انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة النساء

تفسير البغويالآيات 1–11

تفسير سورة النساء آية آية، من تفسير البغوي.

بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ

يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُوا۟ رَبَّكُمُ ٱلَّذِى خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَٰحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَآءً وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ٱلَّذِى تَسَآءَلُونَ بِهِۦ وَٱلْأَرْحَامَ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا ۝١ وَءَاتُوا۟ ٱلْيَتَٰمَىٰٓ أَمْوَٰلَهُمْ وَلَا تَتَبَدَّلُوا۟ ٱلْخَبِيثَ بِٱلطَّيِّبِ وَلَا تَأْكُلُوٓا۟ أَمْوَٰلَهُمْ إِلَىٰٓ أَمْوَٰلِكُمْ إِنَّهُۥ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا ۝٢

قوله تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُواْ رَبَّكُمُ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ}، يعني: آدم عليه السلام، {وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا}، يعني: حواء، {وَبَثَّ مِنْهُمَا}، نشر وأظهر، {رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَآءً وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ٱلَّذِى تَسَآءَلُونَ بِهِ}، أي: تتساءلون به، وقرأ أهل الكوفة بتخفيف السين على حذف إحدى التاءين، كقوله تعالى: (ولا تَعَاوَنُوا)، {وَٱلأَرْحَامَ}، قراءة العامة بالنصب، أي: واتقوا الأرحام أن تقطعوها، وقرأ حمزة بالخفض، أي: به وبالأرحام كما يقال: سألتُك بالله والأرحام، والقراءة الأولى أفصح لأن العربَ لا تكاد تنسق بظاهر على مُكنّى إلا أن تعيد الخافض فتقول: مررتُ به وبزيد، إلا أنه جائز مع قلته، {إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً}، أي: حافظاً.

قوله تعالى: {وَءَاتُواْ ٱلْيَتَـٰمَىٰ أَمْوَٰلَهُمْ}، قال مقاتل والكلبي:

"نزلت في رجل من غطفان كان معه مال كثير لابن أخ له يتيم، فلمّا بلغَ اليتيمُ طلبَ المالَ فمنعه عمه فترافَعا إلى النبي صلّى الله عليه وسلم، فنزلت هذه الآية، فلما سمعها العمُّ قال: أطعنا الله وأطعنا الرسول نعوذُ بالله من الحَوْبِ الكبير، فدفع إليه ماله فقال النبي صلّى الله عليه وسلم: «من يوقَ شُحَّ نفسه ويُطعْ ربَّه هكذا فإنه يَحُلُّ دَارَه» يعني: جنته، فلما قبض الفتَى ماله أنفق في سبيل الله، فقال النبي صلّى الله عليه وسلم: «ثبت الأجر وبقيَ الوزرُ» فقالوا: كيف بقي الوزرُ؟ فقال: «ثبت الأجر للغلام وبقي الوزر على والده»".

وقوله: {وَءَاتُواْ} خطاب للأولياء والأوصياء، واليتامى: جمع يتيم، واليتيم: اسم لصغيرٍ لا أبَ له ولا جد، وإنما يدفع المال إليهم بعد البلوغ، وسماهم يتامى هاهنا على معنى أنهم كانوا يتامى. {وَلاَ تَتَبَدَّلُواْ} أي: لا تستبدلوا، {ٱلْخَبِيثَ بِٱلطَّيِّبِ}، أي: مالُهم الذي هو حرام عليكم بالحلال من أموالكم، واختلفوا في هذا التبدل، قال سعيد بن المسيب والنخعي والزهري والسدي: كان أولياء اليتامى يأخذون الجيد من مال اليتيم ويجعلون مكانه الرديء، فربّما كان أحدهم يأخذ الشاة السمينة من مال اليتيم ويجعل مكانها المهزولة، ويأخذ الدرهمَ الجيد ويجعل مكانه الزيف، ويقول: درهمٌ بدرهم، فنُهوا عن ذلك. وقيل: كان أهل الجاهلية لا يُورِّثون النساء والصبيان ويأخذ الأكبرُ الميراثَ، فنصيبه من الميراث طيب، وهذا الذي يأخذه خبيث، وقال مجاهد: لا تتعجلِ الرزقَ الحرام قبل أن يأتيَك الحلال. {وَلاَ تَأْكُلُوۤاْ أَمْوَٰلَهُمْ إِلَىٰ أَمْوَٰلِكُمْ}، أي: مع أموالكم، كقوله تعالى: (من أنصاري إلى الله) أي: مع الله، {إِنَّهُ كَانَ حُوباً كَبِيراً} أي: إثماً عظيماً.

وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا۟ فِى ٱلْيَتَٰمَىٰ فَٱنكِحُوا۟ مَا طَابَ لَكُم مِّنَ ٱلنِّسَآءِ مَثْنَىٰ وَثُلَٰثَ وَرُبَٰعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا۟ فَوَٰحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَٰنُكُمْ ذَٰلِكَ أَدْنَىٰٓ أَلَّا تَعُولُوا۟ ۝٣

وقوله تعالى: {وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ فِي ٱلْيَتَامَىٰ فَٱنكِحُواْ مَا طَابَ لَكُمْ مِّنَ ٱلنِّسَآءِ مَثْنَىٰ وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ} الآية. اختلفوا في تأويلهم، فقال بعضهم: معناه إن خفتم يا أولياء اليتامى أن لا تعدلوا فيهنّ إذا نكحتُموهنّ فانكحُوا غيرَهنٌ من الغرائب مثنَى وثُلاث ورُباعَ.

أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي أنا أحمد بن عبد الله النعيمي أنا محمد بن يوسف أنا محمد بن إسماعيل أنا أبو اليمان أنا شعيب عن الزهري قال: كان عروة بن الزبير يحدث أنه سأل عائشة رضي الله عنها {وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ فِي ٱلْيَتَامَىٰ فَٱنكِحُواْ مَا طَابَ لَكُمْ مِّنَ ٱلنِّسَآءِ} قالت: هي اليتيمة تكون في حجر وليها فيرغب في جمالها ومالها ويريد أن يتزوجَها بأدنى من سنة نسائها، فنُهوا عن نكاحهنّ إلا أن يقسطوا لهن في إكمال الصداق، وأُمروا بنكاح من سواهنّ من النساء، قالت عائشة رضي الله عنها: ثم استفتى الناسُ رسولَ الله صلّى الله عليه وسلم، فأنزل الله تعالى: {وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي ٱلنِّسَآءِ قُلِ ٱللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ} إلى قوله تعالى {وَتَرْغَبُونَ أَن تَنكِحُوهُنَّ}.

فبيّن الله تعالى في هذه الآية أن اليتيمة إذا كانت ذات جمال أو مال، رَغِبُوا في نكاحها ولم يلحقوها بسنتها بإكمال الصداق، وإذا كانت مرغوبة عنها في قلة المال والجمال تركوها والتمسوا غيرها من النساء، قال: فكما يتركونها حين يرغبون عنها فليس لهم أن ينكحوها إذا رغبوا فيها إلا أن يُقسطوا لها الأوْفَى من الصداق ويُعطوها حقَّها.

قال الحسن: كان الرجل من أهل المدينة يكون عنده الأيتام وفيهن من يحل له نكاحها فيتزوجها لأجْلِ مالها وهي لا تعجبه كراهية أن يَدخله غريبٌ فيشاركه في مالها، ثم يسيء صحبتها ويتربص بها أن تموت ويرثها، فعاب الله تعالى ذلك، وأنزل الله هذه الآية.

وقال عكرمة: كان الرجل من قريش يتزوج العشر من النساء والأكثر فإذا صار معدماً من مُؤَنِ نسائه مالَ إلى مال يتيمه الذي في حجره فأنفقه، فقيل لهم: لا تزيدوا على أربع حتى لا يحوجكم إلى أخذ أموال اليتامى، وهذه رواية طاووس عن ابن عباس رضي الله عنهما. وقال بعضهم: كانوا يتحرجون عن أموال اليتامى ويترخصون في النساء، فيتزوجون ما شاؤوا وربما عدلوا وربما لم يعدلوا، فلما أنزل الله تعالى في أموال اليتامى {وَآتُواْ ٱلْيَتَامَىٰ أَمْوَالَهُمْ} أنزل هذه الآية {وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ فِي ٱلْيَتَامَىٰ} يقول كما خفتم أن لا تُقسطوا في اليتامى فكذلك خافوا في النساء أن لا تعدلوا فيهنّ فلا تتزوجوا أكثر مما يُمكنكم القيام بحقهن، لأن النساء في الضعف كاليتامى، وهذا قول سعيد بن جبير وقتادة والضحاك والسدي، ثم رخص في نكاح أربع فقال: {فَٱنكِحُواْ مَا طَابَ لَكُمْ مِّنَ ٱلنِّسَآءِ مَثْنَىٰ وَثُلَـٰثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُواْ} فيهن {فَوَٰحِدَةً}، وقال مجاهد: معناه إن تحرجتم منْ وِلاية اليتامَى وأموالِهم إيماناً فكذلك تحرجوا من الزنا فانكحوا النساء الحلال نكاحاً طيباً ثم بين لهم عدداً، وكانوا يتزوجون ما شاؤوا من غير عدد، قوله تعالى: {فَٱنكِحُواْ مَا طَابَ لَكُمْ مِّنَ ٱلنِّسَآءِ} أي: مَنْ طَابَ كقوله تعالى:

