انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة الكهف

تفسير البغويالآيات 61–102

تفسير سورة الكهف آية آية، من تفسير البغوي.

فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا نَسِيَا حُوتَهُمَا فَٱتَّخَذَ سَبِيلَهُۥ فِى ٱلْبَحْرِ سَرَبًا ۝٦١ فَلَمَّا جَاوَزَا قَالَ لِفَتَىٰهُ ءَاتِنَا غَدَآءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِن سَفَرِنَا هَٰذَا نَصَبًا ۝٦٢

فذلك قوله تعالى: {فَلَمَّا بَلَغَا}، يعني موسى وفتاه، {مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا}، أي: بين البحرين، {نَسِيَا}، تركا، {حُوتَهُمَا}، وإنما كان الحوت مع يوشع، وهو الذي نسيه، وأضاف النسيان إليهما لأنهما جميعاً تزوَّدَاه لسفرهما، كما يقال: خرج القوم إلى موضع كذا، وحملوا من الزاد كذا، وإنما حمله واحد منهم.

{فَٱتَّخَذَ}، أي الحوت، {سَبِيلَهُ فِى ٱلْبَحْرِ سَرَباً}، أي مسلكاً. وروي عن أُبيِّ بن كعب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم:

انجاب الماء عن مسلك الحوت فصار كوة لم يلتئم، فدخل موسى الكوة على أثر الحوت فإذا هو بالخضر.«

قال ابن عباس: جعل الحوت لا يمس شيئاً من البحر إلا يبس حتى صار صخرة.

وقال الكلبي: توضأ يوشع بن نون من عين الحياة فانتضح على الحوت المالح في المكتل من ذلك الماء فعاش ثم وثب في ذلك الماء فجعل يضرب بذنبه فلا يضرب بذنبه شيئاً من الماء وهو ذاهب إلا يبس.

وقد روينا أنهما لما انتهيا إلى الصخرة، وضعا رؤوسهما فناما واضطرب الحوت فخرج وسقط في البحر، فاتخذ سبيله في البحر سرباً فأمسك الله عن الحوت جرية الماء فصار عليه مثل الطاق، فلما استيقظ موسى نسي صاحبه أن يخبره فانطلقا حتى إذا كان من الغد.

قوله تعالى: {فَلَمَّا جَاوَزَا}، يعني ذلك الموضع وهو مجمع البحرين، {قَالَ}، موسى، {لِفَتَـٰهُ ءَاتِنَا غَدَآءَنَا}، أي طعامنا، والغداء ما يعد للأكل غدوة، والعشاء ما يعد للأكل عشية، {لَقَدْ لَقِينَا مِن سَفَرِنَا هَـٰذَا نَصَباً}، أي: تعباً وشدة، وذلك أنه ألقي على موسى الجوع بعد مجاوزة الصخرة، ليتذكر الحوت ويرجع إلى مطلبه.

قَالَ أَرَءَيْتَ إِذْ أَوَيْنَآ إِلَى ٱلصَّخْرَةِ فَإِنِّى نَسِيتُ ٱلْحُوتَ وَمَآ أَنسَىٰنِيهُ إِلَّا ٱلشَّيْطَٰنُ أَنْ أَذْكُرَهُۥ وَٱتَّخَذَ سَبِيلَهُۥ فِى ٱلْبَحْرِ عَجَبًا ۝٦٣ قَالَ ذَٰلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ فَٱرْتَدَّا عَلَىٰٓ ءَاثَارِهِمَا قَصَصًا ۝٦٤

{قَالَ} له فتاه وتذكَّر {أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَآ إِلَى ٱلصَّخْرَةِ}،، وهي صخرة كانت بالموضع الموعود، قال معقل ابن زياد: هي الصخرة التي دون نهر الزيت، {فَإِنِّى نَسِيتُ ٱلْحُوتَ}، أي تركته وفقدته، وذلك أن يوشع حين رأى ذلك من الحوت قام ليدرك موسى فيخبره، فنسي أن يخبره، فمكثا يومهما حتى صليا الظهر من الغد.

قيل في الآية إضمار، معناه: نسيت أن أذكر لك أمر الحوت، ثم قال:

{وَمَآ أَنسَانِيهُ إِلاَّ ٱلشَّيْطَـٰنُ أَنْ أَذْكُرَهُ}، أي: وما أنسانيه أن أذكر لك أمر الحوت إلاّ الشيطان، وقرأ حفص: {أنسانيهُ}، وفي الفتح: "عليهُ الله" بضم الهاء.

وقيل معناه أنسانية لئلا أذكره.

{وَٱتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِى ٱلْبَحْرِعَجَبًا}، قيل: هذا من قول يوشع، يقول طفر الحوت إلى البحر، فاتخذ فيه مسلكاً، فعجبت من ذلك عجباً.

وروينا في الخبر: كان للحوت سرباً ولموسى وفتاه عجباً.

وقيل: هذا من قول موسى لما قال له يوشع واتخذ سبيله في البحر، قال له موسى: عجباً، كأنه قال: أعجب عجباً.

قال ابن زيد: أي شيء أعجب من حوت يؤكل منه جهراً، ثم صار حياً بعدما أُكِلَ بعضُه.

{قَالَ}، موسى، {ذَٰلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ}، أي نطلب، {فَٱرْتَدَّا عَلَىٰ ءَاثَارِهِمَا قَصَصًا} أي: رجعا يقصان الأثر الذي جاء منه، أي: يتبعانه، فوجدا عبداً من عبادنا، قيل: كان مَلَكاً من الملائكة، والصحيح الذي جاء في التواريخ، وثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم / أنه الخضر، واسمه بَلْيَا بنُ مَلْكَان، قيل: كان من نسل بني إسرائيل. وقيل: كان من أبناء الملوك الذين تزهدوا في الدنيا، والخضر لقب له سمي بذلك لِما:

أخبرنا أبو علي حسان بن سعيد المنيعي، أنبأنا أبو طاهر محمد بن محمد بن محمش الزيادي، أخبرنا أبو بكر محمد بن الحسين القطان، حدثنا أحمد بن يوسف السلمي، حدثنا عبدالرزاق، أخبرنا معمر عن همام بن منبه قال، حدثنا أبو هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

إنما سُمي خَضِرَاً لأنه جلس على فروةٍ بيضاء فإذا هي تهتزُّ تحته خضراء

قال مجاهد: سمى خضراً لأنه إذا صلى أخضر ما حوله.

وروينا: أن موسى رأى الخضر مسجى بثوب فسلم عليه فقال الخضر وأنَّٰى بأرضك السلام؟ قال: أنا موسى أتيتك لتعلمني مما علمت رشداً.

وفي رواية أخرى لقيه مسجى بثوب مستلقياً على قفاه بعض الثوب تحت رأسه وبعضه تحت رجليه. وفي رواية لقيه وهو يصلي. ويروى لقيه على طنفسة خضراء على كبد البحر، فذلك قوله تعالى: {فَوَجَدَا عَبْدًا مِّنْ عِبَادِنَآ ءَاتَيْنَاهُ رَحْمَةً}.

فَوَجَدَا عَبْدًا مِّنْ عِبَادِنَآ ءَاتَيْنَٰهُ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا وَعَلَّمْنَٰهُ مِن لَّدُنَّا عِلْمًا ۝٦٥

{فَوَجَدَا عَبْدًا مِّنْ عِبَادِنَآ ءَاتَيْنَاهُ رَحْمَةً}، أي نعمة، {مِّنْ عِندِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْمًا}، أي علم الباطن إلهاماً، ولم يكن الخضر نبياً عند أكثر أهل العلم.

قَالَ لَهُۥ مُوسَىٰ هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَىٰٓ أَن تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا ۝٦٦ قَالَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِىَ صَبْرًا ۝٦٧ وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَىٰ مَا لَمْ تُحِطْ بِهِۦ خُبْرًا ۝٦٨ قَالَ سَتَجِدُنِىٓ إِن شَآءَ ٱللَّهُ صَابِرًا وَلَآ أَعْصِى لَكَ أَمْرًا ۝٦٩ قَالَ فَإِنِ ٱتَّبَعْتَنِى فَلَا تَسْـَٔلْنِى عَن شَىْءٍ حَتَّىٰٓ أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا ۝٧٠ فَٱنطَلَقَا حَتَّىٰٓ إِذَا رَكِبَا فِى ٱلسَّفِينَةِ خَرَقَهَا قَالَ أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْـًٔا إِمْرًا ۝٧١

فلما {قَالَ لَهُ مُوسَىٰ هَلْ أَتَّبِعُكَ} يقول: جئتك لأتبعك وأصحبك، {عَلَىٰ أَن تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْداً}، قرأ أبو عمرو ويعقوب: {رَشْداً} بفتح الراء والشين، وقرأ الآخرون: بضم الراء وسكون الشين، أي صواباً. وقيل: علماً ترشدني به.

