انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة الأحزاب

تفسير الطبريالآيات 37–51

تفسير سورة الأحزاب آية آية، من تفسير الطبري.

استمع إلى تفسير سورة الأحزاب

الخلاصة من تفسير الطبري · 5 مقاطع · 1:03:30

  1. 1 الآيات 31–50في هذه الصفحة 17:54
  2. 2 الآيات 51–59في هذه الصفحة 10:56

التفسير الصوتي لسورة الأحزاب كاملًا (5 مقاطع)

وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِىٓ أَنْعَمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَٱتَّقِ ٱللَّهَ وَتُخْفِى فِى نَفْسِكَ مَا ٱللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى ٱلنَّاسَ وَٱللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَىٰهُ فَلَمَّا قَضَىٰ زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَٰكَهَا لِكَىْ لَا يَكُونَ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِىٓ أَزْوَٰجِ أَدْعِيَآئِهِمْ إِذَا قَضَوْا۟ مِنْهُنَّ وَطَرًا وَكَانَ أَمْرُ ٱللَّهِ مَفْعُولًا ۝٣٧

يقول تعالـى ذكره لنبـيه صلى الله عليه وسلم عتابـاً من الله له {وَ} اذكر يا مـحمد {إذْ تَقُولُ لِلَّذِي أنْعَمَ اللَّهُ عَلَـيْهِ} بـالهِداية {وأنْعَمْتَ عَلَـيْهِ} بـالعِتق، يعنـي زيد بن حارثة مولـى رسول الله صلى الله عليه وسلم: {أمْسِكْ عَلَـيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهِ}، وذلك أن زينب بنت جحش فـيـما ذُكر رآها رسول الله صلى الله عليه وسلم فأعجبته، وهي فـي حبـال مولاه، فألِقـي فـي نفس زيد كراهتها لـما علـم الله مـما وقع فـي نفس نبـيه ما وقع، فأراد فراقها، فذكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم زيد، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: {أمْسِكْ عَلَـيْكَ زَوْجَكَ} وهو صلى الله عليه وسلم يحبّ أن تكون قد بـانت منه لـينكحها، {وَاتَّقِ اللَّهَ} وخَفِ الله فـي الواجب له علـيك فـي زوجتك {وتُـخْفِـي فِـي نَفْسِكَ ما اللَّهُ مُبْدِيهِ} يقول: وتـخفـي فـي نفسك مـحبة فراقه إياها لتتزوّجها إن هو فـارقها، والله مبد ما تـخفـي فـي نفسك من ذلك {وتَـخْشَى النَّاسَ واللَّهُ أحَقُّ أنْ تَـخْشاهُ} يقول تعالـى ذكره: وتـخاف أن يقول الناس: أمر رجلاً بطلاق امرأته ونكحها حين طلَّقها، والله أحقّ أن تـخشاه من الناس.

وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {وَإذْ تَقُولُ للَّذِي أنْعَمَ اللَّهُ عَلَـيْهِ} وهو زيد أنعم الله علـيه بـالإسلام، وأنعمت علـيه أعتقه رسول الله صلى الله عليه وسلم: {أمْسِكْ عَلَـيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وتُـخْفِـي فِـي نَفْسِكَ ما اللَّهُ مُبْدِيهِ} قال: وكان يخفـي فـي نفسه ودّ أنه طلقها. قال الـحسن: ما أنزلت علـيه آية كانت أشدّ علـيه منها قوله: {وتُـخْفِـي فـي نفسك ما اللَّهُ مُبْدِيهِ} ولو كان نبـيّ الله صلى الله عليه وسلم كاتـماً شيئاً من الوحي لكتـمها {وتَـخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أحَقُّ أنْ تَـخْشاهُ} قال: خشِي نبـيّ الله صلى الله عليه وسلم مقالة الناس.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: كان النبـيّ صلى الله عليه وسلم قد زوّج زيد بن حارثة زينب بنت جحش، ابنة عمته، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يوماً يريده وعلـى البـاب ستر من شعر، فرفعت الريح الستر فـانكشف، وهي فـي حجرتها حاسرة، فوقع إعجابها فـي قلب النبـيّ صلى الله عليه وسلم فلـما وقع ذلك كرِّهت إلـى الآخر، فجاء فقال: يا رسول الله، إنـي أريد أن أفـارق صاحبتـي، قال:

ما لَكَ، أرَابَكَ مِنْها شَيْءٌ؟قال: لا، والله ما رابنـي منها شيء يا رسول الله، ولا رأيت إلا خيراً، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم:أمْسِكْ عَلَـيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ، فذلك قول الله تعالـى: {وَإذْ تَقُولُ للَّذِي أنْعَمَ اللَّهُ عَلَـيْهِ وأنْعَمْتَ عَلَـيْهِ أمْسِكْ عَلَـيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وتُـخْفِـي فِـي نَفْسِكَ ما اللَّهُ مُبْدِيهِ} تـخفـي فـي نفسك إن فـارقها تزوّجتها.

حدثنـي مـحمد بن موسى الـجرشي، قال: ثنا حماد بن زيد، عن ثابت، عن أبـي حمزة، قال: نزلت هذه الآية: {وتُـخْفِـي فِـي نَفْسِكَ ما اللَّهُ مُبْدِيه} فـي زينب بنت جحش.

حدثنا خلاد بن أسلـم، قال: ثنا سفـيان بن عيـينة، عن علـيّ بن زيد بن جدعان، عن علـيّ بن حسين، قال: كان الله تبـارك وتعالـى أعلـم نبـيه صلى الله عليه وسلم أن زينب ستكون من أزواجه، فلـما أتاه زيد يشكوها قال: {اتَّقِ اللَّهَ وأمْسِكْ عَلَـيْكَ زَوْجَكَ}، قال الله: {وتُـخْفِـي فـي نَفْسِكَ ما اللَّهُ مُبْديهِ}.

حدثنـي إسحاق بن شاهين، قال: ثنا داود، عن عامر، عن عائشة، قالت: لو كتـم رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئاً مـما أوحي إلـيه من كتاب الله لكتـم: {وتُـخْفِـي فِـي نَفْسِكَ ما اللَّهُ مُبْدِيهِ وتَـخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أحَقُّ أنْ تَـخْشاهُ}.

وقوله: {فَلَـمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْها وَطَراً زَوَّجْناكَها} يقول تعالـى ذكره: فلـما قضى زيد بن حارثة من زينب حاجته، وهي الوطر ومنه قول الشاعر:

وَدَّعَنِـيِ قَبْلَ أن أُوَدّعَهُ لَـمَّا قَضَى منْ شَبَـابِنا وَطَرَا

{زَوَّجْناكَها} يقول: زوّجناك زينب بعد ما طلقها زيد وبـانت منه {لكَيْلا يَكُونَ علـى الـمُؤْمِنِـينَ حَرَجٌ فِـي أزْوَاجِ أدْعِيائهِمْ} يعنـي: فـي نكاح نساء من تَبَنَّوا ولـيسوا ببنـيهم ولا أولادهم علـى صحة إذا هم طلقوهنّ وبنّ منهم {إذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَراً} يقول: إذا قضوا منهنّ حاجاتهم، وآرابهم وفـارقوهنّ وحَلَلْن لغيرهم، ولـم يكن ذلك نزولاً منهم لهم عنهنّ {وكانَ أمْرُ اللَّهِ مَفْعُولاً} يقول: وكان ما قضى الله من قضاء مفعولاً: أي كائناً كان لا مـحالة. وإنـما يعنـي بذلك أن قضاء الله فـي زينب أن يتزوّجها رسول الله صلى الله عليه وسلم كان ماضياً مفعولاً كائنا. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {لِكَيْلا يَكُونَ عَلـى الـمُؤْمِنِـينَ حَرَجٌ فِـي أزْوَاجِ أدْعِيائهِمْ إذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَراً} يقول: إذا طلَّقوهنّ، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم تَبَنىَّ زيد بن حارثة.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله: {فَلَـمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْها وَطَراً}... إلـى قوله: {وكانَ أمْرُ اللَّهِ مَفْعُولاً} إذا كان ذلك منه غير نازل لك، فذلك قول الله:

{ وَحَلائِلُ أبْنائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أصْلابِكُمْ }

حدثنـي مـحمد بن عثمان الواسطي، قال: ثنا جعفر بن عون، عن الـمعلـى بن عرفـان، عن مـحمد بن عبد الله بن جحش، قال: تفـاخرت عائشة وزينب، قال: فقالت زينب: أنا الذي نزل تزويجي.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن مغيرة، عن الشعبـي قال: كانت زينب زوج النبـيّ صلى الله عليه وسلم تقول للنبـيّ صلى الله عليه وسلم: إنـي لأدلّ علـيك بثلاث ما من نسائك امرأة تدل بهنّ. إن جدّي وجدّك واحد، وإنـي أنكحنـيك الله من السماء، وإن السفـير لـجبرائيـلُ علـيه السلام.

مَّا كَانَ عَلَى ٱلنَّبِىِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ ٱللَّهُ لَهُۥ سُنَّةَ ٱللَّهِ فِى ٱلَّذِينَ خَلَوْا۟ مِن قَبْلُ وَكَانَ أَمْرُ ٱللَّهِ قَدَرًا مَّقْدُورًا ۝٣٨

يقول تعالـى ذكره: ما كان علـى النبـيّ من حرج من إثم فـيـما أحلّ الله له من نكاح امرأة من تَبَنَّاه بعد فراقه إياها، كما:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {ما كانَ علـى النَّبِـيّ مِنْ حَرَجٍ فِـيـما فَرَضَ للَّهُ لَهُ}: أي أحلّ الله له.

وقوله: {سُنَّةَ اللَّهِ فِـي الَّذِينَ خَـلَوْا مِنْ قَبْلِ} يقول: لـم يكن الله تعالـى لُـيؤْثِم نبـيه فـيـما أحلّ له مثالَ فعله بـمن قبله من الرسل الذين مضوا قبله فـي أنه لـم يؤثمهم بـما أحلّ لهم، لـم يكن لنبـيه أن يخشى الناس فـيـما أمره به أو أحله له. ونصب قوله: {سُنَّةَ اللَّهِ} علـى معنى: حقاً من الله، كأنه قال: فعلنا ذلك سَنَّةً منا.

وقوله: {وكانَ أمْرُ اللَّهِ قَدَراً مَقْدُوراً} يقول: وكان أمر الله قضاء مقضياً. وكان ابن زيد يقول فـي ذلك ما:

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله: {وكانَ أمْرُ اللَّهِ قَدَراً مَقْدُوراً} إن الله كان علـمه معه قبل أن يخـلق الأشياء كلها، فأتـمه فـي علـمه أن يخـلق خـلقاً، ويأمرهم وينهاهم، ويجعل ثوابـاً لأهل طاعته، وعقابـاً لأهل معصيته فلـما ائتـمر ذلك الأمر قدّره، فلـما قدّره كتب وغاب علـيه، فسماه الغيب وأمّ الكتاب، وخـلق الـخـلق علـى ذلك الكتاب أرزاقهم وآجالهم وأعمالهم، وما يصيبهم من الأشياء من الرخاء والشدّة من الكتاب الذي كتبه أنه يصيبهم وقرأ:

{ أُولَئِكَ يَنالَهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتابِ حتَّـى إذَا نَفِدَ ذَلكَ جَاءَتْهُمْ رُسُلَنا يَتَوَفَّوْنَهُمْ }، وأمر الله الذي ائتـمر قدره حين قدره مقدراً، فلا يكون إلا ما فـي ذلك، وما فـي ذلك الكتاب، وفـي ذلك التقدير، ائتـمر أمرا ثم قدره، ثم خـلق علـيه، فقال: كان أمر الله الذي مضى وفرغ منه، وخـلق علـيه الـخـلق {قَدَراً مَقْدُوراً} شاء أمراً لـيـمضي به أمره وقدره، وشاء أمراً يرضاه من عبـاده فـي طاعته فلـما أن كان الذي شاء من طاعته لعبـاده رضيه لهم، ولـما أن كان الذي شاء أراد أن ينفذ فـيه أمره وتدبـيره وقدره، وقرأ: { وَلَقَدْ ذَرأْنا لِـجَهَنَّـمَ كَثِـيراً مِنَ الـجِنّ وَالإنْسِ } فشاء أن يكون هؤلاء من أهل النار، وشاء أن تكون أعمالهم أعمال أهل النار، فقال: { وكَذلكَ زَيَّنا لِكُلّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ } وقال: { وكذلكَ زَيَّنَ لِكَثِـيرٍ مِنَ الـمُشْرِكِينَ قَتْلَ أوْلادِهِمْ شُرَكاؤُهُمْ لِـيُرْدُوهُمْ وَلِـيَـلْبِسُوا عَلَـيْهِمْ دِينَهُمْ }هَذِهِ أعمالُ أهْلُ النَّار { وَلَوْ شاءَ اللَّهُ ما فَعَلُوهُ }، قال: { وكَذلكَ جَعَلْنا لِكُلّ نَبِـيّ عَدُوًّا شَياطِينَ... }إلـى قوله: { وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ ما فَعَلُوهُ }وقرأ: { وأقْسَمُوا بـاللَّهِ جَهْدَ أيـمانِهِمْ... }إلـى { كُلّ شَيْءٍ قُبُلاً مَا كَانُوا لِـيُؤْمِنُوا إلاَّ أنْ يَشاءَ اللَّهُ }أن يؤمنوا بذلك، قال: فأخرجوه من اسمه الذي تسمَّى به، قال: هو الفعَّال لـما يريد، فزعموا أنه ما أراد.

ٱلَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَٰلَٰتِ ٱللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُۥ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا ٱللَّهَ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ حَسِيبًا ۝٣٩

يقول تعالـى ذكره: سنة الله فـي الذين خـلوا من قبل مـحمد من الرسل، الذي يبلغون رسالات الله إلـى من أُرسلوا إلـيه، ويخافون الله فـي تركهم تبلـيغ ذلك إياهم، ولا يخافون أحداً إلا الله، فإنهم إياه يرهبون إن هم قصروا عن تبلـيغهم رسالة الله إلـى من أُرسلوا إلـيه. يقول لنبـيه مـحمد: فمن أولئك الرسل الذين هذه صفتهم، فكن ولا تـخش أحداً إلا الله، فإن الله يـمنعك من جميع خـلقه، ولا يـمنعك أحد من خـلقه منه، إن أراد بك سوءاً. «والذين» من قوله: {الَّذِينَ يُبَلِّغونَ رِسالاَتِ اللَّهِ} خفض ردّاً علـى «الذين» التـي فـي قوله:

{ سَنَّةَ اللَّهِ فِـي الَّذِينَ خَـلَوْا }. وقوله: {وكَفَـى بـاللَّهِ حَسِيبـاً} يقول تعالـى ذكره: وكفـاك يا مـحمد بـالله حافظاً لأعمال خـلقه، ومـحاسبـاً لهم علـيها.

مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَآ أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَٰكِن رَّسُولَ ٱللَّهِ وَخَاتَمَ ٱلنَّبِيِّـۧنَ وَكَانَ ٱللَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمًا ۝٤٠

يقول تعالـى ذكره: ما كان أيها الناس مـحمد أبـا زيد بن حارثة، ولا أبـا أحد من رجالكم، الذين لـم يـلده مـحمد، فـيحرم علـيه نكاح زوجته بعد فراقه إياها، ولكنه رسول الله وخاتـم النبـيـين، الذي ختـم النبوّة فطبع علـيها، فلا تفتـح لأحد بعده إلـى قـيام الساعة، وكان الله بكل شيء من أعمالكم ومقالكم وغير ذلك ذا علـم لا يخفـى علـيه شيء. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثتا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {ما كانَ مـحَمَّدٌ أبـا أحَدٍ مِنْ رجالِكُمْ} قال: نزلت فـي زيد، إنه لـم يكن بـابنه ولعمري ولقد وُلد له ذكور، إنه لأبو القاسم وإبراهيـم والطيب والـمطهر {وَلَكِنْ رَسُولَ الله وَخاتَـمَ النَّبِـيِّـينَ}: أي آخرهم {وكانَ اللَّهُ بكُلّ شَيْءٍ عَلِـيـماً}.

حدثنـي مـحمد بن عمارة، قال: ثنا علـيّ بن قادم، قال: ثنا سفـيان، عن نسير بن ذعلوق، عن علـيّ بن الـحسين فـي قوله: {ما كانَ مُـحَمَّدٌ أبـا أحَدٍ مِنْ رِجالِكُمْ} قال: نزلت فـي زيد بن حارثة.

والنصب فـي رسول الله صلى الله عليه وسلم بـمعنى تكرير كان رسول الله صلى الله عليه وسلم، والرفع بـمعنى الاستئناف، ولكن هو رسول الله، والقراءة النصب عندنا.

واختلفت القرّاء فـي قراءة قوله: {وَخاتَـمَ النَّبِـيِّـينَ} فقرأ ذلك قرّاء الأمصار سوى الـحسن وعاصم بكسر التاء من خاتـم النبـيـين، بـمعنى أنه ختـم النبـيـين. ذُكر أن ذلك فـي قراءة عبد الله: {وَلَكِن نَبِـيًّا خَتـمَ النَّبِـيِّـينَ} فذلك دلـيـل علـى صحة قراءة من قرأه بكسر التاء، بـمعنى أنه الذي ختـم الأنبـياء صلى الله عليه وسلم وعلـيهم وقرأ ذلك فـيـما يذكر الـحسن وعاصم: {خاتَـمَ النَّبِـيِّـينَ} بفتـح التاء، بـمعنى أنه آخر النبـيـين، كما قرأ: «مَخْتُومٌ خَاتـمَهُ مِسْكٌ» بـمعنى: آخره مسك من قرأ ذلك كذلك.

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱذْكُرُوا۟ ٱللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا ۝٤١ وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا ۝٤٢ هُوَ ٱلَّذِى يُصَلِّى عَلَيْكُمْ وَمَلَٰٓئِكَتُهُۥ لِيُخْرِجَكُم مِّنَ ٱلظُّلُمَٰتِ إِلَى ٱلنُّورِ وَكَانَ بِٱلْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا ۝٤٣ تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُۥ سَلَٰمٌ وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْرًا كَرِيمًا ۝٤٤

يقول تعالـى ذكره: يا أيها الذين صدّقوا الله ورسوله اذكروا الله بقلوبكم وألسنتكم وجوارحكم ذكراً كثـيراً، فلا تـخـلو أبدانكم من ذكره فـي حال من أحوال طاقتكم ذلك {وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وأصَيلاً} يقول: صلوا له غدوة صلاة الصبح، وعشيا صلاة العصر. وقوله: {هُوَ الَّذِي يُصَلِّـي عَلَـيْكُمْ وَمَلائِكَتُهُ} يقول تعالـى ذكره: ربكم الذي تذكرونه الذكر الكثـير، وتسبحونه بُكرة وأصيلاً، إذا أنتـم فعلتـم ذلك، الذي يرحمكم، ويثنـي علـيكم هو، ويدعو لكم ملائكته. وقـيـل: إن معنى قوله: {يُصَلِّـي عَلَـيْكُمْ وَمَلائِكَتُهُ} يشيع عنكم الذكر الـجميـل فـي عبـاد الله. وقوله: {لِـيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُـماتِ إلـى النُّورِ} يقول: تدعو ملائكة الله لكم، فـيخرجكم الله من الضلالة إلـى الهُدى، ومن الكفر إلـى الإسلام. وبنـحو الذي قلنا فـي تأويـل ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا علـيّ، قال: ثنا أبو صالـح، قال: ثنـي معاوية، عن علـي، عن ابن عبـاس، فـي قوله: {اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِـيراً} يقول: لا يفِرض علـى عبـاده فريضة إلا جعل لها حدّاً معلوماً، ثم عذر أهلها فـي حال عذر، غير الذكر، فإن الله لـم يجعل له حدّاً ينتهي إلـيه ولـم يعذر أحداً فـي تركه إلا مغلوبـاً علـى عقله، قال:

{ اذْكُرُوا اللَّهَ قِـياماً وقُعُوداً وعلـى جُنُوبكم }بـاللـيـل والنهار فـي البرّ والبحر، وفـي السفر والـحضر، والغنى والفقر، والسقم والصحة، والسرّ والعلانـية، وعلـى كلّ حال، وقال: {سَبِّحُوهُ بُكْرَةً وأصِيلاً} فإذا فعلتـم ذلك صلـى علـيكم هو وملائكته قال الله عزّ وجلّ {هُوَ الَّذِي يُصَلِّـي عَلَـيْكُمْ وَمَلائِكَتُهُ}.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وأصِيلاً} صلاة الغداة، وصلاة العصر.

وقوله: {لِـيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلَـماتِ إلـى النُّورِ}: أي من الضلالات إلـى الهدى.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله: {هُوَ الَّذِي يُصَلِّـي عَلَـيْكمْ وَمَلائِكَتُهُ لِـيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُـماتِ إلـى النُّورِ} قال: من الضلالة إلـى الهُدى، قال: والضلالة: الظلـمات، والنور: الهدى.

وقوله: {وكانَ بـالـمُؤْمِنِـينَ رَحِيـماً} يقول تعالـى ذكره: وكان بـالـمؤمنـين به ورسوله ذا رحمة أن يعذّبهم وهم له مطيعون، ولأمره متبعون {تَـحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَـلْقَوْنَهُ سَلامٌ} يقول جلّ ثناؤه: تـحية هؤلاء الـمؤمنـين يوم القـيامة فـي الـجنة سلام، يقول بعضهم لبعض: أمنة لنا ولكم بدخولنا هذا الـمدخـل من الله أن يعذّبنا بـالنار أبداً، كما:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {تَـحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَـلْقَوْنَهُ سَلامٌ} قال: تـحية أهل الـجنة السلام.