{ وَٱلسَّمَآءِ وَمَا بَنَـٰهَا } [الشمس: 5] أي ومن بناها { قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ ٱلْعَـٰلَمِينَ }[الشعراء: 23] والعرب تضع «من» و«ما» كل واحدة موضع الأخرى، كقوله تعالى: { فَمِنْهُمْ مَّن يَمْشِى عَلَىٰ بَطْنِهِ وَمِنهُمْ مَّن يَمْشِى عَلَىٰ رِجْلَيْنِ }[النور: 45]، وطابَ أي: حلّ لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع، معدولات عن اثنين وثلاث، وأربع، ولذلك لا ينصرفنَ، والواو بمعنى أو للتخيير، كقوله تعالى: { أَن تَقُومُواْ لِلَّهِ مَثْنَىٰ وَفُرَادَىٰ } [سبأ: 46]: { أُوْلِيۤ أَجْنِحَةٍ مَّثْنَىٰ وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ } [فاطر: 1] وهذا إجماع أن أحداً من الأمة لا يجوز له أن يزيد على أربع نسوة، وكانت الزيادة من خصائص النبي صلّى الله عليه وسلم، لا مشاركة معه لأحد من الأمة فيها،وروي "أن قيس بن الحارث كان تحته ثمان نسوة فلما نزلت هذه الآية قال له رسول الله صلّى الله عليه وسلم: «طلق أربعاً وأمسك أربعاً» قال فجعلَت أقول للمرأة التي لم تلد يا فلانة أدبري والتي قد ولدت يا فلانة أقبلي" ورُوي "أن غَيلان بن سلمة الثقفي أسلم وعنده عشر نسوة فقال له النبي صلّى الله عليه وسلم: «أمسك أربعاً وفارق سائرهنّ»".

وإذا جمع الحرُّ بينَ أربع نسوة حرائر فإنه يجوز، فأمّا العبد فلا يجوز له أن ينكح أكثر من امرأتين عند أكثر أهل العلم.

أخبرنا عبد الوهاب بن أحمد الخطيب أنا عبد العزيز أحمد الخلال أنا أبو العباس الأصم أنا الربيع أنا الشافعي أنا سفيان عن محمد بن عبد الرحمن مولى أبي طلحة عن سليمان بن يسار عن عبد الله بن عتبة عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: ينكح العبد امرأتين ويطلق طلقتين وتعتد الأمة بحيضتين، فإن لم تكن تحيض فبشهرين أو شهر ونصف» وقال ربيعة: يجوز للعبد أن ينكح أربع نسوة كالحر. {فَإِنْ خِفْتُمْ}، خشيتُم، وقيل: علمتم، {أَلاَّ تَعْدِلُواْ}، بين الأزواج الأربع، {فَوَٰحِدَةً} أي: فانكحُوا واحدةً. وقرأ أبو جعفر {فواحدة} بالرفع، {أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَـٰنُكُمْ}، يعني السراري لأنه لا يلزم فيهن من الحقوق ما يلزم في الحرائر، ولا قَسم لهن، ولا وقف في عددهن، وذكر الأيمان بيان، تقديره: أو ما ملكتم، وقال بعض أهل المعاني: أو ما ملكت أيمانكم أي: ما ينفذ فيه إقسامكم، جعله من يمين الحلف، لا يمين الجارحة، {ذٰلِكَ أَدْنَىٰ}، أقرب، {أَلاَّ تَعُولُواْ} أي: لاَ تَجُورُوا ولا تميلوا، يقال: ميزان عائل، أي: جائر مائل، هذا قول أكثر المفسرين، وقال مجاهد: أنْ لا تضلوا، وقال الفراء: أنْ لا تجاوزوا ما فرض الله عليكم، وأصل العول: المجاوزة، ومنه عَوْلُ الفرائض، وقال الشافعي رحمه الله: أنْ لا تَكْثُر عيالُكم، وما قاله أحد، إنما يقال من كثرة العيال: أعال يعيل إعالة، إذا كثر عياله. وقال أبو حاتم: كان الشافعي رضي الله عنه أعلم بلسان العرب منّا ولعله لُغةٌ، ويقال: هي لغة حمير، وقرأ طلحة بن مصرف {أنْ لا تعيلوا} وهي حجة لقول الشافعي رضوان الله عليه.

وَءَاتُوا۟ ٱلنِّسَآءَ صَدُقَٰتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَىْءٍ مِّنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيٓـًٔا مَّرِيٓـًٔا ۝٤

{ِوَآتُواْ ٱلنِّسَآءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً}، قال الكلبي ومجاهد: هذا الخطاب للأولياء، وذلك أنّ وَليّ المرأة كان إذا زوجها فإن كانت معهم في العشيرة لم يعطها من مهرها قليلاً ولا كثيراً، وإن كان زوجها غريباً حملوها إليه على بعير ولم يعطوها من مهرها غير ذلك، فنهاهم الله عن ذلك وأمرهم أن يدفعوا الحق إلى أهله. [قال الحضرمي: كان أولياء النساء يُعطي هذا أُختَه على أن يعطيه الآخرُ أُخته، ولا مهرَ بينهما، فنُهوا عن ذلك وأُمروا بتسميةِ المهر في العقد.

