك النفر من الـيهود، حتـى جاءوا غطفـان من قـيس عيلان، فدعوهم إلـى حرب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأخبروهم أنهم سيكونون معهم علـيه، وأن قريشاً قد تابعوهم علـى ذلك، فـاجتـمعوا فـيه، فأجابوهم فخرجت قريش وقائدها أبو سفـيان بن حرب، وخرجت غطفـان وقائدها عيـينة بن حصن بن حُذَيفة بن بدر فـي بنـي فزارة، والـحارث بن عوف بن أبـي حارثة الـمري فـي بنـي مرّة، ومسْعر بن رخيـلة بن نُوَيرة بن طريف بن سحمة بن عبدالله بن هلال بن خلاوة بن أشجع بن ريث بن غطفـان، فـيـمن تابعه من قومه من أشجع فلـما سمع بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وبـما اجتـمعوا له من الأمر ضرب الـخندق علـى الـمدينة فلـما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من الـخندق، أقبلت قريش حتـى نزلت بـمـجتـمع الأسيال من رومة بـين الـجرف والغابة فـي عشرة آلاف من أحابـيشهم، ومن تابعهم من بنـي كنانة وأهل تهامة، وأقبلت غطَفـان ومن تابعهم من أهل نـجد، حتـى نزلوا بذنب نَقَمَى إلـى جانب أحد، وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم والـمسلـمون حتـى جعلوا ظهورهم إلـى سَلْع فـي ثلاثة آلاف من الـمسلـمين، فضرب هنالك عسكره، والـخندق بـينه وبـين القوم، وأمر بـالذّراري والنساء، فرفعوا فـي الآطام، وخرج عدوّ الله حيـي بن أخطب النضري، حتـى أتـى كعب بن أسد القرظيّ، صاحب عقد بنـي قريظة وعهدهم، وكان قد وادع رسول الله صلى الله عليه وسلم علـى قومه، وعاهده علـى ذلك وعاقده، فلـما سمع كعب بحيـيّ بن أخطب، أغلق دونه حصنه، فـاستأذن علـيه، فأبى أن يفتـح له، فناداه حيـيّ: يا كعب افتـح لـي، قال: ويحك يا حيـيّ، إنك امرؤ مشؤوم، إنـي قد عاهدت مـحمداً، فلست بناقض ما بـينـي وبـينه، ولـم أر منه إلاَّ وفـاء وصدقاً قال: ويحك افتـح لـي أكلـمك، قال: ما أنا بفـاعل. قال: والله إن أغلقت دونـي إلاَّ تـخوّفت علـى جشيشتك أن آكل معك منها، فأحفظ الرجل، ففتـح له، فقال: يا كعب جئتك بعزّ الدهر، وببحر طمّ، جئتك بقريش علـى قاداتها وساداتها، حتـى أنزلتهم بـمـجتـمع الأسيال من رُومَة، وبغطَفـان علـى قاداتها وساداتها حتـى أنزلتهم بذنب نَقَمَى إلـى جانب أُحد، قد عاهدونـي وعاقدونـي أن لا يبرحوا حتـى يستأصلوا مـحمداً ومن معه، فقال له كعب بن أسد: جئتنـي والله بذلّ الدهر، وبجهام قد هراق ماءه، يرعد ويبرق، لـيس فـيه شيء، فدعنـي ومـحمداً وما أنا علـيه، فلـم أر من مـحمد إلاَّ صدقاً ووفـاء فلـم يزل حيـيّ بكعب يفتله فـي الذروة والغارب حتـى سمـح له علـى أن أعطاهم عهداً من الله وميثاقا لئن رجعت قريش وغطفـان ولـم يصيبوا مـحمداً أن أدخـل معك فـي حصنك حتـى يصيبنـي ما أصابك. فنقض كعب بن أسد عهده، وبرىء مـما كان علـيه، فـيـما بـينه وبـين رسول الله صلى الله عليه وسلم فلـما انتهى إلـى رسول الله صلى الله عليه وسلم الـخبر، وإلـى الـمسلـمين، بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سعد بن معاذ بن النعمان بن امرىء القـيس، أحد بنـي الأشهل، وهو يومئذٍ سيد الأوس، وسعد بن عبـادة بن ديـلـم أخي بنـي ساعدة بن كعب بن الـخزرج، وهو يومئذٍ سيد الـخزرج، ومعهما عبد الله بن رواحة أخو بلـحرث بن الـخزرج، وخوات بن جبـير أخو بنـي عمرو بن عوف، فقال: انطلقوا حتـى تنظروا أحقّ ما بلغنا عن هؤلاء القوم أم لا؟، فإن كان حقا فـالـحنوا لـي لـحناً أعرفه، ولا تفتوا فـي أعضاد الناس، وإن كانوا علـى الوفـاء فـيـما بـيننا وبـينهم، فـاجهروا به للناس. فخرجوا حتـى أتوهم، فوجدوهم علـى أخبث ما بلغهم عنهم، ونالوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالوا: لا عهد بـيننا وبـين مـحمد ولا عقد، فشاتـمهم سعد بن عبـادة وشاتـموه، وكان رجلاً فـيه حدّة، فقال له سعد بن معاذ: دع عنك مشاتـمتهم، فما بـيننا وبـينهم أربى من الـمشاتـمة. ثم أقبل سعد وسعد ومن معهما إلـى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسلـموا علـيه، ثم قالوا: عضل والقارة: أي كغدر عضل والقارة بأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحاب الرجيع خبـيب بن عديّ وأصحابه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:الله أكبر، أبشروا يا معشر الـمسلـمين، وعظم عند ذلك البلاء، واشتدّ الـخوف، وأتاهم عدوّهم من فوقهم، ومن أسفل منهم، حتـى ظنّ الـمسلـمون كلّ ظنّ، ونـجم النفـاق من بعض الـمنافقـين، حتـى قال معتب بن قشير أخو بنـي عمرو بن عوف: كان مـحمد يعدنا أن نأكل كنوز كسرى وقـيصر، وأحدنا لا يقدر أن يذهب إلـى الغائط، وحتـى قال أوس بن قـيظي أحد بنـي حارثة بن الـحارث: يا رسول الله إن بـيوتنا لعورة من العدوّ، وذلك عن ملإ من رجال قومه، فأذن لنا فلنرجع إلـى دارنا، وإنها خارجة من الـمدينة، فأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بضعا وعشرين لـيـلة قريبـا من شهر، ولـم يكن بـين القوم حرب إلاَّ الرمي بـالنبل والـحصار».

