انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة المدثر

تفسير ابن كثيرالآيات 1–56

تفسير سورة المدثر آية آية، من تفسير ابن كثير.

بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ

يَٰٓأَيُّهَا ٱلْمُدَّثِّرُ ۝١ قُمْ فَأَنذِرْ ۝٢ وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ ۝٣ وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ ۝٤ وَٱلرُّجْزَ فَٱهْجُرْ ۝٥ وَلَا تَمْنُن تَسْتَكْثِرُ ۝٦ وَلِرَبِّكَ فَٱصْبِرْ ۝٧ فَإِذَا نُقِرَ فِى ٱلنَّاقُورِ ۝٨ فَذَٰلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ ۝٩ عَلَى ٱلْكَٰفِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ ۝١٠

ثبت في "صحيح البخاري" من حديث يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن جابر أنه كان يقول: أول شيء نزل من القرآن { يٰأَيُّهَا ٱلْمُدَّثِّرُ} وخالفه الجمهور فذهبوا إلى أن أول القرآن نزولاً قوله تعالى:

{ ٱقْرَأْ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلَّذِى خَلَقَ }[العلق: 1] كما سيأتي ذلك هنالك إن شاء الله تعالى. قال البخاري: حدثنا يحيى، حدثنا وكيع عن علي بن المبارك، عن يحيى بن أبي كثير قال: سألت أبا سلمة بن عبد الرحمن عن أول ما نزل من القرآن فقال: { يٰأَيُّهَا ٱلْمُدَّثِّرُ} قلت يقولون: { ٱقْرَأْ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلَّذِى خَلَقَ }[العلق: 1] فقال أبو سلمة: سألت جابر بن عبد الله عن ذلك، وقلت له مثل ما قلت لي، فقال جابر: لا أحدثك إلا ما حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:جاورت بحراء، فلما قضيت جواري، هبطت فنوديت، فنظرت عن يميني فلم أر شيئاً، ونظرت عن شمالي فلم أر شيئاً، ونظرت أمامي فلم أر شيئاً، ونظرت خلفي فلم أر شيئاً، فرفعت رأسي فرأيت شيئاً، فأتيت خديجة، فقلت: دثروني وصبوا عليَّ ماء بارداً ــــ قال ــــ فدثروني وصبوا علي ماء بارداً ــــ قال ــــ فنزلت: { يٰأَيُّهَا ٱلْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنذِرْ وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ}هكذا ساقه من هذا الوجه. وقد رواه مسلم من طريق عقيل عن ابن شهاب عن أبي سلمة قال: أخبرني جابر بن عبد الله أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يحدث عن فترة الوحي، فقال في حديثه:فبينا أنا أمشي، إذ سمعت صوتاً من السماء، فرفعت بصري قبل السماء، فإذا الملك الذي جاءني بحراء قاعد على كرسي بين السماء والأرض، فجئثت منه حتى هويت إلى الأرض، فجئت إلى أهلي فقلت: زملوني زملوني، فزملوني، فأنزل الله تعالى: { يٰأَيُّهَا ٱلْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنذِرْ } ــــ إلى ــــ ــــ قال أبو سلمة: والرجز: الأوثان ــــ ثم حمي الوحي وتتابعهذا لفظ البخاري، وهذا السياق هو المحفوظ، وهو يقتضي أنه قد نزل الوحي قبل هذا؛ لقوله:فإذا الملك الذي جاءني بحراءوهو جبريل حين أتاه بقوله: { ٱقْرَأْ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلَّذِي خَلَقَ خَلَقَ ٱلإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ ٱقْرَأْ وَرَبُّكَ ٱلأَكْرَمُ ٱلَّذِى عَلَّمَ بِٱلْقَلَمِ عَلَّمَ ٱلإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ }[العلق: 1 ــــ 5] ثم إنه حصل بعد هذا فترة، ثم نزل الملك بعد هذا.

ووجه الجمع أن أول شيء نزل بعد فترة الوحي هذه السورة؛ كما قال الإمام أحمد: حدثنا حجاج، حدثنا ليث، حدثنا عقيل عن ابن شهاب قال: سمعت أبا سلمة بن عبد الرحمن يقول: أخبرني جابر بن عبد الله: أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:

ثم فتر الوحي عني فترة، فبينا أنا أمشي سمعت صوتاً من السماء، فرفعت بصري قبل السماء، فإذا الملك الذي جاءني قاعد على كرسي بين السماء والأرض، فجئثت منه فرقاً حتى هويت إلى الأرض، فجئت أهلي، فقلت لهم: زملوني زملوني، فزملوني، فأنزل الله تعالى: { يٰأَيُّهَا ٱلْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنذِرْ وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ وَٱلرُّجْزَ فَٱهْجُرْ} ثم حمي الوحي وتتابعأخرجاه من حديث الزهري به. وقال الطبراني: حدثنا محمد بن علي بن شعيب السمسار، حدثنا الحسن ابن بشر البجلي، حدثنا المعافى بن عمران عن إبراهيم بن يزيد: سمعت ابن أبي مليكة يقول: سمعت ابن عباس يقول: إن الوليد بن المغيرة صنع لقريش طعاماً، فلما أكلوا منه، قال: ما تقولون في هذا الرجل؟ فقال بعضهم: ساحر، وقال بعضهم: ليس بساحر، وقال بعضهم: كاهن، وقال بعضهم: ليس بكاهن، وقال بعضهم: شاعر، وقال بعضهم: ليس بشاعر، وقال بعضهم: بل سحر يؤثر، فأجمع رأيهم على أنه سحر يؤثر، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم، فحزن وقنع رأسه وتدثر، فأنزل الله تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنذِرْ وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ وَٱلرُّجْزَ فَٱهْجُرْ وَلاَ تَمْنُن تَسْتَكْثِرُ وَلِرَبِّكَ فَٱصْبِرْ} وقوله تعالى: { قُمْ فَأَنذِرْ} أي: شمر عن ساق العزم وأنذر الناس، وبهذا حصل الإرسال كما حصل بالأول النبوة.

{ وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ} أي: عظم. وقوله تعالى: { وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ} قال الأجلح الكندي عن عكرمة، عن ابن عباس: أنه أتاه رجل فسأله عن هذه الآية: { وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ} قال: لا تلبسها على معصية، ولا على غدرة. ثم قال: أما سمعت قول غيلان بن سلمة الثقفي:

فَإِني بِحَمْدِ اللّهِ لا ثَوْبَ فاجِرٍلَبِسْتُ ولا مِنْ غَدْرَةٍ أَتَقَنَّعُ

وقال ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس في الآية: { وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ} قال: في كلام العرب: نقي الثياب. وفي رواية بهذا الإسناد: فطهر من الذنوب، وكذا قال إبراهيم والشعبي وعطاء، وقال الثوري عن رجل عن عطاء عن ابن عباس في هذه الآية: { وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ} قال: من الإثم، وكذا قال إبراهيم النخعي. وقال مجاهد: { وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ} قال: نفسك، ليس ثيابك، وفي رواية عنه: { وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ} أي: عملك فأصلح، وكذا قال أبو رزين، وقال في رواية أخرى: { وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ} أي: لست بكاهن ولا ساحر، فأعرض عما قالوا. وقال قتادة: { وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ} أي: طهرها من المعاصي، وكانت العرب تسمي الرجل، إذا نكث ولم يف بعهد الله: إنه لدنس الثياب، وإذا وفى وأصلح: إنه لمطهر الثياب، وقال عكرمة والضحاك: لا تلبسها على معصية. وقال الشاعر:

إذا المَرْءُ لم يَدْنَسْ منَ اللُّؤْمِ عِرْضُهُفَكُلُّ رِداءٍ يَرْتَديهِ جَميلُ

وقال العوفي عن ابن عباس: { وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ} يعني: لا تكن ثيابك التي تلبس من مكسب غير طائب، ويقال: لا تلبس ثيابك على معصية، وقال محمد بن سيرين: { وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ} أي: اغسلها بالماء، وقال ابن زيد: كان المشركون لا يتطهرون، فأمره الله أن يتطهر، وأن يطهر ثيابه، وهذا القول اختاره ابن جرير، وقد تشمل الآية جميع ذلك، مع طهارة القلب؛ فإن العرب تطلق الثياب عليه؛ كما قال امرؤ القيس:

أفاطِمُ مَهْلاً بَعْضَ هذا التَّدَلُّلِوإنْ كُنْتِ قَدْ أَزْمَعْتِ هَجْري فَأَجْمِليوإنْ تَكُ قَدْ ساءَتْكِ مِني خَليقَةٌفَسُلِّي ثِيابي منْ ثيابِك تَنْسُلِ

وقال سعيد بن جبير: { وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ}: وقلبك ونيتك فطهر، وقال محمد بن كعب القرظي والحسن البصري: وخلقك فحسن. وقوله تعالى: { وَٱلرُّجْزَ فَٱهْجُرْ} قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: والرجز، وهو الأصنام، فاهجر، وكذا قال مجاهد وعكرمة وقتادة والزهري وابن زيد: إنها الأوثان، وقال إبراهيم والضحاك: { وَٱلرُّجْزَ فَٱهْجُرْ} أي: اترك المعصية، وعلى كل تقدير فلا يلزم تلبسه بشيء من ذلك؛ كقوله تعالى: { يٰۤأَيُّهَا ٱلنَّبِىِّ ٱتَّقِ ٱللَّهَ وَلاَ تُطِعِ ٱلْكَـٰفِرِينَ وَٱلْمُنَـٰفِقِينَ }[الأحزاب: 1] { وَقَالَ مُوسَىٰ لأَخِيهِ هَـٰرُونَ ٱخْلُفْنِى فِى قَوْمِى وَأَصْلِحْ وَلاَ تَتَّبِعْ سَبِيلَ ٱلْمُفْسِدِينَ }[الأعراف: 142]. وقوله تعالى: { وَلاَ تَمْنُن تَسْتَكْثِرُ} قال ابن عباس: لا تعط العطية تلتمس أكثر منها، وكذا قال عكرمة ومجاهد وعطاء وطاوس وأبو الأحوص وإبراهيم النخعي والضحاك وقتادة والسدي وغيرهم، وروي عن ابن مسعود أنه قرأ: (ولا تمنن أن تستكثر) وقال الحسن البصري: لا تمنن بعملك على ربك تستكثره، وكذا قال الربيع بن أنس، واختاره ابن جرير، وقال خصيف عن مجاهد في قوله تعالى: { وَلاَ تَمْنُن تَسْتَكْثِرُ} قال: لا تضعف أن تستكثر من الخير، قال: تمنن في كلام العرب: تضعف، وقال ابن زيد: لا تمنن بالنبوة على الناس، تستكثرهم بها، تأخذ عليه عوضاً من الدنيا. فهذه أربعة أقوال، والأظهر القول الأول، والله أعلم.

وقوله تعالى: { وَلِرَبِّكَ فَٱصْبِرْ} أي: اجعل صبرك على أذاهم لوجه ربك عز وجل، قاله مجاهد. وقال إبراهيم النخعي: اصبر عطيتك لله عز وجل. وقوله تعالى: {فَإِذَا نُقِرَ فِى ٱلنَّاقُورِ فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ عَلَى ٱلْكَـٰفِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ } قال ابن عباس ومجاهد والشعبي وزيد بن أسلم والحسن وقتادة والضحاك والربيع بن أنس والسدي وابن زيد: {ٱلنَّاقُورِ}: الصور، قال مجاهد: وهو كهيئة القرن. وقال ابن أبي حاتم: حدثناأبو سعيد الأشج، حدثنا أسباط بن محمد عن مطرف عن عطية العوفي عن ابن عباس: { فَإِذَا نُقِرَ فِى ٱلنَّاقُورِ} فقال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

كيف أنعم، وصاحب القرن قد التقم القرن، وحنى جبهته ينتظر متى يؤمر فينفخ؟فقال: أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: فما تأمرنا يا رسول الله؟ قال:قولوا: حسبنا الله ونعم الوكيل، على الله توكلناوهكذا رواه الإمام أحمد عن أسباط به، ورواه ابن جرير عن أبي كريب عن ابن فضيل وأسباط، كلاهما عن مطرف به، ورواه من طريق أخرى عن العوفي عن ابن عباس به.