أخبرنا أبو الحسن السرخسي أنا زاهر بن أحمد أنا أبو إسحق الهاشمي أنا أبو مصعب عن مالك عن نافع عن عبد الله بن عمر رضي الله عنه أن رسول الله صلّى الله عليه وسلم

نهَى عنِ الشَّغَار. والشغار: أن يُزوّج الرجل ابنته على أن يزوجه الآخر ابنته، وليس بينهما صداق».

وقال الآخرون: الخطاب للأزواج أُمروا بإيتاء نسائهم الصداق، وهذا أصح، لأن الخطاب فيما قبلُ مع الناكحين، والصَّدُقات: المهور، واحدها صدقة {نِحْلَةً} قال قتادة: فريضةً، وقال ابن جريج: فريضة مسماة، قال أبو عبيدة: ولا تكون النحلة إلا مسماةً معلومة، وقال الكلبي: عطية وهبة، وقال أبو عبيدة: عن طيب نفس]، وقال الزجاج: تديناً.

أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي أنا أحمد بن عبد الله النعيمي أنا محمد بن يوسف أنا محمد بن إسماعيل أنا عبد الله بن يوسف أخبرنا الليث حدثني يزيد بن أبي حبيب عن أبي الخير عن عقبة بن عامر قال:

قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم:

أحقُّ الشروطِ أن تُوفوا به ما اسْتحللتمْ به الفروج.»

{فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَيْءٍ مِّنْهُ نَفْساً}، يعني: فإن طابت نفوسُهن بشيء من ذلك فوهبنَ منكم، فنقل الفعل من النفوس إلى أصحابها فخرجت النفس مفسراً، فلذلك وحّد النفس، كما قال الله تعالى:

{ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا }[هود: 77][العنكبوت: 33] { وَقَرِّي عَيْناً } [مريم: 26] وقيل: لفظها واحد ومعناها جمع، {فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَّرِيئاً}، سائغاً طيباً، يقال هنأ في الطعام يهنىء بفتح النون في الماضي وكسرها في الباقي، وقيل: الهنيء: الطيب المساغ الذي لا ينغصه شيء، والمريء: المحمود العاقبة التام الهضم الذي لا يضر، قرأ أبو جعفر {هنيّاً مريّاً} بتشديد الياء فيهما من غير همز، وكذلك «بري» «وبريون» «وبرياً» «وكهية» والآخرون يهمزونها.

وَلَا تُؤْتُوا۟ ٱلسُّفَهَآءَ أَمْوَٰلَكُمُ ٱلَّتِى جَعَلَ ٱللَّهُ لَكُمْ قِيَٰمًا وَٱرْزُقُوهُمْ فِيهَا وَٱكْسُوهُمْ وَقُولُوا۟ لَهُمْ قَوْلًا مَّعْرُوفًا ۝٥

قوله تعالى: {وَلاَ تُؤْتُواْ ٱلسُّفَهَآءَ أَمْوَالَكُمُ ٱلَّتِي جَعَلَ ٱللَّهُ لَكُمْ قِيَاماً}، اختلفوا في هؤلاء السفهاء فقال قوم: هم النساء، وقال الضحاك: النساء من أسفه السفهاء، وقال مجاهد: نهى الرجال أن يُؤتوا النساء أموالهم وهنّ سفهاء، مَنْ كنَّ، أزواجاً أو بناتٍ أو أمهات، وقال آخرون: هم الأولاد، قال الزهري: يقول لا تعطِ ولدَك السفيه مالك الذي هو قيامك بعد الله تعالى فيفسده، وقال بعضهم: هم النساء والصبيان، وقال الحسن: هي امرأتك السفيهة وابنك السفيه، وقال ابن عباس: لا تعمد إلى مالك الذي خولك الله وجعله لك معيشة فتعطيه امرأتك أو بنيك فيكونوا هم الذين يقومون عليك، ثم تنظر إلى ما في أيديهم، ولكن أمسك مالك وأصلحه وكن أنتَ الذي تُنفق عليهم في رزقهم ومُؤنتهم، قال الكلبي: إذا علم الرجل أنّ امرأته سفيهة مفسدة وأن ولده سفيه مفسد فلا ينبغي له أن يُسلّط واحداً منهما على ماله فيفسده. وقال سعيد بن جبير وعكرمة: هو مال اليتيم يكون عندك، يقول لا تؤته إيّاه وأنفق عليه حتى يبلغ، وإنّما أضاف إلى الأولياء فقال: {أَمْوَالَكُمُ} لأنهم قوامها ومدبروها. والسفيه الذي لا يجوز لوليه أن يؤتيه ماله هو المستحق لِلحَجْرَ عليه، وهو أن يكون مبذراً في ماله أو مفسداً في دينه، فقال جلّ ذكره: {ولا تُؤتُوا ٱلسُّفَهَآءَ}، أي: الجهال بموضع الحق أموالكم التي جعل الله لكم قياماً. قرأ نافع وابن عامر {قيّماً} بلا ألف، وقرأ الآخرون {قِيَـٰماً} وأصله: قواماً، فانقلبت الواو ياءً لانكسار ما قبلها، وهو ملاك الأمر وما يقوم به الأمر. وأراد ههنا قِوام عيشكم الذي تعيشون به. قال الضحاك: به يقام الحج والجهاد وأعمال البِرّ وبه فكاك الرقاب من النار. {وَٱرْزُقُوهُمْ فِيهَا} أي: أطعموهم، {وَٱكْسُوهُمْ}، لمن يجب عليكم رزقه ومؤنته، وإنما قال {فِيهَا} ولم يقل: منها، لأنه أراد: اجعلوا لهم فيها رزقاً فالرزق من الله: العطيةُ من غير حدٍّ، ومن العباد إجراء موقتٌ محدود. {وَقُولُواْ لَهُمْ قَوْلاً مَّعْرُوفاً} عِدَة جميلة، وقال عطاء: إذا ربحتُ أعطيتُك وإن غنمتُ جعلت لك حظاً، وقيل: هو الدعاء، وقال ابن زيد: إن لم يكن ممن تجب عليكم نفقته، قلْ له: عافاك الله وإيّانا، بارك الله فيك، وقيل: قولاً ليّناً تطيبُ به أنفسُهم.

