انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة المدثر

تفسير القرطبيالآيات 32–56

تفسير سورة المدثر آية آية، من تفسير القرطبي.

كَلَّا وَٱلْقَمَرِ ۝٣٢ وَٱلَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ ۝٣٣ وَٱلصُّبْحِ إِذَآ أَسْفَرَ ۝٣٤ إِنَّهَا لَإِحْدَى ٱلْكُبَرِ ۝٣٥ نَذِيرًا لِّلْبَشَرِ ۝٣٦ لِمَن شَآءَ مِنكُمْ أَن يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ ۝٣٧ كُلُّ نَفْسٍۭ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ ۝٣٨ إِلَّآ أَصْحَٰبَ ٱلْيَمِينِ ۝٣٩ فِى جَنَّٰتٍ يَتَسَآءَلُونَ ۝٤٠ عَنِ ٱلْمُجْرِمِينَ ۝٤١ مَا سَلَكَكُمْ فِى سَقَرَ ۝٤٢ قَالُوا۟ لَمْ نَكُ مِنَ ٱلْمُصَلِّينَ ۝٤٣ وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ ٱلْمِسْكِينَ ۝٤٤ وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ ٱلْخَآئِضِينَ ۝٤٥ وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ ٱلدِّينِ ۝٤٦ حَتَّىٰٓ أَتَىٰنَا ٱلْيَقِينُ ۝٤٧ فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَٰعَةُ ٱلشَّٰفِعِينَ ۝٤٨

قوله تعالى: {كَلاَّ وَٱلْقَمَرِ} قال الفراء: «كَلاَّ» صلة للقسم، التقدير أي والقمر. وقيل: المعنى حقاً والقمر؛ فلا يوقف على هذين التقديرين على «كَلاَّ» وأجاز الطّبريّ الوقف عليها، وجعلها ردًّا للذين زعموا أنهم يقاومون خَزَنة جهنم؛ أي ليس الأمر كما يقول من زعم أنه يقاوم خزنة النار. ثم أقسم على ذلك جلّ وعزّ بالقمر وبما بعده، فقال: {وَٱللَّيْلِ إِذَا أَدْبَرَ} أي وَلَّى وكذلك «دَبَر». وقرأ نافع وحمزة وحفص «إِذْ أَدْبَرَ» الباقون «إذَا» بألف و «دَبَرَ» بغير ألف وهما لغتان بمعنًى؛ يقال: دَبَر وأدبر، وكذلك قَبِل الليل وأقبل. وقد قالوا: أمس الدابر والمدبر؛ قال صخر بن عمرو بن الشَّريد السُّلَميّ:

وَلَقَدْ قَتَلْنَاكُمُ ثُنَاءَ وَمَوْحَداًوَتَرَكْتُ مُرَّةَ مِثْلَ أَمْس الدَّابِرِ

ويروي المدبِر. وهذا قول الفراء والأخفش. وقال بعض أهل اللغة: دَبَر الليل: إذا مضى، وأدبر: أخذ في الإدبار. وقال مجاهد: سألت ٱبن عباس عن قوله تعالى: «وَاللَّيْلِ إِذَا دَبَرَ» فسكت حتى إذا دَبَر قال: يا مجاهد، هذا حين دَبَرَ الليلُ. وقرأ محمد بن السَّمَيقْعَ {وَٱللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ} بألفين، وكذلك في مصحف عبد الله وَأُبَيّ بألفين. وقال قُطرب من قرأ «دَبَرَ» فيعني أقبل، من قول العرب دَبَر فلان: إذا جاء من خلفي. قال أبو عمرو: وهي لغة قريش. وقال ٱبن عباس في رواية عنه: الصواب: «أَدْبَرَ» إنما يَدْبَر ظهرَ البعير. وٱختار أبو عُبيد: «إِذَا أَدْبَرَ» قال: لأنها أكثر موافقة للحروف التي تليه؛ ألا تراه يقول: {وَٱلصُّبْحِ إِذَآ أَسْفَرَ}، فكيف يكون أحدهما «إذ» والآخر «إذا»، وليس في القرآن قَسَم تعقبه «إذ» وإنما يتعقبه «إذا». ومعنى «أَسْفَرَ»: ضاء. وقراءة العامة «أَسْفَرَ» بالألف. وقرأ ٱبن السَّمَيْقَع: «سَفَرَ». وهما لغتان. يقال: سَفَر وجهُ فلان وأسفر: إذا أضاء. وفي الحديث:أسِفروا بالفجر، فإنه أعظم للأجرأي صلّوا صلاة الصبح مُسْفِرين، ويقال: طَوِّلوها إلى الإسفار، والإسفار: الإنارة. وأسفر وجهه حسناً أي أشرق، وسفرت المرأة كشفت عن وجهها فهي سافر. ويجوز أن يكون (من) سَفَر الظلامَ أي كنسه، كما يُسفَر البيت؛ أي يُكنَس؛ ومنه السَّفير: لما سقط من ورق الشجر وتَحاتَّ؛ يقال: إنما سمي سفيراً لأن الريح تَسِفره أي تكنُسه. والمِسْفَرة: المِكْنَسة.