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن مـحمد بن إسحاق، قال: ثنـي يزيد بن رومان، قوله {إذْ جاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أسْفَلَ مِنْكُمْ} فـالذين جاءوهم من فوقهم: قريظة، والذين جاءوهم من أسفل منهم: قريش وغطفـان.

وقوله: {وَإذْ زَاغَتِ الأبْصَارُ} يقول: وحين عدلت الأبصار عن مقرّها، وشخصت طامـحة. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {وَإذْ زَاغَتِ الأبْصَارُ}: شخصت.

وقوله: {وَبَلَغَتِ القُلُوبُ الـحَناجِرَ} يقول: نبت القلوب عن أماكنها من الرعب والـخوف، فبلغت إلـى الـحناجر. كما:

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا سويد بن عمرو، عن حماد بن زيد، عن أيوب، عن عكرِمة: {وَبَلَغَتِ القُلُوبُ الـحَناجِرَ} قال: من الفزع.

وقوله: {وَتَظُنُّونَ بـاللّهِ الظُّنُونا} يقول: وتظنون بـالله الظنونَ الكاذبة، وذلك كظنّ من ظنّ منهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يُغلب، وأن ما وعده الله من النصر أن لا يكون، ونـحو ذلك من ظنونهم الكاذبة التـي ظنها من ظنّ مـمن كان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فـي عسكره.

حدثنا بشر، قال: ثنا هوذة بن خـلـيفة، قال: ثنا عوف، عن الـحسن {وَتَظُنُّونَ بـالله الظُّنُونا} قال: ظنوناً مختلفة: ظنّ الـمنافقون أن مـحمداً وأصحابه يُستأصلون، وأيقن الـمؤمنون أن ما وعدهم الله حقّ، أنه سيظهره علـى الدين كله ولو كره الـمشركون.