وفي بعض الأخبار أنه لما قال له موسى هذا قال له الخضر: كفى بالتوراة علماً وببني إسرائيل شغلاً، فقال له موسى: إن الله أمرني بهذا فحينئذ.

{قَالَ}، الخضر، {إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِىَ صَبْراً}، وإنما قال ذلك لأنه علم أنه يرى أموراً منكرة، ولا يجوز للأنبياء أن يصبروا على المنكرات، ثم بيّن عذره في ترك الصبر. فقال:

{وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَىٰ مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْراً}، أي علماً.

{قَالَ}، موسى، {سَتَجِدُنِىۤ إِن شَآءَ ٱللَّهُ صَابِرًا}، إنما استثنى لأنه لم يثق من نفسه بالصبر {وَلاَ أَعْصِى لَكَ أَمْراً}، أي: لا أخالفك فيما تأمر.

{قَالَ فَإِنِ ٱتَّبَعْتَنِى}، فأن صحبتني، ولم يقل: اتبعني، ولكن جعل الاختيار إليه إلا أنه شرط عليه شرطاً فقال: {فَلاَ تَسْأَلْنِى}، قرأ أبو جعفر ونافع وابن عامر بفتح اللام وتشديد النون، والآخرون بسكون اللام وتخفيف النون، {عَن شَىْءٍ} أعلمه مما تنكره ولا تعترض عليه، {حَتَّىٰ أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْراً}، حتى أبتدىء لك بذكره فأبيّن لك شأنه.

{فَٱنطَلَقَا}، يمشيان على الساحل يطلبان سفينة يركبانها، فوجدا سفينة فركباها، فقال أهل السفينة: هؤلاء لصوص، وأمروهما بالخروج، فقال صاحب السفينة: ما هم بلصوص، ولكني أرى وجوه الأنبياء.

وروينا عن أبيّ بن كعب عن النبي صلى الله عليه وسلم:

مرت بهم سفينة فكلموهم أن يحملوهم فعرفوا الخَضِرَ فحملوهم بغير نَوْل، فلما لججوا البحر أخذ الخضر فأساً فخرق لوحاً من السفينةفذلك قوله تعالى:

{حَتَّىٰ إِذَا رَكِبَا فِى ٱلسَّفِينَةِ خَرَقَهَا قَالَ}، له موسى، {أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا}، قرأ حمزة والكسائي: «ليَغْرَق» بالياء وفتحها وفتح الراء، {أهلُها} بالرفع على اللزوم، وقرأ الآخرون: بالتاء ورفعها وكسر الراء {أهلَها} بالنصب على أن الفعل للخضر.

{لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا} أي: منكراً، والإِمر في كلام العرب الداهية، وأصله كلُّ شيء شديد كثير، يقال: أَمِرَ القومُ: إذا كثروا واشتدَّ أمرهم.

وقال القتيبي {إِمْرَاً} أي: عجباً.

ورُوي أن الخضر لما خرق السفينة لم يدخلها الماء. وروي أن موسى لما رأى ذلك أخذ ثوبه فحشى به الخرق. وروي أن الخضر أخذ قدحاً من زجاج ورقع به خرق السفينة.

قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِىَ صَبْرًا ۝٧٢ قَالَ لَا تُؤَاخِذْنِى بِمَا نَسِيتُ وَلَا تُرْهِقْنِى مِنْ أَمْرِى عُسْرًا ۝٧٣ فَٱنطَلَقَا حَتَّىٰٓ إِذَا لَقِيَا غُلَٰمًا فَقَتَلَهُۥ قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةًۢ بِغَيْرِ نَفْسٍ لَّقَدْ جِئْتَ شَيْـًٔا نُّكْرًا ۝٧٤

{قَالَ}، العالِم، وهو الخضر، {أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِىَ صَبْراً}.

{قَالَ}، موسى، {لاَ تُؤَاخِذْنِى بِمَا نَسِيتُ}، قال ابن عباس: إنه لم يَنْسَ، ولكنه من معاريض الكلام، فكأنه نسي شيئاً آخر. وقيل: معناه بما تركت من عهدك، والنسيان: الترك. وقال أُبيّ ابن كعب عن النبي صلى الله عليه وسلم:

كانت الأولى من موسى نسياناً والوسطى شرطاً والثالثة عمداً. {وَلاَ تُرْهِقْنِى}، ولا تغشني، {مِنْ أَمْرِى عُسْراً}، وقيل: لا تكلفني مشقة، يقال: أرهقته عسراً، أي كلفته ذلك، يقول: لا تضيِّق علي أمري، وعامِلْني باليسر، ولا تعاملني بالعسر.

{فَٱنطَلَقَا حَتَّىٰ إِذَا لَقِيَا غُلاَمًا فَقَتَلَهُ}، في القصة أنهما خرجا من البحر يمشيان، فمرَّا بغلمانٍ يلعبون، فأخذ الخضر غلاماً ظريفاً وضيء الوجه فأضجعه ثم ذبحه بالسكين.

قال السدي: كان أحسنهم وجهاً، وكان وجهه يتوقد حسناً.

وروينا أنه أخذ برأسه فاقتلعه بيده. وروى عبدالرزاق هذا الخبر، وأشار بأصابعه الثلاثة الإِبهام والسبابة والوسطى، وقلع رأسه.

وروي أنه رضخ رأسه بالحجارة.

وقيل: ضرب رأسه بالجدار فقتله.

قال ابن عباس: كان غلاماً لم يبلغ الحنث، وهو قول الأكثرين، قال ابن عباس: لم يكن نبي الله يقول: أقتلت نفساً زكية إلاّ وهو صبي لم يبلغ.

وقال الحسن: كان رجلاً. وقال شعيب الجبائي: كان اسمه حيسور.

وقال الكلبي: كان فتى يقطع ويأخذ المتاع ويلجأ إلى أبويه.

وقال الضحاك: كان غلاماً يعمل بالفساد وتأذى منه أبواه.

أخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر، أخبرنا عبد الغافر بن محمد، أخبرنا محمد بن عيسى الجلودي، أنبأنا إبراهيم بن محمد بن سفيان، حدثنا مسلم بن الحجاج، أنبأنا عبدالله بن مسلمة بن معتب، حدثنا معمر بن سليمان، عن أبيه عن رقبة بن مصقلة، عن أبي إسحاق عن سعيد بن جبيرٍ، عن ابن عباس عن أبيّ بن كعب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

إن الغلام الذي قتله الخضر طُبعَ كافراً، ولو عاش لأرهق أبويه طغياناً وكفراً

{قَالَ}، موسى، {أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً}، قرأ ابن كثير ونافع وأبو جعفر وأبو عمرو: "زاكية" بالألف، وقرأ الآخرون: "زكية"، قال الكسائي والفراء: معناهما واحد، مثل: القاسية والقَسِيَّة، وقال أبو عمرو بن العلاء: "الزاكية": التي لم تذنب قط، و"الزكية" التي أذنبت ثم تابت.

{بِغَيْرِ نَفْسٍ}، أي: لم تقتل نفساً بشيء وجب به عليها القتل.

{لَّقَدْ جِئْتَ شَيْئاً نُّكْراً}، أي: منكراً. قال قتادة: النكر أعظم من الإِمْرِ، لأنه حقيقة الهلاك، وفي خرق السفينة كان خوف الهلاك.

وقيل: الإِمر: أعظم، لأنه كان فيه تغريق جمع كثير.

قرأ نافع وابن عامر ويعقوب وأبو بكر هاهنا {نكراً} وفي سورة الطلاق بضم الكاف، والآخرون بسكونها.

قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِىَ صَبْرًا ۝٧٥ قَالَ إِن سَأَلْتُكَ عَن شَىْءٍۭ بَعْدَهَا فَلَا تُصَٰحِبْنِى قَدْ بَلَغْتَ مِن لَّدُنِّى عُذْرًا ۝٧٦ فَٱنطَلَقَا حَتَّىٰٓ إِذَآ أَتَيَآ أَهْلَ قَرْيَةٍ ٱسْتَطْعَمَآ أَهْلَهَا فَأَبَوْا۟ أَن يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَن يَنقَضَّ فَأَقَامَهُۥ قَالَ لَوْ شِئْتَ لَتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا ۝٧٧

{قَالَ}، يعني الخضر: {أَلَمْ أَقُلْ لَّكَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِىَ صَبْراً}، قيل: زاد "لك" لأنه نقض العهد مرتين. وفي القصة أن يوشع كان يقول لموسى: يانبي الله اذكر العهد الذي أنت عليه.

{قَالَ}، موسى، {إِن سَأَلْتُكَ عَن شَىْءٍ بَعْدَهَا}، بعد هذه المرة، {فَلاَ تُصَاحِبْنِى}، وفارقني، وقرأ يعقوب: {فلا تصحبني} بغير ألف من الصحبة.

{قَدْ بَلَغْتَ مِن لَّدُنِّى عُذْراً}، قرأ أبو جعفر ونافع وأبو بكر {من لدني} خفيفة النون، وقرأ الآخرون، بتشديدها، قال ابن عباس: أي قد أعذرتَ فيما بيني وبينك.

وقيل: قد حذرتني أني لا أستطيع معك صبراً. وقيل: واتضح لك العذر في مفارقتي.

أخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر، أنبأنا عبد الغافر بن محمد، أنبأنا محمد بن عيسى، حدثنا إبراهيم ابن محمد بن سفيان، حدثنا مسلم بن الحجاج، حدثنا محمد بن عبدالله القيسي، حدثنا المعتمر بن سليمان، عن أبيه عن رقبة، عن أبي إسحاق، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، عن أُبيّ بن كعب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

رحمة الله علينا وعلى موسى، وكان إذا ذكر أحداً من الأنبياء بدأ بنفسه،لولا أنه عجَّل لرأىٰ العجب، ولكنه أخذته من صاحبه ذَمَامَةٌ، قال: {إِن سَأَلْتُكَ عَن شَىْءٍ بَعْدَهَا فَلاَ تُصَاحِبْنِى قَدْ بَلَغْتَ مِن لَّدُنِّى عُذْراً} فلو صبر لرأى العجب.«

قوله عزّ وجلّ: {فَٱنطَلَقَا حَتَّىٰ إِذَآ أَتَيَآ أَهْلَ قَرْيَةٍ}، قال ابن عباس: يعني "أنطاكية". وقال ابن سيرين: هي "الأُبُلَّة" وهي أبعد الأرض من السماء. وقيل: "برقة". وعن أبي هريرة: بلدة بالأندلس. {ٱسْتَطْعَمَآ أَهْلَهَا فَأَبَوْاْ أَن يُضَيِّفُوهُمَا}.

قال أُبيّ بن كعب عن النبي صلى الله عليه وسلم:

حتى إذا أتيا أهل قرية لئاماً فطافا في المجالس فاستطعما أهلها فأبوا أن يضيفوهما

وروي أنهما طافا في القرية فاستطعماهم فلم يطعموهما واستضافاهم فلم يضيفوهما.

قال قتادة: شر القرى التي لا تضيف الضيف.

وروي عن أبي هريرة قال: أطعمتهما امرأة من أهل بربر بعد أن طلبا من الرجال فلم يطعموهما. فدعا لنسائهم ولعن رجالهم.

قوله تعالى: {فَوَجَدَا فِيهَا جِدَاراً يُرِيدُ أَن يَنقَضَّ}، أي يسقط، وهذا من مجاز كلام العرب، لأن الجدار لا إرادة له وإنما معناه: قَرُبَ ودنا من السقوط، كما تقول العرب: داري تنظر إلى دار فلان إذا كانت تقابلها.

{فَأَقَامَهُ}، أي سوَّاه. وروي عن أُبيّ بن كعب عن النبي صلى الله عليه وسلم

فقال الخضر بيده فأقامه. وقال سعيد بن جبير: مسح الجدار بيده فاستقام. وروي عن ابن عباس: هدمه ثم قعد يبنيه. وقال السدي: بلَّ طيناً وجعل يبني الحائط.

{قَالَ} موسى {لَوْ شِئْتَ لَتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً}، قرأ ابن كثير وأبو عمرو ويعقوب "لَتَخِذْتَ" بتخفيف التاء وكسر الخاء، وقرأ الآخرون: "لَتَّخَذْت" بتشديد التاء وفتح الخاء، وهما لغتان: مثل اتبع وتبع {عليه} يعني على إصلاح الجدار، {أَجْرًا} يعني جعلاً، معناه: إنك قد علمت أننا جياع، وأن أهل القرية لم يطعمونا، فلو أخذت على عملك أجراً.

قَالَ هَٰذَا فِرَاقُ بَيْنِى وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِع عَّلَيْهِ صَبْرًا ۝٧٨

{قَالَ}، الخضر: {هَـٰذَا فِرَاقُ بَيْنِى وَبَيْنِكَ}، يعني هذا وقت فراق بيني وبينك. وقيل: هذا الإِنكار على ترك الأجر هو المفرق بيننا. وقال الزجاج: معناه هذا فراق بيننا أي فراق اتصالنا وكرر "بين" تأكيداً.

{سَأُنَبِّئُكَ}، أي سوف أخبرك {بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِع عَّلَيْهِ صَبْراً}، وفي بعض التفاسير أن موسى أخذ بثوبه، فقال: أخبرني بمعنى ما عملت قبل أن تفارقني. فقال:

أَمَّا ٱلسَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَٰكِينَ يَعْمَلُونَ فِى ٱلْبَحْرِ فَأَرَدتُّ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَآءَهُم مَّلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا ۝٧٩ وَأَمَّا ٱلْغُلَٰمُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَآ أَن يُرْهِقَهُمَا طُغْيَٰنًا وَكُفْرًا ۝٨٠

{أَمَّا ٱلسَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَـٰكِينَ يَعْمَلُونَ فِى ٱلْبَحْرِ}، قال كعب: كانت لعشرة إخوة خمسة زَمْنَٰى، وخمسة يعملون في البحر. وفيه دليل على أن المسكين وإن كان يملك شيئاً فلا يزول عنه اسم المسكنة إذا لم يقم ما يملكه بكفايته، {يَعْمَلُونَ فِى ٱلْبَحْرِ} أي: يؤاجرون ويكتسبون بها، {فَأَرَدتُّ أَنْ أَعِيبَهَا}، اجعلها ذات عيب.

{وَكَانَ وَرَآءَهُم}، أي أمامهم، {مَلِكٌ}، كقوله:

{ مِّن وَرَآئِهِ جَهَنَّمُ }[إبراهيم: 16].

وقيل: "وراءهم" خلفهم، وكان رجوعهم في طريقهم عليه، والأول أصح، يدل عليه قراءة ابن عباس «وكان أمامهم ملك».

{يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْباً}، أي كل سفينة صالحة غصباً، وكان ابن عباس يقرأ كذلك، فخرقها وعيَّبها الخضر حتى لا يأخذها الملك الغاصب، وكان اسمه الجلندي وكان كافراً.

وقال محمد بن إسحاق: اسمه "متوله بن جلندي الأزدي".

وقال شعيب الجبائي: اسمه "هُدَدُ بنُ بُدَد".

وروي أن الخضر اعتذر إلى القوم وذكر لهم شأن الملك الغاصب، ولم يكونوا يعلمون بخبره، وقال: أردت إذا هي مرت به أن يدعها لعيبها، فإذا جاوزوه أصلحوها فانتفعوا بها، وقيل: سدُّوها بقارورة. وقيل: بالقار.

قوله عزّ وجلّ: {وَأَمَّا ٱلْغُلَـٰمُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَآ}، أي: فعلمنا، وفي قراءة ابن عباس: "وأما الغلام فكان كافراً وكان أبواه مؤمنين فخشينا" أي: فعلمنا، {أَن يُرْهِقَهُمَا}، يغشيهما، وقال الكلبي: يكلفهما، {طُغْيَـٰناً وَكُفْراً}، قال سعيد بن جبير: فخشينا أن يحملهما حبه على أن يتابعاه على دينه.

