انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة النساء

تفسير القرطبيالآيات 22–24

تفسير سورة النساء آية آية، من تفسير القرطبي.

وَلَا تَنكِحُوا۟ مَا نَكَحَ ءَابَآؤُكُم مِّنَ ٱلنِّسَآءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُۥ كَانَ فَٰحِشَةً وَمَقْتًا وَسَآءَ سَبِيلًا ۝٢٢

فيه أربع مسائل:

الأُولىٰ ـ قوله تعالىٰ: {وَلاَ تَنكِحُواْ مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِّنَ ٱلنِّسَآءِ} يُقال: كان الناس يتزوّجون ٱمرأة الأبِ برضاها بعد نزول قوله تعالىٰ: {يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُواْ ٱلنِّسَآءَ كَرْهاً} حتى نزلت هذه الآية: {وَلاَ تَنكِحُواْ مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ} فصار حراماً في الأحوال كلها؛ لأن النكاح يقع على الجماع والتزوّج، فإن كان الأب تزوج ٱمرأة أو وطئها بغير نكاح حرّمت على ٱبنه؛ على ما يأتي بيانه إن شاء الله تعالىٰ.

الثانية ـ قوله تعالىٰ: {مَا نَكَحَ} قيل: المراد بها النساء. وقيل: العقد، أي نكاح آبائكم الفاسد المخالف لدين الله؛ إذ الله قد أحكم وجه النكاح وفصّل شروطه. وهو اختيار الطبري. فـ «مِنْ» متعلقة بـ «ـتَنْكِحُوا» و {مَا نَكَحَ} مصدر. قال: ولو كان معناه ولا تنكحوا النساء اللآتي نكح آباؤكم لوجب أن يكون موضع «ما» «من». فالنهي على هذا إنما وقع على ألاّ ينكحوا مثل نكاح آبائهم الفاسد. والأوّل أصح، وتكون «ما» بمعنى «الذي» و «من». والدليل عليه أن الصحابة تلقّت الآية على ذلك المعنى؛ ومنه استدلت على منع نكاح الأبناء حلائل الآباء. وقد كان في العرب قبائل قد ٱعتادت أن يخلف ٱبن الرجل على ٱمرأة أبيه، وكانت هذه السيرة في الأنصار لازمة، وكانت في قريش مباحة مع التراضي. ألا ترىٰ أن عمرو بن أُمية خلف على ٱمرأة أبيه بعد موته فولدت له مسافراً وأبا مُعيط، وكان لها من أُمية أبو العِيصِ وغيره؛ فكان بنو أُمية إخوة مُسَافِر وأبي مُعِيط وأعمامهما. ومن ذلك صفوان بن أُمية بن خَلَف تزوّج بعد أبيه ٱمرأته فاخِتَة بنت الأسود بن المطلب بن أسد، وكان أُمية قتل عنها. ومن ذلك منظور بن زَبّان خلف على مُلَيْكَةَ بنت خارجة، وكانت تحت أبيه زَبَّان بن سَيّار. ومن ذلك حِصْن بن أبي قيس تزوّج ٱمرأة أبيه كُبَيْشَة بنت مَعْن. والأسود بن خلف تزوّج ٱمرأة أبيه. وقال الأشعث بن سَوّار: توفي أبو قيس وكان من صالحي الأنصار فخطب ٱبنه قيس ٱمرأة أبيه فقالت: إني أعدّك ولداً، ولكني آتي رسول الله صلى الله عليه وسلم أستأمره؛ فأتته فأخبرته فأنزل الله هذه الآية. وقد كان في العرب من تزوّج ٱبنته، وهو حاجب بن زُرَارَة تمَجَّس وفعل هذه الفعلة؛ ذكر ذلك النضر ابن شُمَيْل في كتاب المثالب. فنهى الله المؤمنين عما كان عليه آباؤهم من هذه السيرة.

الثالثة ـ قوله تعالىٰ: {إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ} أي تقدّم ومضى. والسلف: من تقدّم من آبائك وذوي قرابتك. وهذا استثناء منقطع، أي لكن ما قد سلف فاجتنبوه ودعوه. وقيل: «إلاَّ» بمعنى بَعْدُ، أي بعدما سلف؛ كما قال تعالىٰ:

{ { لاَ يَذُوقُونَ فِيهَا ٱلْمَوْتَ إِلاَّ ٱلْمَوْتَةَ ٱلأُولَىٰ } } [الدخان: 56] أي بعد الموتة الأُولى. وقيل: {إِلاَّ ۤمَا قَدْ سَلَفَ} أي ولا ما سلف؛ كقوله تعالىٰ: { { وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلاَّ خَطَئاً } } [النساء: 92] يعني ولا خطأ. وقيل: في الآية تقديم وتأخير، معناه: ولا تنكِحوا ما نكح آباؤكم مِن النساء إنه كان فاحِشة ومقتاً وساء سبيلاً إلاَّ ما قد سلف. وقيل: في الآية إضمار لقوله: {وَلاَ تَنكِحُواْ مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِّنَ ٱلنِّسَآءِ} فإنكم إن فعلتم تعاقبون وتؤاخذون إلاَّ ما قد سلف.

الرابعة ـ قوله تعالىٰ: {إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتاً وَسَآءَ سَبِيلاً} عقب بالذم البالغ المتتابع، وذلك دليل على أنه فعل انتهى من القبح إلى الغاية. قال أبو العباس: سألت ٱبن الأعرابيّ عن نكاح المقت فقال: هو أن يتزوّج الرجل ٱمرأة أبيه إذا طلقها أو مات عنها؛ ويُقال لهذا الرجل: الضّيْزَن. وقال ٱبن عرفة: كانت العرب إذا تزوّج الرجل ٱمرأة أبيه فأولدها قيل للولد: المقتِيّ. وأصل المقت البغض؛ من مَقَتَه يَمْقُتُه مَقْتاً فهو مَمْقُوتٌ وَمَقِيتٌ. فكانت العرب تقول للرجل من ٱمرأة أبيه: مَقِيتٌ؛ فسمي تعالى هذا النكاح «مقتاً» إذ هو ذا مقتٍ يلحق فاعله. وقيل: المراد بالآية النهي عن أن يطأ الرجل ٱمرأةً وطئها الآباء، إلاَّ ما قد سلف من الآباء في الجاهلية من الزنى بالنساء لا على وجه المناكحة فإنه جائز لكم زواجهنّ. وأن تطئوا بعقد النكاح ما وطئه آباؤكم من الزنى؛ قاله ٱبن زيد. وعليه فيكون الاستثناء متصلاً، ويكون أصلاً في أن الزنى لا يحرِّم على ما يأتي بيانه. والله أعلم.

حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَٰتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَٰتُكُمْ وَعَمَّٰتُكُمْ وَخَٰلَٰتُكُمْ وَبَنَاتُ ٱلْأَخِ وَبَنَاتُ ٱلْأُخْتِ وَأُمَّهَٰتُكُمُ ٱلَّٰتِىٓ أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَٰتُكُم مِّنَ ٱلرَّضَٰعَةِ وَأُمَّهَٰتُ نِسَآئِكُمْ وَرَبَٰٓئِبُكُمُ ٱلَّٰتِى فِى حُجُورِكُم مِّن نِّسَآئِكُمُ ٱلَّٰتِى دَخَلْتُم بِهِنَّ فَإِن لَّمْ تَكُونُوا۟ دَخَلْتُم بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلَٰٓئِلُ أَبْنَآئِكُمُ ٱلَّذِينَ مِنْ أَصْلَٰبِكُمْ وَأَن تَجْمَعُوا۟ بَيْنَ ٱلْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا ۝٢٣

فيه إحدى وعشرون مسألة:

الأولى ـ قوله تعالى: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ} الآية. أي نكاح أُمهاتكم ونكاح بناتكم؛ فذكر الله تعالىٰ في هذه الآية ما يحِل من النساء وما يحرم، كما ذكر تحريم حَليلة الأب، فحرّم الله سَبْعاً من النسب وسِتّاً من رضَاع وصِهْر، وألحقت السنةُ المتواترة سابعة؛ وذلك الجمع بين المرأة وعمتها، ونص عليه الإجماع. وثبتت الرواية عن ٱبن عابس قال: حرّم من النسب سبع ومن الصهر سبع، وتلا هذه الآية. وقال عمرو بن سالم مولى الأنصار مثل ذلك، وقال: السابعة قوله تعالىٰ: {وَٱلْمُحْصَنَاتُ}. فالسبع المحرّمات من النسب: الأُمهات والبنات والأخوات والعمات والخالات، وبنات الأخ وبنات الأُخت. والسبع المحرّمات بالصهر والرّضاع: الأُمهات من الرضاعة والأخوات من الرّضاعة، وأُمهات النساء والربائِب وحَلائل الأبناء والجمع بين الأُختين، والسابعة {وَلاَ تَنكِحُواْ مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ}. قال الطحاوي: وكل هذا من المحكم المتفق عليه، وغير جائز نكاح واحدة منهنّ بإجماعٍ إلاَّ أُمهات النساء اللواتي لم يدخل بهنّ أزواجهنّ؛ فإن جمهور السلف ذهبوا إلى أن الأُم تحرم بالعقد على الابنة، ولا تحرم الابنة إلاَّ بالدخول بالأُمِّ؛ وبهذا قول جميع أئمة الفَتْوىٰ بالأمصار. وقالت طائفة من السلف: الأُم والربيبة سواء، لا تحرم منهما واحدة إلاَّ بالدخول بالأُخرى.

قالوا: ومعنى قوله: {وَأُمَّهَاتُ نِسَآئِكُمْ} أي اللاتي دخلتم بهنّ. {وَرَبَائِبُكُمُ ٱللاَّتِي فِي حُجُورِكُمْ مِّن نِّسَآئِكُمُ ٱللاَّتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ}. وزعموا أن شرط الدخول راجع إلى الأُمهات والربائب جميعاً؛ رواه خِلاَسٌ عن عليّ بن أبي طالب. وروي عن ٱبن عباسٍ وجابرٍ وزيد بن ثابت، وهو قول ابن الزبير ومجاهد. قال مجاهد: الدّخول مراد في النازلتين؛ وقول الجمهور مخالف لهذا وعليه الحكم والفتيا، وقد شدّد أهل العراق فيه حتى قالوا: لو وطئها بزنًى أو قبّلها أو لمسها بشهوة حرمت عليه ابنتها. وعندنا وعند الشافعيّ إنما تحرم بالنكاحِ الصحيح؛ والحرام لا يحرّم الحلال على ما يأتي. وحديث خِلاسٍ عن عليّ لا تقوم به حجة، ولا تصح روايته عند أهل العلم بالحديث، والصحيح عنه مثل قولِ الجماعةِ. قال ابن جريج: قلت لعطاء الرجل ينكِح المرأة ثم لا يراها ولا يجامعها حتى يطلقها أوَ تحِلّ له أُمها؟ قال: لا، هي مرسلة دخل بها أو لم يدخل. فقلت له: أكان ٱبن عباس يقرأ: {وَأُمَّهَاتُ نِسَآئِكُمْ ٱللاَّتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ}؟ قال: لا لا. وروى سعيد عن قتادة عن عِكرمة عن ٱبن عباس في قوله تعالىٰ: {وَأُمَّهَاتُ نِسَآئِكُمْ} قال: هي مبهمة لا تحِل بالعقد على الابنة؛ وكذلك روى مالك في موطئِه عن زيد بن ثابت، وفيه: فقال زيد لا، الأُم مبهمة (ليس فيها شرط) وإنما الشرط في الربائب. قال ابن المنذر: وهذا هو الصحيح؛ لدخول جميع أُمهات النساء في قوله تعالىٰ: {وَأُمَّهَاتُ نِسَآئِكُمْ}. ويؤيد هذا القول من جهة الإعراب أن الخبرين إذا ٱختلفا في العامل لم يكن نعتهما واحداً؛ فلا يجوز عند النحويين مررت بنسائك وهربت من نساء زيد الظريفات، على أن تكون «الظريفات» نعتاً لنسائك ونساء زيد؛ فكذلك الآية لا يجوز أن يكون {اللاَّتِي} من نعتهما جميعاً؛ لأن الخبرين مختلفان، ولكنه يجوز على معنى أعني. وأنشد الخليل وسيبويه:

إنّ بِها أكْتَلَ أو رِزامَاخُوَيْرَبَيْنِ يَنْقُفَانِ الْهَامَا

خُوَيْرَبَيْن يعني لِصَّين، بمعنى أعني. وينقفان: يكسِران؛ نقفت رأسه كسرته. وقد جاء صريحاً من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدّه عن النبيّ صلى الله عليه وسلم:إذا نكح الرجل المرأة فلا يحل له أن يتزوّج أُمّها دخل بالبنت أو لم يدخل وإذا تزوّج الأُم فلم يدخل بها ثم طلقها فإن شاء تزوّج البنتأخرجه في الصحيحين.