وقوله: {وأعَدَّ لَهُمْ أجْراً كَرِيـماً} يقول: وأعدّ لهؤلاء الـمؤمنـين ثوابـاً لهم علـى طاعتهم إياه فـي الدنـيا كريـماً، وذلك هو الـجنة، كما:

حدثتا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {وأعَدَّ لَهُمْ أجْراً كَرِيـماً}: أي الـجنة.

يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِىُّ إِنَّآ أَرْسَلْنَٰكَ شَٰهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا ۝٤٥ وَدَاعِيًا إِلَى ٱللَّهِ بِإِذْنِهِۦ وَسِرَاجًا مُّنِيرًا ۝٤٦ وَبَشِّرِ ٱلْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُم مِّنَ ٱللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا ۝٤٧ وَلَا تُطِعِ ٱلْكَٰفِرِينَ وَٱلْمُنَٰفِقِينَ وَدَعْ أَذَىٰهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ وَكِيلًا ۝٤٨

يقول تعالـى ذكره لنبـيه مـحمد صلى الله عليه وسلم: يا مـحمد {إنَّا أرْسَلْنَاكَ شَاهِداً} علـى أمتك بإبلاغك إياهم ما أرسلناك به من الرسالة، ومبشرهم بـالـجنة إن صدّقوك وعملوا بـما جئتهم به من عند ربك، {وَنَذِيراً} من النار أن يدخـلوها، فـيعذّبوا بها إن هم كذّبوك، وخالفوا ما جئتهم به من عند الله. وبـالذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثتا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {يا أيُّها النَّبِـيُّ إنَّا أرْسَلْناكَ شاهِداً} علـى أمتك بـالبلاغ، ومبشراً بـالـجنة، {وَنَذِيراً} بـالنار.

وقوله: {وَدَاعِياً إلـى اللَّهِ} يقول: وداعياً إلـى توحيد الله، وإفراد الألوهة له، وإخلاص الطاعة لوجهه دون كلّ من سواه من الآلهة والأوثان، كما:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {وَدَاعِياً إلـى اللَّهِ} إلـى شهادة أن لا إله إلا الله.

وقوله: {بأذْنِهِ} يقول: بأمره إياك بذلك {وَسِرَاجاً مُنِـيراً} يقول: وضياء لـخـلقه يستضيء بـالنور الذي أتـيتهم به من عند الله عبـاده {مُنِـيراً} يقول: ضياء ينـير لـمن استضاء بضوئه، وعمل بـما أمره. وإنـما يعنـي بذلك، أنه يهدي به من اتبعه من أمته. وقوله: {وَبَشِّرِ الـمُؤْمِنِـينَ بأنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلاً كَبِـيراً} يقول تعالـى ذكره: وبشِّر أهل الإيـمان بـالله يا مـحمد بأن لهم من الله فضلاً كبـيراً يقول: بأن لهم من ثواب الله علـى طاعتهم إياه تضعيفـاً كثـيراً، وذلك هو الفضل الكبـير من الله لهم. وقوله: {وَلا تُطِعِ الكافِرِينَ وَالـمُنافِقِـينَ} يقول: ولا تطع لقول كافر ولا منافق، فتسمع منه دعاءه إياك إلـى التقصير فـي تبلـيغ رسالات الله إلـى من أرسلك بها إلـيه من خـلقه {وَدَعْ أذَاهُمْ} يقول: وأعرض عن أذاهم لك، واصبر علـيه، ولا يـمنعك ذلك عن القـيام بأمر الله فـي عبـاده، والنفوذ لـما كلَّفك. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعاً عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، قوله: {وَدَعْ أذَاهُمْ} قال: أعرض عنهم.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {وَدَعْ أذَاهُمْ}: أي اصبر علـى أذاهم.

وقوله: {وَتَوَكَّلْ علـى اللَّهِ} يقول: وفوّض إلـى الله أمورك، وثق به، فإنه كافـيك جميع من دونه، حتـى يأتـيك بأمره وقضاؤه {وكَفَـى بِـاللَّهِ وَكِيلاً} يقول: وحسبك بـالله قـيـماً بأمورك، وحافظاً لك وكالئاً.

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِذَا نَكَحْتُمُ ٱلْمُؤْمِنَٰتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا ۝٤٩

يقول تعالـى ذكره: يا أيها الذين صدقوا الله ورسوله {إذَا نَكَحْتُـمُ الـمُؤْمِناتِ ثُمَّ طَلَّقْتُـمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أنْ تَـمَسُّوهُنَّ} يعنـي من قبل أن تـجامعوهنّ {فَمَا لَكُمْ عَلَـيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّوَنها} يعنـي: من إحصاء أقراء، ولا أشهر تـحصونها علـيهنّ، {فمتعوهنّ} يقول: أعطوهنّ ما يستـمتعن به من عرض أو عين مال. وقوله: {وَسَرّحُوهُنَّ سَرَاحاً جَمِيلاً} يقول: وخـلوا سبـيـلهنّ تـخـلـية بـالـمعروف، وهو التسريح الـجميـل. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا علـيّ، قال: ثنا عبد الله، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس، قوله: {يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذَا نَكَحْتُـمُ الـمُؤْمِناتِ ثُمَّ طَلَّقْتُـمُوهُنَّ مِنْ قَبْل أنْ تَـمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَـيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّوَنها} فهذا فـي الرجل يتزوّج الـمرأة، ثم يطلقها من قبل أن يـمسها، فإذا طلقها واحدة بـانت منه، ولا عدّة علـيها تتزوّج من شاءت، ثم قرأ: {فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرّحُوهُنَّ سَرَاحاً جَمِيلاً} يقول: إن كان سمى لها صداقاً، فلـيس لها إلا النصف، فإن لـم يكن سمى لها صداقاً، متَّعها علـى قدر عسره ويُسره، وهو السراح الـجميـل.

وقال بعضهم: الـمتعة فـي هذا الـموضع منسوخة بقوله:

{ فَنِصْفُ ما فَرَضْتُـمْ }. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذَا نَكَحْتُـمُ الـمُؤْمِنات}... إلـى قوله: {سَرَاحاً جَمِيلاً} قال: قال سعيد بن الـمسيب: ثم نسخ هذا الـحرف الـمتعة

{ وَإنْ طَلَّقْتُـمُوهُنَّ مِنْ قَبْل أنَ تَـمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُـمْ لَهُنَّ فَريضَةً فنِصْفُ ما فَرَضْتُـمْ }

حدثنا ابن بشار وابن الـمثنى، قالا: ثنا مـحمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، قال: سمعت قتادة يحدّث عن سعيد بن الـمسيب، قال: نسخت هذه الآية {يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذَا نَكَحْتُـمُ الـمُؤْمِناتِ ثُمَّ طَلَّقْتُـمُوهُنَّ مِنْ قَبْل أنْ تَـمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَـيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّوَنها فَمَتِّعُوهُنَّ} قال: نسخت هذه الآية التـي فـي البقرة.

يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِىُّ إِنَّآ أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَٰجَكَ ٱلَّٰتِىٓ ءَاتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّآ أَفَآءَ ٱللَّهُ عَلَيْكَ وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّٰتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَٰلَٰتِكَ ٱلَّٰتِى هَاجَرْنَ مَعَكَ وَٱمْرَأَةً مُّؤْمِنَةً إِن وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِىِّ إِنْ أَرَادَ ٱلنَّبِىُّ أَن يَسْتَنكِحَهَا خَالِصَةً لَّكَ مِن دُونِ ٱلْمُؤْمِنِينَ قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِىٓ أَزْوَٰجِهِمْ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَٰنُهُمْ لِكَيْلَا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا ۝٥٠

يقول تعالـى ذكره لنبـيه مـحمد صلى الله عليه وسلم: {يا أيُّها النَّبِـيُّ إنَّا أحْلَلْنا لَكَ أزْوَاجَكَ اللاَّتـي آتَـيْتَ أُجُورَهُنَّ} يعنـي: اللاتـي تزوّجتهنّ بصداق مسمى، كما:

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعاً عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، قوله: {أزْوَاجَكَ اللاَّتـي آتَـيْتَ أُجُورَهُنَّ} قال: صدقاتهنّ.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله: {يا أيُّهَا النَّبِـيُّ إنَّا أحْلَلْنا لَكَ أزْوَاجَكَ اللاَّتـي آتَـيْتَ أُجُورَهُنَّ} قال: كان كل امرأة آتاها مهراً، فقد أحلها الله له.

حُدثت عن الـحسين، قال: سمعت أبـا معاذ يقول: أخبرنا عبـيد، قال: سمعت الضحاك يقول فـي قوله: {يا أيُّها النَّبِـيُّ إنَّا أحْلَلْنا لَكَ أزَوَاجَكَ اللاَّتـي آتَـيْتَ أُجُورَهُنَّ}... إلـى قوله: {خِالصَةً لَكَ مِنْ دُون الـمُؤْمِنِـينَ} فما كان من هذه التسمية ما شاء كثـيراً أو قلـيلاً.

وقوله: {وَما مَلَكَتْ يَـمِينُكَ مـمَّا أفـاءَ اللَّهُ عَلَـيْكَ} يقول: وأحللنا لك إماءك اللواتـي سبـيتهنّ، فملكتهنّ بـالسبـاء، وصرن لك بفتـح الله علـيك من الفـيء {وَبَناتِ عَمِّكَ وَبَناتِ عَمَّاتِكَ وَبَناتِ خالِكَ وبَناتِ خالاتِكَ اللاَّتـي هاجَرْنَ مَعَكَ} فأحلّ الله له صلى الله عليه وسلم من بنات عمه وعماته وخاله وخالاته، الـمهاجرات معه منهنّ دون من لـم يهاجر منهنّ معه، كما:

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا عبد الله بن موسى، عن إسرائيـل، عن السدي، عن أبـي صالـح، عن أمّ هانىء، قالت: خطبنـي النبـيّ صلى الله عليه وسلم، فـاعتذرت له بعذري، ثم أنزل الله علـيه: {إنَّا أحْلَلْنا لَكَ أزْوَاجَكَ اللاَّتـي آتَـيْتَ أُجُورَهُنَّ}... إلـى قوله {اللاَّتِـي هاجَرْنَ مَعَكَ} قالت: فلـم أحلّ له، لـم أهاجر معه، كنت من الطلقاء.

وقد ذُكر أن ذلك فـي قراءة ابن مسعود: «وَبَناتِ خالاتِكَ وَاللاَّتِـي هاجَرْنَ مَعَكَ» بواو وذلك وإن كان كذلك فـي قراءته مـحتـمل أن يكون بـمعنى قراءتنا بغير الواو، وذلك أن العرب تدخـل الواو فـي نعت من قد تقدم ذكره أحياناً، كما قال الشاعر:

فإِنَّ رُشيداً وَابنَ مَرْوَانَ لَـمْ يَكُنْ لِـيَفْعَلَ حتـى يَصْدُرَ الأَمْرُ مَصْدَرَا

ورشيد هو ابن مروان. وكان الضحاك بن مزاحم يتأوّل قراءة عبد الله هذه أنهنّ نوع غير بنات خالاته، وأنهنّ كل مهاجرة هاجرت مع النبـيّ صلى الله عليه وسلم. ذكر الـخبر عنه بذلك:

حُدثت عن الـحسين، قال: سمعت أبـا معاذ يقول: أخبرنا عبـيد، قال: سمعت الضحاك يقول فـي حرف ابن مسعود: «وَاللاَّتِـي هاجَرْنَ مَعَكَ» يعنـي بذلك: كلّ شيء هاجر معه لـيس من بنات العمّ والعمة، ولا من بنات الـخال والـخالة.

وقوله: {وَامْرأَةً مُؤْمِنَةً إنْ وَهَبَتْ نَفْسَها للنَّبِـيّ} يقول: وأحللنا له امرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبـي بغير صداق، كما:

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعاً عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، قوله: {وَامْرأةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَها للنَّبِـيّ} بغير صداق، فلـم يكن يفعل ذلك، وأحلّ له خاصة من دون الـمؤمنـين.

وذُكر أن ذلك فـي قراءة عبد الله: «وَامْرأةً مُؤْمِنَةً وَهَبَتْ نَفْسَها للنَّبِـيّ» بغير إن، ومعنى ذلك ومعنى قراءتنا وفـيها «إن» واحد، وذلك كقول القائل فـي الكلام: لا بأس أن يطأ جارية مـملوكة إن ملكها، وجارية مـملوكة ملكها.

وقوله {إنْ أرَادَ النَّبِـيُّ أنْ يَسْتَنْكِحَها} يقول: إن أراد أن ينكحها، فحلال له أن ينكحها إذا وهبت نفسها له بغير مهر {خالِصَةً لَكَ} يقول: لا يحلّ لأحد من أمَّتك أن يقرب امرأة وهبت نفسها له، وإنـما ذلك لك يا مـحمد خالصة أخـلصت لك من دون سائر أمتك، كما:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {خالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الـمُؤْمِنِـينَ} يقول: لـيس لامرأة أن تهب نفسها لرجل بغير أمر ولـيّ ولا مهر، إلا للنبـيّ، كانت له خالصة من دون الناس. ويزعمون أنها نزلت فـي ميـمونة بنت الـحارث أنها التـي وهبت نفسها للنبـيّ.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد فـي قوله: {يا أيُّها النَّبِـيُّ إنَّا أحْلَلْنا لَكَ أزْوَاجَكَ}... إلـى قوله {خالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الـمُؤْمِنِـينَ} قال: كان كل امرأة آتاها مهرا فقد أحلها الله له إلـى أن وهب هؤلاء أنفسهنّ له، فأحللن له دون الـمؤمنـين بغير مهر خالصة لك من دون الـمؤمنـين إلا امرأة لها زوج.

حدثنـي يعقوب، قال: ثنا ابن علـية، عن صالـح بن مسلـم، قال: سألت الشعبـي عن امرأة وهبت نفسها لرجل، قال: لا يكون، لا تـحلّ له، إنـما كانت للنبـيّ صلى الله عليه وسلم.

واختلفت القرّاء فـي قراءة قوله: {إنْ وَهَبَتْ نَفْسَها} فقرأ ذلك عامة قرّاء الأمصار: {إنْ وَهَبَتْ} بكسر الألف علـى وجه الـجزاء، بـمعنى: إن تهب. وذُكر عن الـحسن البصري أنه قرأ: «أنْ وَهَبَتْ» بفتـح الألف، بـمعنى: وأحللنا له امرأة مؤمنة أن ينكحها، لهبتها له نفسها.

والقراءة التـي لا أستـجيز خلافها فـي كسر الألف لإجماع الـحجة من القرّاء علـيه.

