انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة المدثر

تفسير الطبريالآيات 32–56

تفسير سورة المدثر آية آية، من تفسير الطبري.

استمع إلى تفسير سورة المدثر

الخلاصة من تفسير الطبري · مقطع واحد · 13:49

  1. 1 السورة كاملةفي هذه الصفحة 13:49

كَلَّا وَٱلْقَمَرِ ۝٣٢ وَٱلَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ ۝٣٣ وَٱلصُّبْحِ إِذَآ أَسْفَرَ ۝٣٤ إِنَّهَا لَإِحْدَى ٱلْكُبَرِ ۝٣٥ نَذِيرًا لِّلْبَشَرِ ۝٣٦ لِمَن شَآءَ مِنكُمْ أَن يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ ۝٣٧

يعني تعالى ذكره بقوله {كَلاَّ}: ليس القول كما يقول من زعم أنه يكفي أصحابَه المشركين خزنةُ جهنم حتى يجهضهم عنها ثم أقسم ربنا تعالى فقال: {وَالقَمَرِ وَاللَّيْل إذْ أدْبَرَ} يقول: والليل إذ ولَّى ذاهباً. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {وَاللَّيْل إذْ أدْبَرَ}: إذ ولَّى.

وقال آخرون في ذلك ما:

حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي عن أبيه، عن ابن عباس: {والليل إذْ أدْبَرَ} دبوره: إظلامه.

واختلفت القرّاء في قراءة ذلك، فقرأته عامة قرّاء المدينة والبصرة {إذْ أدْبَرَ}، وبعض قرّاء مكة والكوفة: «إذا دَبَرَ».

والصواب من القول في ذلك عندنا، أنهما قراءتان معروفتان صحيحتا المعنى، فبأيتهما قرأ القارىء فمصيب.

وقد اختلف أهل العلم بكلام العرب في ذلك، فقال بعض الكوفيين: هما لغتان، يقال: دبر النهار وأدبر، ودبر الصيف وأدبر قال: وكذلك قَبل وأقبل فإذا قالوا: أقبل الراكب وأدبر لم يقولوه إلا بالألف. وقال بعض البصريين: «واللَّيْل إذَا دَبَرَ» يعني: إذا دبر النهار وكان في آخره قال: ويقال: دبرني: إذا جاء خلفي، وأدبر: إذا ولَّى.

والصواب من القول في ذلك عندي أنهما لغتان بمعنى، وذلك أنه محكيّ عن العرب: قبح الله ما قَبِل منه وما دبر. وأخرى أن أهل التفسير لم يميزوا في تفسيرهم بين القراءتين، وذلك دليل على أنهم فعلوا ذلك كذلك، لأنهما بمعنى واحد.

وقوله: {والصُّبْح إذَا أسْفَرَ} يقول تعالى ذكره: والصبح إذا أضاء، كما:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {والصُّبْح إذَا أسْفَرَ}: إذا أضاء وأقبل.

{إنَّها لإَحْدَى الكُبَرِ} يقول تعالى ذكره: إن جهنم لإحدى الكبر، يعني الأمور العظام. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثني عيسى وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا وقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد {إنَّها لإَحْدَى الكُبَرِ} يعني: جهنم.

حدثنا أبو السائب، قال: ثنا أبو معاوية، عن إسماعيل بن سميع، عن أبي رزين {إنَّها لإَحْدَى الكُبَرِ} قال: جهنم.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: إنَّها لإَحْدَى الكُبَرِ قال: هذه النار.

حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة {إنَّها لإَحْدَى الكُبَرِ} قال: هي النار.

حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: ثنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: {إنَّها لإَحْدَى الكُبَرِ} يعني: جهنم.

حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس {إنَّها لإَحْدَى الكُبَرِ}: يعني جهنم.

وقوله: {نَذِيراً للْبَشَرِ} يقول تعالى ذكره: إن النار لإحدى الكبر، نذيراً لبني آدم.

واختلف أهل التأويل في معنى قوله {نَذِيراً للْبَشَر}، وما الموصوف بذلك، فقال بعضهم: عُنِيَ بذلك النار، وقالوا: هي صفة للهاء التي في قوله «إنها» وقالوا: هي النذير فعلى قول هؤلاء النذير نصب على القطع من إحدى الكبر، لأن إحدى الكبر معرفة، وقوله {نَذِيراً} نكرة، والكلام قد يحسُن الوقوف عليه دونه.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قال: قال الحسن: والله ما أُنذر الناسُ بشيء أدهي منها، أو بداهية هي أدهي منها.