وقوله تعالى: { فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ} أي: شديد { عَلَى ٱلْكَـٰفِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ} أي: غير سهل عليهم؛ كما قال تعالى:

{ يَقُولُ ٱلْكَـٰفِرُونَ هَـٰذَا يَوْمٌ عَسِرٌ }[القمر: 8]، وقد روينا عن زرارة بن أوفى قاضي البصرة أنه صلى بهم الصبح، فقرأ هذه السورة، فلما وصل إلى قوله تعالى: { فَإِذَا نُقِرَ فِى ٱلنَّاقُورِ فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ عَلَى ٱلْكَـٰفِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ } شهق شهقة ثم خرّ ميتاً رحمه الله تعالى

ذَرْنِى وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا ۝١١ وَجَعَلْتُ لَهُۥ مَالًا مَّمْدُودًا ۝١٢ وَبَنِينَ شُهُودًا ۝١٣ وَمَهَّدتُّ لَهُۥ تَمْهِيدًا ۝١٤ ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ ۝١٥ كَلَّآ إِنَّهُۥ كَانَ لِـَٔايَٰتِنَا عَنِيدًا ۝١٦ سَأُرْهِقُهُۥ صَعُودًا ۝١٧ إِنَّهُۥ فَكَّرَ وَقَدَّرَ ۝١٨ فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ ۝١٩ ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ ۝٢٠ ثُمَّ نَظَرَ ۝٢١ ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ ۝٢٢ ثُمَّ أَدْبَرَ وَٱسْتَكْبَرَ ۝٢٣ فَقَالَ إِنْ هَٰذَآ إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ ۝٢٤ إِنْ هَٰذَآ إِلَّا قَوْلُ ٱلْبَشَرِ ۝٢٥ سَأُصْلِيهِ سَقَرَ ۝٢٦ وَمَآ أَدْرَىٰكَ مَا سَقَرُ ۝٢٧ لَا تُبْقِى وَلَا تَذَرُ ۝٢٨ لَوَّاحَةٌ لِّلْبَشَرِ ۝٢٩ عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ ۝٣٠

يقول تعالى متوعداً لهذا الخبيث الذي أنعم الله عليه بنعم الدنيا، فكفر بأنعم الله، وبدلها كفراً، وقابلها بالجحود بآيات الله والافتراء عليها، وجعلها من قول البشر، وقد عدد الله عليه نعمه حيث قال تعالى: { ذَرْنِى وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً} أي: خرج من بطن أمه وحده لا مال له ولا ولد، ثم رزقه الله تعالى: {مَالاً مَّمْدُوداً} أي: واسعاً كثيراً، قيل: ألف دينار، وقيل: مائه ألف دينار، وقيل: أرضاً يستغلها، وقيل غير ذلك، وجعل له { وَبَنِينَ شُهُوداً} قال مجاهد: لا يغيبون، أي: حضوراً عنده، لا يسافرون بالتجارات، بل مواليهم وأجراؤهم يتولون ذلك عنهم، وهم قعود عند أبيهم يتمتع بهم ويتملى بهم، وكانوا فيما ذكره السدي وأبو مالك وعاصم بن عمر بن قتادة ثلاثة عشر، وقال ابن عباس ومجاهد: كانوا عشرة، وهذا أبلغ في النعمة، وهو إقامتهم عنده، { وَمَهَّدتُّ لَهُ تَمْهِيداً} أي: مكنته من صنوف المال والأثاث وغير ذلك.

{ ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ كَلاَّ إِنَّهُ كان لأَيَـٰتِنَا عَنِيداً } أي: معانداً، وهو الكفر على نعمه بعد العلم، قال الله تعالى: { سَأُرْهِقُهُ صَعُوداً} قال الإمام أحمد: حدثنا حسن حدثنا ابن لهيعة عن دراج عن أبي الهيثم عن أبي سعيد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:

ويل: واد في جهنم، يهوي فيه الكافر أربعين خريفاً، قبل أن يبلغ قعره، والصعود: جبل من نار يتصعد فيه الكافر سبعين خريفاً، ثم يهوي به كذلك فيه أبداًوقد رواه الترمذي عن عبد بن حميد عن الحسن بن موسى الأشيب به، ثم قال: غريب لا نعرفه إلا من حديث ابن لهيعة عن دراج، كذا قال، وقد رواه ابن جرير عن يونس عن عبد الله بن وهب عن عمرو بن الحارث عن دراج، وفيه غرابة ونكارة.

وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة وعلي بن عبد الرحمن المعروف بعلان المصري قال: حدثنا منجاب، أخبرنا شريك عن عمار الدهني عن عطية العوفي عن أبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم: { سَأُرْهِقُهُ صَعُوداً} قال:

هو جبل في النار من نار، يكلف أن يصعده، فإذا وضع يده ذابت، وإذا رفعها عادت، فإذا وضع رجله ذابت، وإذا رفعها عادتورواه البزار وابن جرير من حديث شريك به. وقال قتادة عن ابن عباس: صعوداً: صخرة في جهنم يسحب عليها الكافر على وجهه. وقال السدي: صعوداً: صخرة ملساء في جهنم، يكلف أن يصعدها. وقال مجاهد: { سَأُرْهِقُهُ صَعُوداً} أي: مشقة من العذاب، وقال قتادة: عذاباً لا راحة فيه، واختاره ابن جرير. وقوله تعالى: { إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ} أي: إنما أرهقناه صعوداً، أي: قربناه من العذاب الشاق؛ لبعده عن الإيمان؛ لأنه فكر وقدر، أي: تروى ماذا يقول في القرآن، حين سئل عن القرآن، ففكر ماذا يختلق من المقال، {وَقَدَّرَ} أي: تروى، { فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ } دعاء عليه { ثُمَّ نَظَرَ} أي: أعاد النظرة والتروي، {ثُمَّ عَبَسَ} أي: قبض بين عينيه وقطب، {وَبَسَرَ} أي: كلح وكره، ومنه قول توبة بن حمير:

وقَدْ رابَنِي مِنْها صُدُودٌ رَأَيْتُهُوإِعْراضُها عن حاجَتي وبُسورُها

وقوله: { ثُمَّ أَدْبَرَ وَٱسْتَكْبَرَ} أي: صرف عن الحق، ورجع القهقرى مستكبراً عن الانقياد للقرآن، { فَقَالَ إِنْ هَـٰذَآ إِلاَّ سِحْرٌ يُؤْثَرُ} أي: هذا سحر ينقله محمد عن غيره ممن قبله، ويحكيه عنهم، ولهذا قال: { إِنْ هَـٰذَآ إِلاَّ قَوْلُ ٱلْبَشَرِ} أي: ليس بكلام الله، وهذا المذكور في هذا السياق هو الوليد بن المغيرة المخزومي أحد رؤساء قريش، لعنه الله، وكان من خبره في هذا ما رواه العوفي عن ابن عباس قال: دخل الوليد بن المغيرة على أبي بكر بن أبي قحافة، فسأله عن القرآن، فلما أخبره، خرج على قريش فقال: يا عجباً لما يقول ابن أبي كبشة فوالله ما هو بشعر ولا بسحر، ولا بهذي من الجنون، وإن قوله لمن كلام الله، فلما سمع بذلك النفر من قريش، ائتمروا وقالوا: والله لئن صبأ الوليد، لتصبو قريش، فلما سمع بذلك أبو جهل بن هشام قال: أنا والله أكفيكم شأنه، فانطلق حتى دخل عليه بيته، فقال للوليد: ألم تر إلى قومك قد جمعوا لك الصدقة؟ فقال: ألست أكثرهم مالاً وولداً؟ فقال أبو جهل: يتحدثون أنك إنما تدخل على ابن أبي قحافة لتصيب من طعامه، فقال الوليد: أقد تحدث به عشيرتي؟ فلا والله لا أقرب ابن أبي قحافة ولاعمر ولا ابن أبي كبشة، وما قوله إلا سحر يؤثر، فأنزل الله على رسوله صلى الله عليه وسلم: {ذَرْنِى وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً} إلى قوله {لاَ تُبْقِي وَلاَ تَذَرُ} وقال قتادة: زعموا أنه قال: والله لقد نظرت فيما قال الرجل، فإذا هو ليس بشعر، وإن له لحلاوة، وإنه عليه لطلاوة، وإنه ليعلو وما يعلى عليه، وما أشك أنه سحر، فأنزل الله: {فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ} الآية.

{ ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ}: قبض ما بين عينيه وكلح، وقال ابن جرير: حدثنا ابن عبد الأعلى، حدثنا محمد بن ثور عن معمر عن عباد بن منصور عن عكرمة: أن الوليد بن المغيرة جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقرأ عليه القرآن، فكأنه رق له، فبلغ ذلك أبا جهل بن هشام، فأتاه فقال: أي عم إن قومك يريدون أن يجمعوا لك مالاً. قال: لِمَ؟ قال: يعطونكه؛ فإنك أتيت محمداً تعرض لما قبله، قال: قد علمت قريش أني أكثرها مالاً، قال: فقل فيه قولاً يعلم قومك أنك منكر لما قال، وأنك كاره له، قال: فماذا أقول فيه؟ فو الله ما منكم رجل أعلم بالأشعار مني، ولا أعلم برجزه ولا بقصيده، ولا بأشعار الجن، والله ما يشبه الذي يقول شيئاً من هذا، والله إن لقوله الذي يقوله لحلاوة، وإنه ليحطم ما تحته، وإنه ليعلو وما يعلى، وقال: والله لا يرضى قومك حتى تقول فيه، قال: فدعني حتى أتفكر فيه، فلما فكر قال: إنْ هذا إلا سحر يؤثره عن غيره، فنزلت: {ذَرْنِى وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً} حتى بلغ {تِسْعَةَ عَشَرَ} وقد ذكر محمد بن إسحاق وغير واحد نحواً من هذا، وقد زعم السدي أنهم لما اجتمعوا في دار الندوة ليجمعوا رأيهم على قول يقولونه فيه قبل أن يقدم عليهم وفود العرب للحج ليصدوهم عنه، فقال قائلون: شاعر، وقال آخرون: ساحر، وقال آخرون: كاهن، وقال آخرون: مجنون؛ كما قال تعالى:

{ ٱنْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُواْ لَكَ ٱلأَمْثَالَ فَضَلُّواْ فَلاَ يَسْتَطِيعْونَ }[الإسراء: 48] كل هذا والوليد يفكر فيما يقوله فيه، ففكر وقدر، ونظر وعبس وبسر، فقال: إنْ هذا إلا سحر يؤثر، إنْ هذا إلا قول البشر، قال الله تعالى: { سَأُصْلِيهِ سَقَرَ} أي: سأغمره فيها من جميع جهاته، ثم قال تعالى: { وَمَآ أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ}؟ وهذا تهويل لأمرها وتفخيم، ثم فسر ذلك بقوله تعالى: { لاَ تُبْقِى وَلاَ تَذَرُ} أي: تأكل لحومهم وعروقهم وعصبهم وجلودهم، ثم تبدل غير ذلك، وهم في ذلك لا يموتون ولا يحيون، قاله ابن بريدة وأبو سنان وغيرهم.

وقوله تعالى: { لَوَّاحَةٌ لِّلْبَشَرِ} قال مجاهد: أي: للجلد، وقال أبو رزين: تلفح الجلد لفحة، فتدعه أسود من الليل، وقال زيد بن أسلم: تلوح أجسادهم عليها. وقال قتادة: { لَوَّاحَةٌ لِّلْبَشَرِ} أي: حراقة للجلد. وقال ابن عباس: تحرق بشرة الإنسان. وقوله تعالى: { عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ} أي: من مقدمي الزبانية، عظيم خلقهم، غليظ خلقهم.