فَأَرَدْنَآ أَن يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِّنْهُ زَكَوٰةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا ۝٨١ وَأَمَّا ٱلْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَٰمَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِى ٱلْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُۥ كَنزٌ لَّهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَٰلِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَن يَبْلُغَآ أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنزَهُمَا رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُۥ عَنْ أَمْرِى ذَٰلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِع عَّلَيْهِ صَبْرًا ۝٨٢

{فَأَرَدْنَآ أَن يُبْدِلَهُمَا}، قرأ أبو جعفر ونافع وأبو عمرو: بالتشديد هاهنا وفي سورة "التحريم" و"القلم"، وقرأ الآخرون بالتخفيف، وهما لغتان، وفرق بعضهم فقال: "التبديل": تغيير الشيء، أو تغيير حاله وعين الشيء قائم، و"الإِبدال": رفع الشيء ووضع شيء آخر مكانه، {رَبُّهُمَا خَيْراً مِّنْهُ زَكَـوٰةً}، أي صلاحاً وتقوى، {وَأَقْرَبَ رُحْماً}، قرأ ابن عامر، وأبو جعفر، ويعقوب: بضم الحاء، والباقون بجزمها، أي: عطفاً من الرحمة. وقيل: هو من الرَّحِم والقرابة، قال قتادة: أي أوصل للرحم وأبر بوالديه.

وقال الكلبي: أبدلهما الله جارية فتزوجها نبي من الأنبياء فولدت له نبياً، فهدىٰ الله على يديه أمة من الأمم.

وعن جعفر بن محمد عن أبيه قال: أبدلهما الله جارية ولدت سبعين نبياً.

وقال ابن جريج: أبدلهما بغلام مسلم.

قال مطرف: فرح به أبواه حين ولد وحزنا عليه حين قتل. ولو بقي لكان فيه هلاكهما، فليرضَ أمرؤٌ بقضاء الله تعالى، فإن قضاء الله للمؤمن فيما يكره خير له من قضاءه فيما يحب.

قوله عزّ وجلّ: {وَأَمَّا ٱلْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَـٰمَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِى ٱلْمَدِينَةِ}، وكان اسمهما أصرم وصريم، {وَكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ لَّهُمَا}، اختلفوا في ذلك الكنز. روي عن أبي الدرداء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:

كان ذهباً وفضة

وقال عكرمة: كان مالاً.

وعن سعيد بن جبير: كان الكنز صحفاً فيها علم.

وعن ابن عباس: أنه قال كان لوحاً من ذهب مكتوباً فيه:"عجباً لمن أيقن بالموت كيف يفرح! عجباً لمن أيقن بالحساب كيف يغفل! عجباً لمن أيقن بالرزق كيف يتعب! عجباً لمن أيقن بالقدر كيف ينصب! عجباً لمن أيقن بزوال الدنيا وتقلبها بأهلها كيف يطمئن إليها! لا إله إلا الله محمد رسول الله". وفي الجانب الآخر مكتوب "أنا الله لا إله إلا أنا وحدي لا شريك لي، خلقت الخير والشر، فطوبى لمن خلقته للخير وأجريته على يديه والويل لمن خلقته للشر وأجريته على يديه" وهذا قول أكثر المفسرين. وروي أيضاً ذلك مرفوعاً.

قال الزجاج: الكنز إذا أطلق ينصرف إلى كنز المال، ويجوز عند التقييد أن يقال عنده كنز علم، وهذا اللوح كان جامعاً لهما.

{وَكَانَ أَبُوهُمَا صَـٰلِحاً}، قيل: كان اسمه "كاسح" وكان من الأتقياء. قال ابن عباس: حُفِظا بصلاح أبويهما.

وقيل: كان بينهما وبين الأب الصالح سبعة آباء.

قال محمد بن المنكدر: إن الله يحفظ بصلاح العبد ولده وولد ولده، وعترته وعشيرته وأهل دويراتٍ حوله، فما يزالون في حفظ الله ما دام فيهم.

قال سعيد بن المسيب: إني لأصلي فأذكر ولدي فأزيد في صلاتي.

قوله عزّ وجلّ: {فَأَرَادَ رَبُّكَ أَن يَبْلُغَآ أَشُدَّهُمَا}، أي: يبلغا ويعقلا. وقيل: أن يدركا شدتهما وقوتهما. وقيل: ثمان عشرة سنة.

{وَيَسْتَخْرِجَا} حينئذ {كَنزَهُمَا رَحْمَةً}، نعمة، {مِّن رَّبِّكَ}.

{وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمرِي}، أي باختياري ورأيي، بل فعلته بأمر الله وإلهامه، {ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِـع عَّلَيْهِ صَبْراً}، أي لم تطق عليه صبراً، و"استطاع" و"اسطاع" بمعنًى واحد.

روي أن موسى لما أراد أن يفارقه قال له: أوصني، قال: لا تطلب العلم لتحدث به واطلبه لتعمل به.

واختلفوا في أن الخضر حيّ أم ميت؟ قيل: إن الخضر وإلياس حيان يلتقيان كل سنة بالموسم. وكان سبب حياته فيما يحكٰى أنه شرب من عين الحياة، وذلك أن ذا القرنين دخل الظلمات لطلب عين الحياة. وكان الخضر على مقدمته، فوقع الخضر على العين فنزل واغتسل وتوضأ وشرب وصلى شكراً لله عزّ وجلّ، وأخطأ ذو القرنين الطريق فعاد.

وذهب آخرون إلى أنه ميت لقوله تعالى:

{ وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِّن قَبْلِكَ ٱلْخُلْدَ } [الأنبياء: 34].

وقال النبي صلى الله عليه وسلم بعدما صلى العشاء ليلة:

أََرأَيْتَكُمْ ليلتَكُم هذه؟ فإِنَّ على رأسِ مائةِ سنةٍ منها لا يبقى ممن هو اليوم حيٌّ على ظهرِ الأرض أحٌد. ولو كان الخضر حياً لكان لا يعيش بعده".

وَيَسْـَٔلُونَكَ عَن ذِى ٱلْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُوا۟ عَلَيْكُم مِّنْهُ ذِكْرًا ۝٨٣

قوله عزّ وجلّ: {وَيَسْأَلُونَكَ عَن ذِى ٱلْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُواْ عَلَيْكُم مِّنْهُ ذِكْراً} خبراً، واختلفوا في نبوته: فقال بعضهم: كان نبياً.

وقال أبو الطفيل: سئل علي رضي الله عنه عن ذي القرنين أكان نبياً أم ملكاً؟ قال: لم يكن نبياً ولا ملكاً، ولكن كان عبداً أحبَّ الله وأحبه الله، ناصَحَ الله فناصحه الله.

وروي أن عمر رضي الله عنه سمع رجلاً يقول لآخر: ياذا القرنين فقال: تسميتم بأسماء النبيين فلم ترضوا حتى تسميتم بأسماء الملائكة.

والأكثرون على أنه كان ملكاً عادلاً صالحاً.

واختلفوا في سبب تسميته بـ "ذي القرنين"، قال الزهري: لأنه بلغ قرني الشمس مشرقها ومغربها.

وقيل: لأنه كان ملك الروم وفارس.

وقيل: لأنه دخل النور والظلمة.

وقيل لأنه رأى في المنام كأنه أخذ بقرني الشمس.

وقيل: لأنه كانت له ذؤابتان حسنتان.

وقيل: لأنه كان له قرنان تواريهما العمامة.

وروى أبو الطفيل عن علي أنه قال: سمي "ذا القرنين" لأنه" أمر قومه بتقوى الله، فضربوه على قرنه الأيمن فمات فبعثه الله، ثم أمرهم بتقوى الله فضربوه على قرنه الأيسر فمات، فأحياه الله.

واختلفوا في اسمه؛ قيل: اسمه "مرزبان بن مرزبة اليوناني" من ولد يونان بن يافث بن نوح. وقيل: اسمه "الاسكندر بن فيلفوس بن ياملوس الرومي".