وقال آخرون: بل ذلك من صفة الله تعالى، وهو خبر من الله عن نفسه، أنه نذير لخلقه وعلى هذا القول يجب أن يكون نصب قوله {نَذِيراً} على الخروج من جملة الكلام المتقدّم، فيكون معنى الكلام: وما جعلنا أصحاب النار إلا ملائكة نذيراً للبشر يعني: إنذاراً لهم فيكون قوله: {نَذِيراً} بمعنى إنذاراً لهم كما قال: {فَكَيْفَ كانَ نَذِيرِ} بمعنى إنذاري ويكون أيضاً بمعنى: إنها لإحدى الكُبَر صيرنا ذلك كذلك نذيراً، فيكون قوله: {إنَّها لإَحْدَى الكُبَرِ} مؤدّياً عن معنى صيرنا ذلك كذلك، وهذا المعنى قصد من قال ذلك إن شاء الله.

ذكر من قال ذلك:

حدثني أبو السائب، قال: ثنا أبو معاوية، عن إسماعيل، عن أبي رزين {إنَّها لإَحْدَى الكُبَرِ} قال: جهنم {نَذِيراً للْبَشَرِ} يقول الله: أنا لكم منها نذير فاتقوها.

وقال آخرون: بل ذلك من صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقالوا: نصب نذيراً على الحال مما في قوله «قم»، وقالوا: معنى الكلام: قم نذيراً للبشر فأنذر.

ذكر من قال ذلك:

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: {نَذِيراً للْبَشَرِ} قال: الخلق، قال: بنو آدم البشر، فقيل له: محمد النذير؟ قال: نعم ينذرهم.

وقوله: {لِمَنْ شاءَ مِنْكُمْ أنْ يَتَقَدَّمَ أوْ يَتأَخَّرَ} يقول تعالى ذكره: نذيراً للبشر لمن شاء منكم أيها الناس أن يتقدّم في طاعة الله، أو يتأخر في معصية الله. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: {لِمَنْ شاءَ مِنْكُمْ أنْ يَتَقدَّمَ أوْ يَتأَخَّرَ} قال: من شاء اتبع طاعة الله، ومن شاء تأخر عنها.

حدثني بشر، قال: ثنا يزيد قال: ثنا سعيد عن قتادة {لِمَنْ شاءَ مِنْكُمْ أنْ يَتَقَدَّمَ أوْ يَتأَخَّرَ}: يتقدّم في طاعة الله، أو يتأخر في معصيته.

كُلُّ نَفْسٍۭ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ ۝٣٨ إِلَّآ أَصْحَٰبَ ٱلْيَمِينِ ۝٣٩ فِى جَنَّٰتٍ يَتَسَآءَلُونَ ۝٤٠ عَنِ ٱلْمُجْرِمِينَ ۝٤١ مَا سَلَكَكُمْ فِى سَقَرَ ۝٤٢ قَالُوا۟ لَمْ نَكُ مِنَ ٱلْمُصَلِّينَ ۝٤٣ وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ ٱلْمِسْكِينَ ۝٤٤ وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ ٱلْخَآئِضِينَ ۝٤٥

يقول تعالى ذكره: كلّ نفس مأمورة منهية بما عملت من معصية الله في الدنيا، رهينة في جهنم {إلاَّ أصحَابَ اليَمِينِ} فإنهم غير مرتهنين، ولكنهم {فِي جَنَّاتٍ يَتَساءَلُونَ} عن المجرمين. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: {كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ} يقول: مأخوذة بعملها.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ إلاَّ أصحَابَ اليَمِينِ} قال: غَلِقَ الناس كلهم إلا أصحاب اليمين.

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعاً عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: {كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ إلاَّ أصحَابَ اليَمِينِ} قال: لا يحاسبون.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قول الله: {كلّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ إلاَّ أصحَابَ اليَمِينِ}: أصحابُ اليمين لا يرتهنون بذنوبهم، ولكن يغفرها الله لهم وقرأ قول الله: {إلاَّ عِبَادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ} قال: لا يؤاخذهم الله بسيىء أعمالهم، ولكن يغفرها الله لهم، ويتجاوز عنهم كما وعدهم.

حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: ثنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: {كلّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ} قال: كل نفس سبقت له كلمة العذاب يرتهنه الله في النار، لا يرتهن الله أحداً من أهل الجنة، ألم تسمع أنه قال: {كلّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ إلاَّ أصحَابَ اليَمِينِ} يقول: ليسوا رهينة {فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ}.

حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، في قوله {إلاَّ أصحَابَ اليَمينِ} قال: إن كان أحدهم سبقت له كلمة العذاب جُعلَ منزله في النار يكون فيها رهناً، وليس يرتهن أحد من أهل الجنة هم في جنات يتساءلون.

واختلف أهل التأويل في أصحاب اليمين الذين ذكرهم الله في هذا الموضع، فقال بعضهم: هم أطفال المسلمين.

ذكر من قال ذلك:

حدثني واصل بن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن فضيل، عن الأعمش، عن عثمان، عن زاذان، عن عليّ رضي الله عنه في هذه الآية: {كلّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ إلاَّ أصحَابَ اليَمِينِ} قال: هم الولدان.

حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا مؤمل، قال: ثنا سفيان، عن عثمان أبي اليقظان، عن زاذان أبي عمر عن عليّ رضي الله عنه في قوله {كلّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ إلاَّ أصحَابَ اليَمِينِ} قال: أطفال المسلمين.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن الأعمش، عن عثمان بن عمير أبي اليقظان، عن زاذان أبي عمر، عن عليّ رضي الله عنه {إلاَّ أصحَابَ اليَمِين} قال: أولاد المسلمين.

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا وكيع، عن سفيان، عن أبي اليقظان، عن زاذان، عن عليّ رضي الله عنه {إلاَّ أصحَابَ اليَمِين} قال: هم الولدان.

وقال آخرون: هم الملائكة.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا وكيع، عن شريك، عن الأعمش، عن أبي ظبيان، عن ابن عباس، قال: هم الملائكة.

وإنما قال من قال: أصحاب اليمين في هذا الموضع: هم الولدان وأطفال المسلمين ومن قال: هم الملائكة، لأن هؤلاء لم يكن لهم ذنوب، وقالوا: لم يكونوا ليسألوا المجرمين {ما سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ} إلا أنهم لم يقترفوا في الدنيا مآثم، ولو كانوا اقترفوها وعرفوها لم يكونوا ليسألوهم عما سلكهم في سقر، لأن كلّ من دخل من بني آدم ممن بلغ حدّ التكليف، ولزِمه فرض الأمر والنهي، قد علم أن أحدا لا يعاقب إلا على المعصية.

وقوله: {فِي جَنَّاتٍ يَتَساءَلُونَ عَن المُجْرِمِينَ ما سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ} يقول: أصحاب اليمين في بساتين يتساءلون عن المجرمين الذين سُلكوا في سقر، أيّ شيء سلككم في سقر؟ {قالُوا لَمْ نَك مِنَ المُصَلِّينَ} يقول: قال المجرمون لهم: لم نك في الدنيا من المصلين لله {وَلمْ نَكُ نُطْعِمُ المِسْكِينَ} بخلاً بما خوّلهم الله، ومنعا له من حقه.

{وكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الخائِضِينَ} يقول: وكنا نخوض في الباطل وفيما يكرهه الله مع من يخوض فيه، كما:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {وكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الخائِضِينَ} قال: كلما غوى غاوٍ غوينا معه.

حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، قوله {وكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الخائِضِينَ} قال: يقولون: كلما غوى غاو غوينا معه.

وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ ٱلدِّينِ ۝٤٦ حَتَّىٰٓ أَتَىٰنَا ٱلْيَقِينُ ۝٤٧ فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَٰعَةُ ٱلشَّٰفِعِينَ ۝٤٨ فَمَا لَهُمْ عَنِ ٱلتَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ ۝٤٩

