انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة المدثر

تفسير القرطبيالآيات 1–31

تفسير سورة المدثر آية آية، من تفسير القرطبي.

بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ

يَٰٓأَيُّهَا ٱلْمُدَّثِّرُ ۝١ قُمْ فَأَنذِرْ ۝٢ وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ ۝٣ وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ ۝٤

فيه ست مسائل:

الأولى ـ قوله تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلْمُدَّثِّرُ} أي يا ذا الذي قد تدثّر بثيابه، أي تغشَّي بها ونام، وأصله المتدثر فأدغمت التاء في الدال لتجانسهما. وقرأ أبَيّ «الْمُتَدثّر» على الأصل. وقال مقاتل: معظم هذه السورة في الوليد بن المغيرة. وفي صحيح مسلم عن جابر بن عبد الله وكان من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يُحدِّث ـ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يحدّث عن فَترة الوحي ـ قال في حديثه:

فبينما أنا أمشي سمعت صوتاً من السماء فرفعت رأسي، فإذا المَلَك الذي جاءني بحراء جالساً على كرسي بين السماء والأرض. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:فجُئِثْتُ منه فَرَقاً، فرجعت فقلت زمّلوني زمّلوني، فدثروني، فأنزل الله تعالى {يٰأَيُّهَا ٱلْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنذِرْ * وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ * وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ * وَٱلرُّجْزَ فَٱهْجُرْ }في رواية ـ قبل أن تفرض الصلاة ـ وهي الأوثان قال:ثم تتابع الوحي. خرجه الترمذي أيضاً وقال: حديث حسن صحيح. قال مسلم: وحدّثنا زهير بن حرب، قال: حدثنا الوليد ابن مسلم، قال: حدثنا الأوزاعيّ قال: سمعت يحيى يقول: سألت أبا سلمة: أيُّ القرآن أنزل قبلُ؟ قال: {يٰأَيُّهَا ٱلْمُدَّثِّرُ } فقلت: أو «ٱقرأ». فقال: سألت جابر بن عبد الله أي القرآن أنزل قبلُ؟ قال: {يٰأَيُّهَا ٱلْمُدَّثِّرُ } فقلت: أو «ٱقرأ» فقال جابر: أحدثكم ما حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال:جاورت بحِراء شهراً، فلما قضيت جواري نزلت فاستبطنت بطن الوادي، فنوديت فنظرت أمامي وخلفي وعن يميني وعن شمالي فلم أرا أحداً، ثم نوديت فنظرت فلم أر أحداً، ثم نوديت فرفعت رأسي فإذا هو على العرش في الهواء ـ يعني جبريل صلى الله عليه وسلم ـ فأخذتني رَجْفةٌ شديدةٌ، فأتيت خديجة فقلت دثِّروني، فدثَّروني فصبُّوا عليّ ماء، فأنزل الله عز وجل: {يٰأَيُّهَا ٱلْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنذِرْ * وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ * وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ } .خرجه البخاريّ وقال فيه: «فأتيت خديجة فقلت دثِّروني وصُبُّوا عليّ ماءً بارداً، فدثَّروني وصَبُّوا عليّ ماءً بارداً فنزلت: {يٰأَيُّهَا ٱلْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنذِرْ * وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ * وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ * وَٱلرُّجْزَ فَٱهْجُرْ * وَلاَ تَمْنُن تَسْتَكْثِرُ }. ٱبن العربيّ: وقد قال بعض المفسرين إنه جرى على النبيّ صلى الله عليه وسلم من عُقْبة بن ربيعة أمر، فرجع إلى منزله مغموماً، فقَلِق وٱضطجع، فنزلت: {يٰأَيُّهَا ٱلْمُدَّثِّرُ } وهذا باطل. وقال القشيريّ أبو نصر: وقيل بلغه قولُ كفار مكة أنت ساحر، فوجِد من ذلك غمًّا وحُمَّ، فتدثَّر بثيابه، فقال الله تعالى: {قُمْ فَأَنذِرْ} أي لا تفكر في قولهم، وبلغهم الرسالة. وقيل: ٱجتمع أبو لهب وأبو سفيان والوليد بن المغيرة والنضر بن الحرث وأميّة بن خلف والعاص بن وائل ومُطعِم بن عديّ وقالوا: قد ٱجتمعت وفود العرب في أيام الحج، وهم يتساءلون عن أمر محمد، وقد ٱختلفتم في الإخبار عنه؛ فمن قائل يقول مجنون، وآخر يقول كاهن، وآخر يقول شاعر، وتعلم العرب أن هذا كله لا يجتمع في رجل واحد، فسمّوا محمداً باسم واحد يجتمعون عليه، وتسميه العرب به، فقام منهم رجل فقال: شاعر؛ فقال الوليد: سمعت كلام ٱبن الأبرص، وأمية بن أبي الصَّلْت، وما يشبه كلامُ محمدٍ كلاَم واحد منهما؛ فقالوا: كاهن. فقال: الكاهن يَصدُق ويكذِب وما كَذَب محمد قطّ؛ فقام آخر فقال: مجنون؛ فقال الوليد: المجنون يَخنُق الناس وما خَنَق محمد قطّ. وٱنصرف الوليد إلى بيته، فقالوا: صبأ الوليد بن المغيرة؛ فدخل عليه أبو جهل وقال: مالك يا أبا عبد شمس! هذه قريش تجمع لك شيئاً يعطونكه، زعموا أنك قد ٱحتجت وصبأت. فقال الوليد: مالي إلى ذلك حاجة، ولكني فكرت في محمد، فقلت: ما يكون من الساحر؟ فقيل: يفرق بين الأب وٱبنه، وبين الأخ وأخيه، وبين المرأة وزوجها، فقلتُ: إنه ساحر. شاع هذا في الناس وصاحوا يقولون: إن محمداً ساحر. ورجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بيته محزوناً فتدثر بقطيفة، ونزلت: {يٰأَيُّهَا ٱلْمُدَّثِّرُ }. وقال عكرمة: معنى {يٰأَيُّهَا ٱلْمُدَّثِّرُ } أي المدَّثر بالنبوّة وأثقالها. ٱبن العربي: وهذا مجاز بعيد؛ لأنه لم يكن تنبأ بعد. وعلى أنها أوّل القرآن لم يكن تمكن منها بعد أن كانت ثاني ما نزل.

الثانية ـ قوله تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلْمُدَّثِّرُ }: ملاطفة في الخطاب من الكريم إلى الحبيب إذ ناداه بحاله، وعبّر عنه بصفته، ولم يقل يا محمد ويا فلان، ليستشعر اللين والملاطفة من ربه كما تقدم في سورة «المزمل». ومثله

قول النبيّ صلى الله عليه وسلم لعليّ إذ نام في المسجد: «قم أبا تراب»وكان خرج مغاضباً لفاطمة رضي الله عنها فسقط رداؤه وأصابه ترابه؛ خرجه مسلم. ومثله قوله عليه الصلاة والسلام لحذيفة ليلة الخندق: «قم يا نَوْمان»وقد تقدّم.

الثالثة ـ قوله تعالى: {قُمْ فَأَنذِرْ } أي خوّف أهل مكة وحذِّرهم العذاب إن لم يُسلِموا. وقيل: الإنذار هنا إعلامهم بنبوّته؛ لأنه مقدمة الرسالة. وقيل: هو دعاؤهم إلى التوحيد؛ لأنه المقصود بها. وقال الفراء: قم فصلّ وأمر بالصلاة.

الرابعة ـ قوله تعالى: {وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ } أي سيّدك ومالكك ومصلح أمرك فعظّم، وصِفْه بأنه أكبر من أن يكون له صاحبة أو ولد. وفي حديث أنهم قالوا: بِم تُفتتَح الصلاة؟ فنزلت: {وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ } أي وصفْه بأنه أكبر. قال ٱبن العربيّ: وهذا القول وإن كان يقتضي بعمومه تكبير الصلاة، فإنه مراد به التكبير والتقديس والتنزيه، لخلع الأنداد والأصنام دونه، ولا تتخذ وليًّا غيره، ولا تعبد سواه، ولا ترى لغيره فعلاً إلا له، ولا نعمة إلا منه. وقد روي

أن أبا سفيان قال يوم أُحد: ٱعلُ هُبَل؛ فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم: «قولوا الله أعلى وأجّل»وقد صار هذا اللفظ بعرف الشرع في تكبير العبادات كلها أذاناً وصلاة وذكراً بقوله:الله أكبروحمل عليه لفظ النبيّ صلى الله عليه وسلم الوارد على الإطلاق في موارد؛ منها قوله:تحريمها التكبير، وتحليلها التسليموالشرع يقتضي بعرفه ما يَقْتضي بعمومه، ومن موارده أوقات الإهلال بالذبائح لله تخليصاً له من الشِّرك، وإعلاناً باسمه في النُّسك، وإفراداً لما شرع منه لأمره بالسَّفْك.