وَٱبْتَلُوا۟ ٱلْيَتَٰمَىٰ حَتَّىٰٓ إِذَا بَلَغُوا۟ ٱلنِّكَاحَ فَإِنْ ءَانَسْتُم مِّنْهُمْ رُشْدًا فَٱدْفَعُوٓا۟ إِلَيْهِمْ أَمْوَٰلَهُمْ وَلَا تَأْكُلُوهَآ إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَن يَكْبَرُوا۟ وَمَن كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَن كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِٱلْمَعْرُوفِ فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَٰلَهُمْ فَأَشْهِدُوا۟ عَلَيْهِمْ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ حَسِيبًا ۝٦

قوله تعالى: {وَابتَلُوا ٱلْيَتَـٰمَىٰ}، الآية نزلت في ثابت بن رفاعة وفي عمه، وذلك أن رفاعة توفي وترك ابنه ثابتاً وهو صغير، فجاء عمه إلى النبي صلّى الله عليه وسلم وقال: إن ابن أخي يتيم في حجري، فما يحل لي من ماله ومتى أدفع إليه ماله؟ فأنزل الله تعالى هذه الآية {وَابتَلُوا ٱلْيَتَـٰمَىٰ} اختبروهم في عقولهم وأديانِهم وحفظِهم أموالَهم، {حَتَّىٰ إِذَا بَلَغُواْ النِّكَاحَ}، أي: مبلغ الرجال والنساء، {فَإِنْ ءَانَسْتُمْ}، أبصرتم، {مِّنْهُمْ رُشْداً}، فقال المفسرون يعني: عقلاً وصلاحاً في الدين وحفظاً للمال وعلماً بما يصلحه. وقال سعيد بن جبير ومجاهد والشعبي: لا يدفع إليه ماله وإن كان شيخاً حتى يؤنس منه رشده. والابتلاء يختلف باختلاف أحوالهم فإن كان ممن يتصرف في السوق فيدفع الولي إليه شيئاً يسيراً من المال وينظر في تصرفه وإن كان ممن لا يتصرف في السوق فيختبره في نفقة داره، والإِنفاق على عبيده وأُجرائه، وتُختبر المرأةُ في أمر بيتها وحفظ متاعها وغزلها واستغزالها، فإذا رأى حُسن تدبيره، وتصرفه في الأمور مراراً يغلب على القلب رشده، دفعَ المالَ إليه. واعلمْ أن الله تعالى علّق زوال الحَجْرِ عن الصغير وجواز دفع المال إليه بشيئين: بالبلوغ والرُّشد، فالبلوغ يكون بأحد (أشياء أربعة)، اثنان يشترك فيهما الرجال والنساء، واثنان تختصان بالنساء: فما يشترك فيه الرجال والنساء أحدهما السن، والثاني الاحتلام، أمّا السن فإذا استكمل المولود خمس عشرة سنة حكم ببلوغه غلاماً كان أو جارية، لما.