قوله تعالى: {إِنَّهَا لإِحْدَى ٱلْكُبَرِ} جواب القسم؛ أي إن هذه النار {لإِحْدَى ٱلْكُبَرِ} أي لإحدى الدواهي. وفي تفسير مقاتل «الْكُبَر»: ٱسم من أسماء النار. وروي عن ٱبن عباس «إنَّهَا» أي إن تكذيبهم بمحمد صلى الله عليه وسلم {لإِحْدَى ٱلْكُبَرِ} أي لَكبيرة من الكبائر. وقيل: أي إن قيام الساعة لإحدى الكُبَر. والكُبَر: هي العظائم من العقوبات؛ قال الراجز:

يا بن المُعَلَّي نَزلتْ إحدى الكُبَرْداهيةُ الدهْر وصَمَّاءُ الغِيَرْ

وواحدة «الكُبَر»، كُبرى مثل الصُّغْرى والصُّغَر، والعُظْمى والعُظَم. وقرأ العامة «لإِحْدَى» وهو ٱسم بني ٱبتداء للتأنيث، وليس مبنيًّا على المذكر؛ نحو عُقْبَى وأخرى، وألفه ألف قطع، لا تذهب في الوصل. وروى جرير بن حازم عن ٱبن كثير «إنَّهَا لَحْدى الكُبَر» بحذف الهمزة. {نَذِيراً لِّلْبَشَرِ} يريد النار؛ أي إن هذه النار الموصوفة {نَذِيراً لِّلْبَشَرِ} فهو نصب على الحال من المضمر في «إِنَّهَا» قاله الزجاج. وذُكِّر؛ لأن معناه معنى العذاب، أو أراد ذات إنذار على معنى النَّسب؛ كقولهم: ٱمرأة طالق وطاهر. وقال الخليل: النذير: مصدر كالنكير، ولذلك يوصف به المؤنث. وقال الحسن: والله ما أنذر الخلائق بشيء أدهى منها. وقيل: المراد بالنذير محمد صلى الله عليه وسلم؛ أي قم نذيراً للبشر، أي مُخَوِّفاً لهم فـ «ـنَذيراً» حال من «قُمْ» في أوّل السورة حين قال: {قُمْ فَأَنذِرْ} قال أبو علي الفارسيّ وابن زيد، وروى عن ٱبن عباس وأنكره الفراء. ٱبن الأنباري: وقال بعض المفسرين معناه «يَٰأَيُّهَا الْمُدَّثِّرْ قُمْ نَذِيراً لِلْبَشَرِ». وهذا قبيح؛ لأن الكلام قد طال فيما بينهما. وقيل: هو من صفة الله تعالى. روي أبو معاوية الضرير: حدّثنا إسماعيل بن سميع عن أبي رزَين {نَذِيراً لِّلْبَشَرِ} قال: يقول الله عز وجل: أنا لكم منها نذير فٱتقوها. و «نَذِيراً» على هذا نصب على الحال؛ أي «وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلاَّ مَلاَئِكَةً» منذراً بذلك البشر. وقيل: هو حال من «هو» في قوله تعالى: {وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ}. وقيل: هو في موضع المصدر؛ كأنه قال: إِنذاراً للبشر. قال الفراء: يجوز أن يكون النذير بمعنى الإنذار، أي أنذر إنذاراً؛ فهو كقوله تعالى: {فكيف كان نذير} أي إنذاري؛ فعلى هذا يكون راجعاً إلى أوّل السورة؛ أي {قُمْ فَأَنذِرْ} أي إنذاراً. وقيل: هو منصوب بإضمار فعل. وقرأ ٱبن أبي عَبْلة «نَذِيرٌ» بالرفع، على إضمار هو. وقيل: أي إن القرآن نذير للبشر، لما تضمنه من الوعد والوعيد.