وقد قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة، حدثنا إبراهيم بن موسى، حدثنا ابن أبي زائدة، أخبرني حارث عن عامر عن البراء في قوله تعالى: { عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ} قال: إن رهطاً من اليهود سألوا رجلاً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عن خزنة جهنم، فقال: الله ورسوله أعلم، فجاء الرجل، فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله تعالى عليه ساعتئذ: { عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ}، فأخبر أصحابه، وقال:

ادعهم، أما إني سائلهم عن تربة الجنة إن أتوني، أما إنها درمكة بيضاءفجاؤوه فسألوه عن خزنة جهنم، فأهوى بأصابع كفيه مرتين، وأمسك الإبهام في الثانية ثم قال:أخبروني عن تربة الجنةفقالوا: أخبرهم يابن سلام، فقال: كأنها خبزة بيضاء، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:أما إن الخبز إنما يكون من الدرمكهكذا وقع عند ابن أبي حاتم عن البراء، والمشهور عن جابر بن عبد الله كما قال الحافظ أبو بكر البزار في مسنده: حدثنا منده، حدثنا أحمد بن عبدة، أخبرنا سفيان ويحيى بن حكيم، حدثنا سفيان عن مجالد عن الشعبي عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا محمد غلب أصحابك اليوم، فقال:بأي شيء؟قال: سألتهم يهود هل أعلمكم نبيكم عدة خزنة أهل النار؟ قالوا: لا نعلم حتى نسأل نبينا صلى الله عليه وسلم، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:أفغلب قوم يسألون عما لا يعلمون، فقالوا: لا نعلم حتى نسأل نبينا صلى الله عليه وسلم؟ علي بأعداء الله، لكنهم قد سألوا نبيهم أن يريهم الله جهرةفأرسل إليهم فدعاهم، قالوا: يا أبا القاسم كم عدة خزنة أهل النار؟ قال:هكذاوطبق كفيه، ثم طبق كفيه مرتين، وعقد واحدة، وقال لأصحابه:إن سئلتم عن تربة الجنة، فهي الدرمكفلما سألوه، فأخبرهم بعدة خزنة أهل النار، قال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم:ما تربة الجنة؟فنظر بعضهم إلى بعض، فقالوا: خبزة يا أبا القاسم فقال:الخبز من الدرمكوهكذا رواه الترمذي عند هذه الآية عن ابن أبي عمر عن سفيان به، وقال هو والبزار: لا يعرف إلا من حديث مجالد، وقد رواه الإمام أحمد عن علي بن المديني عن سفيان، فقص الدرمك فقط.

وَمَا جَعَلْنَآ أَصْحَٰبَ ٱلنَّارِ إِلَّا مَلَٰٓئِكَةً وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِّلَّذِينَ كَفَرُوا۟ لِيَسْتَيْقِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْكِتَٰبَ وَيَزْدَادَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِيمَٰنًا وَلَا يَرْتَابَ ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْكِتَٰبَ وَٱلْمُؤْمِنُونَ وَلِيَقُولَ ٱلَّذِينَ فِى قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَٱلْكَٰفِرُونَ مَاذَآ أَرَادَ ٱللَّهُ بِهَٰذَا مَثَلًا كَذَٰلِكَ يُضِلُّ ٱللَّهُ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِى مَن يَشَآءُ وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ وَمَا هِىَ إِلَّا ذِكْرَىٰ لِلْبَشَرِ ۝٣١ كَلَّا وَٱلْقَمَرِ ۝٣٢ وَٱلَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ ۝٣٣ وَٱلصُّبْحِ إِذَآ أَسْفَرَ ۝٣٤ إِنَّهَا لَإِحْدَى ٱلْكُبَرِ ۝٣٥ نَذِيرًا لِّلْبَشَرِ ۝٣٦ لِمَن شَآءَ مِنكُمْ أَن يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ ۝٣٧

يقول تعالى: {وَمَا جَعَلْنَآ أَصْحَـٰبَ ٱلنَّارِ} أي: خزانها {إِلاَّ مَلَـٰئِكَةً} أي: زبانية غلاظاً شداداً، وذلك رد على مشركي قريش حين ذكر عدد الخزنة، فقال أبو جهل: يا معشر قريش أما يستطيع كل عشرة منكم لواحد منهم فتغلبونهم؟ فقال الله تعالى: {وَمَا جَعَلْنَآ أَصْحَـٰبَ ٱلنَّارِ إِلاَّ مَلَـٰئِكَةً} أي: شديدي الخلق، لا يقاومون ولا يغالبون، وقد قيل: إن أبا الأشدين، واسمه كلدة بن أسيد بن خلف قال: يا معشر قريش اكفوني منهم اثنين، وأنا أكفيكم منهم سبعة عشر؛ إعجاباً منه بنفسه، وكان قد بلغ من القوة فيما يزعمون أنه كان يقف على جلد البقرة، ويجاذبه عشرة لينزعوه من تحت قدميه، فيتمزق الجلد ولا يتزحزح عنه، قال السهيلي: وهو الذي دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مصارعته، وقال: إن صرعتني آمنت بك، فصرعه النبي صلى الله عليه وسلم مراراً، فلم يؤمن، قال: وقد نسب ابن إسحاق خبر المصارعة إلى ركانة بن عبد يزيد بن هاشم بن المطلب. (قلت): ولا منافاة بين ما ذكراه، والله أعلم.