أخبرها عبد الوهاب بن محمد الخطيب أنا عبد العزيز ابن أحمد الخلال أنا أبو العباس الأصم أنا الربيع أنا الشافعي أخبرنا سفيان بن عُيينة عن عبد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: عُرضتُ على رسول الله صلّى الله عليه وسلم عام أُحد وأنا ابنُ أربع عشرة سنة، فردّني، ثم عُرضتُ عليه عام الخندق وأنا ابن خمس عشرة سنة فأجازني، قال نافع: فحدثتُ بهذ الحديث عمر بن عبد العزيز، فقال: هذا فرق ما بين المقاتلة والذريّة، وكتب أن يفرض لابن خمس عشرة سنة في المقاتلة، ومن لم يبلغها في الذرية.

وهذا قول أكثر أهل العلم. وقال أبو حنيفة رحمه الله تعالى: بلوغ الجارية باستكمال سبعَ عشرة، وبلوغ الغلام باستكمال ثماني عشرة سنة. وأمّا الاحتلام فنعني به نزول المني سواء كان بالاحتلام أو بالجماع، أو غيرهما، فإذا وجد ذلك بعد استكمال تسع سنين من أيهما كان حُكم ببلوغه، لقوله تعالى: {وَإِذَا بَلَغَ ٱلأَطْفَالُ مِنكُمُ ٱلْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُواْ} وقال النبي صلّى الله عليه وسلم لمعاذٍ في الجزية حين بعثه إلى اليمن:

خُذْ من كل حالم ديناراً. وأما الإِنبات، وهو نبات الشعر الخشن حول الفرج: فهو بلوغ في أولاد المشركين، لِما رُوي عن عطية القرظي قال: كنتُ من سبي قريظة، فكانوا ينظرون فمن أنبت الشعر قُتل، ومن لم ينبت لم يقتل، فكنت ممن لم ينبت.

وهل يكون ذلك بلوغاً في أولاد المسلمين؟ فيه قولان، أحدهما: يكون بلوغاً كما في أولاد الكفار، والثاني: لا يكون بلوغاً لأنه يمكن الوقوف على مواليد المسلمين بالرجوع إلى آبائهم، وفي الكفار لا يوقف على مواليدهم، ولا يقبل قول آبائهم فيه لكفرهم، فجعل الإِنبات الذي هو أمارة البلوغ بلوغاً في حقهم. وأما ما يختص بالنساء: فالحيض والحَبَل، فإذا حاضت المرأة بعد استكمال تسع سنين يُحكم ببلوغها، وكذلك إذا ولدت يحكم ببلوغها قبل الوضع بستة أشهر لأنها أقل مدة الحمل. وأمّا الرشد: فهو أن يكون مصلحاً في دينه وماله، فالصلاح في الدين هو أن يكون مجتنباً عن الفواحش والمعاصي التي تسقط العدالة، والصلاح في المال هو أن لا يكون مبذراً، والتبذير: هو أن ينفق ماله فيما لا يكون فيه محمدة دنيويّة ولا مثوبة أخرويّة، أو لا يُحسن التصرفَ فيها، فيغبن في البيوع فإذا بلغ الصبي وهو مفسد في دينه وغير مصلح لماله، دام الحجر عليه، ولا يدفع إليه ماله ولا ينفذ تصرفه. وعند أبي حنيفة رضي الله عنه إذا كان مصلحاً لماله زال الحجر عنه وإن كان مفسداً في دينه، وإذا كان مفسداً لمالِه قال: لا يدفع إليه المال حتى يبلغ خمساً وعشرين سنة، غير أن تصرّفه يكون نافذاً قبله. والقرآن حجة لمن استدام الحجر عليه، لأنّ الله تعالى قال: {حَتَّىٰ إِذَا بَلَغُواْ النِّكَاحَ فَإِنْ ءَانَسْتُمْ مِّنْهُمْ رُشْداً فَٱدْفَعُواْ إِلَيْهِمْ أَمْوَٰلَهُمْ}، أمر بدفع المال إليهم بعد البلوغ وإيناس الرشد، والفاسق لا يكون رشيداً وبعد بلوغه خمساً وعشرين سنة، وهو مفسد لماله بالانفاق غير رشيد، فوجب أن لا يجوز دفع المال إليه كما قبل بلوغ هذا السن. وإذا بلغ وأونس منه الرشد. زال الحجر عنه، ودفع إليه المال رجلاً كان أو امرأة تزوج أو لم يتزوج. وعند مالك رحمه الله تعالى: إن كانت امرأة لا يدفع المال إليها ما لم تتزوج، فإذا تزوجت دفع إليها، ولكن لا ينفذ تصرفها إلا بإذن الزوج، ما لم تكبر وتُجرَّب. فإذا بلغ الصبي رشيداً وزال الحجر عنه ثم عاد سفيهاً، نظر: فإن عاد مبذراً لماله حجر عليه، وإن عاد مفسداً في دينه فعلى وجهين: أحدهما: يعاد الحجر عليه كما يستدام الحجر عليه إذا بلغ بهذه الصفة، والثاني: لا يعاد لأن حكم الدوام أقوى من حكم الابتداء. وعند أبي حنيفة رحمه الله تعالى: لا حجر على الحر العاقل البالغ بحال، والدليل على إثبات الحجر من اتفاق الصحابة رضي الله عنهم ما روي عن هشام بن عروة عن أبيه أن عبد الله بن جعفر ابتاع أرضاً سبخة بستين ألف درهم، فقال علي: لآتين عثمان فلأحجرن عليك فأتى ابن جعفر الزبير فأعلمه بذلك [فقال الزبير: أنا شريكك في بيعك فأتى علي عثمان وقال: أحجر على هذا]، فقال الزبير: أنا شريكه، فقال عثمان: كيف أحجر على رجل في بيع شريكه فيه الزبير، فكان ذلك اتفاقاً منهم على جواز الحجر حتى احتال الزبير في دفعه. قوله تعالى: {وَلاَ تَأْكُلُوهَآ} يا معشر الأولياء {إِسْرَافاً} بغير حق، {وَبِدَاراً} أي مبادرة {أَن يَكْبَرُواْ} و{أَن} في محل النصب، يعني: لا تبادروا كبرهم ورشدهم حذراً من أن يبلغوا فيلزمكم تسليمها إليهم، ثم بيّن ما يحل لهم من مالهم فقال: {وَمَن كَانَ غَنِيّاً فَلْيَسْتَعْفِفْ} أي ليمتنع من مال اليتيم فلا يرزأه قليلاً ولا كثيراً، والعفة: الامتناع مما لا يحل {وَمَن كَانَ فَقِيراً} محتاجاً إلى مال اليتيم وهو يحفظه ويتعهده فليأكل بالمعروف.