الثانية ـ وإذا تقرّر هذا وثبت فٱعلم أن التحريم ليس صفة للأعيان، والأعيان ليست مورداً للتحليل والتحريم ولا مصدراً، وإنما يتعلق التكليف بالأمر والنهي بأفعال المكلَّفين من حركة وسكون؛ لكن الأعيان لما كانت مورداً للأفعال أضيف الأمر والنهي والحكم إليها وعُلِّق بها مجازاً على معنى الكناية بالمحل عن الفعل الذي يحِلّ به.

الثالثة ـ قوله تعالىٰ: «أُمَّهَاتُكُمْ» تحريم الأُمهات عامّ في كل حال لا يتخصص بوجهٍ من الوجوه؛ ولهذا يسميه أهل العلم المبهم، أي لا باب فيه ولا طريق إليه لانسداد التحريم وقوته، وكذلك تحريم البنات والأخوات ومن ذكر من المحرّمات. والأمهات جمع أُمّهَة؛ يُقال: أُمّ وأمّهة بمعنى واحد، وجاء القرآن بهما. وقد تقدّم في الفاتحة بيانه. وقيل: إن أصل أم أمّهة على وزن فُعَّلَة مثل قُبَّرَة وحُمَّرة لطيْرَيْن، فسقطت وعادت في الجمع. قال الشاعر:

أمّهتِـي خِنْـدِفُ والـدَّوْسُ أبــي

وقيل: أصل الأْمّ أُمَّةٌ، وأنشدوا:

تَقَبّلتَها عن أُمّةٍ لك طالماتَثُوبُ إليها في النوائب أجمعا

ويكون جمعها أُمّات. قال الراعي:

كانت نَجائِبُ مُنْذِرٍ وَمُحَرِّقٍأُمّاتِهِنّ وَطَرْقُهُنّ فَحِيلاَ

فالأم ٱسم لكل أنثىٰ لها عليك ولادة؛ فيدخل في ذلك الأمّ دِنْيَةً، وأُمهاتها وجدّاتها وأُمُّ الأب وجدّاته وإن عَلَوْنَ. والبنت ٱسم لكل أنثى لك عليها ولادة، وإن شئت قلت: كل أنثى يرجع نسبها إليك بالولادة بدرجة أو درجات؛ فيدخل في ذلك بنت الصلب وبناتها وبنات الأبناء وإن نَزَلْن. والأخت ٱسم لكل أُنثى جاورتك في أصليْك أو في أحدهما. والبنات جمع بنت، والأصل بَنَيَةٌ، والمستعمل ٱبْنَة وبِنْت. قال الفرّاء: كُسِرت الباء من بنت لتدل الكسرة على الياء، وضُمّت الألف من أُخت لتدل على حذف الواو، فإن أصل أُخت أَخَوَة، والجمع أخَوَات. والعمّة ٱسم لكل أُنثى شاركت أباك أو جدّك في أصليه أو في أحدهما. وإن شئت قلت: كل ذكر رجع نسبه إليك فأخته عمتك. وقد تكون العمة من جهة الأُم، وهي أخت أب أُمك. والخالة ٱسم لكل أُنثى شاركت أُمّك في أصليها أو في أحدهما. وإن شئت قلت: كل أُنثى رجع نسبها إليك بالولادة فأُختها خالتك. وقد تكون الخالة من جهة الأب وهي أُخت أُمِّ أبيك. وبنت الأخ ٱسم لكل أُنثى لأخيك عليها ولادة بواسطة أو مباشرة؛ وكذلك بنت الأُخت. فهذه السبع المحرّمات من النسب. وقرأ نافِعٌ ـ في رواية أبي بكر بن أُبي أُوَيْس ـ بتشديد الخاء من الأخ إذا كانت فيه الألف واللام مع نقل الحركة.

الرابعة ـ قوله تعالىٰ: {وَأُمَّهَاتُكُمُ اللاَّتِي أَرْضَعْنَكُمْ} وهي في التحريم مثل من ذكرنا؛ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب. وقرأ عبد الله «وأُمهاتكم اللائي» بغير تاء؛ كقوله تعالىٰ: { { وَٱللاَّئِي يَئِسْنَ مِنَ ٱلْمَحِيضِ } } [الطلاق: 4]. قال الشاعر:

من اللاَّءِ لم يحجُجْنَ يَبْغين حِسْبَةًولكن ليقتلْنَ البَرِيء المغَفَّلا

{أَرْضَعْنَكُمْ} فإذا أرضعت المرأة طفلاً حرمت عليه لأنها أُمّه، وبنتُها لأنها أُخته، وأُختُها لأنها خالتُه، وأُمّها لأنها جدّتُه، وبنت زوجها صاحِبِ اللبن لأنها أُخته، وأُخته لأنها عمته، وأُمّه لأنها جدّته، وبنات بنيها وبناتها لأنهنّ بنات إخوته وأخواته.

الخامسة ـ قال أبو نعيم عبيد الله بن هشام الحلبيّ: سئِل مالك عن المرأة أيحج معها أخوها من الرّضاعة؟ قال: نعم. قال أبو نعيم: وسئل مالك عن ٱمرأة تزوّجت فدخل بها زوجها، ثم جاءت ٱمرأة فزعمت أنها أرضعتهما؛ قال: يفرق بينهما، وما أخذت من شيء له فهو لها، وما بقِي عليه فلا شيء عليه. ثم قال مالك: إن النبيّ صلى الله عليه وسلم سئل عن مثل هذا فأمر بذلك؛ فقالوا: يا رسول الله، إنها ٱمرأة ضعيفة؛ فقال النبي صلى الله عليه وسلم:

أليس يُقال إن فلاناً تزوّج أُخته؟.

السادسة ـ التحريم بالرّضاع إنما يحصل إذا ٱتفق الإرضاع في الحولين؛ كما تقدّم في «البقرة». ولا فرق بين قليل الرّضاع وكثيره عندنا إذا وصل إلى الأمعاء ولو مَصّة واحدة. واعتبر الشافعي في الإرضاع شرطين: أحدهما خمس رضعات؛ لحديث عائشة قالت: كان فيما أنزل الله عشر رضعات معلومات يحرّمن، ثم نسخن بخمسٍ معلومات، وتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهنّ مما يُقرأ من القرآن. موضع الدليل منه أنها أثبتت أن العشر نسخن بخمس، فلو تعلق التحريم بما دون الخمس لكان ذلك نسخاً للخمس. ولا يقبل على هذا خبر واحد ولا قياس؛ لأنه لا ينسخ بهما. وفي حديث سَهْلَة:

أرضعيه خمس رضعات يحرم بهن. الشرط الثاني ـ أن يكون في الحولين، فإن كان خارجاً عنهما لم يحرّم؛ لقوله تعالىٰ: { { حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ ٱلرَّضَاعَةَ } } [البقرة: 233]. وليس بعد التمام والكمال شيء. واعتبر أبو حنيفة بعد الحولين ستة أشهر. ومالك الشهر ونحوه. وقال زُفَر: ما دام يجتزىء باللبن ولم يفطم فهو رضاع وإن أتى عليه ثلاث سنين. وقال الأوزاعيّ: إذا فطم لسنة واستمر فطامه فليس بعده رضاع. وٱنفرد الليث بن سعد من بين العلماء إلى أنّ رضاع الكبير يوجب التحريم؛ وهو قول عائشة رضي الله عنها، وروي عن أبي موسى الأشعريّ، وروي عنه ما يدل على رجوعه عن ذلك، وهو ما رواه أبو حُصَيْن عن أبي عطية قال: قدم رجل بٱمرأته من المدينة فوضعت وتورّم ثديها، فجعل يمصه ويمجه فدخل في بطنه جرعة منه؛ فسأل أبا موسىٰ فقال: بانت منك، واتِ ٱبن مسعود فأخبره، ففعل؛ فأقبل بالأعرابي إلى أبي موسى الأشعري وقال: أرضيعاً ترى هذا الأشْمَط ٰ إنما يحرم من الرضاع ما يُنبت اللحم والعظم. فقال الأشعري: لا تسألوني عن شيء وهذا الحبر بين أظهرِكم. فقوله: «لا تسألوني» يدل على أنه رجع عن ذلك. وٱحتجت عائشة بقصة سالم مولى أبي حذيفة وأنه كان رجلاً. فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم لسهلة بنت سهيل: «أرضعيه» خرجه الموطأ وغيره. وشذت طائفة فاعتبرت عشر رضعات؛ تمسكاً بأنه كان فيما أنزل: عشر رضعات. وكأنهم لم يبلغهم الناسخ. وقال داود: لا يحرم إلاَّ بثلاث رضعات؛ وٱحتج بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم:لا تحرّم الإملاجة والإملاجتان. أخرجه مسلم. وهو مرويّ عن عائشة وابن الزبير، وبه قال أحمد وإسحاق وأبو ثور وأبو عبيد، وهو تمسُّكٌ بدليل الخطاب، وهو مختلف فيه. وذهب من عدا هؤلاء من أئمة الفتوى إلى أن الرّضعة الواحدة تحرّم إذا تحققت كما ذكرنا؛ متمسِّكين بأقل ما ينطلق عليه ٱسم الرّضاع. وعُضِد هذا بما وجد من العمل عليه بالمدينة وبالقياس على الصهر؛ بعِلّة أنه معنى طارىء يقتضي تأبيد التحريم فلا يشترط فيه العدد كالصهر. وقال الليث بن سعد: وأجمع المسلمون على أن قليل الرّضاع وكثيره يحرّم في المَهْد ما يفطر الصائم. قال أبو عمر: لم يقف الليث على الخلاف في ذلك.

قلت ـ وأنص ما في هذا الباب قوله صلى الله عليه وسلم:

لا تحرم المَصَّة ولا المصتانأخرجه مسلم في صحيحه. وهو يفسر معنى قوله تعالىٰ: {وَأُمَّهَاتُكُمُ اللاَّتِي أَرْضَعْنَكُمْ} أي أرضعنكم ثلاث رضعات فأكثر؛ غير أنه يمكن أن يحمل على ما إذا لم يتحقق وصوله إلى جوف الرضيع؛ لقوله:عشر رضعات معلومات. وخمس رضعات معلومات. فوصفها بالمعلومات إنما هو تحرز مما يُتوهّم أو يُشَكُّ في وصوله إلى الجوف. ويفيد دليل خطابه أن الرضعات إذا كانت غير معلومات لم تحرّم. والله أعلم. وذكر الطحاوي أن حديث الإملاجة والإملاجتين لا يثبت؛ لأنه مرةً يرويه ٱبن الزبير عن النبي صلى الله عليه وسلم، ومرة يرويه عن عائشة، ومرّة يرويه عن أبيه؛ ومثل هذا الاضطراب يسقِطه. وروي عن عائشة أنه لا يحرّم إلاَّ سبع رضعات. وروي عنها أنها أُمرت أُختها «أُم كلثوم» أن ترضع سالم بن عبد الله عشر رضعات. وروي عن حفصة مثله، وروي عنها ثلاث، وروي عنها خمس؛ كما قال الشافعيّ رضي الله عنه، وحكي عن إسحاق.