وأما قوله: {خالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الـمُؤْمِنِـينَ} لـيس ذلك للـمؤمنـين. وذُكر أن لرسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن تنزل علـيه هذه الآية أن يتزوّج أيّ النساء شاء، فقصره الله علـى هؤلاء، فلـم يعدُهن، وقصر سائر أمته علـى مثنى وثلاث ورُبـاع. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن عبد الأعلـى، قال: ثنا الـمعتـمر بن سلـيـمان، قال: سمعت داود بن أبـي هند، عن مـحمد بن أبـي موسى، عن زياد رجل من الأنصار، عن أبـيّ بن كعب، أن التـي أحلّ الله للنبـيّ من النساء هؤلاء اللاتـي ذكر الله {يا أيُّها النَّبِـيُّ إنَّا أحْلَلْنا لَكَ أزْوَاجَكَ اللاَّتـي آتَـيْتَ أُجُورَهُنَّ}... إلـى قوله: {فِـي أزْوَاجِهِمْ} وإنـما أحلّ الله للـمؤمنـين مثنى وثُلاث ورُبـاع.

وحدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس قوله: {يا أيُّها النَّبِـيُّ إنَّا أحْلَلْنا لَكَ أزْوَاجَكَ}... إلـى آخر الآية، قال: حرّم الله علـيه ما سوى ذلك من النساء وكان قبل ذلك ينكح فـي أيّ النساء شاء، لـم يحرّم ذلك علـيه، فكان نساؤه يجدن من ذلك وجداً شديداً أن ينكح فـي أيّ الناس أحبّ فلـما أنزل الله: إنـي قد حرّمت علـيك من الناس سوى ما قصصت علـيك، أعجب ذلك نساءه.

واختلف أهل العلـم فـي التـي وهبت نفسها لرسول الله صلى الله عليه وسلم من الـمؤمنات، وهل كانت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم امرأة كذلك؟ فقال بعضهم: لـم يكن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم امرأة إلا بعقد نكاح أو ملك يـمين، فأما بـالهبة فلـم يكن عنده منهنّ أحد. ذكر من قال ذلك:

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا يونس بن بكير، عن عنبسة بن الأزهر، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عبـاس، قال: لـم يكن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم امرأة وهبت نفسها.

حدثنا ابن الـمثنى، قال: ثنا مـحمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن الـحكم، عن مـجاهد، أنه قال فـي هذه الآية: {وَامْرأةً مُؤْمِنَةً إنْ وَهَبَتْ نَفْسَها للنَّبِـيّ} قال: أن تهب.

وأما الذين قالوا: قد كان عنده منهن، فإن بعضهم قال: كانت ميـمونة بنت الـحارث. وقال بعضهم: هي أمّ شريك. وقال بعضهم: زينب بنت خزيـمة. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الأعلـى، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، عن ابن عبـاس، قال: {وَامْرأةً مُؤْمِنَةً إنْ وَهَبَتْ نَفْسَها للنَّبِـيّ} قال: هي ميـمونة بنت الـحارث.

وقال بعضهم: زينب بنت خزيـمة أمّ الـمساكين امرأة من الأنصار.

حدثنا ابن الـمثنى، قال: ثنا مـحمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، قال: ثنـي الـحكم، قال: كتب عبد الـملك إلـى أهل الـمدينة يسألهم، قال: فكتب إلـيه علـيّ، قال شعبة: وهو ظنـي علـيّ بن حسين، قال: وقد أخبرنـي به أبـان بن تغلب، عن الـحكم، أنه علـيّ بن الـحسين، الذي كتب إلـيه، قال: هي امرأة من الأسد يقال لها أمّ شريك، وهبت نفسها للنبـيّ.

قال: ثنا شعبة، قال: ثنـي عبد الله بن أبـي السفر، عن الشعبـي، أنها امرأة من الأنصار، وهبت نفسها للنبـيّ، وهي مـمن أرجأ.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: ثنـي سعيد، عن هشام بن عروة، عن أبـيه، عن خولة بنت حكيـم بن الأوقص من بنـي سلـيـم، كانت من اللاتـي وهبن أنفسهنّ لرسول الله صلى الله عليه وسلم.

قال: ثنـي سعيد بن أبـي الزناد، عن هشام بن عروة، عن أبـيه، قال: كنا نتـحدّث أن أمّ شريك كانت وهبت نفسها للنبـيّ صلى الله عليه وسلم، وكانت امرأة صالـحة.

وقوله: {قَدْ عَلِـمْنا ما فَرَضْنا عَلَـيْهِمْ فِـي أزْوَاجِهِمْ} يقول تعالـى ذكره: قد علـمنا ما فرضنا علـى الـمؤمنـين فـي أزواجهم إذا أرادوا نكاحهنّ مـما لـم نفرضه علـيك، وما خصصناهم به من الـحكم فـي ذلك دونك، وهو أنا فرضنا علـيهم أنه لا يحلّ لهم عقد نكاح علـى حرّة مسلـمة إلا بولـيّ عَصَبة وشهود عدول، ولا يحلّ لهم منهنّ أكثر من أربع. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي عبد الله بن أحمد بن شبوَّيَه، قال: ثنا مطهر، قال: ثنا علـيّ بن الـحسين، قال: ثنـي أبـي، عن مطر، عن قتادة، فـي قول الله: {قَدْ عَلِـمْنا ما فَرَضْنا عَلَـيْهِمْ فِـي أزْوَاجِهِمْ} قال: إن مـما فرض الله علـيهم أن لا نكاح إلا بولـيّ وشاهدين.

حدثنا مـحمد بن بشار، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا سفـيان، عن لـيث، عن مـجاهد {قَدْ عَلِـمْنا ما فَرَضْنا عَلَـيْهِمْ فِـي أزْوَاجِهِمْ} قال: فـي الأربع.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله {قَدْ عَلِـمْنا ما فَرَضْنا عَلَـيْهِمْ فِـي أزْوَاجِهِمْ} قال: كان مـما فرض الله علـيهم أن لا تزوّج امرأة إلا بولـيّ وصداق عند شاهدي عدل، ولا يحلّ لهم من النساء إلا أربع، وما ملكت أيـمانهم.

وقوله: {وَما مَلَكَتْ أيـمانُهُمْ} يقول تعالـى ذكره: قد علـمنا ما فرضنا علـى الـمؤمنـين فـي أزواجهم، لأنه لا يحلّ لهم منهنّ أكثر من أربع، وما ملكت أيـمانهم، فإن جميعهن إذا كنّ مؤمنات أو كتابـيات، لهم حلال بـالسبـاء والتسرّي وغير ذلك من أسبـاب الـملك. وقوله: {لِكَيْلا يَكُونَ عَلَـيْكَ حَرَجٌ وكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيـماً} يقول تعالـى ذكره: إنا أحللنا لك يا مـحمد أزواجك اللواتـي ذكرنا فـي هذه الآية، وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبـيّ، إن أراد النبـيّ أن يستنكحها، لكيلا يكون علـيك إثم وضيق فـي نكاح من نكحت من هؤلاء الأصناف التـي أبحت لك نكاحهنّ من الـمسميَّات فـي هذه الآية، وكان الله غفوراً لك ولأهل الإيـمان بك، رحيـما بك وبهم أن يعاقبهم علـى سالف ذنب منهم سلف بعد توبتهم منه.