إِنَّا مَكَّنَّا لَهُۥ فِى ٱلْأَرْضِ وَءَاتَيْنَٰهُ مِن كُلِّ شَىْءٍ سَبَبًا ۝٨٤

قوله عزّ وجلّ: {إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِى ٱلأَرْضِ} أوطأنا، والتمكين: تمهيد الأسباب. قال علي: سخر له السحاب فحمله عليها، ومدّ له في الأسباب، وبسط له النور، فكان الليل والنهار عليه سواء، فهذا معنى تمكينه في الأرض، وهو أنه سهل عليه السير فيها وذلّل له طُرقَها.

{وَآتَيْنَـٰهُ مِن كُلِّ شَىْءٍ} أي: أعطيناه من كل شيء يحتاج إليه الخلق.

وقيل: من كل ما يستعين به الملوك على فتح المدن ومحاربة الأعداء.

{سَبَباً}، أي: علماً يتسبب به إلى كل ما يريد، ويسير له في أقطار الأرض، والسبب: ما يوصل الشيء إلى الشيء.

وقال الحسن: بلاغاً إلى حيث أراد. وقيل: قربنا إليه أقطار الأرض.

فَأَتْبَعَ سَبَبًا ۝٨٥ حَتَّىٰٓ إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ ٱلشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِى عَيْنٍ حَمِئَةٍ وَوَجَدَ عِندَهَا قَوْمًا قُلْنَا يَٰذَا ٱلْقَرْنَيْنِ إِمَّآ أَن تُعَذِّبَ وَإِمَّآ أَن تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا ۝٨٦

{فَأَتْبَعَ سَبَباً}، أي: سلك وسار، قرأ أهل الحجاز، والبصرة "فاتَّبع" و"ثم ٱتَّبَعَ" موصولاً مشدداً، وقرأ الآخرون بقطع الألف وجزم التاء؛ وقيل: معناهما واحد.

والصحيح الفرق بينهما، فمن قطع الألف فمعناه: أدرك ولحق، ومن قرأ بالتشديد فمعناه سار، يقال: ما زلت أتَّبعه حتى أتبعته، أي: ما زلت أسير خلفه حتى لحقته.

وقوله: "سبباً" أي: طريقاً. وقال ابن عباس: منزلاً.

{حَتَّىٰ إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ ٱلشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِى عَيْنٍ حَمِئَةٍ}، قرأ أبو جعفر، وأبو عامر، وحمزة، والكسائي، وأبو بكر: "حامية" بالألف غير مهموزة، أي حارَّة، وقرأ الآخرون "حَمِئة" مهموزاً بغير الألف، أي ذات حَمْأَةٍ، وهي الطينة السوداء.

وسأل معاوية كعباً: كيف تجد في التوراة أن تغرب الشمس؟ قال: أجد في التوراة أنها تغرب في ماء وطين.

قال القتيبي: يجوز أن يكون معنى قوله: {فِى عَيْنٍ حَمِئَةٍ} أي: عندها عين حمئة، أو في رأي العين.

{وَوَجَدَ عِندَهَا قَوْماً}، أي عند العين أُمَّة، قال ابن جريج: مدينة لها اثنا عشر ألف باب، لولا ضجيج أهلها لسمعت وجبة الشمس حين تجب.

{قُلْنَا يٰذَا ٱلْقَرْنَيْنِ}، يستدل بهذا من زعم أنه كان نبياً؛ فإن الله تعالى خاطبه، والأصح: أنه لم يكن نبياً، والمراد منه: الإِلهام.

{إِمَّآ أَن تُعَذِّبَ}، يعني: إمّا أن تقتلهم إن لم يدخلوا في الإِسلام، {وَإِمَّآ أَن تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْناً}، يعني: تعفو وتصفح. وقيل: تأسرهم فتعلمهم الهدى، خيّره اللَّهُ بين الأمرين.

قَالَ أَمَّا مَن ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُۥ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَىٰ رَبِّهِۦ فَيُعَذِّبُهُۥ عَذَابًا نُّكْرًا ۝٨٧ وَأَمَّا مَنْ ءَامَنَ وَعَمِلَ صَٰلِحًا فَلَهُۥ جَزَآءً ٱلْحُسْنَىٰ وَسَنَقُولُ لَهُۥ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا ۝٨٨ ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا ۝٨٩ حَتَّىٰٓ إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ ٱلشَّمْسِ وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَىٰ قَوْمٍ لَّمْ نَجْعَل لَّهُم مِّن دُونِهَا سِتْرًا ۝٩٠

{قَالَ أَمَّا مَن ظَلَمَ} أي: كفر، {فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ}، أي: نقتله، {ثُمَّ يُرَدُّ إِلَىٰ رَبِّهِ}، في الآخرة {فَيُعَذِّبُهُ عَذَاباً نُّكْراً} أي: منكراً، يعني: بالنار، والنار أنكر من القتل.

{وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَـٰلِحاً فَلَهُ جَزَآءً ٱلْحُسْنَىٰ}، قرأ حمزة، والكسائي وحفص، ويعقوب: {جزاءً} منصوباً منوناً أي: فله الحسنى {جزاءً} نصب على المصدر وهو مصدر وقع موقع الحال، أي: فله الحسنى مجزياً بها.

وقرأ الآخرون: بالرفع على الإِضافة، فالحسنى: الجنة أضاف الجزاء إليها، كما قال:

{ وَلَدَارُ ٱلأَخِرَةِ خَيْرٌ }[يوسف: 109]، والدار هي الآخرة.

وقيل: المراد بـ "الحسنى" على هذه القراءة: الأعمال الصالحة. أي له جزاءُ الأعمال الصالحة.

{وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْراً}، أي: نلين له القول، ونعامله باليسر من أمرنا. وقال مجاهد: "يسراً" أي: معروفاً.

{ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَباً}، أي: سلك طرقاً ومنازل.

{حَتَّىٰ إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ ٱلشَّمْسِ}، أي موضع طلوعها، {وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَىٰ قَوْمٍ لَّمْ نَجْعَل لَّهُم مِّن دُونِهَا سِتْراً}، قال قتادة، والحسن: لم يكن بينهم وبين الشمس ستر، وذلك أنهم كانوا في مكان لا يستقر عليه بناء، فكانوا يكونون في أسرابٍ لهم، حتى إذا زالت الشمس عنهم خرجوا إلى معايشهم وحروثهم.

وقال الحسن: كانوا إذا طلعت الشمس يدخلون الماء، فإذا ارتفعت عنهم خرجوا يتراعون كالبهائم.

وقال الكلبي: هم قوم عراة، يفترش أحدهم إحدى أذنيه، ويلتحف بالأخرى.

كَذَٰلِكَ وَقَدْ أَحَطْنَا بِمَا لَدَيْهِ خُبْرًا ۝٩١ ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا ۝٩٢ حَتَّىٰٓ إِذَا بَلَغَ بَيْنَ ٱلسَّدَّيْنِ وَجَدَ مِن دُونِهِمَا قَوْمًا لَّا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا ۝٩٣ قَالُوا۟ يَٰذَا ٱلْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِى ٱلْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَىٰٓ أَن تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا ۝٩٤

قوله عزّ وجلّ: {كَذَٰلِكَ}، قيل: معناه كما بلغ مغرب الشمس كذلك بلغ مطلعها، والصحيح أن معناه: كما حكم في القوم الذين هم عند مغرب الشمس كذلك حكم في الذين هم عند مطلع الشمس، {وَقَدْ أَحَطْنَا بِمَا لَدَيْهِ خُبْراً}، يعني: بما عنده ومعه من الجند، والعدة، والآلات "خبراً" أي: علماً.

{ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَباً}.

{حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ}، قرأ ابن كثير وأبو عمروٍ وحفصٌ {السدين} و {سداً} هاهنا بفتح السين، وافق حمزة والكسائي في "سَداً"، وقرأ الباقون: بضم السين، وفي يس "سداً" بالفتح حمزة والكسائي، وحفص وقرأ الباقون بالضم، منهم من قال: هما لغتان، معناهما واحد. وقال عكرمة: ما كان من صنعة بني آدم فهو السَّد بالفتح، وما كان من صنع الله فهو سُدٌّ بالضم، وقاله أبو عمرو. وقيل: "السَّد": بالفتح مصدر، وبالضم اسم، وهما هاهنا: جبلان، سدَّ ذو القرنين ما بينهما، حاجزاً بين يأجوج ومأجوج ومن ورائهم. {وَجَدَ مِن دُونِهِمَا قَوْماً} يعني: أمام السّدَّيْن. {لاَّ يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلاً}، قرأ حمزة، والكسائي: "يُفْقِهُون" بضم الياء وكسر القاف على معنى لا يفقهون غيرهم قولاً، وقرأ الآخرون: بفتح الياء والقاف، أي لا يفقهون كلام غيرهم، قال ابن عباس: لا يفقهون كلام أحد، ولا يفهم الناس كلامهم.

{قَالُواْ يَٰذَا ٱلْقَرْنَيْنِ} فإن قيل: كيف قالوا ذلك وهم لا يفقهون؟.

قيل: كلَّم عنهم مترجم، دليله قراءة ابن مسعود: لا يكادون يفقهون قولاً قال الذين من دونهم ياذا القرنين.

{إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ}، قرأهما عاصم بهمزتين، وكذلك في الأنبياء، "فتحت يأجوج ومأجوج"، والآخرون بغير همز في السورتين، وهما لغتان، أصلهما من أجيج النار، وهو ضوؤها وشررها، شُبِّهوا به لكثرتهم وشدتهم.

وقيل: بالهمزة من شدة أجيج النار، وبترك الهمز اسمان أعجميان، مثل هاروت وماروت، وهم من أولاد يافث بن نوح.

قال الضحاك: هم جيل من الترك. قال السدي: الترك سرية من يأجوج ومأجوج، خرجت فضرب ذو القرنين السد، فبقيت خارجه، فجميع الترك منهم. وعن قتادة: أنهم اثنان وعشرون قبيلة، بنى ذو القرنين السدّ على إحدى وعشرين قبيلة فبقيت قبيلة واحدة فهم الترك، سموا الترك لأنهم تُركوا خارجين.

قال أهل التواريخ: أولاد نوح ثلاثة سام وحام ويافث، فسام أبو العرب والعجم والروم، وحام أبو الحبشة والزنج والنوبة، ويافث أبو الترك والخزر والصقالبة، ويأجوج ومأجوج، قال ابن عباس في رواية عطاء: هم عشرة أجزاء وولد آدم كلهم جزء. روي عن حذيفة مرفوعاً: إن يأجوج أمة، ومأجوج أمة، كل أمة أربعمائة ألف أمة، لا يموت الرجل منهم حتى ينظر إلى ألف ذكر من صلبه، كلهم قد حمل السلاح وهم من ولد آدم، يسيرون إلى خراب الدنيا. وقيل: هم ثلاثة أصناف صنف منهم أمثال الأرز، شجر بالشام، طوله عشرون ومائة ذراع في السماء، وصنف منهم عرضه وطوله سواء، عشرون ومائة ذراع، وهؤلاء لا يقوم لهم جبل ولا حديد، وصنف منهم يفترش أحدهم إحدى أذنيه ويلتحف الأخرى، لا يمرون بفيل ولا وحش ولا خنزير إلا أكلوه، ومن مات منهم أكلوه، مقدمتهم بالشام وساقتهم بخراسان، يشربون أنهار المشارق وبحيرة طبرية.

وعن علي أنه قال: منهم من طوله شبر، ومنهم من هو مفرط في الطول.

وقال كعب: هم نادرة في ولد آدم وذلك أن آدم احتلم ذات يوم وامتزجت نطفته بالتراب، فخلق الله من ذلك الماء يأجوج ومأجوج فهم يتصلون بنا من جهة الأب دون الأم.

وذكر وهب بن منبه: أن ذا القرنين كان رجلاً من الروم ابن عجوز، فلما بلغ كان عبداً صالحاً. قال الله له: إني باعثك إلى أمم مختلفة ألسنتهم، منهم أمتان بينهما طول الأرض: إحداهما عند مغرب الشمس، يقال لها ناسك، والأخرى عند مطلعها، يقال لها منسك، وأمتان بينهما عرض الأرض، إحداهما: في القطر الأيمن، يقال لها: هاويل، والأخرى في قطر الأرض الأيسر يقال لها: تأويل، وأمم في وسط الأرض منهم الجن والإِنس ويأجوج ومأجوج، فقال ذو القرنين: بأي قوة أكابرهم؟ وبأي جمع أكاثرهم؟ وبأي لسان أناطقهم؟ قال الله عزّ وجلّ: إني سأطوقك وأبسط لك لسانك، وأشد عضدك فلا يهولنّك شيء، وألبسك الهيبة فلا يروعك شيء، وأسخر لك النور والظلمة وأجعلهما من جنودك، يهديك النور من أمامك وتحوطك الظلمة من ورائك، فانطلق، حتى أتى مغرب الشمس فوجد جمعاً وعدداً لا يحصيه إلا الله، فكابرهم بالظلمة حتى جمعهم في مكان واحد، فدعاهم إلى الله وعبادته، فمنهم من آمن، ومنهم من صدَّ عنه، فعمد إلى الذين تولوا عنه فأدخل عليهم الظلمة فدخلت في أجوافهم وبيوتهم فدخلوا في دعوته، فجنّد من أهل المغرب جنداً عظيماً فانطلق يقودهم والظلمة تسوقهم حتى أتى هاويل فعمل فيهم كعمله في ناسك، ثم مضى حتى انتهى إلى منسك عند مطلع الشمس، فعمل فيها وجنّد منها جنوداً كفعله في الأمتين، ثم أخذ ناحية الأرض اليسرى فأتى تاويل فعمل فيها كعمله فيما قبلها، ثم عمد إلى الأمم التي في وسط الأرض، فلما دنا مما يلي منقطع الترك نحو المشرق، قالت له أمة صالحة من الإِنس: يا ذا القرنين إن بين هذين الجبلين خلقاً أشباه البهائم يفترسون الدواب والوحوش، لهم أنياب وأضراس كالسباع، يأكلون الحيات والعقارب، وكل ذي روح، خلق في الأرض وليس يزداد خلق كزيادتهم، ولا شك أنهم سيملؤون الأرض ويظهرون عليها ويفسدون فيها، فهل نجعل لك خرجاً على أن تجعل بيننا وبينهم سداً، قال ما مكنّي فيه ربي خير، قال: أعدوا إلي الصخور والحديد والنحاس حتى أعلم علمهم، فانطلق حتى توسط بلادهم فوجدهم على مقدار واحد يبلغ طول الواحد منهم مثل نصف الرجل المربوع منا، لهم مخاليب كالأظفار في أيدينا وأنياب وأضراس كالسباع، ولهم هدب من الشعر في أجسادهم ما يواريهم ويتقون به من الحر والبرد، ولكل واحد منهم أذنان عظيمتان يفترش إحداهما ويلتحف بالأخرى يصيف في إحداهما ويشتو في الأخرى، يتسافدون تسافد البهائم حيث التقوا، فلما عاين ذلك ذو القرنين انصرف إلى ما بين الصدفين، فقاس ما بينهما، فحفر له الأساس حتى بلغ الماء، وجعل حشوه الصخر وطينه النحاس، يذاب فيصب عليه، فصار كأنه عرق من جبل تحت الأرض.

قوله تعالى: {قَالُوا يَاذَا ٱلْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِى ٱلأَرْضِ}، قال الكلبي: فسادهم أنهم كانوا يخرجون أيام الربيع إلى أرضهم فلا يدعون فيها شيئاً أخضر إلاّ أكلوه ولا شيئاً يابساً إلاّ احتملوا، وأدخلوه أرضهم، وقد لقوا منهم أذى شديداً وقتلاً.

وقيل: فسادهم أنهم كانوا يأكلون الناس.

وقيل: معناه أنهم سيفسدون في الأرض عند خروجهم.

{فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجاً}، قرأ حمزة والكسائي {خراجاً} بالألف، وقرأ الآخرون {خرجاً} بغير ألف، وهما لغتان بمعنًى واحد، أي جُعْلاً وأجراً من أموالنا.

وقال أبو عمرو: "الخرج": ما تبرعت به، و"الخراج": ما لزمك أداؤه. وقيل: "الخراج": على الأرض، و"الخرج": على الرقاب. يقال: أدِّ خَرْجَ رأسك وخراج مدينتك.