السابعة ـ قوله تعالىٰ: {وَأُمَّهَاتُكُمُ اللاَّتِي أَرْضَعْنَكُمْ} ٱستدل به مَن نفى لبن الفحل، وهو سعيد ابن المسيب وإبراهيم النخعِيّ وأبو سلمة بن عبد الرّحمن، وقالوا: لبن الفحل لا يحرّم شيئاً من قبل الرجل. وقال الجمهور: قوله تعالىٰ: {وَأُمَّهَاتُكُمُ اللاَّتِي أَرْضَعْنَكُمْ} يدل على أن الفحل أب؛ لأن اللبن منسوب إليه فإنه درّ بسبب ولده. وهذا ضعيف؛ فإن الولد خلق من ماء الرجل والمرأة جميعاً، واللبن من المرأة ولم يخرج من الرجل، وما كان من الرجل إلاَّ وطء هو سبب لنزول الماء منه، وإذا فصل الولد خلق الله اللبن من غير أن يكون مضافاً إلى الرجل بوجه ما؛ ولذلك لم يكن للرجل حق في اللبن، وإنما اللبن لها، فلا يمكن أخذ ذلك من القياس على الماء. وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم:

يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب يقتضي التحريم من الرضاع، ولا يظهر وجه نسبة الرضاع إلى الرجل مثل ظهور نسبة الماء إليه والرضاع منها. نعم، الأصل فيه حديث الزهرِيّ وهشام بن عروة عن عروة عن عائشة رضي الله عنها: أن أفْلَحَ أخا القُعَيس جاء يستأذن عليها، وهو عمها من الرضاعة بعد أن نزل الحجاب. قالت: فأبيت أن آذن له: فلما جاء النبيّ صلى الله عليه وسلم أخبرته فقال: «لِيلج عليكِ فإنه عمك تربت يمينك» . وكان أبو القعيس زوج المرأة التي أرضعت عائشة رضي الله عنها؛ وهذا أيضاً خبر واحد. ويحتمل أن يكون أفلح مع أبي بكر رضيعي لِبانٍ فلذلك قالليلج عليك فإنه عمك. وبالجملة فالقول فيه مشكِل والعلم عند الله، ولكن العمل عليه، والاحتياط في التحريم أولى، مع أن قوله تعالىٰ: { { وَأُحِلَّ لَكُمْ مَّا وَرَاءَ ذَلِكُم ْ } } [النساء: 24] يقوّي قول المخالِف.

الثامنة ـ قوله تعالىٰ: {وَأَخَوَاتُكُم مِّنَ ٱلرَّضَاعَةِ} وهي الأُخت لأب وأُم، وهي التي أرضعتها أُمك بِلبانِ أبيك؛ سواء أرضعتها معك أو ولِدت قبلك أو بعدك. والأُخت من الأب دون الأُم، وهي التي أرضعتها زوجة أبيك. والأُخت من الأُم دون الأب، وهي التي أرضعتها أُمّك بِلبان رجل آخر. ثم ذكر التحريم بالمصاهرة فقال تعالىٰ: {وَأُمَّهَاتُ نِسَآئِكُمْ} والصهر أربع: أُم المرأة وٱبنتها وزوجة الأب وزوجة الابن. فأُمّ المرأة تحرم بمجرّد العقد الصحيح على ٱبنتها على ما تقدّم.

التاسعة ـ قوله تعالىٰ: {وَرَبَائِبُكُمُ ٱللاَّتِي فِي حُجُورِكُمْ مِّن نِّسَآئِكُمُ ٱللاَّتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ} هذا مستقل بنفسه. ولا يرجع قوله: {مِّن نِّسَآئِكُمُ ٱللاَّتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ} إلى الفريق الأوّل، بل هو راجع إلى الربائب، إذ هو أقرب مذكور كما تقدّم. والربيبة: بنت ٱمرأة الرجل من غيره؛ سميت بذلك لأنه يربيها في حِجره فهي مربوبة، فعيلة بمعنى مفعولة. وٱتفق الفقهاء على أن الربيبة تحرم على زوج أُمها إذا دخل بالأُم، وإن لم تكن الربيبة في حجره. وشذّ بعض المتقدّمين وأهل الظاهر فقالوا: لا تحرم عليه الربيبة إلاَّ إن تكون في حجر المتزوّج بأُمها؛ فلو كانت في بلد آخر وفارق الأُم بعد الدخول فله أن يتزوّج بها؛ وٱحتجوا بالآية فقالوا: حرّم الله تعالىٰ الربيبة بشرطين: أحدهما ـ أن تكون في حِجر المتزوّج بأُمّها. والثاني ـ الدخول بالأُمّ؛ فإذا عدم أحد الشرطين لم يوجد التحريم. وٱحتجوا بقوله عليه السَّلام:

لو لم تكن ربيبتي في حِجري ما حلّت لي إنها ٱبنة أخي من الرضاعة فشرط الحجر. ورووا عن عليّ بن أبي طالب إجازة ذلك. قال ٱبن المنذر والطحاوي: أما الحديث عن عليّ فلا يثبت؛ لأن روايه إبراهيم بن عبيد عن مالك بن أوس عن عليّ، وإبراهيم هذا لا يعرف، وأكثر أهل العلم قد تلقوه بالدفع والخلاف. قال أبو عبيد: ويدفعه قوله:فلا تَعْرِضن عليّ بناتِكن ولا أخواتِكن فعمّ. ولم يقل: اللائي في حجري، ولكنه سوّى بينهنّ في التحريم. قال الطحاوي: وإضافتهنّ إلى الحجور إنما ذلك على الأغلب مما يكون عليه الرّبائب؛ لا أنهنّ لا يحرمْن إذا لم يكنّ كذلك.

العاشرة ـ قوله تعالىٰ: {فَإِن لَّمْ تَكُونُواْ دَخَلْتُمْ بِهِنَّ} يعني بالأُمهات. {فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ} يعني في نكاح بناتهنّ إذا طلقتموهنّ أو متْنَ عنكم. وأجمع العلماء على أن الرجل إذا تزوّج المرأة ثم طلقها أو ماتت قبل أن يدخل بها حلّ له نكاحُ ٱبنتها. واختلفوا في معنى الدّخول بالأُمّهات الذي يقع به تحريم الرّبائب؛ فروِي عن ٱبن عباس أنه قال: الدّخول الجماع؛ وهو قول طاوس وعمرو بن دِينار وغيرهما. واتفق مالك والثَّوّريْ وأبو حنيفة والأوزاعيّ والليث على أنه إذا مسها بشهوة حَرُمت عليه أُمّها وٱبنتها وحَرُمت على الأب والابن، وهو أحد قولي الشافعيّ. وٱختلفوا في النظر؛ فقال مالك: إذا نظر إلى شعرها أو صدرها أو شيءٍ من محاسِنها لِلذة حرمت عليه أُمّها وٱبنتها. وقال الكوفيون: إذا نظر إلى فرجها للشَّهوة كان بمنزلة اللَّمس للشهوة. وقال الثَّوْريّ: يحرم إذا نظر إلى فرجها متعمداً أو لمسها؛ ولم يذكر الشهوة. وقال ٱبن أبي لَيْلَى: لا تحرم بالنظر حتى يلمس؛ وهو قول الشافعيّ. والدليل على أن بالنظر يقع التحريم أن فيه نوع ٱستمتاع فجرى مجرى النكاح؛ إذ الأحكام تتعلق بالمعاني لا بالألفاظ. وقد يحتمل أن يُقال: إنه نوع من الاجتماع بالاستمتاع؛ فإن النظر ٱجتماع ولقاء، وفيه بين المحِبّين ٱستمتاع؛ وقد بالغ في ذلك الشعراء فقالوا:

أليس ٱلليل يجمع أُمّ عمروٍوإيانا فذاك بنا تَدانِ نعم، وترى الهِلال كما أراهويعلوها النهار كما عَلانِي

فكيف بالنظر والمجالسة والمحادثة واللذة.

الحادية عشرة ـ قوله تعالىٰ: {وَحَلاَئِلُ أَبْنَائِكُمُ}، الحلائِل جمع حَلِيلة، وهي الزوجة. سُميت حليلة لأنها تَحِل مع الزوج حيث حلّ؛ فهي فعيلة بمعنى فاعلة. وذهب الزجاج وقوم إلى أنها من لفظة الحلال؛ فهي حليلة بمعنى محلّلة. وقيل: لأن كل واحد منهما يَحُل إزار صاحبه.

الثانية عشرة ـ أجمع العلماء على تحريم ما عقد عليه الآباء على الأبناء، وما عقد عليه الأبناء على الآباء، كان مع العقد وطء أو لم يكن؛ لقوله تعالىٰ: {وَلاَ تَنكِحُواْ مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِّنَ ٱلنِّسَآءِ} وقوله تعالىٰ: {وَحَلاَئِلُ أَبْنَائِكُمُ ٱلَّذِينَ مِنْ أَصْلاَبِكُمْ}؛ فإن نكح أحدهما نكاحاً فاسداً حَرُم على الآخر العقدُ عليها كما يحرُم بالصحيح؛ لأن النكاح الفاسد لا يخلو: إما أن يكون مُتَّفَقاً على فساده أو مختلفَاً فيه. فإن كان متّفقاً على فساده لم يوجِب حُكماً وكان وجوده كعدمه. وإن كان مختلَفاً فيه فيتعلّق به من الحرمة ما يتعلّق بالصحيح؛ لاحتمال أن يكون نكاحاً فيدخل تحت مطلق ٱللفظ. والفروج إذا تعارض فيها التحريم والتحليل غُلِّب التحريم. والله أعلم. قال ٱبن المنذِر: أجمع كلّ من يحفظ عنه من علماء الأمصار على أن الرجل إذا وطِىء ٱمرأة بنكاح فاسد أنها تحرُم على أبيه وٱبنه وعلى أجداده وولد ولده. وأجمع العلماء وهي المسألة:

الثالثة عشرة ـ على أن عقد الشراء على الجارية لا يحرّمها على أبيه وٱبنه؛ فإذا ٱشترى الرجل جارية فلمس أو قبّل حَرُمت على أبيه وٱبنه، لا أعلمهم يختلفون فيه؛ فوجب تحريم ذلك تسليماً لهم. ولما اختلفوا في تحريمها بالنظر دون اللّمس لم يجز ذلك لاختلافهم. قال ٱبن المنذِر؛ ولا يصحّ عن أحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم خلاف ما قلناه. وقال يعقوب ومحمد: إذا نظر رجل في فرج ٱمرأةٍ من شهوة حَرُمت على أبيه وٱبنه، وتحرُم عليه أُمّها وٱبنتها. وقال مالك: إذا وَطِىء الأمة أو قَعد منها مقعداً لذلك وإن لم يُفْض إليها، أو قبّلها أو باشرها أو غمزها تلذُّذاً فلا تحلّ لابنه. وقال الشافعيّ: إنما تحرُم باللمس ولا تحرُم بالنظر دون اللمس؛ وهو قول الأوزاعيّ.

الرابعة عشرة ـ وٱختلفوا في الوطء بالزنى هل يحرّم أم لا؛ فقال أكثر أهل العلم: لو أصاب رجل ٱمرأة بزنًى لم يحرُم عليه نكاحها بذلك؛ وكذلك لا تحرُم عليه ٱمرأته إذا زنى بأُمها أو بٱبنتها، وحسبه أن يقام عليه الحدّ، ثم يدخل بٱمرأته. ومن زَنَىٰ بٱمرأة ثم أراد نكاح أُمّها أو ٱبنتها لم تحرُما عليه بذلك. وقالت طائفة: تحرُم عليه. روي هذا القول عن عِمران بن حُصين؛ وبه قال الشَّعبِيّ وعطاء والحسن وسفيان الثَّوْرِي وأحمد وإسحاق وأصحاب الرأي، وروي عن مالك؛ وأن الزنى يحرّم الأُم والابنة وأنه بمنزلة الحلال، وهو قول أهل العراق. والصحيح من قول مالك وأهل الحجاز: أن الزنى لا حكم له؛ لأن الله سبحانه وتعالىٰ قال: {وَأُمَّهَاتُ نِسَآئِكُمْ} وليست التي زَنَىٰ بها من أُمّهات نسائه، ولا ٱبنتها من ربائبه. وهو قول الشافعيّ وأبي ثَوْر. لأنه لما ٱرتفع الصداق في الزنى ووجوب العدّة والميراث ولحوق الولد ووجوب الحدّ ٱرتفع أن يحكم له بحكم النكاح الجائز، وروى الدَّارَقُطْنِيّ من حديث الزّهْرِيّ عن عُروة عن عائشة قالت:

سُئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن رجل زنىٰ بامرأة فأراد أن يتزوّجها أو ٱبنتها فقال: «لا يحرّم الحرام الحلال إنما يحرم ما كان بنكاح» . ومن الحجة للقول الآخر إخبارُ النبيّ صلى الله عليه وسلم عن جُرَيْج وقوله: «يا غلام من أبوك»؟ قال: فلان الراعي. فهذا يدل على أن الزنى يحرّم كما يحرّم الوطء الحلالُ؛ فلا تحِلّ أُمّ المزنِي بها ولا بناتها لآباء الزاني ولا لأولاده؛ وهي رواية ٱبن القاسم في المدوّنة. ويستدلّ به أيضاً على أن المخلوقة من ماء الزاني لا تحلّ للزاني بأُمّها، وهو المشهور. قال عليه السَّلام: «لا ينظر الله إلى رجل نظر إلى فرج ٱمرأة وٱبنتها» ولم يفصل بين الحلال والحرام. وقال عليه السَّلام:لا ينظر الله إلى مَن كشف قِناع ٱمرأة وٱبنتها. قال ٱبن خُوَيْزِ مَنْدَاد: ولهذا قُلنا إن القُبْلة وسائر وجوه الاستمتاع ينشر الحرمة. وقال عبد الملك الماجِشُون: إنها تحلّ؛ وهو الصحيح لقوله تعالىٰ: { { وَهُوَ ٱلَّذِي خَلَقَ مِنَ ٱلْمَآءِ بَشَراً فَجَعَلَهُ نَسَباً وَصِهْراً } } [الفرقان: 54] يعني بالنكاح الصحيح، على ما يأتي في «الفرقان» بيانه. ووجه التمسّك من الحديث على تلك المسألتين أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قد حكى عن جُريج أنه نسب ٱبن الزنى للزاني، وصدّق الله نسبته بما خرق له من العادة في نُطق الصبيّ بالشهادة له بذلك؛ وأخبر بها النبيّ صلى الله عليه وسلم عن جُريج في معرِض المدح وإظهار كرامته؛ فكانت تلك النسبة صحيحة بتصديق الله تعالىٰ وبإخبار النبيّ صلى الله عليه وسلم عن ذلك؛ فثبتت البنوّة وأحكامها.