وقوله تعالى: {وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلاَّ فِتْنَةً لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ} أي: إنما ذكرنا عدتهم أنهم تسعة عشر اختباراً منا للناس؛ {لِيَسْتَيْقِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَـٰبَ} أي: يعلمون أن هذا الرسول حق؛ فإنه نطق بمطابقة ما بأيديهم من الكتب السماوية المنزلة على الأنبياء قبله، وقوله تعالى {وَيَزْدَادَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوۤاْ إِيمَـٰناً} إلى إيمانهم، أي: بما يشهدون من صدق إخبار نبيهم محمد صلى الله عليه وسلم، {وَلاَ يَرْتَابَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَـٰبَ وَٱلْمُؤْمِنُونَ وَلِيَقُولَ ٱلَّذِينَ فِى قُلُوبِهِم مَّرَضٌ} أي: من المنافقين {وَٱلْكَـٰفِرُونَ مَاذَآ أَرَادَ ٱللَّهُ بِهَـٰذَا مَثَلاً} أي: يقولون: ما الحكمة في ذكر هذا ههنا؟ قال الله تعالى: {كَذَلِكَ يُضِلُّ ٱللَّهُ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِى مَن يَشَآءُ} أي: من مثل هذا وأشباهه يتأكد الإيمان في قلوب أقوام، ويتزلزل عند آخرين، وله الحكمة البالغة والحجة الدامغة.

وقوله تعالى: {وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ} أي: ما يعلم عددهم وكثرتهم إلا هو تعالى؛ لئلا يتوهم متوهم أنهم تسعة عشر فقط، كما قد قاله طائفة من أهل الضلالة والجهالة، من الفلاسفة اليونانيين ومن شايعهم من الملتين الذين سمعوا هذه الآية، فأرادوا تنزيلها على العقول العشرة، والنفوس التسعة التي اخترعوا دعواها، وعجزوا عن إقامة الدلالة على مقتضاها، فأفهموا صدر هذه الآية، وقد كفروا بآخرها، وهو قوله: {وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ} وقد ثبت في حديث الإسراء المروي في الصحيحين وغيرهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنه قال في صفة البيت المعمور الذي في السماء السابعة:

فإذا هو يدخله في كل يوم سبعون ألف ملك، لا يعودون إليه آخر ما عليهم.»

وقال الإمام أحمد: حدثنا أسود، حدثنا إسرائيل عن إبراهيم بن مهاجر عن مجاهد عن مورق عن أبي ذر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

إني أرى ما لا ترون، وأسمع ما لا تسمعون، أطت السماء وحق لها أن تئط، ما فيها موضع أربع أصابع إلا عليه ملك ساجد، لو علمتم ما أعلم، لضحكتم قليلاً، ولبكيتم كثيراً، ولا تلذذتم بالنساء على الفرشات، ولخرجتم إلى الصعدات تجأرون إلى الله تعالىفقال أبو ذر: والله لوددت أني شجرة تعضد. ورواه الترمذي وابن ماجه من حديث إسرائيل، وقال الترمذي: حديث حسن غريب، ويروى عن أبي ذر موقوفاً، وقال الحافظ أبو القاسم الطبراني: حدثنا خير بن عرفة المصري، حدثنا عروة بن مروان الرقي، حدثنا عبيد الله بن عمرو عن عبد الكريم بن مالك عن عطاء بن أبي رباح عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:ما في السموات السبع موضع قدم ولا شبر ولا كف، إلا وفيه ملك قائم، أو ملك ساجد، أو ملك راكع، فإذا كان يوم القيامة، قالوا جميعاً: سبحانك ما عبدناك حق عبادتك، إلا أنا لم نشرك بك شيئاً. وقال محمد بن نصر المروزي في كتاب الصلاة: حدثنا عمرو بن زرارة، أخبرنا عبد الوهاب بن عطاء عن سعيد عن قتادة عن صفوان بن محرز عن حكيم بن حزام قال: بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم مع أصحابه إذ قال لهم:هل تسمعون ما أسمع؟قالوا: ما نسمع من شيء. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:أسمع أطيط السماء، وما تلام أن تئط، ما فيها موضع شبر، إلا وعليه ملك راكع أو ساجد.»

وقال أيضاً: حدثنا محمد بن عبد الله بن قهزاذ، حدثنا أبو معاذ الفضل بن خالد النحوي، حدثنا عبيد ابن سليمان الباهلي، سمعت الضحاك بن مزاحم يحدث عن مسروق بن الأجدع عن عائشة: أنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

ما في السماء الدنيا موضع قدم، إلا عليه ملك ساجد أو قائم، وذلك قول الملائكة: {وَمَا مِنَّآ إِلاَّ لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ وَإِنَّا لَنَحْنُ ٱلصَّآفُّونَ وَإِنَّا لَنَحْنُ ٱلْمُسَبِّحُونَ}وهذا مرفوع غريب جداً. ثم رواه عن محمود بن آدم عن أبي معاوية عن الأعمش عن أبي الضحى عن مسروق عن ابن مسعود أنه قال: إن من السموات سماء ما فيها موضع شبر إلا وعليه جبهة ملك أو قدماه قائم، ثم قرأ: { وَإِنَّا لَنَحْنُ ٱلصَّآفُّونَ وَإِنَّا لَنَحْنُ ٱلْمُسَبِّحُونَ }[الصافات: 165 ــــ 166].

ثم قال: حدثنا أحمد بن سيار، حدثنا أبو جعفر محمد بن خالد الدمشقي المعروف بابن أمه، حدثنا المغيرة بن عمر بن عطية من بني عمرو بن عوف، حدثني سليمان ابن أيوب عن سالم بن عوف، حدثني عطاء بن زيد بن مسعود من بني الحبلي، حدثني سليمان بن عمرو بن الربيع من بني سالم، حدثني عبد الرحمن بن العلاء من بني ساعدة عن أبيه العلاء بن سعد، وقد شهد الفتح وما بعده: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال يوماً لجلسائه:

هل تسمعون ما أسمع؟قالوا: وما تسمع يا رسول الله؟ قال:أطت السماء، وحق لها أن تئط، إنه ليس فيها موضع قدم إلا وعليه ملك قائم أو راكع أو ساجد، وقالت الملائكة: {وَإِنَّا لَنَحْنُ ٱلصَّآفُّونَ وَإِنَّا لَنَحْنُ ٱلْمُسَبِّحُونَ}وهذا إسناد غريب جداً.