تُرْجِى مَن تَشَآءُ مِنْهُنَّ وَتُـْٔوِىٓ إِلَيْكَ مَن تَشَآءُ وَمَنِ ٱبْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكَ ذَٰلِكَ أَدْنَىٰٓ أَن تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ وَلَا يَحْزَنَّ وَيَرْضَيْنَ بِمَآ ءَاتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِى قُلُوبِكُمْ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيمًا حَلِيمًا ۝٥١

اختلف أهل التأويـل فـي تأويـل قوله: {تُرْجِي مَنْ تَشاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوي إلَـيْكَ مَنْ تَشاءُ} فقال بعضهم: عنى بقوله: ترجي: تؤخِّر، وبقوله: تؤْوي: تضمّ. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي علـيّ، قال: ثنا أبو صالـح، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس، قوله: {تُرْجِي مَنْ تَشاءُ مِنْهُنَّ} يقول: تؤخر.

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعاً عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، قوله: {تُرْجي مَنْ تَشاءُ مِنْهُنَّ} قال: تعزل بغير طلاق من أزواجك من تشاء {وَتُؤْوِي إلَـيْكَ مَنْ تَشاءُ} قال: تردّها إلـيك.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {تُرْجِي مَنْ تَشاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إلَـيْكَ مَنْ تَشاءُ} قال: فجعله الله فـي حلّ من ذلك أن يدع من يشاء منهنّ، ويأتـي من يشاء منهنّ بغير قسم، وكان نبـيّ الله يقسم.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام، قال: ثنا عمرو، عن منصور، عن أبـي رزين {تُرْجِي مَنْ تَشاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إلَـيْكَ مَنْ تَشاءُ} قال: لـما أشفقن أن يطلقهنّ، قلن: يا نبـيّ الله، اجعل لنا من مالك ونفسك ما شئت فكان مـمن أرجأ منهنّ سودة بنت زمعة، وجُوَيرية، وصفـية، وأمّ حبـيبة، وميـمونة وكان مـمن آوى إلـيه: عائشة، وأمّ سلـمة، وحفصة، وزينب.

حُدثت عن الـحسين، قال: سمعت أبـا معاذ يقول: أخبرنا عبـيد، قال: سمعت الضحاك يقول، فـي قوله: {تُرْجِي مَنْ تَشاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إلَـيْكَ مَنْ تَشاءُ} فما شاء صنع فـي القسمة بـين النساء، أحل الله له ذلك.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير عن منصور، عن أبـي رزين، فـي قوله: {تُرْجِي مَنْ تَشاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إلَـيْكَ مَنْ تَشاءُ} وكان مـمن آوى علـيه الصلاة والسلام: عائشة، وحفصة، وزينب، وأمّ سلـمة، فكان قسمه من نفسه لهنّ سويّ قسمه وكان مـمن أرجى: سودة، وجُوَيرية، وصفـية، وأمّ حبـيبة، وميـمونة، فكان يقسم لهنّ ما شاء، وكان أراد أن يفـارقهنّ، فقلن: اقسم لنا من نفسك ما شئت، ودعنا نكون علـى حالنا.

وقال آخرون: معنى ذلك: تطلق وتـخـلـي سبـيـل من شئت من نسائك، وتـمسك من شئت منهنّ فلا تطلق. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس قوله: {تُرْجِي مَنْ تَشاءُ مِنْهُنَّ أمها الـمؤمنـين وَتُؤْوي إلَـيْكَ مَنْ تَشاءُ} يعنـي: نساء النبـيّ صلى الله عليه وسلم، ويعنـي بـالإرجاء: يقول: من شئت خـلـيت سبـيـله منهنّ، ويعنـي بـالإيواء: يقول: من أحببت: أمسكت منهنّ.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: تترك نكاح من شئت، وتنكح من شئت من نساء أمتك. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قال: قال الـحسن فـي قوله: {تُرْجِي مَنْ تَشاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إلَـيْكَ مَنْ تَشاءُ} قال: كان نبـيّ الله صلى الله عليه وسلم إذا خطب امرأة لـم يكن لرجل أن يخطبها حتـى يتزوّجها أو يتركها.

وقـيـل: إن ذلك إنـما جعل الله لنبـيه حين غار بعضهنّ علـى النبـيّ صلى الله عليه وسلم، وطلب بعضهنّ من النفقة زيادة علـى الذي كان يعطيها، فأمره الله أن يخيرهنّ بـين الدار الدنـيا والآخرة، وأن يخـلـي سبـيـل من اختار الـحياة الدنـيا وزينتها، ويـمسك من اختار الله ورسوله فلـما اخترن الله ورسوله قـيـل لهنّ: اقررن الآن علـى الرضا بـالله وبرسوله، قَسَم لكنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو لـم يقسم، أو قسم لبعضكنّ، ولـم يقسم لبعضكنّ، وفضل بعضكنّ علـى بعض فـي النفقة، أو لـم يفضل، سوّى بـينكنّ، أو لـم يسوّ، فإن الأمر فـي ذلك إلـى رسول الله صلى الله عليه وسلم، لـيس لكم من ذلك شيء. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم فـيـما ذُكر مع ما جعل الله له من ذلك، يسوّي بـينهنّ فـي القَسم، إلا امرأة منهنّ أراد طلاقها، فرضيت بترك القسم لها. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا مـحمد بن بشار، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا سيفـيان، عن منصور، عن أبـي رزين، قال: لـما أراد النبـيّ صلى الله عليه وسلم أن يطلق أزواجه، قلن له: افرض لنا من نفسك ومالك ما شئت، فأمره الله فآوى أربعاً، وأرجى خمساً.

حدثنا سفـيان بن وكيع، قال: ثنا عبـيدة بن سلـيـمان، عن هشام بن عروة، عن أبـيه، عن عائشة أنها قالت: أما تستـحيـي الـمرأة أن تهب نفسها للرجل حتـى أنزل الله. {تُرْجِي مَنْ تَشاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إلَـيْكَ مَنْ تَشاءُ} فقلت: إن ربك لـيسارع فـي هواك.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا مـحمد بن بشر، يعنـي العبدي، عن هشام بن عروة، عن أبـيه، عن عائشة، أنها كانت تعير النساء اللاتـي وهبن أنفسهنّ لرسول الله صلى الله عليه وسلم وقالت: أما تستـحيـي امرأة أن تعرض نفسها بغير صداق، فنزلت، أو فأنزل الله: {تُرْجِي مَنْ تَشاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إلَـيْكَ مَنْ تَشاءُ وَمَنْ ابْتَغَيْتَ مِـمَّنْ عَزَلْتَ} فقلت: إنـي لأرى ربك يُسارع لك فـي هواك.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قول الله: {تُرْجِي مَنْ تَشاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إلَـيْكَ مَنْ تَشاءُ}... الآية. قال: كان أزواجه قد تغايرن علـى النبـيّ صلى الله عليه وسلم، فهجرهن شهراً، ثم نزل التـخيـير من الله له فـيهنّ، فقرأ حتـى بلغ:

{ وَلا تَبرَّجْنَ تَبرُّجَ الـجاهِلِـيَّةِ الأُولـى }فخيرهنّ بـين أن يخترن أن يخـلـي سبـيـلهنّ ويسرّحهنّ وبـين أن يقمن إن أردن الله ورسوله علـى أنهنّ أمهات الـمؤمنـين، لا ينكحن أبداً، وعلـى أنه يؤوي إلـيه من يشاء منهنّ مـمن وهبت نفسها له حتـى يكون هو يرفع رأسه إلـيها، ويرجي من يشاء، حتـى يكون هو يرفع رأسه إلـيها، ومن ابتغى مـمن هي عنده وعزل فلا جناح علـيه، ذلك أدنى أن تقرّ أعينهنّ ولا يحزنّ، ويرضين إذا علـمن أنه من قضائي علـيهنّ إيثار بعضهنّ علـى بعض {ذلكَ أدْنَى أنْ} يرضين، قال: {وَمَنِ ابْتَغَيْتَ} مـمن عزلت: من ابتغى أصابه، ومن عزل لـم يصبه، فخيرهنّ بـين أن يرضين بهذا، أو يفـارقهنّ، فـاخترن الله ورسوله، إلا امرأة واحدة بدوية ذهبت. وكان علـى ذلك صلوات الله علـيه، وقد شرط الله له هذا الشرط، ما زال يعدل بـينهنّ حتـى لقـي الله.