فإن قيل: فيلزم على هذا أن تجري أحكام البنوّة والأبوّة من التوارث والولايات وغير ذلك، وقد ٱتفق المسلمون على أنه لا توارث بينهما فلمَ تصح تلك النسبة؟.

فالجواب ـ إن ذلك موجب ما ذكرناه. وما ٱنعقد عليه الإجماع من الأحكام استثنيناه، وبقي الباقي على أصل ذلك الدليل، والله أعلم.

الخامسة عشرة ـ وٱختلف العلماء أيضاً من هذا الباب في مسألة اللاّئط؛ فقال مالك والشافعيّ وأبو حنيفة وأصحابهم؛ لا يحرم النكاح باللَّواط. وقال الثَّوْرِي: إذا لعب بالصبي حرمت عليه أُمّه؛ وهو قول أحمد بن حنبل. قال: إذا تلوط بٱبن ٱمرأته أو أبيها أوأخيها حرُمت عليه ٱمرأته. وقال الأوزاعيّ: إذا لاط بغلام ووُلِد للمفجور به بِنت لم يجز للفاجر أن يتزوّجها؛ لأنها بنت من قد دخل به. وهو قول أحمد بن حنبل.

السادسة عشرة ـ قوله تعالىٰ: {ٱلَّذِينَ مِنْ أَصْلاَبِكُمْ} تخصيص ليخرج عنه كل من كانت العرب تتبنّاه ممن ليس للصّلب. ولمّا تزوّج النبيّ صلى الله عليه وسلم ٱمرأة زيد بن حارثة قال المشركون: تزوّج ٱمرأة ٱبنه! وكان عليه السَّلام تبنّاه؛ على ما يأتي بيانه في «الأحزاب». وحرمت حليلة الابن من الرضاع ـ وإن لم يكن للصّلب ـ بالإجماع المستند إلى قوله عليه السَّلام:

يحرُم من الرّضاع ما يحرُم من النَّسب ».

السابعة عشرة ـ قوله تعالىٰ؛ {وَأَن تَجْمَعُواْ بَيْنَ ٱلأُخْتَيْنِ} موضع «أنْ» رفْعٌ على العطف على {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ}. والأُختان لفظ يعم الجميع بنكاح وبِملْك يَمِين. وأجمعت الأُمة على منع جمعهما في عقد واحد من النكاح لهذه الآية، وقولِه عليه السَّلام:

لا تَعْرِضْنَ عليّ بناتكن ولا أخواتكن. وٱختلفوا في الأُختين بِملْك اليمين؛ فذهب كافّة العلماء إلى أنه لا يجوز الجمع بينهما بالمِلْك في الوَطْء، وإن كان يجوز الجمع بينهما في المِلك بإجماع؛ وكذلك المرأة وٱبنتها صفقة واحدة. وٱختلفوا في عقد النكاح على أُخت الجارية التي وطِئها؛ فقال الأوزاعيّ: إذا وَطِىءَ جارية له بِملْك اليمين لم يجز له أن يتزوّج أُختها. وقال الشافعيّ؛ مِلْك اليمين لا يمنع نكاح الأُخت. قال أبو عمر: من جَعلَ عقد النكاح كالشِّراء أجازَه، ومن جعله كالوطء لم يُجِزْه. وقد أجمعوا على أنه لا يجوز العقد على أُخت الزوجة؛ لقول الله تعالىٰ: {وَأَن تَجْمَعُواْ بَيْنَ ٱلأُخْتَيْنِ} يعني الزوجتين بعقد النكاح. فقِف على ما ٱجتمعوا عليه وما ٱختلفوا فيه يتبيّن لك الصواب (إن شاء الله). والله أعلم.

الثامنة عشرة ـ شذّ أهل الظاهر فقالوا: يجوز الجمع بين الأُختين بملك اليمين في الوطء؛ كما يجوز الجمع بينهما في المِلْك. وٱحتجّوا بما رُوي عن عثمان في الأُختين من مِلْك اليمين: «حرّمتهما آية وأحلّتهما آية». ذكره عبد الرزاق حدّثنا معمر عن الزُّهْري عن قَبِيصة بن ذُؤيب أن عثمان بن عفان سُئِل عن الأُختين مما مَلَكَت اليمين فقال: لا آمرك ولا أنهاك أحلّتهما آية وحرّمتهما آية. فخرج السائل فلقي رجلاً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ـ قال معمر: أحسبه قال عليّ ـ قال: وما سألت عنه عثمان؟ فأخبره بما سأله وبما أفتاه؛ فقال له: لكنّي أنهاك، ولو كان لي عليك سبيل ثم فعلتَ لجعلتك نَكالاً. وذكر الطَّحَاويّ والدّارَقُطْنِيّ عن عليّ وٱبن عباس مثلَ قول عثمان. والآية التي أحلّتهما قولُه تعالىٰ: {وَأُحِلَّ لَكُمْ مَّا وَرَاءَ ذَلِكُمْ}. ولم يلتفت أحد من أئمة الفتوى إلى هذا القول؛ لأنهم فهِموا من تأويل كتاب الله خلافه، ولا يجوز عليهم تحريف التأويل. وممن قال ذلك من الصحابة: عمر وعليّ وٱبن مسعود وعثمان وٱبن عباس وعمار وٱبن عمر وعائشة وٱبن الزبير، وهؤلاء أهل العلم بكتاب الله، فمن خالفهم فهو متعسِّف في التأويل. وذكر ٱبن المنذِر أن إسحاق بن رَاهْوَيْه حرّم الجمع بينهما بالوطء، وأن جمهور أهل العلم كرِهوا ذلك، وجعلَ مالكاً فيمن كرِهه. ولا خلاف في جواز جمعهما في المِلك، وكذلك الأُمّ وٱبنتها. قال ٱبن عطية: ويجيء من قول إسحاق أن يرجم الجامع بينهما بالوطء، وتُستقرأ الكراهية من قول مالك: إنه إذا وطِىء واحدة ثم وطِيءالأُخرىٰ وقف عنهما حتى يحرّم إحداهما؛ فلم يلزِمه حدّاً. قال أبو عمر: «أما قول عليّ لجعلته نكالاً» ولم يقل لحددته حدّ الزاني؛ فلأن من تأوّل آية أو سُنّة ولم يَطَأ عند نفسه حراماً فليس بزان بإجماع وإن كان مخطئاً، إلاَّ أن يدعي من ذلك ما لا يعذر بجهله. وقول بعض السلَف في الجمع بين الأُختين بملك اليمين: «أحلّتهما آية وحرّمتهما آية» معلوم محفوظ؛ فكيف يُحدّ حدّ الزاني مَن فعل ما فيه مثل هذا من الشّبهة القويّة؟ وبالله التوفيق.

التاسعة عشرة ـ وٱختلف العلماء إذا كان يَطأ واحدة ثم أراد أن يطأ الأُخرىٰ؛ فقال عليّ وٱبن عمر والحسن البَصْرِيّ والأوْزاعيّ والشافعيّ وأحمد وإسحاق: لا يجوز له وطء الثانية حتى يُحرّم فرج الأُخرىٰ بإخراجها من ملكه ببيع أو عتق، أو بأن يزوِّجها. قال ٱبن المنذِر: وفيه قول ثان لقَتادة، وهو أنه إذا كان يطأ واحدة وأراد وطء الأُخرىٰ فإنه ينوي تحريم الأُولىٰ على نفسه وألاَّ يَقْرَبها، ثم يُمسك عنهما حتى يستبرِىء الأُولى المحرّمة، ثم يَغْشَى الثانية. وفيه قول ثالث ـ وهو إذا كان عنده أُختان فلا يَقْرَب واحدة منهما. هكذا قال الحَكم وحمّاد؛ ورُوي معنى ذلك عن النّخَعِيّ. ومذهب مالك: إذا كان أُختان عند رجل بِملْك فله أن يطأ أيَّتَهما شاء، والكَفُّ عن الأُخرىٰ موكول إلى أمانته. فإن أراد وطء الأُخرى فيلزمه أن يحرّم على نفسه فَرْج الأُولى بفعل يفعله من إخراج عن الملك: إما بتزويج أو بيع أو عتق إلى أجل أو كتابة أو إخدام طويل. فإن كان يطأ إحداهما ثم وثب على الأُخرىٰ دون أن يحرم الأُولى وقف عنهما، ولم يَجُزْ له قُرب إحداهما حتى يحرم الأُخرىٰ؛ ولم يُوكل ذلك إلى أمانته؛ لأنه مُتّهَم فيمن قد وطِىء؛ ولم يكن قبلُ متّهماً إذ كان لم يطأ إلاَّ الواحدة. ومذهب الكوفيين في هذا الباب: الثَّوْرِيّ وأبي حنيفة وأصحابِه أنه إن وطِىء إحدى أَمَتَيْه لم يطأ الأُخرىٰ؛ فإن باع الأُولىٰ أو زوّجها ثم رجعت إليه أمسك عن الأخرىٰ؛ وله أن يطأها ما دامت أُختُها في العدّة من طلاق أو وفاة. فأما بعد ٱنقضاء العدّة فلا، حتى يُمَلِّك فرج التي يطأ غيرَه؛ وروي معنى ذلك عن عليّ رضي الله عنه. قالوا: لأن المِلْك الذي منَع وطءَ الجارية في الابتداء موجود، فلا فرق بين عودتها إليه وبين بقائها في مِلْكه. وقول مالك حسَنٌ؛ لأنه تحريم صحيح في الحال ولا يلزم مراعاة المآل؛ وحسبه إذا حرّم فرجها عليه ببيع أو بتزويج أنها حرمت عليه في الحال. ولم يختلفوا في العتق؛ لأنه لا يتصرف فيه بحال؛ وأما المكاتَبة فقد تَعجِز فترجع إلى ملكه. فإن كان عند رجل أْمَة يطؤها ثم تزوّج أُختها ففيها في المذهب ثلاثة أقوال في النكاح. الثالث ـ في المدوّنة أنه يوقف عنهما إذا وقع عقد النكاح حتى يحرم إحداهما مع كراهيةٍ لهذا النكاح؛ إذ هو عقد في موضع لا يجوز فيه الوطء. وفي هذا ما يدلّ على أن مِلْك اليمين لا يمنع النكاح؛ كما تقدّم عن الشافعيّ. وفي الباب بعينه قول آخر: أن النكاح لا ينعقد؛ وهو معنى قول الأوزاعيّ. وقال أشهب في كتاب الاستبراء: عقد النكاح في الواحدة تحريم لفرج المملوكة.

الموفية عشرين ـ وأجمع العلماء على أن الرجل إذا طلّق زوجته طلاقاً يملك رجعتها أنه ليس له أن ينكِح أُختها أو أربعاً سواها حتى تنقضِي عدّة المطلَّقة. وٱختلفوا إذا طلقها طلاقاً لا يملك رجعتها؛ فقالت طائفة: ليس له أن ينكِح أختها ولا رابعة حتى تنقضِي عدّة التي طلّق؛ ورُوي عن عليّ وزيد بن ثابت، وهو مذهب مجاهد وعطاء بن أبي رَباح والنَّخَعِيّ، وسفيان الثَّوْرِيّ وأحمد بن حنبل وأصحاب الرأي. وقالت طائفة: له أن ينكح أُختها وأربعاً سواها؛ ورُوي عن عطاء، وهي أثبت الروايتين عنه، ورُوي عن زيد بن ثابت أيضاً؛ وبه قال سعيد بن المسيّب والحسن والقاسم وعُروة بن الزبير وٱبن أبي لَيْلَى والشافعيّ وأبو ثَوْر وأبو عبيد. قال ابن المنذِر: ولا أحسبه إلاَّ قول مالك وبه نقول.