قلت: قد تقدّم في أوّل سورة «البقرة» أن هذا اللفظ «الله أكبر» هو المتعبد به في الصلاة، المنقول عن النبيّ صلى الله عليه وسلم. وفي التفسير: أنه لما نزل قوله تعالى: {وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ } قام رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال:

الله أكبرفكبّرت خديجة، وعلمت أنه الوحي من الله تعالى؛ ذكره القشيريّ.

الخامسة ـ الفاء في قوله تعالى: {وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ } دخلت على معنى جواب الجزاء كما دلت في «فَأَنْذِرْ» أي قم فأنذر وقم فكبر ربك؛ قاله الزجاج. وقال ٱبن جنّي: هو كقولك زيداً فاضرب؛ أي زيداً ٱضرب، فالفاء زئداة. السادسة ـ قوله تعالى: {وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ } فيه ثمانية أقوال: أحدهما أن المراد بالثياب العمل. الثاني القلب. الثالث النفس. الرابع الجسم. الخامس الأهل. السادس الخلق. السابع الدين. الثامن الثياب الملبوسات على الظاهر. فمن ذهب إلى القول الأوّل قال: تأويل الآية وعملك فأصلح؛ قاله مجاهد وٱبن زيد. وروى منصور عن أبي رَزِين قال: يقول وعملك فأصلح؛ قال: وإذا كان الرجل خبيث العمل قالوا إن فلاناً خبيث الثياب، وإذا كان حسن العمل قالوا إن فلاناً طاهر الثياب؛ ونحوه عن السُّديّ. ومنه قول الشاعر:

لا هُمَّ إنّ عامَر بن جَهْمِأَوْذَمَ حَجًّا في ثِيابٍ دُسْمِ

ومنه ما رُوي عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه قال:يُحشَر المرءُ في ثوبيه اللذين مات عليهمايعني عمله الصالح والطالح؛ ذكره الماورديّ. ومن ذهب إلى القول الثاني قال: إن تأويل الآية وقلبك فطهِّر؛ قاله ٱبن عباس وسعيد بن جُبير؛ دليله قول ٱمريء القيس:

فَسُلِّـي ثيابـي مـن ثيابـك تَنْسُـلِ

أي قلبي من قلبك. قال الماوردي: ولهم في تأويل الآية وجهان: أحدهما ـ معناه وقلبك فطهّر من الإثم والمعاصي؛ قاله ٱبن عباس وقتادة. الثاني ـ وقلبك فطهر من الغدر؛ أي لا تغدر فتكون دنس الثياب. وهذا مرويّ عن ٱبن عباس، وٱستشهد بقول غيلان بن سلمة الثقفيّ:

فإني بحمد الله لا ثوبَ فاجِرلبِستُ ولا مِن غَدْرَةٍ أَتَقنَّعُ

ومن ذهب إلى القول الثالث قال: تأويل الآية ونفسك فطهر؛ أي من الذنوب. والعرب تكني عن النفس بالثياب؛ قاله ٱبن عباس. ومنه قول عنترة:

فَشَكَكْتُ بالرُّمْح الطَّوِيلِ ثيابَهُليس الكريمُ على القنا بُمَحرَّمِ

وقال ٱمرؤ القيس:

فَسُلِّـي ثيابِـي مـن ثيابِـك تَنْسُـلِ

وقال:

ثِيابُ بَني عوفٍ طَهارَى نِقيَّةٌوأَوْجُهُهُمْ بيضُ المَسَافِرِ غُرَّانُ

أي أنفس بني عوف. ومن ذهب إلى القول الرابع قال: تأويل الآية وجسمك فطهر؛ أي عن المعاصي الظاهرة. ومما جاء عن العرب في الكناية عن الجسم بالثياب قول ليلى، وذكرت إبلاً:

رموها بأَثيْابٍ خِفافٍ فلا تَرَىلها شَبَهاً إلاَّ النَّعامَ المُنَفَّرَا

أي ركبوها فرموها بأنفسهم. ومن ذهب إلى القول الخامس قال: تأويل الآية وأهلك فطهرهم من الخطايا بالوعظ والتأديب؛ والعرب تسمى الأهل ثوباً ولباساً وإزاراً؛ قال الله تعالى: { { هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ } }. [البقرة: 187] الماورديّ: ولهم في تأويل الآية وجهان: أحدهما ـ معناه ونساءك فطهر، باختيار المؤمنات العفائف. الثاني ـ الاستمتاع بهنّ في القبل دون الدبر، في الطهر لا في الحيض. حكاه ٱبن بحر. ومن ذهب إلى القول السادس قال: تأويل الآية وخلقك فحسِّن. قاله الحسن والقُرَظي؛ لأن خلق الإنسان مشتمل على أحواله ٱشتمال ثيابه على نفسه. وقال الشاعر:

ويَحْيَى لا يُلامُ بسوء خُلْقٍويَحْيى طَاهِرُ الأثوابِ حُرُّ

أي حسن الأخلاق. ومن ذهب إلى القول السابع قال: تأويل الآية ودينك فطهر. وفي الصحيحين عنه عليه السلام قال:ورأيت الناس وعليهم ثياب، منها ما يبلغ الثدي، ومنها ما دون ذلك، ورأيت عمر بن الخطاب وعليه إزار يجرّه». قالوا: يا رسول الله فما أوّلت ذلك؟ قال: الدِّين. وروى ٱبن وهب عن مالك أنه قال: ما يعجبني أن أقرأ القرآن إلا في الصلاة والمساجد لا في الطريق، قال الله تعالى: {وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ} يريد مالك أنه كنى عن الثياب بالدين. وقد روى عبد الله بن نافع عن أبي بكر بن عبد العزيز بن عبد الله بن عمر بن الخطاب عن مالك بن أنس في قوله تعالى: {وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ} أي لا تلبسها على غَدْرة؛ ومنه قول أبي كَبشة:

ثِيابُ بني عَوْفٍ طَهارَى نَقِيَّةٌوَأَوْجُهُهُمْ بِيضُ الْمَسَافِرِ غُرَّانُ

يعني بطهارة ثيابهم: سلامتهم من الدناءات، ويعني بغرة وجوههم تنزيهم عن المحرمات، أو جمالهم في الخلقة أو كليهما؛ قاله ٱبن العربي. وقال سفيان بن عيينة: لا تلبس ثيابك على كذب ولا جور ولا غدر ولا إثم؛ قاله عِكرمة. ومنه قول الشاعر:

أَوْذَمَ حَجًّـا فـي ثيـابٍ دُسْمِ

أي قد دنّسها بالمعاصي. وقال النابغة:

رِقَاقُ النِّعالِ طيِّبٌ حُجُزاتُهُمْيُحَيَّوْنَ بالرَّيْحَانِ يومَ السَّبَاسِبِ

ومن ذهب إلى القول الثامن قال: إن المراد بها الثياب الملبوسات، فلهم في تأويله أربعة أوجه: أحدهما ـ معناه وثيابك فأنقِ؛ ومنه قول ٱمريء القيس:

ثيـابُ بنـي عَـوْفٍ طَهَـارَى نَقِيَّـةٌ

الثاني ـ وثيابك فشمِّرْ وقصِّرْ، فإن تقصير الثياب أبعد من النجاسة، فإذا ٱنجرَّت على الأرض لم يُؤْمَن أن يصيبها ما ينجسها؛ قاله الزجاج وطاوس. الثالث ـ {وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ} من النجاسة بالماء؛ قاله محمد ابن سيرين وٱبن زيد والفقهاء. الرابع ـ لا تلبس ثيابك إلا من كسب حلال لتكون مطهرة من الحرام. وعن ٱبن عباس: لا تكن ثيابك التي تلبس من مكسب غير طاهر. ٱبن العربي وذكر بعض ما ذكرناه: ليس بممتنع أن تحمل الآية على عموم المراد فيها بالحقيقة والمجاز، وإذا حملناها على الثياب المعلومة الطاهرة فهي تتناول معنيين: أحدهما ـ تقصير الأذيال؛ لأنها إذا أرسلت تدنست، ولهذا قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه لغلام من الأنصار وقد رأى ذيله مسترخياً: ٱرفع إزارك فإنه أتقى وأنقى وأبقى. وقد قال النبيّ صلى الله عليه وسلم:إِزْرَةُ المؤمنِ إلى أنصاف ساقيه، لا جُناح عليه فيما بينه وبين الكعبين، وما كان أسفل من ذلك ففي النارفقد جعل النبيّ صلى الله عليه وسلم الغاية في لباس الإزار الكعب وتوعّد ما تحته بالنار، فما بال رجال يرسلون أذيالهم، ويطيلون ثيابهم، ثم يتكلفون رفعها بأيديهم، وهذه حالة الكِبْر، وفائدة العُجْب، وأشدّ ما في الأمر أنهم يَعصُون وينجسون ويُلْحِقون أنفسهم بمن لم يجعل الله معه غيره ولا ألحق به سواه. قال النبيّ صلى الله عليه وسلم:لا ينظر الله إلى من جرّ ثوبه خيلاءولفظ الصحيح:من جرّ إزاره خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة » . قال أبو بكر: يا رسول الله! إن أحد شِقّي إزاري يسترخي إلا أن أتعاهد ذلك منه؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لست ممن يصنعه خيلاء»فعمّ رسول الله صلى الله عليه وسلم بالنهي، وٱستثنى الصديق، فأراد الأدنياء إلحاق أنفسهم بالرفعاء، وليس ذلك لهم. والمعنى الثاني ـ غسلها من النجاسة وهو ظاهر منها، صحيح فيها. المهدويّ: وبه ٱستدل بعض العلماء على وجوب طهارة الثوب؛ قال ٱبن سيرين وٱبن زيد: لا تصلّ إلا في ثوب طاهر. وٱحتج بها الشافعيّ على وجوب طهارة الثوب. وليست عند مالك وأهل المدينة بفرض، وكذلك طهارة البدن، ويدل على ذلك الإجماع على جواز الصلاة بالاستجمار من غير غسل. وقد مضي هذا القول في سورة «براءة» مستوفىً.

وَٱلرُّجْزَ فَٱهْجُرْ ۝٥

قوله تعالى: {وَٱلرُّجْزَ فَٱهْجُرْ} قال مجاهد وعكرمة: يعني الأوثان؛ دليله قوله تعالى: {فَٱجْتَنِبُواْ ٱلرِّجْسَ مِنَ ٱلأَوْثَانِ} قاله ٱبن عباس وٱبن زيد. وعن ٱبن عباس أيضاً: والمأثم فاهجر؛ أي فاترك. وكذا روى مُغيرة عن إبراهيم النَّخَعيّ قال: الرُّجز الإثم. وقال قتادة: الرجز: إصاف ونائلة، صنمان كانا عند البيت. وقيل: الرجز العذاب، على تقدير حذف المضاف؛ المعنى: وعَمَل الرجز فٱهجر، أو العمل المؤدّي إلى العذاب. وأصل الرجز العذاب، قال الله تعالى:

{ { لَئِن كَشَفْتَ عَنَّا ٱلرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ } } [الأعراف: 134] وقال تعالى: { { فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِجْزاً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ } } [الأعراف: 162] فسّميت الأوثان رِجزاً؛ لأنها تؤدي إلى العذاب. وقراءة العامة «الرِّجْزَ» بكسر الراء. وقرأ الحسن وعكرمة ومجاهد وٱبن محيصن وحفص عن عاصم «والرُّجْزَ» بضم الراء وهما لغتان مثل الذِّكر والذُّكر. وقال أبو العالية والربيع والكسائيّ: الرُّجز بالضم: الصنم، وبالكسر: النجاسة والمعصية. وقال الكسائيّ أيضاً: بالضم: الوثن، وبالكسر: العذاب. وقال السّديّ: الرَّجْز بنصب الراء: الوعيد:

وَلَا تَمْنُن تَسْتَكْثِرُ ۝٦

فيه ثلاث مسائل:

الأولى ـ قوله تعالى: {وَلاَ تَمْنُن تَسْتَكْثِرُ} فيه أحد عشر تأويلاً؛ الأوّل ـ لا تمنن على ربك بما تتحمله من أثقال النبوّة، كالذي يستكثر ما يتحمله بسبب الغير. الثاني ـ لا تعط عطية تلتمس بها أفضل منها؛ قاله ٱبن عباس وعِكرمة وقتادة. قال الضحاك: هذا حرمه الله على رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأنه مأمور بأشرف الآداب وأجل الأخلاق، وأباحه لأمته؛ وقاله مجاهد. الثالث ـ عن مجاهد أيضاً: لا تَضْعُفْ أن تستكثر من الخير؛ من قولك حبل منين إذا كان ضعيفاً؛ ودليله قراءة ٱبن مسعود «وَلاَ تَمْنُنْ تَسْتَكْثْرِ مِنَ الْخَيْرِ». الرابع ـ عن مجاهد أيضاً والربيع: لا تعظم عملك في عينك أن تستكثر من الخير، فإنه مما أنعم الله عليك. قال ٱبن كيسان: لا تستكثر عملك فتراه من نفسك، إنما عملك مِنَّة من الله عليك؛ إذ جعل الله لك سبيلاً إلى عبادته. الخامس ـ قال الحسن: لا تمنن على الله بعملك فتستكثره. السادس ـ لا تمنن بالنبوّة والقرآن على الناس فتأخذ منهم أجراً تستكثر به. السابع ـ قال القرظيّ: لا تعط مالك مصانعة. الثامن ـ قال زيد بن أسلم: إذا أعطيت عطية فأعطها لربك. التاسع ـ لا تقل دعوت فلم يستجب لي. العاشر ـ لا تعمل طاعة وتطلب ثوابها، ولكن ٱصبر حتى يكون الله هو الذي يثيبك عليها. الحادي عشر ـ لا تفعل الخير لترائى به الناس.

الثانية ـ هذه الأقوال وإن كانت مرادة فأظهرها قول ٱبن عباس: لا تعط لتأخذ أكثر مما أعطيت من المال؛ يقال: مننت فلاناً كذا أي أعطيته. ويقال للعطية المِنّة؛ فكأنه أمر بأن تكون عطاياه لله، لا لارتقاب ثواب من الخلق عليها؛ لأنه عليه السلام ما كان يجمع الدنيا؛ ولهذا قال:

مالي مما أفاء الله عليكم إلا الخمس والخمس مردود عليكم. وكان ما يفضل من نفقة عياله مصروفاً إلى مصالح المسلمين؛ ولهذا لم يورث؛ لأنه كان لا يملك لنفسه الادّخار والاقتناء، وقد عصمه الله تعالى عن الرغبة في شيء من الدنيا؛ ولذلك حرمت عليه الصدقة وأبيحت له الهدية، فكان يقبلها ويثيب عليها. وقال:لو دعيت إلى كُرَاع لأجبت ولو أهدي إليَّ ذراع لقبلتابن العربيّ: وكان يقبلها سُنَّة ولا يستكثرها شِرعة، وإذا كان لا يعطِي عطية يستكثر بها فالأغنياء أولى بالاجتناب؛ لأنها باب من أبواب المذلّة، وكذلك قول من قال: إن معناها لا تعطِي عطية تنتظر ثوابها، فإن الانتظار تعلق بالأطماع، وذلك في حيزه بحكم الامتناع، وقد قال الله تعالى له: { { وَلاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِّنْهُمْ زَهْرَةَ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ } } [طه: 131] وذلك جائز لسائر الخلق؛ لأنه من متاع الدنيا، وطلب الكسب والتكاثر بها. وأما من قال أراد به العمل أي لا تمنن بعملك على الله فتستكثره فهو صحيح؛ فإن ٱبن آدم لو أطاع الله عمره من غير فتور لما بلغ لنعم الله بعض الشكر.