ثم قال: حدثنا إسحاق بن محمد بن إسماعيل الفروي، حدثنا عبد الملك بن قدامة عن عبد الرحمن بن عبد الله بن دينار عن أبيه عن عبد الله بن عمر: أن عمر جاء، والصلاة قائمة، ونفر ثلاثة جلوس، أحدهم أبو جحش الليثي، فقال: قوموا فصلوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقام اثنان، وأبى أبو جحش أن يقوم، وقال: لا أقوم حتى يأتي رجل هو أقوى مني ذراعين، وأشد مني بطشاً، فيصرعني، ثم يدسّ وجهي في التراب، قال عمر: فصرعته ودسست وجهه في التراب، فأتى عثمان بن عفان فحجزني عنه، فخرج عمر مغضباً حتى انتهى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال:

ما رأيك يا أبا حفص؟فذكر له ما كان منه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:إن رضى عمر رحمه، والله على ذلك لوددت أنك جئتني برأس الخبيثفقام عمر فوجه نحوه، فلما أبعد ناداه فقال:اجلس حتى أخبرك بغناء الرب تبارك وتعالى عن صلاة أبي جحش، إن لله تعالى في السماء الدنيا ملائكة خشوعاً لا يرفعون رؤوسهم حتى تقوم الساعة، فإذا قامت، رفعوا رؤوسهم، ثم قالوا: ربنا ما عبدناك حق عبادتك، وإن لله في السماء الثانية ملائكة سجوداً لا يرفعون رؤوسهم حتى تقوم الساعة، فإذا قامت الساعة رفعوا رؤوسهم وقالوا: سبحانك ربنا ما عبدناك حق عبادتك.»

فقال له عمر: وما يقولون يا رسول الله؟ فقال:

أما أهل السماء الدنيا فيقولون: سبحان ذي الملك والملكوت، وأما أهل السماء الثانية فيقولون: سبحان ذي العزة والجبروت، وأما أهل السماء الثالثة فيقولون: سبحان الحي الذي لا يموت، فقلها يا عمر في صلاتكفقال عمر: يا رسول الله فكيف بالذي كنت علمتني وأمرتني أن أقوله في صلاتي؟ فقال:قل هذا مرة، وهذا مرةوكان الذي أمره به أن يقوله:أعوذ بعفوك من عقابك، وأعوذ برضاك من سخطك، وأعوذ بك منك جل وجهكهذا حديث غريب جداً، بل منكر نكارة شديدة، وإسحاق الفروي روى عنه البخاري، وذكره ابن حبان في الثقات، وضعفه أبو داود والنسائي والعقيلي والدارقطني، وقال أبو حاتم الرازي: كان صدوقاً، إلا أنه ذهب بصره، فربما لقن، وكتبه صحيحة، وقال مرة: هو مضطرب، وشيخه عبد الملك بن قدامة أبو قتادة الجمحي تكلم فيه أيضاً، والعجب من الإمام محمد بن نصر كيف رواه ولم يتكلم عليه، ولا عرف بحاله، ولا تعرض لضعف بعض رجاله، غير أنه رواه من وجه آخر عن سعيد بن جبير مرسلاً بنحوه، ومن طريق أخرى عن الحسن البصري مرسلاً قريباً منه، ثم قال محمد بن نصر: حدثنا محمد ابن عبد الله بن قهزاذ، أخبرنا النضر، أخبرنا عباد بن منصور قال: سمعت عدي بن أرطاة، وهو يخطبنا على منبر المدائن، قال: سمعت رجلاً من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:إن لله تعالى ملائكة ترعد فرائصهم من خيفته، ما منهم ملك تقطر منه دمعة من عينه، إلا وقعت على ملك يصلي، وإن منهم ملائكة سجوداً منذ خلق الله السموات والأرض، لم يرفعوا رؤوسهم، ولا يرفعونها إلى يوم القيامة، وإن منهم ملائكة ركوعاً لم يرفعوا رؤوسهم منذ خلق الله السموات والأرض، ولا يرفعونها إلى يوم القيامة، فإذا رفعوا رؤوسهم، نظروا إلى وجه الله عز وجل قالوا: سبحانك ما عبدناك حق عبادتكوهذا إسناد لا بأس به.

وقوله تعالى: {وَمَا هِىَ إِلاَّ ذِكْرَىٰ لِلْبَشَرِ} قال مجاهد وغير واحد: {وَمَا هِى} أي: النار التي وصفت {إِلاَّ ذِكْرَىٰ لِلْبَشَرِ} ثم قال تعالى: { كَلاَّ وَٱلْقَمَرِ وَٱلَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ } أي: ولى { وَٱلصُّبْحِ إِذَآ أَسْفَرَ} أي: أشرق { إِنَّهَا لإِحْدَى ٱلْكُبَرِ} أي: العظائم، يعني: النار، قاله ابن عباس ومجاهد وقتادة والضحاك وغير واحد من السلف { نَذِيراً لِّلْبَشَرِ لِمَن شَآءَ مِنكُمْ أَن يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ } أي: لمن شاء أن يقبل النذارة ويهتدي للحق، أو يتأخر عنها ويولي ويردها.

كُلُّ نَفْسٍۭ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ ۝٣٨ إِلَّآ أَصْحَٰبَ ٱلْيَمِينِ ۝٣٩ فِى جَنَّٰتٍ يَتَسَآءَلُونَ ۝٤٠ عَنِ ٱلْمُجْرِمِينَ ۝٤١ مَا سَلَكَكُمْ فِى سَقَرَ ۝٤٢ قَالُوا۟ لَمْ نَكُ مِنَ ٱلْمُصَلِّينَ ۝٤٣ وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ ٱلْمِسْكِينَ ۝٤٤ وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ ٱلْخَآئِضِينَ ۝٤٥ وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ ٱلدِّينِ ۝٤٦ حَتَّىٰٓ أَتَىٰنَا ٱلْيَقِينُ ۝٤٧ فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَٰعَةُ ٱلشَّٰفِعِينَ ۝٤٨ فَمَا لَهُمْ عَنِ ٱلتَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ ۝٤٩ كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُّسْتَنفِرَةٌ ۝٥٠ فَرَّتْ مِن قَسْوَرَةٍۭ ۝٥١ بَلْ يُرِيدُ كُلُّ ٱمْرِئٍ مِّنْهُمْ أَن يُؤْتَىٰ صُحُفًا مُّنَشَّرَةً ۝٥٢ كَلَّا بَل لَّا يَخَافُونَ ٱلْـَٔاخِرَةَ ۝٥٣ كَلَّآ إِنَّهُۥ تَذْكِرَةٌ ۝٥٤ فَمَن شَآءَ ذَكَرَهُۥ ۝٥٥ وَمَا يَذْكُرُونَ إِلَّآ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ هُوَ أَهْلُ ٱلتَّقْوَىٰ وَأَهْلُ ٱلْمَغْفِرَةِ ۝٥٦