الحادية والعشرون ـ قوله تعالىٰ: {إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ} يحتمل أن يكون معناه معنى قوله: {إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ} في قوله: {وَلاَ تَنكِحُواْ مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِّنَ ٱلنِّسَآءِ إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ}. ويحتمل معنى زائداً وهو جواز ما سلف، وأنه إذا جرى الجمع في الجاهلية كان النكاح صحيحاً، وإذا جرى في الإسلام خُيِّر بين الأُختين؛ على ما قاله مالك والشافعيّ، من غير إجراء عقود الكفار على مُوجَب الإسلام ومقتضى الشرع؛ وسواء عقد عليهما عقداً واحداً جَمَع به بينهما أو جَمَع بينهما في عقدين. وأبو حنيفة يُبِطل نكاحهما إن جُمِع في عقد واحد. وروى هشام بن عبد الله عن محمد بن الحسن أنه قال: كان أهل الجاهلية يعرفون هذه المحرَّماتِ كلَّها التي ذكرت في هذه الآية إلاَّ ٱثنتين؛ إحداهما نكاح ٱمرأة الأب، والثانية الجمع بين الأُختين؛ ألا ترى أنه قال: {وَلاَ تَنكِحُواْ مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِّنَ ٱلنِّسَآءِ إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ}. {وَأَن تَجْمَعُواْ بَيْنَ ٱلأُخْتَيْنِ إَلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ} ولم يذكر في سائر المحرّمات «إلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ». والله أعلم.

وَٱلْمُحْصَنَٰتُ مِنَ ٱلنِّسَآءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَٰنُكُمْ كِتَٰبَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَأُحِلَّ لَكُم مَّا وَرَآءَ ذَٰلِكُمْ أَن تَبْتَغُوا۟ بِأَمْوَٰلِكُم مُّحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَٰفِحِينَ فَمَا ٱسْتَمْتَعْتُم بِهِۦ مِنْهُنَّ فَـَٔاتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَٰضَيْتُم بِهِۦ مِنۢ بَعْدِ ٱلْفَرِيضَةِ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا ۝٢٤

فيه أربع عشرة مسألة:

الأُولىٰ ـ قوله تعالىٰ: {وَٱلْمُحْصَنَاتُ} عطف على المحرّمات والمذكورات قبلُ. والتّحَصُّن: التمنّع؛ ومنه الحِصْن لأنه يُمتنع فيه؛ ومنه قوله تعالىٰ:

{ { وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَّكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِّن بَأْسِكُمْ } } [الأنبياء: 80] أي لتمنعكم؛ ومنه الحصان للفرس (بكسر الحاء) لأنه يمنع صاحبه من الهلاك. والحصان (بفتح الحاء): المرأة العفيفة لمنعها نفسها من الهلاك. وحَصُنت المرأة تَحْصُن فهي حَصان؛ مثل جبنت فهي جبان. وقال حَسَّان في عائشة رضي الله عنها:

حَصَانٌ رَزَانٌ مَا تُزَنّ بِريبةٍوتُصبِح غَرْثَىٰ من لحُومِ الغَوَافِل

والمصدر الحصانة (بفتح الحاء) والحِصن كالعِلْم. فالمراد بالمحصنَات هٰهنا ذوات الأزواج؛ يُقال: ٱمرأة مُحْصنة أي متزوّجة، ومحصِنة أي حُرّة؛ ومنه { { وَٱلْمُحْصَنَاتُ مِنَ ٱلْمُؤْمِنَاتِ وَٱلْمُحْصَنَاتُ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ } } [المائدة: 5]. ومحصِنَة أي عفيفة؛ قال الله تعالىٰ: { { مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ } } [النساء:25] وقال: {مُّحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ}. ومُحصَنَة ومُحْصِنة وحَصان أي عفيفة، أي ممتنعة من الفسق؛ والحرّية تمنع الحُرّة مما يتعاطاه العبيد. قال الله تعالىٰ: { { وَٱلَّذِينَ يَرْمُونَ ٱلْمُحْصَنَاتِ } } [النور: 4] أي الحرائر، وكان عُرْف الإماء في الجاهلية الزّنى؛ ألا ترى إلى قول هِند بنتِ عُتبة للنبيّ صلى الله عليه وسلم حين بايعته: «وَهَلْ تَزْنِي الحُرّة»؟ والزوج أيضاً يمنع زوجه من أن تَزوّج غيره؛ فبِناء(ح ص ن) معناه المنع كما بيّنا. ويستعمل الإحصان في الإسلام؛ لأنه حافظ ومانع، ولم يرد في الكتاب وورد في السنة؛ ومنه قول النبيّ صلى الله عليه وسلم:الإيمان قَيْدُ الفَتْكِ. ومنه قول الهُذَلِيّ:

فليس كعهدِ الدّار يا أُمَّ مالكٍولكن أحاطتْ بالرّقاب السلاسِلُ

وقــال الشاعر:

قالت هَلُمّ إلى الحديث فقلت لا يأبى عليكِ اللَّهُ والإسلامُ

ومنه قول سُحَيم:

كفـى الشيـبُ والإسـلام للمرء ناهياً

الثانية ـ إذا ثبت هذا فقد ٱختلف العلماء في تأويل هذه الآية؛ فقال ٱبن عباس وأبو قلابة وٱبن زيد ومَكْحُولٌ والزُّهِريّ وأبو سعيدٍ الخُدْرِيّ: المراد بالمحصَنات هنا المسْبِيّات ذواتُ الأزواج خاصة، أي هنّ محرّمات إلاَّ ما ملكت اليَمين بالسبْي من أرض الحرب، فإن تلك حلال للَّذي تقع في سهمه وإن كان لها زوج. وهو قول الشافعيّ في أن السِّباء يقطع العِصمة؛ وقاله ٱبن وهب وٱبن عبد الحكم وروياه عن مالك، وقال به أَشهب. يدلّ عليه ما رواه مسلم في صحيحه عن أبي سعيدٍ الخدري: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يومَ حُنينٍ بعث جيشاً إلى أوْطاسٍ فلقوا العدوّ فقاتلوهم وظهروا عليهم وأصابوا لهم سَبَايَا؛ فكان ناس من أصحاب النبيّ صلى الله عليه وسلم تحرّجوا من غِشْيانهنّ من أجل أزواجهنّ من المشركين، فأنزل الله عزّ وجلّ(في ذلك) {وَٱلْمُحْصَنَاتُ مِنَ ٱلنِّسَآءِ إِلاَّ مَا مَلَكْتَ أَيْمَانُكُمْ}. أي فهنّ لكم حلال إذا ٱنقضت عدّتهنّ. وهذا نصّ صحيح صريحٌ في أن الآية نزلت بسبب تحرّج أصحاب النبيّ صلى الله عليه وسلم عن وطء المَسْبِيّات ذواتِ الأزواج؛ فأنزل الله تعالىٰ في جوابهم {إِلاَّ مَا مَلَكْتَ أَيْمَانُكُمْ}. وبه قال مالك وأبو حنيفة وأصحابه والشافعيّ وأحمد وإسحاق وأبو ثَوْر، وهو الصحيح إن شاء الله تعالىٰ. وٱختلفوا في استبرائها بماذا يكون؛ فقال الحسن: كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يستبرؤون المَسْبِيّة بحيضة؛ وقد رُوي ذلك من حديث أبي سعيد الخُدْرِيّ في سبايا أوْطاس:لا توطأ حاملٌ حتى تضع ولا حائل حتى تحيض. ولم يجعل لفراش الزوج السابق أثراً حتى يقال إن المسبِية مملوكةٌ ولكنها كانت زوجة زال نكاحها فتعتد عدّة الإماء، على ما نُقل عن الحسن بن صالح قال: عليها العدّة حيضتان إذا كان لها زوج في دار الحرب. وكافة العلماء رأوا استبراءها واستبراء التي لا زوج لها واحداً في أن الجميع بحيضة واحدة. والمشهور من مذهب مالك أنه لا فرق بين أن يُسْبَىٰ الزوجان مجتمعَيْن أو متفرّقين. ورَوى عنه ٱبن بكير أنهما إن سُبِيا جميعاً وٱسْتُبْقِي الرجل أقرّا على نكاحهما؛ فرأى في هذه الرواية أن استبقاءه إبقاء لما يملكه؛ لأنه قد صار له عهدٌ وزوجته من جملة ما يملكه، فلا يحال بينه وبينها؛ وهو قول أبي حنيفة والثَّوْريّ، وبه قال ٱبن القاسم ورواه عن مالك. والصحيح الأوّل؛ لما ذكرناه؛ ولأن الله تعالىٰ قال: {إِلاَّ مَا مَلَكْتَ أَيْمَانُكُمْ} فأحال على مِلْك اليمين وجعله هو المؤثِّر فيتعلّق الحكم به من حيث العموم والتعليل جميعاً إلا ما خصّه الدليل. وفي الآية قول ثانٍ قاله عبد الله بن مسعود وسعيد بن المسيِّب والحسن بن أبي الحسن وأُبيّ بن كعب وجابر بن عبد الله وٱبن عباس في رواية عِكرِمة: أن المراد بالآية ذواتُ الأزواج، أي فهنّ حرام إلاَّ أن يشتري الرجل الأَمةَ ذاتَ الزوج فإن بيعها طلاقُها والصدقة بها طلاقُها وأن تورث طلاقُها وتطليق الزوج طلاقها. قال ٱبن مسعود: فإذا بيعت الأمة ولها زوج فالمشتري أحق ببُضْعها وكذلك المَسْبِية؛ كل ذلك موجب للفُرقة بينها وبين زوجها. قالوا: وإذا كان كذلك فلا بدّ أن يكون بيع الأمة طلاقاً لها؛ لأن الفرج محرّم على ٱثنين في حال واحدة بإجماع من المسلمين.

قلت؛ وهذا يردّه حديث بَرِيرة؛ لأن عائشة رضي الله عنها ٱشترت بَرِيرة وأعتقتها ثم خيرها النبي صلى الله عليه وسلم وكانت ذات زوج، وفي إجماعهم على أن بريرة قد خُيِّرت تحت زوجها مُغِيثٍ بعد أن ٱشترتها عائشة فأعتقتها لدليلٌ على أن بيع الأَمَة ليس طلاقها؛ وعلى ذلك جماعة فقهاء الأمصار من أهل الرأي والحديث، وألاّ طلاق لها إلاَّ الطلاق. وقد ٱحتجّ بعضهم بعموم قوله: {إِلاَّ مَا مَلَكْتَ أَيْمَانُكُمْ} وقياساً على المَسْبِيّات. وما ذكرناه من حديث بَريرة يخصُّه ويردّه، وأن ذلك إنما هو خاص بالمَسْبِيّات على حديث أبي سعيدٍ، وهو الصواب والحق إن شاء الله تعالىٰ. وفي الآية قول ثالث ـ روى الثَّوْرِيّ عن مجاهد عن إبراهيم قال ٱبن مسعود في قوله تعالىٰ: {وَٱلْمُحْصَنَاتُ مِنَ ٱلنِّسَآءِ إِلاَّ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} قال: ذوات الأزواج من المسلمين والمشركين. وقال عليّ بن أبي طالب: ذوات الأزواج من المشركين. وفي الموطّأ عن سعيد بن المسيّب {وَٱلْمُحْصَنَاتُ مِنَ ٱلنِّسَآءِ} هنّ ذواتُ الأزواج؛ ويرجع ذلك إلى أن الله حرّم الزّنىٰ. وقالت طائفة: المحصنات في هذه الآية يُراد به العفائف، أي كل النساء حرام. وألبسهن ٱسم الإحصان من كان منهنّ ذات زوج أو غير ذات زوج؛ إذ الشرائع في أنفسها تقتضي ذلك.