الثالثة ـ قوله تعالى: {وَلاَ تَمْنُن} قراءة العامة بإظهار التضعيف. وقرأ أبو السَّمّال العدويّ وأشهب العُقيليّ والحسن «وَلاَ تَمُنَّ» مدغمة مفتوحة. «تَسْتَكْثرُ»: قراءة العامة بالرفع وهو في معنى الحال، تقول: جاء زيد يركض أي راكضاً؛ أي لا تعط شيئاً مقدّراً أن تأخذ بدله ما هو أكثر منه. وقرأ الحسن بالجزم على جواب النهي وهو رديء؛ لأنه ليس بجواب. ويجوز أن يكون بدلاً من «تَمْنُنْ» كأنه قال: لا تستكثر. وأنكره أبو حاتم وقال: لأن المنّ ليس بالاستكثار فيبدل منه. ويحتمل أن يكون سكن تخفيفاً كعَضْد. أو أن يعتبر حال الوقف. وقرأ الأعمش ويحيـى «تَسْتَكْثَرِ» بالنصب، تَوَهُّمَ لام كي، كأنه قال: ولا تمنن لتستكثر. وقيل: هو بإضمار «أن» كقوله:

أَلاَ أَيُّهَـذَا الزَّاجِـري أَحْضُـرُ الـوَغَـى

ويؤيده قراءة ٱبن مسعود «وَلاَ تَمْنُنْ أَن تَسْتَكْثِر». قال الكسائيّ: فإذا حذف «أن» رفع، وكان المعنى واحداً. وقد يكون المنّ بمعنى التعداد على المنعم عليه بالنعم، فيرجع إلى القول الثاني، ويَعضُده قوله تعالى: {لاَ تُبْطِلُواْ صَدَقَاتِكُم بِٱلْمَنِّ وَٱلأَذَىٰ} وقد يكون مراداً في هذه الآية. والله أعلم.

وَلِرَبِّكَ فَٱصْبِرْ ۝٧

قوله تعالى: {وَلِرَبِّكَ فَٱصْبِرْ} أي ولسيّدك ومالكك فٱصبر على أداء فرائضه وعبادته. وقال مجاهد: على ما أوذيت. وقال ٱبن زيد: حُمِّلت أمراً عظيماً؛ محاربةَ العرب والعجم، فٱصبر عليه لله. وقيل: فاصبر تحت موارد القضاء لأجل الله تعالى. وقيل: فاصبر على البلْوى؛ لأنه يمتحن أولياءه وأصفياءه. وقيل: على أوامره ونواهيه. وقيل: على فراق الأهل والأوطان.

فَإِذَا نُقِرَ فِى ٱلنَّاقُورِ ۝٨ فَذَٰلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ ۝٩ عَلَى ٱلْكَٰفِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ ۝١٠

قوله تعالى: {فَإِذَا نُقِرَ فِي ٱلنَّاقُورِ} إذا نفخ في الصور. والناقور: فاعول من النقر؛ كأنه الذي من شأنه أن ينقر فيه للتصويت، والنقر في كلام العرب: الصوت؛ ومنه قول ٱمرىء القيس.

أَخَفِّضُه بالنَّقْرِ لَمَّا عَلَوْتُهُوَيَرْفَعُ طَرْفاً غَيْرَ خَافٍ غَضِيِض

وهم يقولون: نَقَّر بٱسم الرجل إذ دعاه مختصًّا له بدعائه. وقال مجاهد وغيره: هو كهيئة البوق، ويعني به النفخة الثانية. وقيل: الأولى؛ لأنها أوّل الشدّة الهائلة العامة. وقد مضى الكلام في هذا مستوفًى في «النمل» و «الأنعام» وفي كتاب «التذكرة»، والحمد لله. وعن أبي حبَّان قال: أَمَّنَا زُرَارةُ بن أوفى فلما بلغ {فَإِذَا نُقِرَ فِي ٱلنَّاقُورِ} خَرَّ ميتاً. {فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ} أي فذلك اليوم يوم شديد {عَلَى ٱلْكَافِرِينَ} أي على من كفر بالله وبأنبيائه صلى الله عليهم {غَيْرُ يَسِيرٍ} أي غير سهل ولا هيّن؛ وذلك أن عُقَدَهم لا تنحل إلا إلى عُقدة أشدّ منها، بخلاف المؤمنين الموحدين المذنبين فإنها تنحل إلى ما هو أخف منها حتى يدخلوا الجنة برحمة الله تعالى. و «يَوْمَئِذٍ» نصب على تقدير فذلك يوم عسير يومئذ. وقيل: جرّ بتقدير حرف جر، مجازه: فذلك في يومئذ. وقيل: يجوز أن يكون رفعاً إلا أنه بني على الفتح لإضافته إلى غير متمكن.

ذَرْنِى وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا ۝١١ وَجَعَلْتُ لَهُۥ مَالًا مَّمْدُودًا ۝١٢ وَبَنِينَ شُهُودًا ۝١٣ وَمَهَّدتُّ لَهُۥ تَمْهِيدًا ۝١٤ ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ ۝١٥ كَلَّآ إِنَّهُۥ كَانَ لِـَٔايَٰتِنَا عَنِيدًا ۝١٦ سَأُرْهِقُهُۥ صَعُودًا ۝١٧

قوله تعالى: {ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً} {ذَرْنِي} أي دعني؛ وهي كلمة وعيد وتهديد. {وَمَنْ خَلَقْتُ} أي دعني والذي خلقتُه وحيداً؛ فـ «ـوحيداً» على هذا حال من ضمير المفعول المحذوف، أي خلقته وحده، لا مال له ولا ولد، ثم أعطيتهُ بعد ذلك ما أعطيته. والمفسرون على أنه الوليد بن المغيرة المخزوميّ، وإن كان الناس خلقوا مثل خلقه. وإنما خُصّ بالذكر لاختصاصه بكفر النعمة وإيذاء الرسول عليه السلام، وكان يسمَّى الوحيد في قوله. قال ٱبن عباس: كان الوليد يقول: أنا الوحيد بن الوحيد، ليس لي في العرب نظير، ولا لأبي المغيرة نظير، وكان يسمى الوحيد؛ فقال الله تعالى: {ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ} بزعمه {وَحِيداً} لا أن الله تعالى صدّقه بأنه وحيد. وقال قوم: إن قوله تعالى: {وَحِيداً} يرجع إلى الربّ تعالى على معنين: أحدهما: ذرني وحدي معه فأنا أجزيك في الانتقام منه عن كل منتقم. والثاني: أني ٱنفردت بخلقه ولم يشركني فيه أحد، فأنا أهلكه ولا أحتاج إلى ناصر في إهلاكه؛ فـ «ـوحِيداً» على هذا حال من ضمير الفاعل، وهو التاء في «خَلَقْتُ» والأوّل قول مجاهد، أي خلقته وحيداً في بطن أمه لا مال له ولا ولد، فأنعمت عليه فكفر؛ فقوله: «وِحيداً» على هذا يرجع إلى الوليد، أي لم يكن له شيء فملكته. وقيل: أراد بذلك ليدله على أنه يبعث وحيداً كما خُلق وحيداً. وقيل: الوحيد الذي لا يُعرف أبوه، وكان الوليد معروفاً بأنه دَعِيّ؛ كما ذكرنا في قوله تعالى:

{ { عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ } } [القلم: 13] وهو في صفة الوليد أيضاً.

قوله تعالى: {وَجَعَلْتُ لَهُ مَالاً مَّمْدُوداً} أي خوّلته وأعطيته مالاً ممدوداً، وهو ما كان للوليد بين مكة والطائف من الإبل والحُجُور والنَّعَم والجِنان والعبيد والجواري، كذا كان ٱبن عباس يقول. وقال مجاهد: غلّة ألف دينار؛ قاله سعيد بن جبير وٱبن عباس أيضاً. وقال قتادة: ستة آلاف دينار. وقال سفيان الثوري وقتادة: أربعة آلاف دينار. الثوريّ أيضاً: ألف ألف دينار. مقاتل: كان له بستان لا ينقطع خيره شتاءً ولا صيفاً. وقال عمر رضي الله عنه: {وَجَعَلْتُ لَهُ مَالاً مَّمْدُوداً} غلة شهر بشهر. النعمان بن سالم: أرضاً يزرع فيها. القشيريّ: والأظهر أنه إشارة إلى ما لا ينقطع رزقه، بل يتوالى كالزرع والضرع والتجارة.