وقوله: {وكُنَّا نُكَذّبُ بِيَوْم الدّين} يقول تعالى ذكره: قالوا: وكنا نكذّب بيوم المجازاة والثواب والعذاب، ولا نصدّق بثواب ولا عقاب ولا حساب {حتى أتانا اليَقِينُ} يقول: قالوا: حتى أتانا الموت الموقن به {فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفاعَةُ الشَّافِعِينَ} يقول: فما يشفع لهم الذين شفعهم الله في أهل الذنوب من أهل التوحيد، فتنفعهم شفاعتهم. وفي هذه الآية دلالة واضحة على أن الله تعالى ذكره مشفعٌ بعضَ خلقه في بعض. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن سلمة بن كهيل، قال: ثنا أبو الزعراء، عن عبد الله في قصة ذكرها في الشفاعة، قال: ثم تشفع الملائكة والنبيون والشهداء والصالحون والمؤمنون، ويشفعهم الله فيقول: أنا أرحم الراحمين، فيخرج من النار أكثر مما أخرج من جميع الخلق من النار ثم يقول: أنا أرحم الراحمين ثم قرأ عبد الله: يا أيها الكفار

{ ما سَلَكَكُمْ في سَقَرَ قالُوا لَمْ نَكُ مِنَ المُصَلِّينَ ولَمْ نَكُ نُطْعِمُ المِسْكِينَ وكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الخائِضِينَ وكُنَّا نُكَذّبُ بِيَوْم الدّين } وعقد بيده أربعاً، ثم قال: هل ترون في هؤلاء من خير، ألا ما يُترك فيها أحد فيه خير.

حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا ابن إدريس، قال: سمعت عمي وإسماعيل بن أبي خالد، عن سلمة بن كهيل، عن أبي الزعراء، قال: قال عبد الله: لا يبقى في النار إلا أربعة أو ذو الأربعة. الشكّ من أبي جعفر الطبري ثم يتلو:

{ ما سَلَكَكُمْ في سَقَرَ قالُوا لَمْ نَكُ مِنَ المُصَلِّينَ ولَمْ نَكُ نُطْعِمُ المِسْكِينَ وكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الخائِضِينَ وكُنَّا نُكَذّبُ بِيَوْم الدّينِ }

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {فَما تَنْفَعُهُمْ شَفاعَةُ الشَّافِعِينَ} تعلمن أن الله يشفع المؤمنين يوم القيامة. ذُكر لنا أن نبيّ الله صلى الله عليه وسلم كان يقول:

إنَّ مِنْ أُمَّتِي رجُلاً يُدْخِلُ اللَّهُ بِشَفاعَتِهِ الجَنَّةَ أكْثَرَ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ. قال الحسن: أكثر من ربيعة ومضر، كنا نحدَّث أن الشهيد يشفع في سبعين من أهل بيته.

حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور عن معمر، عن قتادة {فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفاعَةُ الشَّافِعِينَ} قال: تعلمن أن الله يشفع بعضهم في بعض.

قال: ثنا أبو ثور، قال معمر: وأخبرني من سمع أنس بن مالك يقول: إن الرجل ليشفع للرجلين والثلاثة والرجل.

قال: ثنا أبو ثور، عن معمر، عن أيوب، عن أبي قلابة، قال: يدخل الله بشفاعة رجل من هذه الأمة الجنة مثل بني تميم، أو قال: أكثر من بني تميم، وقال الحسن: مثل ربيعة ومضر.

وقوله: {فَمَا لَهُمْ عَن التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ} يقول: فما لهؤلاء المشركين عن تذكرة الله إياهم بهذا القرآن معرضين، لا يستمعون لها فيتعظوا ويعتبروا. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ} أي عن هذا القرآن.

كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُّسْتَنفِرَةٌ ۝٥٠ فَرَّتْ مِن قَسْوَرَةٍۭ ۝٥١ بَلْ يُرِيدُ كُلُّ ٱمْرِئٍ مِّنْهُمْ أَن يُؤْتَىٰ صُحُفًا مُّنَشَّرَةً ۝٥٢ كَلَّا بَل لَّا يَخَافُونَ ٱلْـَٔاخِرَةَ ۝٥٣

يقول تعالى ذكره: فما لهؤلاء المشركين بالله عن التذكرِة معرِضين، مولِّين عنها تولية الحُمُر المستنفرة {فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ}.

واختلف القرّاء في قراءة قوله: {مُسْتَنْفِرَةٌ}، فقرأ ذلك عامة قرّاء الكوفة والبصرة بكسر الفاء، وفي قراءة بعض المكيين أيضاً بمعنى نافرة.