{إِلاَّ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} قالوا: معناه بنكاح أو شراء. هذا قول أبي العالِية وعَبيدة السّلْمانيّ وطاوس وسعيد بن جُبير وعطاء، ورواه عَبيدة عن عمر؛ فأدخلوا النكاح تحت مِلك اليمين، ويكون معنى الآية عندهم في قوله تعالىٰ: {إِلاَّ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} يعني تملكون عصمتهنّ بالنكاح وتملكون الرقبة بالشراء، فكأنهنّ كلهنّ ملك يمين وما عدا ذلك فزِنًى، وهذا قول حسن. وقد قال ٱبن عباس: {وَٱلْمُحْصَنَاتُ} العفائف من المسلمين ومن أهل الكتاب. قال ٱبن عطية: وبهذا التأويل يرجع معنى الآية إلى تحريم الزنى؛ وأسند الطَّبرِيّ أن رجلاً قال لسعيد بن جُبير: أما رأيتَ ٱبنَ عباس حين سئل عن هذه الآية فلم يقل فيها شيئاً؟ فقال سعيد: كان ٱبن عباس لا يعلمها. وأسند أيضاً عن مجاهد أنه قال: لو أعلم من يُفَسِّر لي هذه الآيةَ لضربت إليه أكباد الإبل: قوله {وَٱلْمُحْصَنَـٰتُ} إلى قوله {حَكِيماً}. قال ٱبن عطية: ولا أدري كيف نسب هذا القول إلى ٱبن عباس ولا كيف ٱنتهى مجاهد إلى هذا القول؟.

الثالثة ـ قوله تعالىٰ: {كِتَابَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ} نصب على المصدر المؤكّد، أي حُرّمت هذه النساء كتاباً من الله عليكم. ومعنى «حُرّمت عليكم» كتب الله عليكم. وقال الزجاج والكوفيون: هو نصب على الإغْراء، أي ألزموا كتاب الله، أو عليكم كتاب الله. وفيه نظر على ما ذكره أبو عليّ؛ فإن الإغراء لا يجوز فيه تقديم المنصوب على حرف الإغراء، فلا يُقال: زيداً عليك، أو زيداً دونك؛ بل يُقال: عليك زيداً ودونك عمراً، وهذا الذي قاله صحيح على أن يكون منصوباً بـ «عليكم»، وأما على تقدير حذف الفعل فيجوز. ويجوز الرفع على معنى هذا كتاب الله وفرضه. وقرأ أبو حَيْوَة ومحمد بن السَّمَيقع «كتَبَ الله عليكم» على الفعل الماضي المسند إلى اسم الله تعالىٰ، والمعنى كتب الله عليكم ما قصّه من التحريم. وقال عَبيدة السَّلْماني وغيره: قوله {كِتَابَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ} إشارة إلى ما ثبت في القرآن من قوله تعالىٰ: {مَثْنَىٰ وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ} وفي هذا بُعْدٌ؛ والأظهر أن قوله: {كِتَابَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ} إنما هو إشارة إلى التحريم الحاجز بين الناس وبين ما كانت العرب تفعله.

الرابعة ـ قوله تعالىٰ: {وَأُحِلَّ لَكُمْ مَّا وَرَاءَ ذَلِكُمْ} قرأ حمزة والكِسائيّ وعاصم في رواية حفص {وَأُحِلَّ لَكُمْ} ردّاً على {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ}. الباقون بالفتح رَدّاً على قوله تعالىٰ: {كِتَابَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ}. وهذا يقتضي ألاَّ يحرم من النساء إلاَّ مَن ذُكر، وليس كذلك؛ فإن الله تعالىٰ قد حرّم على لسان نبِّيه مَن لم يذكر في الآية فيُضمّ إليها؛ قال الله تعالىٰ:

{ { وَمَآ آتَاكُمُ ٱلرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَٱنتَهُواْ } } [الحشر: 7]. روى مُسْلم وغيره عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:لا يجمع بين المرأة وعَمّتها ولا بين المرأة وخالتها. وقال ٱبن شهاب: فنرى خالة أبيها وعَمَّة أبيها بتلك المنزلة، وقد قيل: إن تحريم الجمع بين المرأة وعمتها وخالتها متلقىً من الآية نفسها؛ لأن الله تعالى حرم الجمَع بيع الأُختين، والجمعُ بين المرأة وعمتها في معنى الجمع بين الأُختين؛ أو لأن الخالة في معنى الوالدة والعمّةَ في معنى الوالد. والصحيح الأوّل؛ لأن الكتاب والسنّة كالشيء الواحد؛ فكأنه قال: أحللت لكم ما وراء ما ذكرنا في الكتاب، وما وراء ما أكملتُ به البيان على لسان محمد عليه السَّلام. وقول ٱبن شهاب: «فنرى خالة أبيها وعمة أبيها بتلك المنزلة» إنما صار إلى ذلك لأنه حمل الخالة والعمة على العموم وتمّ له ذلك؛ لأن العمة ٱسمٌ لكل أُنثىٰ شاركت أباك في أصليه أو في أحدهما والخالة كذلك كما بيّناه. وفي مصنّف أبي داود وغيره عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:لا تنكح المرأة على عَمّتها ولا العمةُ على بنت أخيها ولا المرأةُ على خالتها ولا الخالةُ على بنت أختها ولا تُنكح الكبرىٰ على الصُّغْرىٰ ولا الصغرى على الكبرىٰ. وروى أبو داود أيضاً عن ٱبن عباس عن النبيّ صلى الله عليه وسلم: أنّه كرِه أن يجمع بين العمّة والخالة وبين العمّتيْن والخالتين. الرواية «لا يجمعُ» برفع العين على الخبر على المشروعية فيتضمن النهي عن ذلك، وهذا الحديث مُجْمَعٌ على العمل به في تحريم الجمع بين مَن ذكر فيه بالنكاح. وأجاز الخوارج الجمع بين الأُختين وبين المرأة وعمتها وخالتها، ولا يُعْتد بخلافهم لأنهم مَرَقُوا من الدّين وخرجوا منه، ولأنهم مخالفون للسنّة الثابتة. وقوله:لا يُجمع بين العمتين والخالتين فقد أشكل على بعض أهل العلم وتحيّر في معناه حتى حمله على ما يبعد أو لا يجوز؛ فقال: معنى بين العمتين على المجاز، أي بين العمة وبنت أخيها؛ فقيل لهما: عمتان، كما قيل: سُنّةُ العُمَرَين أبي بكر وعمر؛ قال: وبين الخالتين مثله. قال النحاس: وهذا من التعسُّف الذي لا يكاد يُسمع بمثله، وفيه أيضاً مع التعسُّف أنه يكون كلاماً مكرراً لغير فائدة؛ لأنه إذا كان المعنى نهى أن يجمع بين العمة وبنت أخيها وبين العمتين يعني به العمة وبنت أخيها صار الكلام مكرراً لغير فائدة؛ وأيضاً فلو كان كما قال لوجب أن يكون وبين الخالة، وليس كذلك الحديث؛ لأن الحديث:نهى أن يجمع بين العمة والخالة. فالواجب على لفظ الحديث ألا يجمع بين ٱمرأتين إحداهما عمّة الأُخرىٰ والأُخرىٰ خالة الأُخرىٰ. قال النحاس: وهذا يخرج على معنًى صحيح، يكون رجل وٱبنه تزوّجا ٱمرأة وابنتها؛ تزوّج الرجلُ البنتَ وتزوّج الابنُ الأُمَّ فوُلد لكل واحد منهما ابنةٌ من هاتين الزوجتين؛ فٱبنة الأب عمّةُ ٱبنةِ الابنِ، وٱبنةُ الابنِ خالةُ ٱبنة الأب. وأما الجمع بين الخالتين فهذا يوجب أن يكونا ٱمرأتين كُلّ واحدة منهما خالة الأُخرىٰ؛ وذلك أن يكون رجل تزوّج ٱبنة رجل وتزوّج الآخرُ ٱبنته، فوُلد لكل واحد منهما ٱبنة، فٱبنة كل واحد منهما خالةُ الأُخرىٰ. وأما الجمع بين العمّتين فيوجب ألاّ يُجمع بين ٱمرأتين كلُّ واحدة منهما عمّةُ الأُخرىٰ؛ وذلك أن يتزوّج رجل أمّ رجل ويتزوّج الآخر أُمّ الآخر، فيولد لكل واحد منهما ٱبنة فٱبنةُ كلِّ واحد منهما عمّةُ الأُخرىٰ؛ فهذا ما حرّم الله على لسان رسوله محمد صلى الله عليه وسلم مما ليس في القرآن.

الخامسة ـ وإذا تقرّر هذا فقد عقد العلماء فيمن يحرم الجمع بينهنّ عقداً حسناً؛ فروى مُعْتَمِر ابن سليمان عن فُضيل بن ميسرة عن أبي جرير عن الشعبيّ قال: كل ٱمرأتين إذا جعلت موضع إحداهما ذكراً لم يجز له أن يتزوّج الأُخرىٰ فالجمع بينهما باطل. فقلت له: عمّن هذا؟ قال: عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال سفيان الثوْرِيّ: تفسيره عندنا أن يكون من النسب، ولا يكون بمنزلة ٱمرأة وٱبنة زوجها يجمع بينهما إن شاء. قال أبو عمر: وهذا على مذهب مالك والشافعيّ وأبي حنيفة والأوزاعي وسائر فقهاء الأمصار من أهل الحديث وغيرهم فيما علمت لا يختلفون في هذا الأصل. وقد كرِه قوم من السلف أن يجمع الرجل بين ٱبنة رجل وٱمرأته من أجل أن أحدهما لو كان ذكراً لم يحل له نكاح الأُخرىٰ. والذي عليه العلماء أنه لا بأس بذلك، وأن المراعَى النسب دون غيره من المصاهرة؛ ثم ورد في بعض الأخبار التنبيه على العلّة في منع الجمع بين مَن ذُكر، وذلك ما يُفضِي إليه الجمع من قطع الأرحام القريبة مما يقع بين الضرائر من الشَّنآن والشرور بسبب الغَيْرَة؛ فروى ٱبن عباس قال:

نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يتزوّج الرجل المرأة على العمّة أو على الخالة، وقال: «إنكم إذا فعلتم ذلك قطعتم أرحامكم» ذكره أبو محمد الأصيلي في فوائده وٱبن عبد البر وغيرهما. ومن مراسيل أبي داود عن حسين بن طلحة قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تنكح المرأة على أخواتها مخافة القطيعة؛ وقد طَرَد بعض السلف هذه العلة فمنع الجمع بين المرأة وقريبتها، وسواء كانت بنت عمّ أو بنت عمة أو بنت خال أو بنت خالة؛ رُوي ذلك عن إسحاق بن طلحة وعِكرمة وقتادة وعطاء في رواية ٱبن أبي نجيح، وروى عنه ٱبن جُريج أنه لا بأس بذلك وهو الصحيح. وقد نكح حسن بن حسين بن عليّ في ليلة واحدة ٱبنةَ محمد بن عليّ وٱبنة عمر بن عليّ فجمع بين ٱبنتي عمّ؛ ذكره عبد الرزاق. زاد ٱبن عيينة: فأصبح نساؤهم لا يدرين إلى أيتّهما يذهبن؛ وقد كرِه مالك هذا، وليس بحرام عنده. وفي سماع ٱبن القاسم: سئل مالك عن ٱبنتي العَمّ أيجمع بينهما؟ فقال: ما أعلمه حراماً. قيل له: أفتكرهه؟ قال: إن ناساً ليتّقونه؛ قال ٱبن القاسم: وهو حلال لا بأس به. قال ٱبن المنذر: لا أعلم أحداً أبطل هذا النكاح. وهما داخلتان في جملة ما أُبيح بالنكاح غيرُ خارجتين منه بكتاب ولا سنة ولا إجماع، وكذلك الجمع بين ٱبنتي عمة وابنتي خالة. وقال السُّدِّي في قوله تعالىٰ: {وَأُحِلَّ لَكُمْ مَّا وَرَاءَ ذَلِكُمْ}: يعني النكاح فيما دون الفرْج. وقيل: المعنى وأحل لكم ما وراء ذوات المحارم من أقربائكم. قَتادة: يعني بذلك مِلْك اليمين خاصّةً.

