انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة الكهف

تفسير البغويالآيات 103–110

تفسير سورة الكهف آية آية، من تفسير البغوي.

قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُم بِٱلْأَخْسَرِينَ أَعْمَٰلًا ۝١٠٣ ٱلَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا ۝١٠٤ أُو۟لَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ بِـَٔايَٰتِ رَبِّهِمْ وَلِقَآئِهِۦ فَحَبِطَتْ أَعْمَٰلُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَٰمَةِ وَزْنًا ۝١٠٥

قوله عزّ وجلّ: {قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُم بِٱلأَخْسَرِينَ أَعْمَـٰلاً}، يعني: الذين أتعبوا أنفسهم في عملٍ يرجون به فضلاً ونَوالاً، فنالوا هلاكاً وبواراً، كمن يشتري سلعة يرجو عليها ربحاً فخسر وخاب سعيه.

واختلفوا فيهم، قال ابن عباس، وسعد بن أبي وقاص: هم اليهود والنصارى. وقيل: هم الرهبان.{ٱلَّذِينَ} حبسوا أنفسهم في الصوامع. وقال علي بن أبي طالب: هم أهل حروراء. {ضَلَّ سَعْيُهُمْ}، بطل عملهم واجتهادهم، {فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا}، أي: عملاً.

{أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِـآيَـٰتِ رَبِّهِمْ وَلِقَآئِهِ فَحَبِطَتْ}، بطلت، {أَعْمَالُهُمْ فَلاَ نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ وَزْناً}، أي لا نجعل لهم خطراً وقدراً، تقول العرب: "ما لفلان عندي وزن" أي: قدرٌ، لخسَّته.

أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا أحمد عن محمد بن يوسف، عن محمد بن إسماعيل، حدثنا محمد بن عبدالله، حدثنا سعيد بن مريم، أنبأنا المغيرة عن أبي الزناد، عن الأعرج عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:

لَيَأْتِيَ الرجل العظيم السمين يوم القيامة لا يَزِنُ عند الله جناح بعوضة، وقال: اقرؤوا إن شئتم: {فَلاَ نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ وَزْناً}.

قال أبو سعيد الخدري: يأتي أناس بأعمال يوم القيامة هي عندهم في العِظَم كجبال تهامة، فإذا وزنوها لم تزن شيئاً، فذلك قوله تعالى: {فَلاَ نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ وَزْناً}.

ذَٰلِكَ جَزَآؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِمَا كَفَرُوا۟ وَٱتَّخَذُوٓا۟ ءَايَٰتِى وَرُسُلِى هُزُوًا ۝١٠٦ إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّٰلِحَٰتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّٰتُ ٱلْفِرْدَوْسِ نُزُلًا ۝١٠٧

{ذَٰلِكَ} الذي ذكرتُ من حبوط أعمالهم وخسة أقدارهم، ثم ابتدأ فقال: {جَزَآؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِمَا كَفَرُواْ وَٱتَّخَذُوۤاْ ءَايَـٰتِى}، يعني القرآن، {وَرُسُلِى هُزُواً}، أي: سخرية ومهزوءاً بهم.

قوله عزّ وجلّ: {إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّـٰتُ ٱلْفِرْدَوْسِ}، روينا عن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:

إذا سألتم الله فاسألوه الفردوس، فإنه أوسط الجنة، وأعلى الجنة، وفوقه عرش الرحمن، ومنه تفجر أنهار الجنة

قال كعب: ليس في الجنان جنة أعلى من جنة الفردوس فيها الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر.

وقال قتادة: "الفردوس": ربوة الجنة وأوسطها وأفضلها وأرفعها.

قال كعب: "الفردوس": هو البستان الذي فيه الأعناب.

وقال مجاهد: هو البستان بالرومية.

وقال عكرمة: هي الجنة بلسان الحبش.

وقال الزجَّاج: هو بالرومية منقول إلى لفظ العربية.

وقال الضحاك: هي الجنة الملتفة الأشجار.

وقيل: هي الروضة المستحسنة.

وقيل: هي التي تنبت ضروباً من النبات، وجمعه فراديس.

{نُزُلاً}، أي: منزلاً. وقيل: ما يهيأ للنازل على معنى كانت لهم ثمار جنات الفردوس ونعيمها نزلاً، ومعنى "كانت لهم" أي: في علم الله قبل أن يُخلقوا.

خَٰلِدِينَ فِيهَا لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا ۝١٠٨ قُل لَّوْ كَانَ ٱلْبَحْرُ مِدَادًا لِّكَلِمَٰتِ رَبِّى لَنَفِدَ ٱلْبَحْرُ قَبْلَ أَن تَنفَدَ كَلِمَٰتُ رَبِّى وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِۦ مَدَدًا ۝١٠٩ قُلْ إِنَّمَآ أَنَا۠ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَىٰٓ إِلَىَّ أَنَّمَآ إِلَٰهُكُمْ إِلَٰهٌ وَٰحِدٌ فَمَن كَانَ يَرْجُوا۟ لِقَآءَ رَبِّهِۦ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَٰلِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِۦٓ أَحَدًۢا ۝١١٠

{خَـٰلِدِينَ فِيهَا لاَ يَبْغُونَ}، لا يطلبون، {عَنْهَا حِوَلاً}، أي تحولاً إلى غيرها. قال ابن عباس: لا يريدون أن يتحولوا عنها كما ينتقل الرجل من دار إذا لم توافقه إلى دار أخرى.