قوله تعالى: {وَبَنِينَ شُهُوداً} أي حضوراً لا يغيبون عنه في تصرف. قال مجاهد وقتادة: كانوا عشرة. وقيل: ٱثنا عشر؛ قاله السّديّ والضحاك. قال الضحاك: سبعة ولدوا بمكة وخمسةٌ ولدوا بالطائف. وقال سعيد بن جبير: كانوا ثلاثة عشر ولداً. مقاتل: كانوا سبعة كلهم رجال، أسلم منهم ثلاثة: خالد وهشام والوليد بن الوليد. قال: فما زال الوليد بعد نزول هذه الآية في نقصان من ماله وولده حتى هلك. وقيل: شهوداً، أي إذا ذُكر ذكروا معه؛ قاله ٱبن عباس. وقيل: شهوداً، أي قد صاروا مثله في شهود ما كان يشهده، والقيام بما كان يباشره. والأوّل قول السديّ، أي حاضرين مكة لا يظعنون عنه في تجارة ولا يغيبون.

قوله تعالى: {وَمَهَّدتُّ لَهُ تَمْهِيداً} أي بسطت له في العيش بسطاً، حتى أقام ببلدته مطمئناً مترفهاً يُرجع إلى رأيه. والتمهيد عند العرب: التوطئة والتهيئة؛ ومنه مَهْدُ الصبيّ. وقال ٱبن عباس: {وَمَهَّدتُّ لَهُ تَمْهِيداً} أي وسّعت له ما بين اليمن والشام؛ وقاله مجاهد. وعن مجاهد أيضاً في {وَمَهَّدتُّ لَهُ تَمْهِيداً} أنه المال بعضه فوق بعض كما يمهد الفراش.

قوله تعالى: {ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ} أي ثم إن الوليد يطمع بعد هذا كله أن أزيده في المال والولد. {كَلاَّ} أي ليس يكون ذلك مع كفره بالنعم. وقال الحسن وغيره: أي ثم يطمع أن أدخله الجنة، وكان الوليد يقول: إن كان محمد صادقاً فما خُلقت الجنة إلا لي؛ فقال الله تعالى ردًّا عليه وتكذيباً له: {كَلاَّ} أي لستُ أزيده، فلم يزل يرى النقصان في ماله وولده حتى هلك. و «ثُمَّ» في قوله تعالى: {ثُمَّ يَطْمَعُ} ليست بثم التي للنَّسق ولكنها تعجيب؛ وهي كقوله تعالى:

{ { وَجَعَلَ ٱلظُّلُمَاتِ وَٱلنُّورَ ثْمَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ } } [الأنعام: 1] وذلك كما تقول: أعطيتك ثم أنت تجفوني؛ كالمتعجّب من ذلك. وقيل يطمع أن أترك ذلك في عقبه؛ وذلك أنه كان يقول: إن محمداً مبتور؛ أي أبتر وينقطع ذكره بموته. وكان يظنّ أن ما زرق لا ينقطع بموته. وقيل: أي ثم يطمع أن أنصره على كفره. و {كَلاَّ} قطعٌ للرجاء عما كان يطمع فيه من الزيادة؛ فيكون متصلاً بالكلام الأوّل. وقيل: {كَلاَّ} بمعنى حقًّا ويكون ٱبتداء. {إِنَّهُ} يعني الوليد {كان لآيَاتِنَا عَنِيداً} أي معانداً للنبيّ صلى الله عليه وسلم وما جاء به؛ يقال: عاند فهو عنِيد مثل جالِس فهو جلِيس؛ قاله مجاهد. وعَنَدَ يَعْنِد بالكسر أي خالف وردّ الحقّ وهو يعرفه فهو عنِيد وعانِد. والعانِد: البعير الذي يجور عن الطريق ويعدل عن القصد والجمع عُنَّد مثل راكِع ورُكَّع؛ وأنشد أبو عبيدة قول الحارثيّ:

إذا رَكِبتُ فٱجْعَلاَنِي وَسَطَاإنِّي كَبيرٌ لا أطيقُ الْعُنَّدَا

وقال أبو صالح: {عَنِيداً} معناه مباعداً؛ قال الشاعر:

أرَانا على حالٍ تُفَرِّقُ بَيْنَنَانَوْىً غَرْبَةٌ إنّ الفِرَاقَ عَنُود

قتادة: جاحداً. مقاتل: معرضاً. ٱبن عباس: جحوداً. وقيل: إنه المجاهر بعدوانه. وعن مجاهد أيضاً قال: مجانباً للحق معانداً له معرضاً عنه. والمعنى كله متقارب. والعرب تقول: عَنَد الرجل إذا عَتا وجاوز قدره. والعَنُود من الإبل: الذي لا يخالط الإبل، إنما هو في ناحية. ورجل عَنُود إذا كان يحلّ وحده لا يخالط الناس. والعنيد من التجبر. وعرق عاند: إذا لم يَرقأ دمه، كل هذا قياس واحد وقد مضى في سورة «إبراهيم». وجمع العنيد عُنُد، مثل رِغيف ورغُفُ.

قوله تعالى: {سَأُرْهِقُهُ} أي سأكلفه. وكان ٱبن عباس يقول: سألجئه؛ والإرهاق في كلام العرب: أن يُحَمل الإنسان على الشيء. {صَعُوداً}.

الصَّعُودُ: جبل من نار يتصعّد فيه سَبْعين خَريفاً ثم يَهْوِي كَذَلكَ فيه أبَدارواه أبو سعيد الخدريّ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم، خرجه الترمذيّ وقال فيه حديث غريب. وروى عطية عن أبي سعيد قال: صخرة في جهنم إذا وضعوا عليها أيديهم ذابت فإذا رفعوها عادت، قال: فيبلغ أعلاها في أربعين سنة يُجذب من أمامه بسلاسل ويضْرب من خلفه بمقامع، حتى إذا بلغ أعلاها رمَى به إلى أسفلها، فذلك دأبه أبداً. وقد مضى هذا المعنى في سورة {قُلْ أُوحِيَ}. وفي التفسير: أنه صخرة ملساء يكلّف صعودها فإذا صار في أعلاها حُدِر في جهنم، فيقوم يهوِي ألف عام من قبل أن يبلغ قرار جهنم، يحترق في كل يوم سبعين مرّة ثم يعاد خلقاً جديداً. وقال ٱبن عباس: المعنى سأكلفه مشقّة من العذاب لا راحة له فيه. ونحوه عن الحسن وقتادة. وقيل: إنه تصاعد نفسه للنزع وإن لم يتعقبه موت، ليُعذّب من داخل جسده كما يعذّب من خارجه.

إِنَّهُۥ فَكَّرَ وَقَدَّرَ ۝١٨ فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ ۝١٩ ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ ۝٢٠ ثُمَّ نَظَرَ ۝٢١ ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ ۝٢٢ ثُمَّ أَدْبَرَ وَٱسْتَكْبَرَ ۝٢٣ فَقَالَ إِنْ هَٰذَآ إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ ۝٢٤ إِنْ هَٰذَآ إِلَّا قَوْلُ ٱلْبَشَرِ ۝٢٥

قوله تعالى: {إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ} يعني الوليد فكر في شأن النبيّ صلى الله عليه وسلم والقرآن و «قَدَّرَ» أي هيأ الكلام في نفسه، والعرب تقول: قدّرت الشيء إذا هيأته، وذلك أنه لما نزل:

{ { حـمۤ * تَنزِيلُ ٱلْكِتَابِ مِنَ ٱللَّهِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْعَلِيمِ } } [غافر: 1]إلى قوله: {إِلَيْهِ ٱلْمَصِيرُ} سمعه الوليد يقرؤها فقال: والله لقد سمعت منه كلاماً ما هو من كلام الإنس ولا من كلام الجنّ، وإن له لحَلاوة، وإن عليه لطُلاوة، وإن أعلاه لمثِمر، وإن أسفله لمغِدق، وإنه ليعلو ولا يُعْلَى عليه، وما يقول هذا بشر. فقالت قريش: صَبَا الوليدُ لتَصبونّ قريش كلها. وكان يقال للوليد ريحانة قريش؛ فقال أبو جهل: أنا أكفيكموه. فمضى إليه حزيناً؟ فقال له: ما لي أراك حزيناً. فقال له: وما لي لا أحزن وهذه قريش يجمعون لك نفقة يعينونك بها على كبر سنك ويزعمون أنك زينت كلام محمد، وتدخل على ٱبن أبي كبشة وٱبن أبي قحافة لتنال من فضل طعامهما؛ فغضب الوليد وتكبر، وقال: أنا أحتاج إلى كِسر محمد وصاحبه، فأنتم تعرفون قدر مالي، والّلات والعُزّى ما بي حاجة إلى ذلك، وإنما أنتم تزعمون أن محمداً مجنون، فهل رأيتموه قطّ يَخنُق؟ قالوا: لا واللَّهِ. قال: وتزعمون أنه شاعر، فهل رأيتموه نطق بشعر قطّ؟ قالوا: لا والله. قال: فتزعمون أنه كذّاب فهل جرّبتم عليه كذباً قط؟ قالوا: لا والله. قال: فتزعمون أنه كاهن فهل رأيتموه تكهّن قط، ولقد رأينا للكهنة أسجاعاً وتخالجاً فهل رأيتموه كذلك؟ قالوا: لا واللَّهِ. وكان النبيّ صلى الله عليه وسلم يُسَمَّى الصادق الأمين من كثرة صدقه. فقالت قريش للوليد: فما هو؟ ففكّر في نفسه، ثم نظر، ثم عبس، فقال: ما هو إلا ساحر! أما رأيتموه يفرق بين الرجل وأهله وولده ومواليه؟! فذلك قوله تعالى: {إِنَّهُ فَكَّرَ} أي في أمر محمد والقرآن {وَقَدَّرَ} في نفسه ماذا يمكنه أن يقول فيهما. {فَقُتِلَ} أي لُعن. وكان بعض أهل التأويل يقول: معناها فقهر وغُلب، وكل مُذَلَّل مُقتَّل؛ قال الشاعر:

ومَا ذَرَفَتْ عيناكِ إلاّ لِتَقْدَحِيبسَهْمَيْكِ في أَعْشارِ قَلْبٍ مُقَتَّلِ

وقال الزهريّ: عُذَّب؛ وهو من باب الدعاء. {كَيْفَ قَدَّرَ} قال ناسٌ: «كَيْفَ» تعجيب؛ كما يقال للرجل تتعجب من صنيعه: كيف فعلت هذا؟ وذلك كقوله: {ٱنْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُواْ لَكَ ٱلأَمْثَالَ}. {ثُمَّ قُتِلَ} أي لُعن لعناً بعد لَعن. وقيل: فقتل بضرب من العقوبة، ثم قتل بضرب آخر من العقوبة {كَيْفَ قَدَّرَ} أي على أي حال قَدر. {ثُمَّ نَظَرَ} بأي شيء يرد الحقّ ويدفعه. {ثُمَّ عَبَسَ} أي قَطَّب بين عينيه في وجوه المؤمنين؛ وذلك أنه لما حمل قريشاً على ما حملهم عليه من القول في محمد صلى الله عليه وسلم بأنه ساحر، مرّ على جماعة من المسلمين، فدعوه إلى الإسلام، فعبس في وجوههم.. قيل: عَبَس وبَسَر على النبيّ صلى الله عليه وسلم حين دعاه. والعَبْس مخفّفاً مصدر عَبَسَ يَعْبِسُ عَبْساً وعُبُوساً: إذا قطَّبَ. والعَبسَ ما يتعلق بأذناب الإبل من أبعارها وأبوالها؛ قال أبو النَّجْم:

كأَنَّ في أَذْنابِهِنّ الشُّوَّلِمن عَبَسِ الصَّيفِ قُرونَ الأُيَّلِ

{وَبَسَرَ} أي كَلَح وجهه وتغيّر لونه؛ قاله قتادة والسُّديّ؛ ومنه قول بشر بن أبي خازم:

صَبَحْنَا تَمِيماً غَدَاةَ الجِفَارِبِشَهْبَاءَ مَلْمُومَةٍ باسِرَهْ

وقال آخر:

وقَدْ رَابنِي مِنْها صُدودٌ رَأَيْتُهُوإِعْراضُها عَنْ حاجتي وبُسُورُها

وقيل: إن ظهور العُبوس في الوجه بعد المحاورة، وظهور البُسور في الوجه قبل المحاورة. وقال قوم: «بَسَر»: وَقَف لا يتقدم ولا يتأخر. قالوا: وكذلك يقول أهل اليمن إذا وقف المركب، فلم يجيء ولم يذهب: قد بسر المركب، وأَبْسَر أي وقف وقد أبسرنا. والعرب تقول: وجه باسر بيِّن البسور: إذا تغير وٱسود. {ثُمَّ أَدْبَرَ} أي ولّى وأعرض ذاهباً إلى أهله. {وَٱسْتَكْبَرَ} أي تعظم عن أن يؤمن. وقيل: أدبر عن الإيمان وٱستكبر حين دُعي إليه. {فَقَالَ إِنْ هَـٰذَآ} أي ما هذا الذي أتي به محمد صلى الله عليه وسلم {إِلاَّ سِحْرٌ يُؤْثَرُ} أي يأثِره عن غيره. والسِّحر: الخديعة. وقد تقدم بيانه في سورة «البقرة». وقال قوم: السحر: إظهار الباطل في صورة الحق. والأثره: مصدر قولك: أثرت الحديث آثرِه إذا ذكرته عن غيرك؛ ومنه قيل: حديث مأثور: أي ينقله خلف عن سلف؛ قال ٱمرؤ القيس:

ولو عَنْ نَثَا غَيرِه جاءنِيوجُرْحُ اللِّسانِ كَجُرْح اليدِ لَقُلْتُ مِن القول ما لاَ يَزالُ يُؤثَرُ عنِّي يَدَ الْمُسْنَدِ

يريد: آخر الدهر. وقال الأعشى:

إنّ الذي فيه تمارَيْتُمَابُيِّنَ لِلسَّامِعِ والآثِرِ

ويروى: بَيَّنَ. {إِنْ هَـٰذَآ إِلاَّ قَوْلُ ٱلْبَشَرِ} أي ما هذا إلا كلام المخلوقين، يَختدِع به القلوب كما تختدع بالسحر. قال السُّديّ: يعنون أنه من قول سيارٍ عبدٍ لبني الحضرميّ، كان يجالس النبيّ صلى الله عليه وسلم، فنسبوه إلى أنه تعلم منه ذلك. وقيل: أراد أنه تلقنه من أهل بابل. وقيل: عن مُسَيلمة. وقيل: عن عديّ الحضرميّ الكاهن. وقيل: إنما تلقنه ممن ٱدعى النبوة قبله، فنسج على منوالهم. قال أبو سعيد الضرير: إن هذا إلا أمر سحر يؤثر؛ أي يورث.

سَأُصْلِيهِ سَقَرَ ۝٢٦ وَمَآ أَدْرَىٰكَ مَا سَقَرُ ۝٢٧ لَا تُبْقِى وَلَا تَذَرُ ۝٢٨ لَوَّاحَةٌ لِّلْبَشَرِ ۝٢٩

قوله تعالى: {سَأُصْلِيهِ سَقَرَ} أي سأدخله سقر كي يصْلى حرّها. وإنما سميّت سقر من سُقَرَتْه الشمس: إذا أذابته ولوْحته، وأحرقت جلدة وجهه. ولا ينصرف للتعريف والتأنيث. قال ٱبن عباس: هي الطبق السادس من جهنم. ورَوى أبو هريرة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:

سأل موسى ربه فقال: أي ربِّ، أيّ عبادك أفقر؟ قال صاحب سَقَرذكره الثعلبيّ: {وَمَآ أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ}؟ هذه مبالغة في وصفها؛ أي وما أعلمك أي شيء هي؟ وهي كلمة تعظيم، ثم فسّر حالها فقال: {لاَ تُبْقِي وَلاَ تَذَرُ} أي لا تترك لهم عظماً ولا لحماً ولا دماً إلا أحرقته. وكرر اللفظ تأكيداً. وقيل: لا تبْقي منهم شيئاً، ثم يعادون خلقاً جديداً، فلا تذر أن تعاود إحراقهم هكذا أبداً. وقال مجاهد: لا تبقي مَنْ فيها حيًّا ولا تذره ميّتاً، تحرقهم كلما جُدّدُوا. وقال السُّديّ: لا تبقي لهم لحماً ولا تذر لهم عظماً {لَوَّاحَةٌ لِّلْبَشَرِ} أي مُغَيِّرة، من لاحه إذا غيّره. وقراءة العامة «لَوَّاحَةٌ» بالرفع نعت لـ «ـسَقَرَ». في قوله: {وَمَآ أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ}. وقرأ عطية العوفيّ ونصر بن عاصم وعيسى بن عمر «لَوَّاحَةً» بالنصب على الاختصاص، للتهويل. وقال أبو رَزِين: تلفح وجوههم لَفْحة تدعها أشدّ سواداً من الليل؛ وقاله مجاهد. والعرب تقول: لاحه البَرْد والحرُّ والسُّقم والحُزْن: إذا غيّره؛ ومنه قول الشاعر:

تَقولُ ما لاَحَك يا مُسافِرُيَا بْنةَ عَمَّي لاحَنِي الْهَواجِرُ

وقال آخر:

وتَعجبُ هِنْدٌ أَنْ رَأَتْنِي شاحِباًتقول لِشَيْءٍ لَوَّحَتْه السَّمائم

وقال رُؤبة بن العجَّاج:

لوَّحَ منه بعدَ بُدْنٍ وسَنَقْتَلْويحَكَ الضَّامِرَ يُطْوَى لِلسَّبَقْ

وقيل: إن اللوح شدة العطش؛ يقال: لاحه العطش ولوَّحه أي غيّره. والمعنى أنها معطَّشة للبشر أي لأهلها؛ قاله الأخفش، وأنشد:

سَقْتنِي على لَوْحٍ منَ الماء شَرْبَةًسقاها بها اللَّهُ الرِّهامَ الغَواديا

يعني باللّوح شدّة العطش، والتاح أي عَطِش. والرِّهام جمع رهمة بالكسر وهي المطرة الضعيفة وأرهمت السحابة أتت بالرِّهام. وقال ٱبن عباس: {لَوَّاحَةٌ} أي تلوح للبشر من مسيرة خمسمائة عام. الحسن وٱبن كيسان: تلوح لهم جهنم حتى يروها عِياناً. نظيره: { { وَبُرِّزَتِ ٱلْجَحِيمُ لِلْغَاوِينَ } } [الشعراء: 91] وفي البَشَر وجهان: أحدهما ـ أنه الإنس من أهل النار؛ قاله الأخفش والأكثرون. الثاني ـ أنه جمع بَشرة، وهي جلدة الإنسان الظاهرة؛ قاله مجاهد وقتادة. وجمع البَشَر أبشار، وهذا على التفسير الأوّل، وأما على تفسير ٱبن عباس فلا يستقيم فيه إلا الناس لا الجلود؛ لأنه من لاح الشيءُ يَلُوح: إذا لمع.

عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ ۝٣٠ وَمَا جَعَلْنَآ أَصْحَٰبَ ٱلنَّارِ إِلَّا مَلَٰٓئِكَةً وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِّلَّذِينَ كَفَرُوا۟ لِيَسْتَيْقِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْكِتَٰبَ وَيَزْدَادَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِيمَٰنًا وَلَا يَرْتَابَ ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْكِتَٰبَ وَٱلْمُؤْمِنُونَ وَلِيَقُولَ ٱلَّذِينَ فِى قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَٱلْكَٰفِرُونَ مَاذَآ أَرَادَ ٱللَّهُ بِهَٰذَا مَثَلًا كَذَٰلِكَ يُضِلُّ ٱللَّهُ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِى مَن يَشَآءُ وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ وَمَا هِىَ إِلَّا ذِكْرَىٰ لِلْبَشَرِ ۝٣١

قوله تعالى: {عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ} أي على سَقَر تسعة عشر من الملائكة يَلْقَون فيها أهلها. ثم قيل: على جملة النار تسعة عشر من الملائكة هم خَزَنتها؛ مالكٌ وثمانيةَ عشَر ملَكاً. ويحتمل أن تكون التسعة عشر نقيباً، ويحتمل أن يكون تسعة عشر ملَكاً بأعيانهم. وعلى هذا أكثر المفسرين. الثعلبيّ: ولا يُنكر هذا، فإذا كان مَلَك واحد يقبض أرواح جميع الخلائق كان أحرى أن يكون تسعة عشر على عذاب بعض الخلائق. وقال ٱبن جريج:

نعت النبيّ صلى الله عليه وسلم خَزَنة جهنم فقال: «فكأنّ أعينهم البَرْق، وكأن أفواههم الصياصي، يجرّون أشعارهم، لأحدهم من القوة مثل قوة الثقلين، يسوق أحدهم الأمّة وعلى رقبته جبل، فيرميهم في النار، ويرمى فوقهم الجبل».

قلت: وذكر ٱبن المبارك قال: حدّثنا حماد بن سلمة، عن الأزرق بن قيس، عن رجل من بني تميم قال: كنا عند أبي العوام، فقرأ هذه الآية {وَمَآ أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ * لاَ تُبْقِي وَلاَ تَذَرُ * لَوَّاحَةٌ لِّلْبَشَرِ * عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ } فقال ما تسعةَ عَشَر؟ تسعة عشر ألف مَلَك، أو تسعة عشر مَلكاً؟ قال: قلت: لا بل تسعةَ عَشَر مَلكاً. فقال: وأنَّى تعلم ذلك؟ فقلت: لقول الله عز وجل: {وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلاَّ فِتْنَةً لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ} قال: صدقت هم تسعة عشر مَلَكاً، بيد كل مَلَك منهم مِرْزَبَة لها شُعْبتان، فيضرب الضربة فيهوي بها في النار سبعين ألفاً. وعن عمرو بن دينار: كل واحد منهم يدفع بالدَّفعة الواحدة في جهنم أكثر من ربيعة ومُضَرَ. خرَّج الترمذيّ عن جابر بن عبد الله قال:

قال ناس من اليهود لأناس من أصحاب النبيّ صلى الله عليه وسلم: هل يعلم نبيكم عدد خَزَنة جهنم؟ قالوا: لا ندري حتى نسأل نبينا. فجاء رجل إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم فقال: يا محمد غُلِب أصحابك اليوم؛ فقال: «وَبِمَ غُلِبوا»؟ قال: سألهم يهود: هل يعلم نبيكم عدد خَزَنة جهنم؟ قال: «فماذا قالوا»؟ قال: قالوا لا ندري حتى نسأل نبيّنا. قال: «أفغُلِب قوم سئلوا عما لا يعلمون، فقالوا لا نعلم حتى نسأل نبينا؟ لكنهم قد سألوا نبيهم فقالوا أرنا الله جَهْرة، عليّ بأعداء الله! إني سائلهم عن تُرْبة الجنة وهي الدَّرْمَك». فلما جاؤوا قالوا: يا أبا القاسم كم عدد خَزَنة جهنم؟ قال: «هكذا وهكذا» في مرة عشرة وفي مرة تسعة. قالوا: نعم. قال لهم النبيّ صلى الله عليه وسلم: «ما تُرْبة الجنة» قال: فسكتوا هنيهة ثم قالوا: أخبزة يا أبا القاسم؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الخبزُ من الدَّرْمَك». قال أبو عيسى: هذا حديث غريب، إنما نعرفه من هذا الوجه من حديث مجالد عن الشَّعْبي عن جابر. وذكر ٱبن وهب قال: حدثنا عبد الرحمن بن زيد، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في خزنة جهنم: «ما بين مَنِكَبيْ أحدهم كما بين المشرق والمغرب». وقال ٱبن عباس: ما بين مَنِكبي الواحد منهم مَسيرة سنة، وقوّة الواحد منهم أن يضرب بالمِقْمَع فيدفع بتلك الضربة سبعين ألف إنسان في قعر جهنم.