واختلفت القرّاء فـي قراءة قوله: {وَتَظُنُّونَ بـالله الظُّنُونا} فقرأ ذلك عامة قرّاء الـمدينة، وبعض الكوفـيـين: {الظُّنَونا} بإثبـات الألف، وكذلك {وأطَعْنا الرَّسُولا فأضَلُّونا السَّبِـيلا} فـي الوصل والوقـف وكان اعتلال الـمعتلّ فـي ذلك لهم، أن ذلك فـي كل مصاحف الـمسلـمين بإثبـات الألف فـي هذه الأحرف كلها. وكان بعض قرّاء الكوفة يثبت الألف فـيهنّ فـي الوقـف، ويحذفها فـي الوصل اعتلالاً بأن العرب تفعل ذلك فـي قوافـي الشعر ومصاريعها، فتلـحق الألف فـي موضع الفتـح للوقوف، ولا تفعل ذلك فـي حشو الأبـيات، فإن هذه الأحرف، حسُن فـيها إثبـات الألفـات، لأنهنّ رؤوس الآي تـمثـيلاً لها بـالقوافـي. وقرأ ذلك بعض قرّاء البصرة والكوفة بحذف الألف من جميعه فـي الوقـف والوصل، اعتلالاً بأن ذلك غير موجود فـي كلام العرب إلاَّ فـي قوافـي الشعر دون غيرها من كلامهم، وأنها إنـما تفعل ذلك فـي القوافـي طلبـاً لإتـمام وزن الشعر، إذ لو لـم تفعل ذلك فـيها لـم يصحّ الشعر، ولـيس ذلك كذلك فـي القرآن، لأنه لا شيء يضطرهم إلـى ذلك فـي القرآن، وقالوا: هنّ مع ذلك فـي مصحف عبد الله بغير ألف.

وأولـى القرَاءات فـي ذلك عندي بـالصواب، قراءة من قرأه بحذف الألف فـي الوصل والوقـف، لأن ذلك هو الكلام الـمعروف من كلام العرب، مع شهرة القراءة بذلك فـي قرّاء الـمصرين: الكوفة، والبصرة ثم القراءة بإثبـات الألف فـيهنّ فـي حالة الوقـف والوصل، لأن علة من أثبت ذلك فـي حال الوقـف أنه كذلك فـي خطوط مصاحف الـمسلـمين. وإذا كانت العلة فـي إثبـات الألف فـي بعض الأحوال كونه مثبتاً فـي مصاحف الـمسلـمين، فـالواجب أن تكون القراءة فـي كل الأحوال ثابتة، لأنه مثبت فـي مصاحفهم. وغير جائز أن تكون العلة التـي توجب قراءة ذلك علـى وجه من الوجوه فـي بعض الأحوال موجودة فـي حال أخرى، والقراءة مختلفة، ولـيس ذلك لقوافـي الشعر بنظير، لأن قوافـي الشعر إنـما تلـحق فـيها الألفـات فـي مواضع الفتـح، والـياء فـي مواضع الكسر، والواو فـي مواضع الضمّ طلبـاً لتتـمة الوزن، وأن ذلك لو لـم يفعل كذلك بطل أن يكون شعراً لاستـحالته عن وزنه، ولا شيء يضطرّ تالـي القرآن إلـى فعل ذلك فـي القرآن.

وقوله: {هُنالكَ ابْتُلِـيَ الـمُؤْمِنُونَ} يقول: عند ذلك اختبر إيـمان الـمؤمنـين، ومـحِّص القوم وعرف الـمؤمن من الـمنافق. وبنـحو ما قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء جميعاً، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، قوله {هُنالكَ ابْتُلِـيَ الـمُؤْمِنُونَ} قال: مـحصوا.

وقوله: {وَزُلْزِلُوا زِلْزَالاً شَدِيداً} يقول: وحرّكوا بـالفتنة تـحريكاً شديداً، وابتلوا وفتنوا.

وقوله: {وَإذْ يقُولُ الـمُنافِقونَ وَالَّذِينَ فِـي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ}: شَكٌّ فـي الإيـمان، وضعف فـي اعتقادهم إياه: ما وعدنا الله ورسوله إلاَّ غُروراً، وذلك فـيـما ذُكِر قولُ معتِّب بن قُشَير. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن ابن إسحاق، قال: ثنـي يزيد بن رُومان {وَإذْ يَقُولُ الـمُنافِقُونَ وَالَّذِينَ فِـي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ: ما وَعَدَنا اللّهُ وَرَسُولُهُ إلاَّ غُرُوراً} يقول: مُعَتِّب بن قُشَير، إذ قال ما قال يوم الـخندق.