قوله تعالى: {لِمَن شَآءَ مِنكُمْ أَن يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ} اللام متعلقة بـ «ـنذيراً»، أي نذيراً لمن شاء منكم أن يتقدّم إلى الخير والطاعة، أو يتأخر إلى الشر والمعصية؛ نظيره:

{ { وَلَقَدْ عَلِمْنَا ٱلْمُسْتَقْدِمِينَ مِنكُمْ } } [الحجر: 24] أي في الخير { { وَلَقَدْ عَلِمْنَا ٱلْمُسْتَأْخِرِينَ } } [الحجر: 24] عنه. قال الحسن: هذا وعيد وتهديد وإن خرج مخرج الخبر؛ كقوله تعالى: { { فَمَن شَآءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَآءَ فَلْيَكْفُرْ } } [الكهف: 29]. وقال بعض أهل التأويل: معناه لمن شاء الله أن يتقدّم أو يتأخر؛ فالمشيئة متصلة بالله جل ثناؤه، والتقديم الإِيمان، والتأخير الكفر. وكان ٱبن عباس يقول: هذا تهديد وإعلام أن من تقدم إلى الطاعة والإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم جوزيَ بثواب لا ينقطع، ومن تأخر عن الطاعة وكذب محمداً صلى الله عليه وسلم عوقب عقاباً لا ينقطع. وقال السّديّ: {لِمَن شَآءَ مِنكُمْ أَن يَتَقَدَّمَ} إلى النار المتقدم ذكرها، {أَوْ يَتَأَخَّرَ} عنها إلى الجنة.

قوله تعالى: {كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ} أي مرتهنة بكسبها، مأخوذة بعملها، إما خلَّصها وإما أوبقها. وليست «رَهِينَةٌ» تأنيث رهين في قوله تعالى:

{ { كُلُّ ٱمْرِىءٍ بِمَا كَسَبَ رَهَينٌ } } [الطور: 21] لتأنيث النفس؛ لأنه لو قُصدت الصفة لقيل رهين؛ لأن فعيلا بمعنى مفعول يستوى فيه المذكر والمؤنث. وإنما هو اسم بمعنى الرهن كالشتيمة بمعنى الشتم؛ كأنه قيل: كل نفس بما كسبت رهين؛ ومنه بيت الحماسة:

أبْعَدَ الذي بالنَّعْفِ نَعْفِ كُوَيْكَبٍرهِينَةُ رَمْسٍ ذِي تُرابٍ وجَنْدَلِ

كأنه قال رَهْن رمسٍ. والمعنى: كل نفس رهن بكسبها عند الله غير مفكوك {إِلاَّ أَصْحَابَ ٱلْيَمِينِ} فإنهم لا يُرْتهنون بذنوبهم. وٱختلف في تعيينهم؛ فقال ٱبن عباس: الملائكة. علي بن أبي طالب: أولاد المسلمين لم يكتسبوا فيُرتهنوا بكسبهم. الضحاك: الذين سبقت لهم من الله الحسنى، ونحوه عن ٱبن جريج؛ قال: كل نفس بعملها محاسبة {إِلاَّ أَصْحَابَ ٱلْيَمِينِ} وهم أهل الجنة، فإنهم لا يحاسبون. وكذا قال مقاتل أيضاً: هم أصحاب الجنة الذين كانوا عن يمين آدم يوم الميثاق حين قال الله لهم: هؤلاء في الجنة ولا أبالي. وقال الحسن وٱبن كَيْسان: هم المسلمون المخلصون ليسوا بمرتهنين؛ لأنهم أدّوا ما كان عليهم. وعن أبي ظبيان عن ٱبن عباس قال: هم المسلمون. وقيل: إلا أصحاب الحق وأهل الإيمان. وقيل: هم الذين يُعطَون كتبهم بأيمانهم. وقال أبو جعفر الباقر: نحن وشيعتنا أصحاب اليمين، وكل من أبغضنا أهلَ البيت فهم المرتهنون. وقال الحكم: هم الذين ٱختارهم الله لخدمته، فلم يدخلوا في الرهن، لأنهم خدام الله وصفوته وكسبهم لم يضرهم. وقال القاسم: كل نفس مأخوذة بكسبها من خير أو شر، إلا من ٱعتمد على الفضل والرحمة، دون الكسب والخدمة، فكل من ٱعتمد على الكسب فهو مرهون، وكل من ٱعتمد على الفضل فهو غير مأخوذ به. {فِي جَنَّاتٍ} أي في بساتين {يَتَسَآءَلُونَ} أي يسألون {عَنِ ٱلْمُجْرِمِينَ} أي المشركين {مَا سَلَكَكُمْ} أي أدخلكم {فِي سَقَرَ} كما تقول: سلكت الخيط في كذا أي أدخلته فيه. قال الكلبيّ: فيَسأل الرجل من أهل الجنة الرجل من أهل النار باسمه، فيقول له: يا فلان وفي قراءة عبد الله بن الزبير «يا فلانُ ما سَلَكَك فِي سَقَرَ»؟ وعنه قال: قرأ عمر بن الخطاب «يا فلانُ ما سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ» وهي قراءة على التفسير، لا أنها قرآن كما زعم من طعن في القرآن؛ قاله أبو بكر بن الأنباري. وقيل: إن المؤمنين يسألون الملائكة عن أقربائهم، فتسأل الملائكة المشركين فيقولون لهم: {مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ}. قال الفراء: في هذا ما يقوي أن أصحاب اليَمِينِ الوِلدان؛ لأنهم لا يعرفون الذنوب. {قَالُواْ} يعني أهل النار {لَمْ نَكُ مِنَ ٱلْمُصَلِّينَ} أي المؤمنين الذين يصلون. {وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ ٱلْمِسْكِينَ} أي لم نك نتصدق. {وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ ٱلُخَآئِضِينَ} أي كنا نخالط أهل الباطل في باطلهم. وقال ٱبن زيد: نخوض مع الخائضين في أمر محمد صلى الله عليه وسلم، وهو قولهم ـ لعنهم الله ـ كاهن، مجنون، شاعر، ساحر. وقال السّديّ: أي وكنا نكّذب مع المكّذبين. وقال قتادة: كلما غَوَى غاوٍ غَوَينا معه. وقيل معناه: وكنا أتباعاً ولم نكن متبوعين. {وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ ٱلدِّينِ} أي لم نك نصدّق بيوم القيامة، يوم الجزاء والحكم. قوله تعالى: {حَتَّىٰ أَتَانَا ٱلْيَقِينُ} أي جاءنا ونزل بنا الموت؛ ومنه قوله تعالى: { { وَٱعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّىٰ يَأْتِيَكَ ٱلْيَقِينُ } } [الحجر: 99].

قوله تعالى: {فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَاعَةُ ٱلشَّافِعِينَ} هذا دليل على صحة الشفاعة للمذنبين؛ وذلك أن قوماً من أهل التوحيد عُذّبوا بذنوبهم، ثم شُفِعَ فيهم، فرحمهم الله بتوحيدهم والشفاعة، فأخرجوا من النار، وليس للكفار شفيع يشفع فيهم. وقال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: يشفع نبيكم صلى الله عليه وسلم رابع أربعة: جبريل، ثم إبراهيم، ثم موسى أو عيسى، ثم نبيكم صلى الله عليه وسلم، ثم الملائكة، ثم النبيون، ثم الصديقون، ثم الشهداء، ويبقى قوم في جهنم، فيقال لهم: {مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ * قَالُواْ لَمْ نَكُ مِنَ ٱلْمُصَلِّينَ * وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ ٱلْمِسْكِينَ} إلى قوله: {فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَاعَةُ ٱلشَّافِعِينَ} قال عبد الله ابن مسعود: فهؤلاء هم الذين يبقَون في جهنم؛ وقد ذكرنا إسناده في كتاب «التذكرة».