قلت: والصحيح إن شاء الله أن هؤلاء التسعة عَشَر، هم الرؤساء والنقباء، وأما جملتهم فالعبارة تعجز عنها؛ كما قال الله تعالى:

{ { وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ } } [المدثر: 31] وقد ثبت في الصحيح عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:يؤتى بجهنم يومئذ لها سبعون ألف زمام مع كل زمام سبعون ألف مَلَك يجرّونهاوقال ٱبن عباس وقتادة والضحاك: لما نزل: {عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ} قال أبو جهل لقريش: ثِكلتكم أمهاتكمٰ أسْمعُ ٱبن أبي كبشة يخبركم أن خَزَنة جهنم تسعة عشر، وأنتم الدَّهْم ـ أي العَدد ـ والشجعان، فيعجز كل عشرة منكم أن يبطشوا بواحد منهم! قال السُّديّ: فقال أبو الأسود بن كَلَدة الجُمَحيّ: لا يهولنكم التسعة عشر، أنا أدفع بمنكبي الأيمن عشرة من الملائكة، وبمنكبي الأيسر التسعة، ثم تمرون إلى الجنة؛ يقولها مستهزئاً. في رواية: أن الحرث بن كَلَدة قال أنا أكفيكم سبعة عشر، وٱكفوني أنتم ٱثنين. وقيل: إن أبا جهل قال أفيعجز كل مائة منكم أن يبطشوا بواحد منهم، ثم تخرجون من النار؟ فنزل قوله تعالى: {وَمَا جَعَلْنَآ أَصْحَابَ ٱلنَّارِ إِلاَّ مَلاَئِكَةً} أي لم نجعلهم رجالاً فتتعاطون مغالبتهم. وقيل: جعلهم ملائكة لأنهم خلاف جنس المعذَّبين من الجنّ والإنس، فلا يأخذهم ما يأخذ المجانس من الرأفة والرقّة، ولا يستروِحون إليهم؛ ولأنهم أقوم خلق الله بحق الله وبالغضب له، فتؤمن هوادتهم؛ ولأنهم أشدّ خلق الله بأساً وأقواهم بطشاً. {وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلاَّ فِتْنَةً} أي بليّة. وروي عن ٱبن عباس من غير وجه قال: ضلالة للذين كفروا، يريد أبا جهل وذويه. وقيل: إلا عذاباً، كما قال تعالى: { { يَوْمَ هُمْ عَلَى ٱلنَّارِ يُفْتَنُونَ. ذُوقُواْ فِتْنَتَكُمْ } } [الذاريات: 13-14]. أي جعلنا ذلك سبب كفرهم وسبب العذاب. وفي «تِسْعَةَ عَشَرَ» سبع قراءات: قراءة العامة «تِسْعَةَ عَشَرَ». وقرأ أبو جعفر بن القَعْقاع وطلحة بن سليمان «تِسْعَةَ عْشَرَ» بإسكان العين. وعن ٱبن عباس «تِسْعَةُ عَشَرَ» بضم الهاء. وعن أنس بن مالك «تِسْعَةُ وَعَشَرْ» وعنه أيضاً «تِسْعَةُ وَعَشْرُ». وعنه أيضاً «تِسْعَةُ أَعْشُر» ذكرها المهدويّ وقال: من قرأ «تِسْعَةَ عْشَرَ» أسكن العين لتوالي الحركات. ومن قرأ «تِسْعَةُ وَعَشَرْ» جاء به على الأصل قبل التركيب، وعطف عشراً على تسعة، وحذف التنوين لكثرة الاستعمال، وأسكن الراء من عشر على نية السكوت عليها. ومن قرأ «تِسْعَةُ عَشَرْ» فكأنه من التداخل؛ كأنه أراد العطف وترك التركيب، فرفع هاء التأنيث، ثم راجع البناء وأسكن. وأما «تِسعةُ أَعْشُر»: فغير معروف، وقد أنكرها أبو حاتم. وكذلك «تِسعةُ وَعَشْر» لأنها محمولة على «تِسعةُ أَعْشُر» والواو بدل من الهمزة، وليس لذلك وجه عند النحويين. الزمخشريّ: وقريء «تِسْعَةُ أَعْشُر» جمع عَشِير، مثْل يَمين وأَيْمنُ.

قوله تعالى: {لِيَسْتَيْقِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ} أي ليوقن الذين أعطوا التوراة والإنجيل أن عِدة خَزَنة جهنم موافقة لما عندهم؛ قاله ٱبن عباس وقتادة والضحاك ومجاهد وغيرهم. ثم يحتمل أنه يريد الذين آمنوا منهم كعبد الله بن سلاَم. ويحتمل أنه يريد الكل. {وَيَزْدَادَ ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِيمَاناً} بذلك؛ لأنهم كلما صدّقوا بما في كتاب الله آمنوا، ثم ٱزدادوا إيماناً لتصديقهم بعدد خَزَنة جهنم. {وَلاَ يَرْتَابَ} أي ولا يشك {ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ} أي أعطوا الكتاب {وَٱلْمُؤْمِنُونَ} أي المصدّقون من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم في أن عِدة خزنة جهنم تسعة عشر. {وَلِيَقُولَ ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ} أي في صدورهم شك ونفاق من منافقي أهل المدينة، الذين يَنجمُون في مستقبل الزمان بعد الهجرة، ولم يكن بمكة نفاق وإنما نَجَم بالمدينة. وقيل: المعنى؛ أي وليقول المنافقون الذين يَنجمُون في مستقبل الزمان بعد الهجرة. {وَٱلْكَافِرُونَ} أي اليهود والنصارى {مَاذَآ أَرَادَ ٱللَّهُ بِهَـٰذَا مَثَلاً} يعني بعدد خزنة جهنم. وقال الحسين بن الفضل: السورة مكية ولم يكن بمكة نفاق؛ فالمرض في هذه الآية الخلاف و {وَٱلْكَافِرُونَ} أي مشركو العرب. وعلى القول الأوّل أكثر المفسرين. ويجوز أن يراد بالمرض: الشك والارتياب؛ لأن أهل مكة كان أكثرهم شاكين، وبعضهم قاطعين بالكذب، وقوله تعالى إخباراً عنهم: {مَاذَآ أَرَادَ ٱللَّهُ} أي ما أراد «بِهَذَا» العدد الذي ذكره حديثاً، أي ما هذا من الحديث. قال الليث: المَثَل الحديث؛ ومنه: «مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعدَ الْمُتَّقُونَ» أي حديثها والخبر عنها {كَذَلِكَ} أي كإضلال الله أبا جهل وأصحابه المنكرين لَخَزنة جهنم {يُضِلُّ ٱللَّهُ} أي يخزي ويعمِي {مَن يَشَآءُ وَيَهْدِي} أي ويرشد {مَن يَشَآءُ} كإرشاد أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم. وقيل: {كَذَلِكَ يُضِلُّ ٱللَّهُ} عن الجنة {مَن يَشَآءُ وَيَهْدِي} إليها {مَن يَشَآءُ}. {وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ} أي وما يدري عدد ملائكة ربّك الذين خلقهم لتعذيب أهل النار «إِلاّ هُوَ» أي إلا الله جلّ ثناؤه. وهذا جواب لأبي جهل حين قال: أمَا لمحمد من الجنود إلا تسعة عشر! وعن ٱبن عباس:

أن النبيّ صلى الله عليه وسلم كان يَقْسم غنائم حُنين، فأتاه جبريل فجلس عنده، فأتى مَلَك فقال: إن ربك يأمرك بكذا وكذا، فخشي النبيّ صلى الله عليه وسلم أن يكون شيطاناً، فقال: «يا جبريل أتعرفه» فقال: هو مَلَك وما كل ملائكة ربّك أعرف. وقال الأوزاعيّ: قال موسى: «يا ربّ من في السماء؟ قال ملائكتي. قال كم عِدَّتهم يا ربّ؟ قال: ٱثني عشر سِبْطاً. قال: كم عدّة كل سِبط؟ قال: عدد التراب». ذكرهما الثعلبيّ. وفي الترمذيّ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم:أَطَّت السماءُ وحُقّ لها أن تَئِطَّ، ما فيها موضع أربع أصابع إلا ومَلَك واضع جبهته لله ساجداًقوله تعالى: {وَمَا هِيَ إِلاَّ ذِكْرَىٰ لِلْبَشَرِ} يعني الدلائل والحجج والقرآن. وقيل: {وَمَا هِيَ} أي وما هذه النار التي هي سقر {إِلاَّ ذِكْرَىٰ} أي عظةٌ {لِلْبَشَرِ} أي للخلق. وقيل: نار الدنيا تذكرة لنار الآخرة. قاله الزجاج. وقيل: أي ما هذه العِدّة {إِلاَّ ذِكْرَىٰ لِلْبَشَرِ} أي لتذكروا ويعلموا كمالَ قدرة الله تعالى، وأنه لا يحتاج إلى أعوان وأنصار؛ فالكناية على هذا في قوله تعالى: {وَمَا هِيَ} ترجع إلى الجنود؛ لأنه أقرب مذكور.
الأحد، 25 أكتوبر 2026 14 جمادى الأولى 1448 هـ