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء جميعاً، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، قوله {وَإذْ يَقُولُ الـمنافقون والَّذِينَ فِـي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ} قال: تكلُّـمهم بـالنفـاق يومئذٍ، وتَكَلّـمَ الـمؤمنون بـالـحقّ والإيـمان، قالوا: هذا ما وعدنا الله ورسوله.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله {وَإذْ يَقولُ الـمُنافِقُونَ وَالَّذِينَ فِـي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ: ما وَعَدَنا اللّهُ وَرَسُولُهُ إلاَّ غُرُوراً} قال: قال ذلك أُناس من الـمنافقـين: قد كان مـحمد يعدُنا فتـح فـارس والروم، وقد حُصِرنا هاهنا، حتـى ما يستطيع أحدُنا أن يبرُز لـحاجته ما وعدنا الله ورسوله إلاَّ غروراً.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، قال: قال رجل يوم الأحزاب لرجل من صحابة النبـيّ صلى الله عليه وسلم: يا فلان أرأيت إذ يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم:

إذَا هَلَكَ قَـيْصَرُ فَلا قَـيْصَرَ بَعْدَهُ، وَإذَا هَلَكَ كِسْرَى فَلا كِسْرَى بَعْدَهُ، وَالَّذِي نَفْسِي بِـيَدِهِ لَتُنْفَقَنَّ كُنُوزُهُما فِـي سَبِـيـلِ اللّهِ». فأينَ هذا من هذا، وأحدُنا لا يستطيع أن يخرج يبول من الـخوف؟ {ما وَعَدَنا اللّهُ وَرَسُولُهُ إلاَّ غُرُوراً}. فقال له: كذبت، لأُخْبِرَنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم خبرك، قال: فأَتـى رسولَ الله صلى الله عليه وسلم، فأخبره، فدعاه فقال:ما قلت؟فقال: كذبَ علـيّ يا رسول الله، ما قلت شيئاً، ما خرج هذا من فمي قطّ قال الله: { يَحْلِفُونَ بـالله ما قالُوا، وَلَقَدْ قالُوا كَلِـمَةَ الكُفْرِ... }حتـى بلغ { وَما لَهُمْ مِنْ وَلِـيّ وَلا نَصِيرٍ }قال:فهذا قول الله: {إنْ نَعْفُ عَنْ طائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذّبْ طائِفَةً}

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا مـحمد بن خالد بن عَثْمة، قال: ثنا كثـير بن عبد الله بن عمرو بن عوف الـمُزَنـيّ، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، قال: خطّ رسول الله صلى الله عليه وسلم الـخندق عام ذُكِرت الأحزاب، من أحمر الشيخين، طرف بنـي حارثة، حتـى بلغ الـمَذَاد، ثم جعل أربعين ذراعاً بـين كلّ عشرة، فـاختلف الـمهاجرون والأنصار فـي سَلْـمان الفـارسيّ، وكان رجلاً قويًّا، فقال الأنصار: سَلْـمان منا، وقال الـمهاجرون: سلـمان منا، فقال النبـيّ صلى الله عليه وسلم:

سَلْـمانُ مِنَّا أهْلَ البَـيْتِ. قال عمرو بن عوف: فكنت أنا وسَلْـمانُ وحُذَيفةُ بن الـيـمان والنُّعمانُ بن مُقَرِّن الـمُزَنـيّ، وستةٌ من الأنصار، فـي أربعين ذراعاً، فحفَرنا تـحت دوبـار حتـى بلغنا الصَّرَى، أخرج الله من بطن الـخندق صخرة بـيضاء مروة، فكسرت حديدنا، وشَقَّت علـينا، فقلنا: يا سلـمان، ارْقَ إلـى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخبره خبر هذه الصخرة، فإما أن نعدل عنها، فإن الـمعدل قريب، وإما أن يأمرنا فـيها بأمره، فإنا لا نـحبّ أن نـجاوز خَطَّه. فرقـي سَلـمان حتـى أتـى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ضارب علـيه قُبةً تركية، فقال: يا رسول الله بأبـينا أنت وأمنا، خرجت صخرة بـيضاء من بطن الـخندق، مَرْوَة، فكسرت حديدنا، وشقَّت علـينا، حتـى ما يجيء منها قلـيـل ولا كثـير، فمرنا فـيها بأمرك، فإنا لا نـحبّ أن نـجاوز خَطَّك. فهبط رسول الله صلى الله عليه وسلم مع سلـمان فـي الـخندق، ورَقِـينا نـحن التسعة علـى شَفَة الـخندق، فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم الـمِعْول من سَلـمان، فضرب الصخرة ضربة صَدَعها، وبَرَقت منها بَرْقة أضاءت ما بـين لابتـيها، يعنـي: لابتـي الـمدينة، حتـى لكأن مصبـاحاً فـي جوف بـيت مظلـم، فكّبر رسول الله صلى الله عليه وسلم تكبـير فتـح، وكبر الـمسلـمون. ثم ضربها رسول الله صلى الله عليه وسلم الثانـية، فصَدَعها وبَرَقت منها بَرْقة أضاءت ما بـين لابتـيها، حتـى لكأن مصبـاحاً فـي جوف بـيت مظلـم، فكبَّر رسول الله صلى الله عليه وسلم تكبـير فتـح، وكبر الـمسلـمون، ثم ضربها رسول الله صلى الله عليه وسلم الثالثة، فكسرها، وبَرَقَت منها بَرْقة أضاءت ما بـين لابتـيها، حتـى لكأن مصبـاحاً فـي جوف بـيت مظلـم، فكبر رسول الله صلى الله عليه وسلم تكبـير فتـح، ثم أخذ بـيد سَلْـمانَ فَرِقـي، فقال سلـمان: بأبـي أنت وأمي يا رسول الله، لقد رأيت شيئاً ما رأيته قطّ، فـالتفت رسول الله صلى الله عليه وسلم إلـى القوم، فقال:هَلْ رأيْتُـمْ ما يقُولُ سَلْـمانُ؟قَالُوا: نعم يا رسول الله، بأبـينا أنت وأمنا وقد رأيناك تضرب، فـيخرج بَرْق كالـموجِ، فرأيناك تكبّر فنكبر، ولا نرى شيئاً غير ذلك، قال:صَدَقْتُـمْ ضَرَبْتُ ضَرْبَتِـي الأُولـى، فبَرَقَ الَّذِي رأيتُـمْ، أضَاءَ لـي مِنْهُ قُصُورُ الْـحِيرَةِ وَمَدَائِنُ كسْرَى، كأنَّها أنْـيابُ الكِلابِ، فأخْبَرَنِـي جَبْرَائِيـلُ عَلَـيْهِ السَّلامُ أنَّ أُمَّتِـي ظاهِرَةٌ عَلَـيْها، ثُمَّ ضَرَبْتُ ضَرْبَتِـي الثَّانِـيَةَ، فبَرَقَ الَّذِي رأيْتُـمْ، أضَاءَ لـي مِنْهُ قُصُورُ الـحُمْرِ مِنْ أرْضِ الرُّومِ، كأنَّها أنْـيابُ الكِلابِ، وأخْبَرَنِـي جَبْرائِيـلُ عَلَـيْهِ السَّلامُ أنَّ أُمَّتِـي ظاهِرَةٌ عَلَـيْها، ثُمَّ ضَرَبْتُ ضَرْبَتِـي الثَّالِثَةَ، وَبَرَقَ مِنْها الَّذِي رأيْتُـمْ، أضَاءَتْ لـي مِنْها قُصُورُ صَنْعاءَ، كأنَّها أنْـيابُ الكِلابِ، وأخْبَرَنِـي جَبْرَائِيـلُ عَلَـيْهِ السَّلامُ أنَّ أُمَّتِـي ظاهِرَةٌ عَلَـيْها، فأَبْشِرُوا، يُبَلِّغْهُمُ النصْرُ، وأبْشِرُوا، يُبَلِّغُهُمُ النَّصْرُ، وأبْشِرُوا يُبَلِّغُهُمُ النَّصْرُ. فـاستبشر الـمسلـمون، وقالوا: الـحمد لله موعود صدق، بأن وعَدَنا النصر بعد الـحَصْر، فطَبَّقت الأحزاب، فقال الـمسلـمون { هَذا ما وَعَدَنا اللّهُ وَرَسولُهُ... } الآية، وقال الـمنافقون: ألا تعجبون.؟ يُحَدّثكم ويـمنـيكم ويَعِدكم البـاطل، يُخْبركم أنه يبصر من يثربَ قصور الـحِيرة ومدائن كسرى، وأنها تفتُـح لكم، وأنتـم تـحفرون الـخندق من الفَرَق، ولا تستطيعون أن تَبْرزُوا؟ وأُنزل القرآن: {وَإذْ يَقُولُ الـمُنافِقُونَ وَالَّذِينَ فِـي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ما وَعَدَنا اللّهُ وَرَسُولُهُ إلاَّ غُرُوراً}.
الأحد، 1 نوفمبر 2026 21 جمادى الأولى 1448 هـ