وأولـى الأقوال فـي ذلك عندي بـالصواب أن يقال: إن الله تعالـى ذكره جعل لنبـيه أن يرجي من النساء اللواتـي أحلهنّ له من يشاء، ويُؤوي إلـيه منهنّ من يشاء، وذلك أنه لـم يحصر معنى الإرجاء والإيواء علـى الـمنكوحات اللواتـي كنّ فـي حبـاله، عندما نزلت هذه الآية دون غيرهنّ مـمن يستـحدث إيواؤها أو إرجاؤها منهنّ. وإذا كان ذلك كذلك، فمعنى الكلام: تؤخر من تشاء مـمن وهبت نفسها لك، وأحللت لك نكاحها، فلا تقبلها ولا تنكحها، أو مـمن هنّ فـي حبـالك، فلا تقربها، وتضمّ إلـيك من تشاء مـمن وهبت نفسها لك، أو أردت من النساء التـي أحللت لك نكاحهنّ، فتقبلها أو تنكحها، ومـمن هي فـي حبـالك فتـجامعها إذا شئت، وتتركها إذا شئت بغير قَسْم.

وقوله: {وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مـمَّنْ عَزَلْتَ فَلا جُناحَ عَلَـيْكَ} اختلف أهل التأويـل فـي تأويـل ذلك، فقال بعضهم: معنى ذلك: ومن نكحت من نسائك فجامعت مـمن لـم تنكح، فعزلته عن الـجماع، فلا جناح علـيك. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، فـي قوله: {وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مـمَّنْ عَزَلْتَ فَلا جُناحَ عَلَـيْكَ} قال: جميعاً هذه فـي نسائه، إن شاء أتـى من شاء منهنّ، ولا جناح علـيه.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله: {وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مـمَّنْ عَزَلْتَ} قال: ومن ابتغى أصابه، ومن عزل لـم يصبه.

وقال آخرون: معنى ذلك: ومن استبدلت مـمن أرجيت، فخـلـيت سبـيـله من نسائك، أو مـمن مات منهنّ مـمن أحللت لك فلا جناح علـيك. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس، قوله: {وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مـمَّنْ عَزَلْتَ فَلا جُناحَ عَلَـيْكَ ذَلكَ أدْنَى أنْ تَقَرَّ أعْيُنُهُنَّ وَلا يَحْزَنَّ وَيَرْضَيْنَ بـما آتَـيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ} يعنـي بذلك: النساء اللاتـي أحلّ الله له من بنات العمّ والعمة والـخال والـخالة {واللاَّتِـي هاجَرْنَ مَعَكَ} يقول: إن مات من نسائك اللاتـي عندك أحد، أو خـلـيت سبـيـله، فقد أحللت لك أن تستبدل من اللاتـي أحللت لك مكان من مات من نسائك اللاتـي هنّ عندك، أو خـلـيت سبـيـله منهنّ، ولا يصلـح لك أن تزداد علـى عدّة نسائك اللاتـي عندك شيئا.ً

وأولـى التأويـلـين بـالصواب فـي ذلك، تأويـل من قال: معنى ذلك: ومن ابتغيت إصابته من نسائك {مـمَّنْ عَزَلْتَ} عن ذلك منهنّ {فَلا جُناحَ عَلَـيْكَ} لدلالة قوله: {ذَلكَ أدْنَى أنْ تَقَرَّ أعْيُنُهُنَّ} علـى صحة ذلك، لأنه لا معنى لأن تقرّ أعينهنّ إذا هو صلى الله عليه وسلم استبدل بـالـميتة أو الـمطلقة منهنّ، إلا أن يعنـي بذلك: ذلك أدنى أن تقرّ أعين الـمنكوحة منهنّ، وذلك مـما يدلّ علـيه ظاهر التنزيـل بعيد.

وقوله: {ذَلكَ أدْنَى أنْ تَقَرَّ أعْيُنُهُنَّ وَلا يَحْزَنَّ} يقول: هذا الذي جعلت لك يا مـحمد من إذنـي لك أن ترجي من تشاء من النساء اللواتـي جعلت لك إرجاءهنّ، وتؤوي من تشاء منهنّ، ووضعي عنك الـحرج فـي ابتغائك إصابة من ابتغيت إصابته من نسائك، وعزلك عن ذلك من عزلت منهنّ، أقرب لنسائك أن تقرّ أعينهنّ به ولا يَحْزَنّ ويرضين بـما آتـيتهنّ كلهنّ من تفضيـل من فضلت من قسم، أو نفقة وإيثار من آثرت منهم بذلك علـى غيره من نسائك، إذا هنّ علـمن أنه من رضاي منك بذلك، وإذنـي لك به، وإطلاق منـي لا من قِبَلك. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {ذَلكَ أدْنَى أنْ تَقَرَّ أعْيُنُهُنَّ وَلا يَحْزَنَّ وَيَرْضَيْنَ بِـمَا آتَـيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ} إذا علـمن أن هذا جاء من الله لرخصة، كان أطيب لأنفسهنّ، وأقلّ لـحزنهنّ.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله ذلك، نـحوه.

والصواب من القراءة فـي قوله: {بِـمَا آتَـيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ} الرفع غير جائز غيره عندنا، وذلك أن كلهنّ لـيس بنعت للهاء فـي قوله {آتَـيْتَهُنَّ}، وإنـما معنى الكلام: ويرضين كلهنّ، فإنـما هو توكيد لـما فـي يرضين من ذكر النساء وإذا جعل توكيداً للهاء التـي فـي آتـيتهنّ لـم يكن له معنى، والقراءة بنصبه غير جائزة لذلك، ولإجماع الـحجة من القرّاء علـى تـخطئة قارئه كذلك.

وقوله: {وَاللَّهُ يَعْلَـمُ ما فِـي قُلُوبِكُمْ} يقول: والله يعلـم ما فـي قلوب الرجال من ميـلها إلـى بعض من عنده من النساء دون بعض بـالهوى والـمـحبة يقول: فلذلك وضع عنك الـحرج يا مـحمد فـيـما وُضع عنك من ابتغاء من ابتغيت منهنّ، مـمن عزلت تفضلاً منه علـيك بذلك وتكرمة {وكانَ اللَّهُ عَلِـيـماً} يقول: وكان الله ذا علـم بأعمال عبـاده، وغير ذلك من الأشياء كلها {حَلِـيـماً} يقول: ذا حلـم علـى عبـاده، أن يعاجل أهل الذنوب منهم بـالعقوبة، ولكنه ذو حلـم وأناة عنهم، لـيتوب من تاب منهم، وينـيب من ذنوبه من أناب منهم.

الأحد، 8 نوفمبر 2026 28 جمادى الأولى 1448 هـ