والصواب من القول في ذلك عندنا، أنهما قراءتان معروفتان، صحيحتا المعنى، فبأيتهما قرأ القارىء فمصيب. وكان الفرّاء يقول: الفتح والكسر في ذلك كثيران في كلام العرب وأنشد:

أمْسِكْ حِمارَكَ إنَّهُ مُسْتَنْفِرٌ فِي إثْرِ أحْمِرَةٍ عَمَدْنَ لِغُرَّب

وقوله: {فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ} اختلف أهل التأويل في معنى القسورة، فقال بعضهم: هم الرماة.

ذكر من قال ذلك:

حدثني أبو السائب، قال: ثنا حفص بن غياث، عن حجاج، عن عطاء، عن ابن عباس، في قوله: {فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ} قال: الرماة.

حدثني ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان وحدثنا أبو كريب، قال: ثنا وكيع عن سفيان، عن الأعمش، عن أبي ظبيان، عن أبي موسى {فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ} قال: الرماة.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن منصور، عن مجاهد {فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ} قال: هي الرماة.

قال: ثنا وكيع، عن سفيان، عن منصور، عن مجاهد، مثله.

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا وكيع، عن سفيان، عن منصور، عن مجاهد، مثله.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن منصور، عن مجاهد، مثله.

حدثنا محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعاً عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قوله: {قَسْوَرَةٍ} قال: عصَبة قناص من الرماة. زاد الحارث في حديثه. قال: وقال بعضهم في القسورة: هو الأسد، وبعضهم: الرماة.

حدثنا هناد بن السريّ، قال: ثنا أبو الأحوص، عن سِماك، عن عكرِمة، في قوله: {فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ} قال: القسورة: الرماة، فقال رجل لعكرِمة: هو الأسد بلسان الحبشة، فقال عكرِمة: اسم الأسد بلسان الحبشة عنبسة.

حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا ابن علية، قال: أخبرنا أبو رجاء، عن عكرِمة، في قوله {فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ} قال: الرماة.

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا وكيع، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن سليمان بن عبد الله السلولي، عن ابن عباس، قال: هي الرماة.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ} وهم الرماة القناص.

حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، في قوله {فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ} قال: قسورة النبَّل.

وقال آخرون: هم القُنَّاص.

ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، {فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ} يعني: رجال القَنْص.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جُبير في هذه الآية {فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ} قال: هم القناص.

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا وكيع، عن شعبة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جُبير قال: هم القناص.

وقال آخرون: هم جماعة الرجال.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة وحدثنا أبو كريب، قال: ثنا وكيع، عن شعبة، عن أبي حمزة، قال: سألت ابن عباس عن القسورة، فقال: ما أعلمه بلغة أحد من العرب: الأسد هي عصب الرجال.

حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا عبد الصمد بن عبد الوارث، قال: ما أعلمه بلغة أحد من العرب الأسد هي عِصب الرجال.

حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا عبد الصمد بن عبد الوارث، قال: سمعت أبي يحدّث، قال: ثنا داود، قال: ثني عباس بن عبد الرحمن مولى بني هاشم، قال: سئل ابن عباس عن القسورة، قال: جمع الرجال، ألم تسمع ما قالت فلانة في الجاهلية:

يا بِنْتَ لُؤَيّ خَيْرَةً لخَيْرَه أحْوَالُها في الحَيّ مِثلُ القَسْوَرَهْ

وقال آخرون: هي أصوات الرجال.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا ابن عيينة، عن عمرو، عن عطاء، عن ابن عباس {فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ} قال: ركز الناس أصواتهم.

قال أبو كريب، قال سفيان: هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أحَدٍ أوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزا.

وقال آخرون: بل هو الأسد.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا وكيع، عن هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن أبي هريرة {فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ} قال: هو الأسد.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرني هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن ابن سيلان، أن أبا هريرة كان يقول في قول الله: {فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ} قال: هو الأسد.

حدثني محمد بن معمر، قال: ثنا هشام، عن زيد بن أسلم، في قول الله: {فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ} قال: الأسد.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرني داود بن قيس عن زيد بن أسلم، في قول الله: {فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ} قال: هو الأسد.

حدثني محمد بن خالد بن خداش، قال ثني سلم بن قتيبة، قال: ثنا حماد بن سلمة، عن عليّ بن زيد، عن يوسف بن مهران عن ابن عباس أنه سُئل عن قوله: {فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ} قال: هو بالعربية: الأسد، وبالفارسية: شار، وبالنبطية: أريا، وبالحبشية: قسورة.

حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله {فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ} يقول: الأسد.

حدثني أبو السائب، قال: ثنا حفص بن غياث، عن هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن أبي هريرة قال: الأسد.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: {فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ} قال: القسورة: الأسد.

وقوله: {بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِىءٍ مِنْهُمْ أنْ يُؤَتى صُحُفاً مَنَشَّرَةً} يقول تعالى ذكره: ما بهؤلاء المشركين في إعراضهم عن هذا القرآن أنهم لا يعلمون أنه من عند الله، ولكن كلّ رجل منهم يريد أن يؤتى كتاباً من السماء ينزل عليه. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِىءٍ مِنْهُمْ أنْ يُؤْتَي صُحُفاً مُنَشَّرَةً} قال: قد قال قائلون من الناس: يا محمد إن سرّك أن نتبعك فأتنا بكتاب خاصة إلى فلان وفلان، نؤمر فيه باتباعك، قال قتادة: يريدون أن يؤتوا براءة بغير عمل.

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعاً عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: {بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِىءٍ مِنْهُمْ أنْ يُؤْتَي صُحُفاً مُنَشَّرَةً} قال: إلى فلان من ربّ العالمين.

وقوله: {كَلاَّ بَلْ لا يَخافُونَ الآخِرَةَ} يقول تعالى ذكره: ما الأمر كما يزعمون من أنهم لو أوتوا صحفا منشَّرة صدّقوا، بل لا يخافون الآخرة، يقول: لكنهم لا يخافون عقاب الله، ولا يصدّقون بالبعث والثواب والعقاب فذلك الذي دعاهم إلى الإعراض عن تذكرة الله، وهوّن عليهم ترك الاستماع لوحيه وتنزيله. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله: {كَلاَّ بَلْ لا يخافُونَ الآخِرَةَ} إنما أفسدهم أنهم كانوا لا يصدّقون بالآخرة، ولا يخافونها، هو الذي أفسدهم.

كَلَّآ إِنَّهُۥ تَذْكِرَةٌ ۝٥٤ فَمَن شَآءَ ذَكَرَهُۥ ۝٥٥ وَمَا يَذْكُرُونَ إِلَّآ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ هُوَ أَهْلُ ٱلتَّقْوَىٰ وَأَهْلُ ٱلْمَغْفِرَةِ ۝٥٦

يعني جلّ ثناؤه بقوله: {كَلاَّ إنَّهُ تَذْكِرَةٌ} ليس الأمر كما يقول هؤلاء المشركون في هذا القرآن من أنه سحر يؤثر، وأنه قول البشر، ولكنه تذكرة من الله لخلقه، ذكرهم به. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {كَلاَّ إنَّهُ تَذْكِرَةٌ} أي القرآن.

وقوله: {فَمَن شاءَ ذَكَرَه} يقول تعالى ذكره: فمن شاء من عباد الله الذين ذكرهم الله بهذا القرآن ذكره، فاتعظ فاستعمل ما فيه من أمر الله ونهيه {وَما يَذْكُرُونَ إلاَّ أنْ يَشاءَ اللَّهُ} يقول تعالى ذكره: وما يذكرون هذا القرآن فيتعظون به، ويتسعملون ما فيه، إلا أن يشاء الله أن يذكروه، لأنه لا أحد يقدر على شيء إلا بأن يشاء الله يقدره عليه، ويعطيه القدرة عليه.

وقوله: {هُوَ أهْلُ التَّقْوَى وأهْلُ المَغْفِرَةِ} يقول تعالى ذكره: الله أهل أن يتقي عبادُه عقابهَ على معصيتهم إياه، فيجتنبوا معاصيه، ويُسارعوا إلى طاعته، {وأهل المغفرة} يقول: هو أهل أن يغفر ذنوبهم إذا هم فعلوا ذلك، ولا يعاقبهم عليها مع توبتهم منها. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {هُوَ أهْلُ التَّقْوَى وأهْلُ المَغْفِرَةِ} ربنا محقوق أن تتقى محارمه، وهو أهل المغفرة يغفر الذنوب.

حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، في قوله {هُوَ أهْلُ التَّقْوَى وأهْلُ المَغْفِرَةِ} قال: أهل أن تتقى محارمه، وأهل المغفرة: أهل أن يغفر الذنوب.

السبت، 24 أكتوبر 2026 13 جمادى الأولى 1448 هـ