السادسة ـ قوله تعالىٰ: {أَن تَبْتَغُواْ بِأَمْوَالِكُمْ} لفظٌ يجمع التزوج والشراء. و «أنْ» في موضع نصب بدل من «ما»، وعلى قراءة حمزة في موضع رفع؛ ويحتمل أن يكون المعنى لأن، أو بأن؛ فتحذف اللام أو الباء فيكون في موضع نصب. و {مُّحْصِنِينَ} نصب على الحال، ومعناه متعفِّفين عن الزنى. {غَيْرَ مُسَافِحِينَ} أي غير زانين. والسَّفاح الزنى، وهو مأخوذ من سَفْح الماءِ، أي صبّه وسيلانه؛ ومنه

قول النبيّ صلى الله عليه وسلم حين سمع الدَّفّاف في عرس: «هذا النكاح لا السّفاح ولا نكاح السِّرّ» . وقد قيل؛ إن قوله {مُّحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ} يحتمل وجهين: أحدهما: ما ذكرناه وهو الإحصان بعقد النكاح، تقديره اطلبوا منافع البُضْع بأموالكم على وجه النكاح لا على وجه السفاح؛ فيكون للآية على هذا الوجه عموم. ويحتمل أن يُقال: {مُّحْصِنِينَ} أي الإحصان صفة لهنّ، ومعناه لتزوّجوهنّ على شرط الإحصان فيهنّ؛ والوجه الأوّل أوْلى؛ لأنه متى أمكن جَرْيُ الآية على عمومها والتعلق بمقتضاها فهو أوْلىٰ؛ ولأن مقتضى الوجه الثاني أن المسافِحات لا يحلّ التزوّج بهنّ، وذلك خلاف الإجماع.

السابعة ـ قوله تعالىٰ: {بِأَمْوَالِكُمْ} أباح الله تعالىٰ الفروج بالأموال ولم يفصل، فوجب إذا حصل بغير المال ألاَّ تقع الإباحة به؛ لأنها على غير الشرط المأذون فيه، كما لو عقد على خمر أو خنزير أو ما لا يصح تملُّكُه. ويُردّ على أحمدَ قولُه في أن العتق يكون صداقاً؛ لأنه ليس فيه تسليم مال وإنما فيه إسقاط المِلْك من غير أن استحقت به تسليم مال إليها؛ فإن الذي كان يملكه المَوْلَى مِن عنده لم ينتقل إليها وإنما سقط. فإذا لم يُسلّم الزوج إليها شيئاً ولم تستحق عليه شيئاً، وإنما أتلف به ملكه، لم يكن مهراً. وهذا بيّن مع قوله تعالىٰ: {وَآتُواْ ٱلنِّسَآءَ} وذلك أمر يقتضي الإيجاب، وإعطاء العتق لا يصح. وقوله تعالىٰ:

{ { فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَيْءٍ مِّنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ } } [النساء: 4] وذلك محال في العتق، فلم يبق أن يكون الصداق إلاَّ مالاً؛ لقوله تعالىٰ: {بِأَمْوَالِكُمْ} وٱختلف من قال بذلك في قدر ذلك؛ فتعلق الشافعيّ بعموم قوله تعالىٰ: {بِأَمْوَالِكُمْ} في جواز الصداق بقليل وكثير، وهو الصحيح؛ ويَعضُده قولُه عليه السَّلام في حديث الموهوبة: «ولو خاتماً من حديد» . وقوله عليه السَّلام: «أنكحوا الأيامى»؛ ثلاثاً. قيل: ما العلائق بينهم يا رسول الله؟ قال: «ما تراضى عليه الأهلون ولو قضِيباً من أراك» . وقال: أبو سعيد الخدري: سألنا رسولَ الله صلى الله عليه وسلم عن صداق النساء فقال: «هوما ٱصطلح عليه أهلوهم» . وروى جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:لو أن رجلاً أعطى ٱمرأة ملء يديه طعاماً كانت به حلالاً. أخرجهما الدَّارقُطْنِيّ في سننه. قال الشافعيّ: كل ما جاز أن يكون ثمناً لشيء، أو جاز أن يكون أجرةً جاز أن يكون صداقاً، وهذا قول جمهور أهل العلم. وجماعةُ أهل الحديث من أهل المدينة وغيرها. كلُّهم أجازوا الصداق بقليل المال وكثيره، وهو قول عبد الله بن وهب صاحب مالك، واختاره ٱبن المنذر وغيرهُ. قال سعيد بن المُسَيِّب: لو أصدقها سوطاً حلّت به، وأنكَح ٱبنته من عبد الله بن وداعة بدرهمين. وقال ربيعة: يجوز النكاح بدرهم. وقال أبو الزناد: ما تراضى به الأهلون. وقال مالك: لا يكون الصداق أقلّ من ربع دينار أوثلاثة دراهم كيلاً. قال بعض أصحابنا في تعليل له: وكأن أشبه الأشياء بذلك قطع اليد، لأن البُضع عضو واليد عضو يُستباح بمقدَّر من المال، وذلك ربع دينار أو ثلاثة دراهم كيلاً؛ فردّ مالك البضع إليه قياساً على اليد. قال أبو عمر: قد تقدّمه إلى هذا أبو حنيفة، فقاس الصداق على قطع اليد، واليد عنده لا تقطع إلاَّ في دينار ذهباً أو عشرة دراهم كيلاً، ولا صداق عنده أقل من ذلك وعلى ذلك جماعة أصحابه وأهل مذهبه، وهو قول أكثر أهل بلده في قطع اليد لا في أقل الصداق. وقد قال الدَّراوَرْدِيّ لمالك إذْ قال لا صداق أقل من ربع دينار: تعرّقْت فيها يا أبا عبد الله. أي سلكت فيها سبيل أهل العراق. وقد احتج أبو حنيفة بما رواه جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:لا صداق دون عشرة دراهمأخرجه الدّارقطنِيّ. وفي سنده مُبَشِّر بن عبيد متروك. وروي عن داود الأوْدِيّ عن الشَّعْبِيّ عن عليّ عليه السَّلام: لا يكون المهر أقلّ من عشرة دراهم. قال أحمد بن حنبل: لقّن غِياثُ بن إبراهيم داودَ الأودِي عن الشعبي عن عليّ: لا مهر أقل من عشرة دراهم. فصار حديثاً. وقال النَّخَعِي: أقله أربعون درهماً. سعيد بن جُبير: خمسون درهماً. ابن شُبْرُمَة: خمسة دراهم. ورواه الدّارَقُطْنِيّ عن ابن عباس عن عليّ رضي الله عنه: لا مهر أقل من خمسة دراهم.

الثامنة ـ قوله تعالىٰ: {فَمَا ٱسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً} الاستمتاع التلذذ. والأُجور المهور؛ وسُمِّيَ المهر أجراً لأنه أجر الاستمتاع، وهذا نصٌّ على أن المهر يسمى أجراً، و ذلك دليل على أنه في مقابلة البُضع؛ لأن ما يقابل المنفعة يُسمَّى أجراً. وقد اختلف العلماء في المعقود عليه في النكاح ما هو: بَدَنُ المرأة أو منفعةُ البُضْع أو الحِلّ؛ ثلاثة أقوال، والظاهر المجموع؛ فإن العقد يقتضي كل ذلك. والله أعلم.

التاسعة ـ واختلف العلماء في معنى الآية؛ فقال الحسن ومجاهد وغيرهما: المعنى فما انتفعتم وتلذّذتم بالجماع من النساء بالنكاح الصحيح {فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ} أي مهورهن، فإذا جامعها مرّة واحدة فقد وجب المهر كاملاً إن كان مُسَمَّىٰ، أو مهر مثلها إن لم يُسَمَّ. فإن كان النكاح فاسداً فقد اختلفت الرواية عن مالك في النكاح الفاسد، هل تستحق به مهر المِثْل، أو المُسَمَّىٰ إذا كان مهراً صحيحاً؟ فقال مرّة: المهر المُسَمَّىٰ، وهو ظاهر مذهبه؛ وذلك أن ما تراضوا عليه يقينٌ، ومهر المثل اجتهادٌ، فيجب أن يرجع إلى ماتيقنّاه؛ لأن الأموال لا تستحق بالشك. ووجه قوله:

مهر المثلأن النبي صلى الله عليه وسلم قال:أيُّما ٱمرأة نَكْحت بغير إذن ولِيِّها فنكاحها باطل فإن دُخل بها فلها مهر مثلها بما استُحِل من فرجها. قال ابن خُوَيْزِمَنْدَاد: ولا يجوز أن تحمل الآية على جواز المُتْعَة؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن نكاح المُتْعة وحرّمه؛ ولأن الله تعالىٰ قال: { { فَٱنكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ } } [النساء: 25] ومعلوم أن النكاح بإذن الأهلين هوالنكاح الشرعي بوَلِيّ وشاهدين، ونكاحُ المتعة ليس كذلك. وقال الجمهور: المراد نكاح المتعة الذي كان في صدر الإسلام. وقرأ ٱبن عباس وأُبَيّ وابن جُبير: {فَمَا ٱسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ} ثم نهى عنها النبيّ صلى الله عليه وسلم. وقال سعيد بن المسيِّب: نسختها آية الميراث؛ إذْ كانت المتعة لا ميراث فيها. وقالت عائشة والقاسم بن محمد: تحريمُها ونسخُها في القرآن؛ وذلك في قوله تعالىٰ: { { وَٱلَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ إِلاَّ عَلَىٰ أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ } } [المؤمنون: 5 ـ 6]. وليست المتعة نكاحاً ولا مِلْكَ يَمين. وروى الدَّارَقُطْنِيّ عن عليّ بن أبي طالب قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المتعة، قال: وإنما كانت لمن لم يجد، فلما نزل النّكاح والطَّلاق والعِدّة والميراث بين الزوج والمرأة نُسخت. وروي عن عليّ رضي الله عنه أنه قال: نَسخ صوم رمضان كلَّ صوم، ونسخت الزكاةُ كلَّ صدقة، ونسخ الطلاقُ والعدّةُ والميراثُ المتعةَ، ونسخت الأُضْحِية كلَّ ذَبْح. وعن ٱبن مسعود قال: المتعة منسوخة نسخها الطلاق والعدّة والميراث. وروى عطاء عن ٱبن عباس قال: ما كانت المُتْعة إلاَّ رحمة من الله تعالىٰ رحم بها عبادَه، ولولا نهْيُ عمر عنها ما زَنَى إلاَّ شَقِيّ.

العاشرة ـ واختلف العلماء كم مرّة أُبيحت ونُسخت؛ ففي صحيح مُسْلم عن عبد الله قال: كنا نَغْزُو مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس لنا نساء؛ فقلنا: ألا نَسْتَخْصِي؟ فنهانا عن ذلك، ثم رَخّص لنا أن ننكح المرأة بالثوب إلى أَجَل. قال أبو حاتم البُسْتِيّ في صحيحه: قولهم للنبيّ صلى الله عليه وسلم «ألاَ نَسْتَخْصِى؟» دليل على أن المُتْعة كانت محظورة قبل أن أُبيح لهم الاستمتاع، ولو لم تكن محظورة لم يكن لسؤالهم عن هذا معنًى، ثم رخّص لهم في الغزو أن ينكحوا المرأة بالثوب إلى أجل ثم نهى عنها عامَ خَيْبَر، ثم أذن فيها عامَ الفتح، ثم حرّمها بعد ثلاث، فهي محرّمة إلى يوم القيامة. وقال ابن العربيّ: وأما مُتعة النساء فهي من غرائب الشريعة؛ لأنها أُبيحت في صدر الإسلام ثم حُرّمت يومَ خيبر، ثم أُبيحت في غزوة أوْطاسٍ، ثم حُرّمت بعد ذلك واستقرّ الأمر على التحريم، وليس لها أُخْتٌ في الشريعة إلاَّ مسألة القِبْلة، لأن النّسخ طرأ عليها مرّتين ثم استقرّت بعد ذلك. وقال غيره ممن جمع طرق الأحاديث فيها: إنها تقتضي التحليل والتحريم سبع مرّات؛ فروى ٱبن أبي عمرة أنها كانت في صدر الإسلام. وروى سلمة بن الأكْوَع أنها كانت عامَ أوْطاس. ومن رواية عليّ: تحريمها يوم خَيْبَر. ومن رواية الربيع بن سَبْرة: إباحتها يوم الفتح.