{عَلَىٰ أَن تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا}، أي حاجزاً، فلا يصلون إلينا.

قَالَ مَا مَكَّنِّى فِيهِ رَبِّى خَيْرٌ فَأَعِينُونِى بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا ۝٩٥

{قَالَ}، لهم ذو القرنين: {مَا مَكَّنِّى فِيهِ}، قرأ ابن كثير {مكنني} بنونين ظاهرين، وقرأ الآخرون بنون واحدة مشددة على الإِدغام، أي ما قوَّاني عليه، {رَبِّى خَيْرٌ}، من جعلكم، {فَأَعِينُونِى بِقُوَّةٍ}، معناه: إني لا أريد المال، بل أعينوني بأبدانكم وقوتكم، {أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا}، أي سداً، قالوا: وما تلك القوة؟ قال: فَعَلةٌ وصُنَّاع يحسنون البناء والعمل، والآلة. قالوا: وما تلك الآلة؟ قال: {ءَاتُونِى زُبَرَ ٱلْحَدِيدِ...}

ءَاتُونِى زُبَرَ ٱلْحَدِيدِ حَتَّىٰٓ إِذَا سَاوَىٰ بَيْنَ ٱلصَّدَفَيْنِ قَالَ ٱنفُخُوا۟ حَتَّىٰٓ إِذَا جَعَلَهُۥ نَارًا قَالَ ءَاتُونِىٓ أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا ۝٩٦ فَمَا ٱسْطَٰعُوٓا۟ أَن يَظْهَرُوهُ وَمَا ٱسْتَطَٰعُوا۟ لَهُۥ نَقْبًا ۝٩٧ قَالَ هَٰذَا رَحْمَةٌ مِّن رَّبِّى فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ رَبِّى جَعَلَهُۥ دَكَّآءَ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّى حَقًّا ۝٩٨

{ءَاتُونِى}: أعطوني، وقرأ أبو بكر: {ائتوني} أي جيئوني، {زُبَرَ ٱلْحَدِيدِ}، أي: قِطَع الحديد، واحدتها زُبْرَة، فأتوه بها وبالحطب، وجعل بعضها على بعض، فلم يزل يجعل الحديد على الحطب والحطب على الحديد، {حَتَّىٰ إِذَا سَاوَىٰ بَيْنَ ٱلصَّدَفَيْنِ}، قرأ ابن كثير، وابن عامر، وأبو عمرو، ويعقوب: بضم الصاد والدال، وجزم أبو بكر الدال، وقرأ الآخرون بفتحها، وهما الجبلان، ساوىٰ: أي: سوى بين طرفي الجبلين.

{قَالَ ٱنفُخُواْ}، وفي القصة: أنه جعل الفحم والحطب في خلال زبر الحديد، ثم قال: انفخوا، يعني: في النار.

{حَتَّىٰ إِذَا جَعَلَهُ نَاراً}، أي صار الحديد ناراً، {قَالَ ءَاتُونِىۤ}، قرأ حمزة وأبو بكر وصلاً، وقرأ الآخرون بقطع الألف. {أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْراً}، أي: آتوني قطراً أفرغ عليه، و"الإِفراغ": الصبّ، و"القِطْر": هو النحاس المذاب، فجعلت النار تأكل الحطب، ويصير النحاس مكان الحطب حتى لزم الحديد النحاس.

قال قتادة: هو كالبُرْدِ المحبَّر، طريقة سوداء وطريقة حمراء. وفي القصة: أن عرضه كان خمسين ذراعاً وارتفاعه مائتي ذراع وطوله فرسخ.

{فَمَا ٱسْطَـٰعُوۤاْ أَن يَظْهَرُوهُ}، أن يعلوه من فوقه لطوله وملاسته، {وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْباً}، من أسفله، لشدَّته ولصلابته. وقرأ حمزة: {فما استطاعوا} بتشديد الطاء أدغم تاء الافتعال في الطاء.

{قَالَ}، يعني ذا القرنين، {هَـٰذَا}، أي السد، {رَحْمَةٌ}، أي: نعمة، {مِّن رَّبِّى فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ رَبِّى}، قيل: القيامة. وقيل: وقت خروجهم. {جَعَلَهُ دَكَّآءَ}، قرأ أهل الكوفة {دكاء} بالمد والهمز، أي: أرضاً ملساء، وقرأ الآخرون بلا مدّ، أي: جعله مدكوكاً مستوياً مع وجه الأرض، {وَكَانَ وَعْدُ رَبِّى حَقّاً}، وروى قتادة عن أبي رافع عن أبي هريرة يرفعه:

أن يأجوج ومأجوج يحفرونه كل يوم حتى إذا كادوا يرون شعاع الشمس قال الذي عليهم: ارجعوا فستحفرونه غداً فيعيده الله كما كان، حتى إذا بلغت مدتهم حفروا حتى إذا كادوا يرون شعاع الشمس، قال الذي عليهم: ارجعوا فستحفرونه غداً إن شاء الله، واستثنى فيعودون إليه وهو كهيئته حين تركوه، فيحفرونه فيخرجون على الناس، فيتبعون المياه ويتحصن الناس في حصونهم منهم، فيرمون بسهامهم إلى السماء، فيرجع فيها كهيئة الدم، فيقولون: قهرنا أهل الأرض وعلونا أهل السماء، فيبعث الله عليها نَغَفَاً في أَقْفَائِهم فيهلكون، وإن دواب الأرض لتسمن وتَشْكَرُ من لحومهم شكراً.«

أخبرنا إسماعيل بن عبدالقاهر، أنبأنا عبد الغافر بن محمد الفارسي، أنبأنا محمد بن عيسى الجلودي، حدثنا إبراهيم بن محمد بن سفيان، حدثنا مسلم بن الحجاج، حدثنا محمد بن مهران الرازي، حدثنا الوليد ابن مسلم، حدثنا عبدالرحمن بن يزيد بن جابر، عن يحيـى بن جابر الطائِيِّ، عن عبدالرحمن ابن جُبَيْر ابن نُفَيْر، عن أبيه جبير بن نفير، عن النَّواس بن سمعان قال:

ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم الدجال ذات غداة فخفَّض فيه ورفَّع حتى ظننَّاه في طائفة النخل، فلما رحنا إليه عرف ذلك فينا، فقال:"ما شأنكم؟" قلنا: يا رسول الله ذكرت الدجال ذات غداة فخفَّضْتَ فيه ورفَّعْتَ، حتى ظنناه في طائفة النخل، فقال: "غيرُ الدجَّالِ أخوفني عليكم؟ إنْ يخرج وأنا فيكم فأنا حجيجه دونكم، وإن يخرج ولست فيكم فكل امرىءٍ حجيجُ نفسه، والله خليفتي على كلِّ مسلم، إنه شاب قَطَطٌ عينه اليمنى طافية، كأني أشبهه بعبد العُزَّىٰ بن قَطَنٍ، فمَنْ أدركه منكم فليقرأ عليه فواتح سورة الكهف، إنه خارج خَلَّةً بين الشام والعراق، فعاث يميناً وعاث شمالاً، يا عباد الله! فاثبتوا" قلنا: يا رسول الله فما لبثه في الأرض؟ قال: "أربعون يوماً يوم كسنة، ويوماً كشهر، ويوم كجمعة، وسائر أيامه كأيامكم" قلنا: يا رسول الله فذلك اليوم الذي كسنة أيكفينا فيه صلاة يوم؟ قال: لا، ٱقْدُرُوا له قَدْرَة، قلنا: يا رسول الله وما إسراعه في الأرض؟ قال: "كالغيث استدبَرَتْهُ الريح، فيأتي على القوم فيدعوهم فيؤمنوا به ويستجيبوا له، فيأمر السماء فتمطر الأرض، فتنبت فتروح عليهم سَارِحَتُهُم أطول ما كانت ذُرَىً وأسبغه ضُروعاً وأمدَّه خواصر، ثم يأتي القوم فيدعوهم فيردون عليه قوله، قال: فينصرف عنهم، فيصبحون ممحلين ليس بأيديهم شيء من أموالهم، ويمر بالخَرِبَةِ، فيقول لها: أَخْرِجي كنوزك، فيتبعه كنوزها كيعاسيب النَّحْل، ثم يدعو رجلاً ممتلئاً شباباً فيضربه بالسيف فيقطعه جَزْلتين رمية الغَرَض، ثم يدعوه فيُقْبِل ويتهلَّل وجهه ويضحك، فبينما هو كذلك إذْ بعث الله المسيح عيسى ابن مريم عليه السلام، فينزل عند المنارة البيضاء شرقَّي باب دمشق، بين مَهْرُورَتَيْن، واضِعاً كفَّيْه على أجنحة مَلَكين، إذا طأطأ رأسه قَطَرَ، وإذا رفعه تحدَّر منه مثل جُمَانِ اللؤلؤ، فلا يحلُّ لكافر يجد ريح نَفَسِه إلا مات، ونَفَسُه ينتهي حيث ينتهي طَرْفُه، فيطلبه حتى يدركه بباب لُدٍّ فيقتله، ثم يأتي عيسى قوم قد عصمهم الله منه فيمسح عن وجوههم ويحدِّثهم بدرجاتهم في الجنة، فبينما هو كذلك إذْ أوحى الله إلى عيسى: إني قد أخرجت عباداً لي لا يَدَانِ لأحد بقتالهم فَحَرِّزْ عبادي إلى الطُّورِ، ويبعث الله يأجوج ومأجوج، وهم من كل حَدَبٍ يَنْسِلون، فيمر أوائلُهم على بحيرة طبريَّةَ فيشربون ما فيها، ويمرّ آخرهم فيقول: لقد كان بهذه مرةً ماء، ويُحْصَرُ نبيُّ الله وأصحابه، حتى يكون رأس الثور لأحدهم خيراً من مائة دينار لأحدِكم اليوم، فيرغب نبي الله عيسى وأصحابه، فيرسل الله عليهم النَّغَفَ في رقابهم فيصبحون فرسى كموت نفس واحدة، ثم يهبط نبي الله عيسى وأصحابه إلى الأرض فلا يجدون في الأرض موضع شبر إلا مَلأَه زَهَمُهُم وَنْتنُهُم، فيرغب نبي الله عيسى وأصحابه إلى الله، فيرسل الله طيراً كأعناق البُخْتِ، فتحملهم فتطرحهم حيث شاء الله، ثم يرسل الله مطراً لا يَكُنُّ منه بيتُ مدرٍ ولا وَبَرٍ فيغسل الأرضَ، حتى يتركها كالزَّلَقَةِ، ثم يقال للأرض: أنبتي ثمرتك، ورُدِّي بركتك، فيومئذ تأكل العصابة من الرُّمَّانة، ويستظلُّون بقِحْفها، ويُبَارَك في الرِّسْل حتى إن اللِّقْحَةَ من الإِبل لتكفي الفئام من الناس، واللِّحقة من البقر لتكفي القبيلة من الناس، واللقحة من الغنم لتكفي الفَخِذَ من النَّاس، فبينما هم كذلك إذ بعث الله ريحاً طيِّبةً، فتأخذهم تحت آباطهم فتقبض روح كلِّ مؤمنِ وكل مسلم، ويبقى شِرَارُ الناس يَتَهارَجُونَ تَهَارُجَ الحُمُرِ، فعليهم تقوم الساعة" .

وبهذا الإِسناد حدثنا مسلم بن الحجاج، حدثنا علي بن حجر السعدي، حدثنا عبدالله بن عبدالرحمن بن يزيد بن جابر، والوليد بن مسلم، عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر بهذا الإِسناد نحو ما ذكرنا وزاد بعد قوله:

لقد كان بهذه مرة ماء -: ثم يسيرون حتى ينتهوا إلى جبل الخَمْرِ وهو جبل بيت المقدس، فيقولون: لقد قتلنا مَنْ في الأرض هَلُمَّ فلنقتل مَنْ في السماء، فيرمون بنشَّابهم إلى السماء، فيرُدُّ الله عليهم نُشَّابهم مخضوبةً دماً.«

وقال وهب: إنهم يأتون البحر فيشربون ماءه ويأكلون دوابه، ثم يأكلون الخشب والشجر، ومن ظفروا به من الناس، ولا يقدرون أن يأتوا مكة ولا المدينة ولا بيت المقدس.

أخبرنا عبد الواحد المليحي، أنبأنا أحمد بن عبدالله النعيمي، أنبأنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، أنبأنا أحمد، أنبأنا أبي، أنبأنا إبراهيم عن الحجاج بن حجاج، عن قتادة عن عبدالله ابن أبي عتبة، عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

ليحجنّ البيت وليعتمرن بعد خروج يأجوج ومأجوج

وفي القصة: أن ذا القرنين دخل الظلمة فلما رجع توفي بشهر زور. وذكر بعضهم: أن عمره كان نيفاً وثلاثين سنة.

وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِى بَعْضٍ وَنُفِخَ فِى ٱلصُّورِ فَجَمَعْنَٰهُمْ جَمْعًا ۝٩٩ وَعَرَضْنَا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِّلْكَٰفِرِينَ عَرْضًا ۝١٠٠ ٱلَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِى غِطَآءٍ عَن ذِكْرِى وَكَانُوا۟ لَا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا ۝١٠١ أَفَحَسِبَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓا۟ أَن يَتَّخِذُوا۟ عِبَادِى مِن دُونِىٓ أَوْلِيَآءَ إِنَّآ أَعْتَدْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَٰفِرِينَ نُزُلًا ۝١٠٢

قوله عزّ وجلّ: {وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِى بَعْضٍ}، قيل: هذا عند فتح السد، يقول: تركنا يأجوج ومأجوج يموج، أي: يدخل، بعضهم في بعض، كموج الماء، ويختلط بعضهم ببعض لكثرتهم.

وقيل: هذا عند قيام الساعة، يدخل الخلق بعضهم في بعض، ويختلط إنسيهم بجنيِّهم حيارىٰ، {وَنُفِخَ فِى ٱلصُّورِ}، لأن خروج يأجوج ومأجوج من علامات قرب الساعة، {فَجَمَعْنَـٰهُمْ جَمْعاً}، في صعيد واحد.

{وَعَرَضْنَا}، أبرزنا، {جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِّلْكَـٰفِرِينَ عَرْضاً}، حتى يشاهدوها عياناً.

{ٱلَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِى غِطَآءٍ}، أي: غشاء، و"الغطاء": ما يغطى به الشيء ويستره، {عَن ذِكْرِي}، يعني: عن الإِيمان والقرآن، وعن الهدى والبيان. وقيل: عن رؤية الدلائل.

{وَكَانُواْ لاَ يَسْتَطِيعُونَ سَمْعاً}، أي: سَمْعَ القَبُولِ، والإِيمانِ، لغلبة الشقاوة عليهم.

وقيل: لا يعقلون وقيل: كانوا لا يستطيعون، أي: لا يقدرون أن يسمعوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يتلوه عليهم لشدة عداوتهم له، كقول الرجل: لا أستطيع أن أسمع من فلان شيئاً، لعداوته.

قوله عزّ وجلّ: {أَفَحَسِبَ}، أفظن، {ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ أَن يَتَّخِذُواْ عِبَادِى مِن دُونِىۤ أَوْلِيَآءَ}، أرباباً، يريد بالعباد: عيسى، والملائكة، كلا بل هم لهم أعداء ويتبرؤون منهم.

قال ابن عباس: يعني الشياطين أطاعوهم من دون الله. وقال مقاتل: الأصنام سُمُّوا عباداً، كما قال:

{ إِنَّ ٱلَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ } [الأعراف: 194] وجواب هذا الاستفهام محذوف.

وقال ابن عباس: يريد إني لأغضب لنفسي، يقول: أفظنَّ الذين كفروا أن يتخذوا غيري أولياء وإني لا أغضب لنفسي ولا أعاقبهم.

وقيل: أفظنوا أنهم ينفعهم أن يتخذوا عبادي من دوني أولياء.

{إِنَّآ أَعْتَدْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَـٰفِرِينَ نُزُلاً}، أي: منزلاً، قال ابن عباس: هي مثواهم. وقيل: النزل ما يهيأ للضيف، يريد: هي معدة لهم عندنا كالنزل للضيف.

الجمعة، 6 نوفمبر 2026 26 جمادى الأولى 1448 هـ