فَمَا لَهُمْ عَنِ ٱلتَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ ۝٤٩ كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُّسْتَنفِرَةٌ ۝٥٠ فَرَّتْ مِن قَسْوَرَةٍۭ ۝٥١ بَلْ يُرِيدُ كُلُّ ٱمْرِئٍ مِّنْهُمْ أَن يُؤْتَىٰ صُحُفًا مُّنَشَّرَةً ۝٥٢ كَلَّا بَل لَّا يَخَافُونَ ٱلْـَٔاخِرَةَ ۝٥٣

قوله تعالى: {فَمَا لَهُمْ عَنِ ٱلتَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ} أي فما لأهل مكة قد أعرضوا وولَّوا عما جِئتم به. وفي تفسير مقاتل: الإعراض عن القرآن من وجهين: أحدهما الجحود والإنكار، والوجه الآخر ترك العمل بما فيه. و «مُعْرِضِينَ» نصب على الحال من الهاء والميم في «لَهُمْ» وفي اللام معنى الفعل؛ فٱنتصاب الحال على معنى الفعل. {كَأَنَّهُمْ} أي كأن هؤلاء الكفار في فرارهم من محمد صلى الله عليه وسلم {حُمُرٌ مُّسْتَنفِرَةٌ} قال ٱبن عباس: أراد الحمر الوحشية. وقرأ نافع وٱبن عامر بفتح الفاء، أي مُنَفَّرة مذعورة؛ وٱختاره أبو عبيد وأبو حاتم. الباقون بالكسر، أي نافرة. يقال: نَفَرت وٱسْتَنفرت بمعنًى؛ مثل عَجِبت وٱسْتَعجبت، وسَخِرت وٱسْتَسخرت، وأنشد الفراء:

أَمْسِكْ حِمَارَك إنّه مُسْتَنْفِرٌفي إِثْرِ أَحْمِرَةٍ عَمَدْنَ لِغُرّبِ

قوله تعالى: {فَرَّتْ} أي نفرت وهربت {مِن قَسْوَرَةٍ} أي من رُماة يرمونها. وقال بعض أهل اللغة: إن القسورة الرامي، وجمعه القَسْورة. وكذا قال سعيد بن جبير وعكرمة ومجاهد وقتادة والضحاك وٱبن كَيْسان: القسْورة: هم الرّماة والصيادون، ورواه عطاء عن ٱبن عباس وأبو (ظَبيان) عن أبي موسى الأشعري. وقيل: إنه الأسد؛ قاله أبو هريرة وٱبن عباس أيضاً. ٱبن عرفة: من القَسْر بمعنى القَهْر أي؛ إنه يقهر السباع، والحمر الوحشية تهرب من السباع. وروى أبو جمرة عن ٱبن عباس قال: ما أعلم القسورةَ الأسَد في لغة أحد من العرب، ولكنها عُصَب الرجال؛ قال: فالقسورة جمع الرجال، وأنشد:

يا بنتُ كُونِي خَيْرةً لِخيِّرهأخوالُها الجنّ وأهلُ القَسْوَرَهْ

وعنه: رِكْز الناس أي حسّهم وأصواتهم. وعنه أيضاً: «فَرّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ» أي من حبال الصيادين. وعنه أيضاً: القسورة بلسان العرب: الأسد، وبلسان الحبشة: الرماة؛ وبلسان فارس: شير، وبلسان النَّبَط: أريا. وقال ٱبن الأعرابي: القسورة: أوّلُ الليل؛ أي فّرت من ظلمة الليل. وقاله عِكرمة أيضاً. وقيل: هو أوّل سواد الليل، ولا يقال لآخر سواد الليل قَسْورة. وقال زيد بن أسلم: من رجال أقوياء، وكل شديد عند العرب فهو قسورة وقَسْور. وقال لبيد بن ربيعة:

إذا ما هَتْفنا هَتفةً في نَدِيِّناأتانا الرجالُ العائدون القَسَاوِر

قوله تعالى: {بَلْ يُرِيدُ كُلُّ ٱمْرِىءٍ مِّنْهُمْ أَن يُؤْتَىٰ صُحُفاً مُّنَشَّرَةً} أي يعطي كتباً مفتوحة؛ وذلك أن أبا جهل وجماعة من قريش قالوا: يا محمد! ٱيتنا بكتب من ربّ العالمين مكتوب فيها: إني قد أرسلتُ إليكم محمداً، صلى الله عليه وسلم. نظيره: { { وَلَن نُّؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَاباً نَّقْرَؤُهُ } } [الإسراء: 93]. وقال ٱبن عباس: كانوا يقولون إن كان محمد صادقاً فليصبح عند كل رجل منا صحيفة فيها براءته وأمنه من النار. قال مطر الورّاق: أرادوا أن يُعطَوا بغير عمل. وقال الكلبيّ: قال المشركون: بلغنا أن الرجل من بني إسرائيل كان يصبح عند رأسه مكتوباً ذنبه وكفارته، فأتنا بمثل ذلك. وقال مجاهد: أرادوا أن ينزل على كل واحد منهم كتاب فيه من الله عز وجل: إلى فلان بن فلان. وقيل: المعنى أن يذكر بذكر جميل، فجعلت الصحف موضع الذكر مجازاً. وقالوا: إذا كانت ذنوب الإنسان تكتب عليه فما بالنا لا نرى ذلك؟ {كَلاَّ} أي ليس يكون ذلك. وقيل: حقًّا. والأوّل أجود؛ لأنه رد لقولهم. {بَل لاَّ يَخَافُونَ ٱلآخِرَةَ} أي لا أعطيهم ما يتمنون لأنهم لا يخافون الآخرة، ٱغتراراً بالدنيا. وقرأ سعيد بن جبير «صُحْفاً مُنْشَرَةً» بسكون الحاء والنون، فأما تسكين الحاء فتخفيف، وأما النون فشاذ. إنما يقال: نشرت الثوب وشبهه ولا يقال أنشرت. ويجوز أن يكون شبه الصحيفة بالميت كأنها ميتة بطيها، فإذا نشرت حييت، فجاء على أنشر الله الميت كما شبه إحياء الميت بنشر الثوب، فقيل فيه نشر الله الميت، فهي لغة فيه.

كَلَّآ إِنَّهُۥ تَذْكِرَةٌ ۝٥٤ فَمَن شَآءَ ذَكَرَهُۥ ۝٥٥ وَمَا يَذْكُرُونَ إِلَّآ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ هُوَ أَهْلُ ٱلتَّقْوَىٰ وَأَهْلُ ٱلْمَغْفِرَةِ ۝٥٦

قوله تعالى: {كَلاَّ إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ} أي حقًّا إن القرآن عظة. {فَمَن شَآءَ ذَكَرَهُ} أي ٱتعظ به. {وَمَا يَذْكُرُونَ} أي وما يتعظون {إِلاَّ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ} أي ليس يقدرون على الاتعاظ والتذكر إلا بمشيئة الله ذلك لهم. وقراءة العامة «يَذْكُرُونَ» بالياء وٱختاره أبو عبيد؛ لقوله تعالى:

{ { كَلاَّ بَل لاَّ يَخَافُونَ ٱلآخِرَةَ } } [المدثر: 53]. وقرأ نافع ويعقوب بالتاء، وٱختاره أبو حاتم، لأنه أعمّ وٱتفقوا على تخفيفها. {هُوَ أَهْلُ ٱلتَّقْوَىٰ وَأَهْلُ ٱلْمَغْفِرَةِ} في الترمذيّ وسنن ٱبن ماجه عن أنس بن مالك. عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال في هذه الآية: {هُوَ أَهْلُ ٱلتَّقْوَىٰ وَأَهْلُ ٱلْمَغْفِرَةِ} قال:قال الله تبارك وتعالى أنا أهل أن أُتَّقي فمن ٱتقاني فلم يجعل معي إلٰهاً فأنا أهلٌ أن أغفر لهلفظ الترمذي، وقال فيه: حديث حسن غريب. وفي بعض التفسير: هو أهل المغفرة لمن تاب إليه من الذنوب الكبار، وأهل المغفرة أيضاً للذنوب الصغار، باجتناب الذنوب الكبار. وقال محمد بن نصر: أنا أهلٌ أن يتقيني عبدي، فإن لم يفعل كنت أهلاً أن أغفر له وأرحمه، وأنا الغفور الرحيم.
الأربعاء، 28 أكتوبر 2026 17 جمادى الأولى 1448 هـ