قوله عزّ وجلّ: {قُل لَّوْ كَانَ ٱلْبَحْرُ مِدَاداً لِّكَلِمَـٰتِ رَبِّى}، قال ابن عباس: قالت اليهود يا محمد تزعم أنا قد أوتينا الحكمة، وفي كتابك ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيراً كثيراً، ثم تقول: وما أوتيتم من العلم إلا قليلاً؟ فأنزل الله هذه الآية.

وقيل: لما نزلت: {وما أوتيم من العلم إلا قليلاً}، قالت اليهود: أوتينا التوراة وفيها علم كل شيء، فأنزل الله تعالى: {قُل لَّوْ كَانَ ٱلْبَحْرُ مِدَاداً} سُمي المداد مداداً لإِمداد الكاتب، وأصله من الزيادة ومجيء الشيء بعد الشيء.

قال مجاهد: لو كان البحر مداداً للقلم والقلم يكتب، {لَنَفِدَ ٱلْبَحْرُ}، أي ماؤه، {قَبْلَ أَن تَنفَدَ}، قرأ حمزة والكسائي {ينفد} بالياء لتقدم الفعل، والباقون بالتاء، {كَلِمَـٰتُ رَبِّى}، أي علمه وحكمه، {وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَداً}، معناه: لو كان الخلائق يكتبون، والبحر يمدُّهم لنفد البحر ولم تنفد كلمات ربي، ولو جئنا بمثل ماء البحر في كثرته مداداً أو زيادة، "ومدداً" منصوب على التمييز نظيره قوله تعالى:

{ وَلَوْ أَنَّمَا فِي ٱلأَرْضِ مِن شَجَرَةٍ أَقْلاَمٌ وَٱلْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَّا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ ٱللَّهِ }[لقمان: 27].

قوله عزّ وجلّ: {قُلْ إِنَّمَآ أَنَاْ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَىٰ إِلَىَّ أَنَّمَآ إِلَـٰهُكُمْ إِلَـٰهٌ وَاحِدٌ}، قال ابن عباس: علَّم الله رسوله التواضع لئلا يزهو على خلقه، فأمره أن يقر فيقول: أني آدمي مثلكم، إلاّ أني خُصصت بالوحي وأكرمني الله به، يوحى إليّ أنّما إلهكم إله واحد لا شريك له، {فَمَن كَانَ يَرْجُوا لِقَآءَ رَبِّهِ}، أي يخاف المصير إليه. وقيل: يأمل رؤية ربه، فالرجاء يكون بمعنى الخوف والأمل جميعاً، قال الشاعر:

ولا كُلُّ ما تَرْجُو مِنَ الخَيْرِ كَائِنٌ ولا كُلّ ما ترجُو مِنَ الشَرِّ واقِعُ

فجمع بين المعنيين.

{فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَـٰلِحاً وَلاَ يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدَا}، أي: لا يُرائي بعمله.

أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد ابن إسماعيل، أنبأنا أبو نعيم، أخبرنا سفيان عن سلمة، هو ابن كهيل، قال: سمعت جُنْدُبَاً يقول: قال النبي صلى الله عليه وسلم:

من سمَّعَ سمَّعَ الله به، ومن يُرائي يُرائي الله به».

وروينا عن النبي أنه قال:

«أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر»، قالوا: يا رسول الله وما الشرك الأصغر؟ قال: «الرياء».

أخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي، أنبأنا أبو سعيد محمد بن موسى الصيرفي، حدثنا أبو العباس محمد ابن يعقوب الأصم، حدثنا محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، حدثنا أبي، حدثنا شعيب قال: حدثنا الليث عن ابن الهاد، عن عمرو، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

إن الله تبارك وتعالى يقول: أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملاً أشرك فيه معي غيري فأنا منه بريء، وهو للذي عمله.«

أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أنبأنا أبو منصور محمد بن محمد بن سمعان، حدثنا أبو جعفر محمد بن أحمد بن عبد الجبار الرياني، حدثنا حميد بن زنجويه، حدثنا حفص بن عمر، حدثنا همام عن قتادة، حدثنا سالم بن أبي الجعد الغطفاني، عن معدان بن أبي طلحة، عن أبي الدرداء يرويه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

من حفظ عشر آيات من أول سورة الكهف عُصم من فتنة الدجال.«

وأخبرنا عبد الواحد المليحي، أنبأنا أبو منصور السمعاني، حدثنا أبو جعفر الرياني، حدثنا حميد ابن زنجويه، حدثنا أبو الأسود، حدثنا ابن لهيعة عن زياد عن سهل - هو ابن معاذ - عن أبيه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

من قرأ أول سورة الكهف وآخرها كانت له نوراً من قدميه إلى رأسه، ومن قرأها كلها كانت له نوراً من الأرض إلى السماء

.

الخميس، 5 نوفمبر 2026 25 جمادى الأولى 1448 هـ