قلت: وهذه الطرق كلّها في صحيح مسلم؛ وفي غيره عن عليّ نهيه عنها في غزوة تَبُوك؛ رواه إسحاق بن راشد عن الزُّهْريّ عن عبد الله ابن محمد بن عليّ عن أبيه عن عليّ، ولم يتابع إسحاق بن راشد على هذه الرواية عن ابن شهاب؛ قاله أبو عمر رحمه الله. وفي مصَنّف أبي داود من حديث الرّبيع بن سَبْرة: النّهي عنها في حجة الوَداع، وذهب أبو داود إلى أن هذا أصحّ ما رُوي في ذلك. وقال عمرو عن الحسن: ما حلّت المتعة قطُّ إلاَّ ثلاثاً في عُمرة القضاء ما حلّت قبلها ولا بعدها. ورُوي هذا عن سَبْرة أيضاً؛ فهذه سبعة مواطن أحلّت فيها المتعة وحُرّمت. قال أبوجعفرالطحاويّ: كل هؤلاء الذين روَوْا عن النبي صلى الله عليه وسلم إطلاقَها أخبروا أنها كانت في سفر، وأن النّهي لحقها في ذلك السفر بعد ذلك، فمنع منها، وليس أحد منهم يخبر أنها كانت في حَضَر؛ وكذلك رُوي عن ابن مسعود. فأما حديث سَبْرة الذي فيه إباحةُ النبيّ صلى الله عليه وسلم لها في حجّة الوَدَاع فخارج عن معانيها كلِّها؛ وقد اعتبرنا هذا الحرف فلم نجده إلاَّ في رواية عبد العزيز ابن عمر بن عبد العزيز خاصّةً، وقد رواه إسماعيل بن عَيّاش عن عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز فذكر أن ذلك كان في فتح مكة وأنهم شكَوْا إليه العُزْبة فرخّص لهم فيها، ومُحال أن يشكُوا إليه العُزْبة في حجة الوَداع؛ لأنهم كانوا حجوا بالنساء، وكان تزويج النساء بمكّة يمكنهم، ولم يكونوا حينئذ كما كانوا في الغزوات المتقدّمة. ويحتمل أنه لما كانت عادة النبي صلى الله عليه وسلم تكريرَ مثل هذا في مغازيه وفي المواضع الجامعة، ذكر تحريمها في حجّة الوَداع؛ لاجتماع الناس حتى يسمعه من لم يكن سمعه، فأكّد ذلك حتى لا تبقى شُبهة لأحد يدّعي تحليلها؛ ولأن أهل مكة كانوا يستعملونها كثيراً.

الحادية عشرة ـ روى الليث بن سعد عن بُكير بن الأشَجّ عن عمّار مَوْلىٰ الشَّرِيد قال: سألت ابن عباس عن المُتْعَة أسفاح هي أم نكاح؟ قال: لا سِفاح ولا نكاح. قلت: فما هي؟ قال:المتعة كما قال الله تعالىٰ. قلت: هل عليها عِدّة؟ قال: نعم حيضة. قلت: يتوارثان، قال: لا. قال أبو عمر: لم يختلف العلماء من السَّلَف والخَلَف أن المتعة نكاح إلى أجل لا ميراث فيه، والفُرْقَة تقع عند ٱنقضاء الأجل من غير طلاق. وقال ابن عطية: «وكانت المتعة أن يتزوّج الرجل المرأة بشاهدين وإذن الوَلِيّ إلى أجل مُسَمًّى؛ وعلى أن لا ميراث بينهما، ويعطيها ما ٱتفقا عليه؛ فإذا انقضت المدّة فليس له عليها سبيل ويستبرىء رَحِمها؛ لأن الولد لاحِق فيه بلا شك، فإن لم تحمل حلّت لغيره. وفي كتاب النحاس: في هذا خطأ وأن الولد لا يلحق في نكاح المتعة».

قلت: هذا هو المفهوم من عبارة النحاس؛ فإنه قال: وإنما المتعة أن يقول لها: أتزوّجك يوماً ـ أو ما أشبه ذلك ـ على أنه لا عِدّة عليكِ ولا ميراث بيننا ولا طلاق ولا شاهد يشهد على ذلك؛ وهذا هو الزنى بعينه ولم يبح قط في الإسلام؛ ولذلك قال عمر: لا أُوتى برجل تزوّج مُتعة إلاَّ غيّبته تحت الحجارة.

الثانية عشرة ـ وقد ٱختلف علماؤنا إذا دخل في نكاح المُتْعة هل يُحَدّ ولا يلحق به الولد، أو يُدفع الحدّ للشبهة ويلحق به الولد على قولين؛ ولكن يُعذر ويعاقَب. وإذا لحق اليوم الولدُ في نكاح المتعة في قول بعض العلماء مع القول بتحريمه، فكيف لا يلحق في ذلك الوقت الذي أُبيح، فدلّ على أن نكاح المتعة كان على حكم النكاح الصحيح، ويفارقه في الأجل والميراث. وحكى المَهْدَوِي عن ابن عباس أن نكاح المتعة كان بلا وليّ ولا شهود. وفيما حكاه ضعف؛ لما ذكرنا. قال ابن العربيّ: وقد كان ابن عباس يقول بجوازها، ثم ثبت رجوعه عنها، فانعقد الإجماع على تحريمها؛ فإذا فعلها أحد رُجم في مشهور المذهب. وفي رواية أُخرىٰ عن مالك: لا يرجم؛ لأن نكاح المتعة ليس بحرام، ولكن لأصل آخر لعلمائنا غريبٍ ٱنفردوا به دون سائر العلماء؛ وهو أن ما حُرّم بالسُّنَّة هل هو مثلُ ما حُرِّم بالقرآن أم لا؟ فمن رواية بعض المدنيّين عن مالك أنهما ليسا بسواء، وهذا ضعيف. وقال أبو بكر الطّرْطوسِيّ: ولم يُرخِّص في نكاح المتعة إلاَّ عِمْران بن حُصين وابن عباس وبعض الصحابة وطائفة من أهل البيت. وفي قول ابن عباس يقول الشاعر:

أقول للرَّكْب إذْ طال الثَّوَاء بنايا صاح هل لك في فُتْيَا ابنِ عباسِ في بَضّةٍ رَخْصة الأطراف ناعمةٍتكون مَثْواك حتى مَرجعِ الناس

وسائر العلماء والفقهاء من الصحابة والتابعين والسلف الصالحين على أن هذه الآية منسوخة، وأن المتعة حرام. وقال أبو عمر: أصحابُ ابن عباس من أهل مكة واليمن كلُّهم يرون المتعة حلالاً على مذهب ابن عباس وحَرّمها سائر الناس. وقال مَعْمر قال الزُّهَرِيّ؛ ٱزداد الناس لها مقْتاً حتى قال الشاعر:

قال المحدّث لما طال مجلسهيا صاحِ هل لك في فُتْيَا ابنِ عباسِ

كما تقـدّم.

الثالثة عشرة ـ قوله تعالىٰ: {أُجُورَهُنَّ} يعمّ المال وغيره، فيجوز أن يكون الصداق منافع أعيان. وقد اختلف في هذا العلماء؛ فمنعه مالك والمُزَنِيّ واللّيث وأحمد وأبو حنيفة وأصحابه: إلاَّ أن أبا حنيفة قال؛ إذا تزوّج على ذلك فالنكاح جائز وهو في حكم مَن لم يُسَمِّ لها، ولها مهر مثلها إن دخل بها، وإن لم يدخل بها فلها المتعة. وكرهه ابن القاسم في كتاب محمد وأجازه أَصْبَغ. قال ابن شاس: فإن وقع مَضَى في قول أكثر الأصحاب. وهي رواية أَصْبَغ عن ابن القاسم. وقال الشافعيّ: النكاح ثابت وعليه أن يُعلمها ما شَرط لها. فإن طلقها قبل الدخول ففيها للشافعيّ قولان: أحدهما أن لها نصفَ أجر تعليم تلك السورة، والآخر أن لها نصف مهر مثلها. وقال إسحاق: النكاح جائز. قال أبو الحسن اللّخمِيّ: والقول بجواز جميع ذلك أحسن. والإجارة والحج كغيرهما من الأموال التي تُتَمَلّك وتُباع وتشترى. وإنما كره ذلك مالكٌ لأنه يستحب أن يكون الصداق معجَّلاً، والإجارة والحج في معنى المؤجَّل. احتج أهل القول الأوّل بأن الله تعالى قال: {بِأَمْوَالِكُمْ} وتحقيق المال ما تتعلق به الأطماع، ويُعدّ للانتفاع، ومنفعة الرقبة في الإجارة ومنفعة التعليم للعلم كله ليس بمال. قال الطحاوِيّ: والأصل المجتَمع عليه أن رجلاً لو ٱستأجر رجلاً على أن يعلّمه سورة من القرآن سماها، بدرهم لم يجز؛ لأن الإجارات لا تجوز إلا لأحد معنيين، إمّا على عملٍ بعينه كخياطة ثوب وما أشبهه، وإمّا على وقت معلوم؛ وكان إذا استأجره على تعليم سورة فتلك إجارة لا على وقت معلوم ولا على عمل معلوم، وإنما استأجره على أن يُعَلّم، وقد يفهم بقليل التعليم وكثيره في قليل الأوقات وكثيرها. وكذلك لو باعه داره على أن يعلّمه سورة من القرآن لم يجز للمعاني التي ذكرناها في الإجارات. وإذا كان التعليم لا يُمَلَّك به المنافع ولا أعيان الأموال ثبت بالنظر أنه لا تُمَلَّك به الأبضاع. والله الموفق. احتج من أجاز ذلك بحديث سهل بن سعد في حديث الموهوبة، وفيه فقال:

اذهب فقد ملَّكْتُكها بما معك من القرآن. في رواية قال: ٱنطلق فقد زوّجتكها فعلّمها من القرآن. قالوا: ففي هذا دليل على انعقاد النكاح وتأخر المهر الذي هو التعليم، وهذا على الظاهر من قوله:بما معك من القرآن فإن الباء للعوض؛ كما تقول: خذ هذا بهذا، أي عوضاً منه. وقوله في الرواية الأُخرى:فعلّمها نصّ في الأمر بالتعليم، والمساق يشهد بأن ذلك لأجل النكاح، ولا يُلتفت لقول من قال إن ذلك كان إكراماً للرجل بما حفظه من القرآن، أي لما حفظه، فتكون الباء بمعنى اللام؛ فإن الحديث الثاني يصرح بخلافه في قوله:فعلّمها من القرآن. ولا حجة فيما روي عن أبي طلحة أنه خطب أُم سُليم فقالت: إنْ أسلم تزوّجته. فأسلم فتزوّجها؛ فلا يُعلم مهر كان أكرمَ من مهرها، كان مهرها الإسلام؛ فإن ذلك خاص به. وأيضاً فإنه لا يصل إليها منه شيء بخلاف التعليم وغيره من المنافع. وقد زوّج شعيب عليه السلام ٱبنته من موسى عليه السلام على أن يَرْعَى له غنماً في صداقها؛ على ما يأتي بيانه في سورة «القصص». وقد رُوي من حديث ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لرجل من أصحابه: «يا فلان هل تزوّجت»؟ قال: لا، وليس معي ما أتزوّج به. قال: «أليس معك {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ}»؟ قال: بلىٰ قال: «ثلث القرآن، أليس معك آية الكرسي»؟ قال: بلىٰ قال: «ربع القرآن، أليس معك {إذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ والْفَتْحُ}»؟ قال: بلىٰ قال: «ربع القرآن، أليس معك {إذَا زُلْزِلَت}»؟ قال: بلىٰ قال: «ربع القرآن. تزوّج تزوّج» .

قلت: وقد أخرج الدَّارَقُطْنِيّ حديث سهل من حديث ٱبن مسعود، وفيه زيادة تبيّن ما احتجّ به مالك وغيره، وفيه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

«من ينكِح هذه»؟ فقام ذلك الرجل فقال: أنا يا رسول الله؛ فقال: «ألك مال»؟ قال: لا، يا رسول الله؛ قال: «فهل تقرأ من القرآن شيئاً»؟. قال: نعم، سورة البقرة، وسورة المُفَصَّل. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «قد أنكحتُكَها على أن تُقرئها وتعلّمها وإذا رزقك الله عوّضتَها». فتزوّجها الرجل على ذلك. وهذا نص ـ لو صح ـ في أن التعليم لا يكون صداقاً. قال الدّارَقُطْنِيّ: تفرّد به عتبة بن السّكَن وهو متروك الحديث. و {فَرِيضَةً} نصب على المصدر في موضع الحال، أي مفروضة.

الرابعة عشرة ـ قوله تعالى: {وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِن بَعْدِ ٱلْفَرِيضَةِ} أي من زيادة ونقصان في المهر؛ فإن ذلك سائغ عند التراضي بعد استقرار الفريضة. والمراد إبراء المرأة عن المهر، أو تَوْفِية الرجل كل المهر إن طلّق قبل الدخول. وقال القائلون بأن الآية في المتعة: هذا إشارة إلى ما تراضيا عليه من زيادة في مدّة المتعة في أوّل الإسلام؛ فإنه كان يتزوّج الرجل المرأة شهراً على دينار مثلاً، فإذا ٱنقضى الشهر فربما كان يقول: زِيديني في الأجل أزِدْكِ في المهر. فبيّن أن ذلك كان جائزاً عند التراضي

الأحد، 8 نوفمبر 2026 28 جمادى الأولى 1448 هـ