يقول تعالى مخبراً: أن { كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ} أي: معتقلة بعملها يوم القيامة، قاله ابن عباس وغيره { إِلاَّ أَصْحَـٰبَ ٱلْيَمِينِ} فإنهم { فِى جَنَّـٰتٍ يَتَسَآءَلُونَ عَنِ ٱلْمُجْرِمِينَ } أي: يسألون المجرمين، وهم في الغرفات، وأولئك في الدركات، قائلين لهم: { مَا سَلَكَكُمْ فِى سَقَرَ قَالُواْ لَمْ نَكُ مِنَ ٱلْمُصَلِّينَ وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ ٱلْمِسْكِينَ } أي: ما عبدنا الله، ولا أحسنا إلى خلقه من جنسنا { وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ ٱلُخَآئِضِينَ} أي: نتكلم فيما لا نعلم. وقال قتادة: كلما غوى غاوٍ، غوينا معه { وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ ٱلدِّينِ حَتَّىٰ أَتَـٰنَا ٱلْيَقِينُ } يعني: الموت؛ كقوله تعالى:

{ وَٱعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّىٰ يَأْتِيَكَ ٱلْيَقِينُ }[الحجر: 99] وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أما هو ــــ يعني: عثمان بن مظعون ــــ فقد جاءه اليقين من ربهقال الله تعالى: { فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَـٰعَةُ ٱلشَّـٰفِعِينَ} أي: من كان متصفاً بمثل هذه الصفات، فإنه لا تنفعه يوم القيامة شفاعة شافع فيه؛ لأن الشفاعة إنما تنجع إذا كان المحل قابلاً، فأما من وافى الله كافراً يوم القيامة، فإنه له النار لا محالة خالداً فيها، ثم قال تعالى: { فَمَا لَهُمْ عَنِ ٱلتَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ} أي: فما لهؤلاء الكفرة الذين قبلك؛ مما تدعوهم إليه، وتذكرهم به معرضين؟ { كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُّسْتَنفِرَةٌ فَرَّتْ مِن قَسْوَرَةٍ } أي: كأنهم في نفارهم عن الحق، وإعراضهم عنه، حمر من حمر الوحش إذا فرت ممن يريد صيدها؛ من أسد، قاله أبو هريرة وابن عباس في رواية عنه، وزيد بن أسلم وابنه عبد الرحمن، أو رامٍ، وهو رواية عن ابن عباس، وهو قول الجمهور. وقال حماد بن سلمة عن علي بن زيد عن يوسف بن مهران عن ابن عباس: الأسد بالعربية، ويقال له بالحبشية: قسورة، وبالفارسية: شير، وبالنبطية: أوبا.

وقوله تعالى: {بَلْ يُرِيدُ كُلُّ ٱمْرِىءٍ مِّنْهُمْ أَن يُؤْتَىٰ صُحُفاً مُّنَشَّرَةً} أي: بل يريد كل واحد من هؤلاء المشركين أن ينزل عليه كتاب كما أنزل الله على النبي صلى الله عليه وسلم، قاله مجاهد وغيره، كقوله تعالى:

{ وَإِذَا جَآءَتْهُمْ ءَايَةٌ قَالُواْ لَن نُّؤْمِنَ حَتَّىٰ نُؤْتَىٰ مِثْلَ مَآ أُوتِىَ رُسُلُ ٱللَّهِ ٱللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ }[الأنعام: 124] وفي رواية عن قتادة: يريدون أن يؤتوا براءة بغير عمل، فقوله تعالى: { كَلاَّ بَل لاَّ يَخَافُونَ ٱلأَخِرَةَ} أي: إنما أفسدهم عدم إيمانهم بها، وتكذيبهم بوقوعها.

ثم قال تعالى: { كَلاَّ إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ} أي: حقاً إن القرآن تذكرة {فَمَن شَآءَ ذَكَرَهُ وَمَا يَذْكُرُونَ إِلاَّ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ} كقوله: {وَمَا تَشَآءُونَ إِلاَّ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ}. وقوله تعالى: {هُوَ أَهْلُ ٱلتَّقْوَىٰ وَأَهْلُ ٱلْمَغْفِرَةِ} أي: هو أهل أن يخاف منه، وهو أهل أن يغفر ذنب من تاب إليه وأناب. قاله قتادة. وقال الإمام أحمد: حدثنا زيد بن الحباب، أخبرني سهيل أخو حزم، حدثنا ثابت البناني عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية: {هُوَ أَهْلُ ٱلتَّقْوَىٰ وَأَهْلُ ٱلْمَغْفِرَةِ} وقال:

قال ربكم: أنا أهل أن أُتَّقَى، فلا يجعل معي إله، فمن اتقى أن يجعل معي إلهاً، كان أهلاً أن أغفر لهورواه الترمذي وابن ماجه من حديث زيد بن الحباب، والنسائي من حديث المعافى بن عمران، كلاهما عن سهيل بن عبد الله القطعي به، وقال الترمذي: حسن غريب، وسهيل ليس بالقوي، ورواه ابن أبي حاتم عن أبيه عن هدبة بن خالد عن سهيل به، وهكذا رواه أبو يعلى والبزار والبغوي وغيرهم من حديث سهيل القطعي به. آخر تفسير سورة المدثر، ولله الحمد والمنة.
الجمعة، 6 نوفمبر 2026 26 جمادى الأولى 1448 هـ