أخبرنا محمد بن الحسن المروزي أخبرنا أبو سهل محمد بن عمر السِّجزي أخبرنا الإِمام أبو سليمان الخطابي أخبرنا أبو بكر بن داسة التمار أخبرنا أبو داؤد السجستاني أخبرنا حميد بن مسعدة أن خالد بن الحارث حدثهم أخبرنا حسين يعني المعلم عن عمرو بن شعيب بن أبيه عن جده رضي الله عنه

"أن رجلاً أتى رسول الله صلّى الله عليه وسلم فقال: إني فقير وليس لي شيء ولِيَ يتيمٌ؟ فقال: «كُلْ من مال يتيمك غير مسرفٍ ولا مبادرٍ ولا متأثل»".

واختلفوا في أنه هل يلزمه القضاء؟ فذهب قوم إلى أن يقضي إذا أيسر، وهو المراد من قوله {فَلْيَأْكُلْ بِٱلْمَعْرُوفِ} فالمعروف القرض، أي: يستقرض من مال اليتيم إذا احتاج إليه، فإذا أيسر قضاه، وهو قول مجاهد وسعيد بن جبير.

قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: إني أنزلت نفسي من مال الله تعالى بمنزلة مال اليتيم: إن استغنيتُ استعففتُ وإن افتقرتُ أكلت بالمعروف، فإذا أيسرتُ قضيت. وقال الشعبي: لا يأكله إلا أن يضطر إليه كما يضطر إلى الميتة. وقال قوم: لا قضاء عليه. ثم اختلفوا في كيفية هذا الأكل بالمعروف، فقال عطاء وعكرمة: يأكل بأطراف أصابعه، ولا يسرف ولا يكتسي منه، ولا يلبس الكتان ولا الحُلل، ولكن ما سدّ الجوعةَ ووَارَى العورة. وقال الحسن وجماعة: يأكل من ثمر نخيله ولبن مواشيه بالمعروف ولا قضاء عليه، فأما الذهب والفضة فلا؛ فإن أخذ شيئاً منه رده. وقال الكلبي: المعروف ركوب الدابة وخدمة الخادم، وليس له أن يأكل من ماله شيئاً.

أخبرنا أبو الحسن السرخسي أخبرنا زاهر بن أحمد أنا أبو إسحق الهاشمي، أنا أبو مصعب عن مالك عن يحيى بن سعيد أنه قال سمعت القاسم بن محمد يقول: جاء رجل إلى ابن عباس رضي الله عنهما قال: إنّ لي يتيماً وإن له إبلاً أفأشرب من لبن إبله؟ فقال: إن كنت تبغي ضالة إبله وتَهْنَأُ جَرْبَاها وتليطُ حوضَها وتسقيها يوم وردها فاشرب غير مُضرٍ بنسلٍ ولا ناهكٍ في الحَلْب.

وقال بعضهم: المعروف أن يأخذ من جميع ماله بقدر قيامه وأجرة عمله، ولا قضاء عليه، وهو قول عائشة وجماعة من أهل العلم.

قوله تعالى: {فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَٰلَهُمْ فَأَشْهِدُواْ عَلَيْهِمْ}، هذا أمر إرشاد، ليس بواجب، أمَرَ الولي بالإِشهاد على دفع المال إلى اليتيم بعدما بلغ لتزول عنه التهمة وتنقطع الخصومة، {وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ حَسِيباً} محاسباً ومجازياً وشاهداً.

لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ ٱلْوَٰلِدَانِ وَٱلْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَآءِ نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ ٱلْوَٰلِدَانِ وَٱلْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَّفْرُوضًا ۝٧ وَإِذَا حَضَرَ ٱلْقِسْمَةَ أُو۟لُوا۟ ٱلْقُرْبَىٰ وَٱلْيَتَٰمَىٰ وَٱلْمَسَٰكِينُ فَٱرْزُقُوهُم مِّنْهُ وَقُولُوا۟ لَهُمْ قَوْلًا مَّعْرُوفًا ۝٨

قوله تعالى: {لِّلرِّجَالِ نَصيِبٌ مِّمَّا تَرَكَ ٱلْوَالِدَانِ وَٱلأَقْرَبُونَ} الآية، نزلت في أوس بن ثابت الأنصاري، توفي وترك امرأةً يقال لها أم كُجّة وثلاث بنات له منها، فقام رجلان هما ابنا عم الميت ووَصِيّاه سويدٌ وعَرْفَجة، فأخذا ماله ولم يعطيا امرأته ولا بناته شيئاً، وكانوا في الجاهلية لا يُورِّثون النساء ولا الصغار، وإن كان الصغير ذكراً وإنّما كانوا يورِّثون الرجال، ويقولون: لا نعطي إلا من قاتل وحاز الغنيمة، فجاءت أم كُجّة فقالت: يا رسول الله إن أوس بن ثابت مات وترك عليّ بنات وأنا امرأته، وليس عندي ما أنفق عليهن، وقد ترك أبوهن مالاً حسناً، وهو عند سويد وعرفجة، ولم يعطياني ولا بناتي شيئاً وهنّ في حِجْرِي، لا يطعمنَ ولا يسقين، فدعاهما رسول الله صلّى الله عليه وسلم، فقالا: يا رسول الله ولدها لا يركب فرساً ولا يحمل كلاً ولا يَنْكَأُ عدواً، فأنزل الله عزّ وجلّ، {لِّلرِّجَالِ} يعني: للذكور من أولاد الميت وأقربائه {نَصيِبٌ} حظٌ {مِّمَّا تَرَكَ ٱلْوَالِدَانِ وَٱلأَقْرَبُونَ} من الميراث، {وَلِلنِّسَآءِ}، للإِناث منهم، {نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ ٱلْوَٰلِدَٰنِ وَٱلأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ}، أي: من المال، {أَوْ كَثُرَ} منه {نَصِيباً مَّفْرُوضاً}، نصب على القطع، وقيل: جعل ذلك نصيباً فأثبت لهنّ الميراث، ولم يبين كم هو، فأرسل رسول الله صلّى الله عليه وسلم إلى سُويد وعُرفجة لا تفرقا من مال أوس بن ثابت شيئاً، فإن الله تعالى جعل لبناته نصيباً مما ترك، ولم يبين كم هو حتى أنظر ما ينزل فيهن، فأنزل الله تعالى {يُوصِيكُمُ ٱللَّهُ فِيۤ أَوْلاَدِكُمْ} فلما نزلت أرسل رسول الله صلّى الله عليه وسلم إلى سويد و«عرفجة أنِ ادفع إلى أُمّ كُجّة الثُّمن مما ترك وإلى بناته الثلثين، ولكما باقي المال».

قوله تعالى: {وَإِذَا حَضَرَ ٱلْقِسْمَةَ}، يعني: قِسمةَ المواريث، {أُوْلُواْ ٱلْقُرْبَىٰ}، الذين لا يرِثُون، {وَٱلْيَتَـٰمَىٰ وَٱلْمَسَـٰكِينُ فَٱرْزُقُوهُمْ مِّنْهُ}، أي: فارضخوا لهم من المال قبل القسمة، {وَقُولُواْ لَهُمْ قَوْلاً مَّعْرُوفاً}. اختلف العلماء في حكم هذه الآية، فقال قوم: هي منسوخة، وقال سعيد بن المسيب والضحاك: كانت هذه قبل آية الميراث، فلما نزلت آية الميراث جعلت المواريث لأهلها، ونسخت هذه الآية. وقال آخرون: هي محكمة، وهو قول ابن عباس والشعبي والنخعي والزهري، وقال مجاهد: هي واجبة على أهل الميراث ما طابت به أنفسهم. وقال الحسن: كانوا يعطون التابوت والأواني ورثَّ الثياب والمتاع والشيء الذي يستحيا من قسمته. وإن كان بعض الورثة طفلاً فقد اختلفوا فيه، فقال ابن عباس رضي الله عنهما وغيره: إن كانت الورثة كباراً رضخوا لهم، وإن كانت صغاراً اعتذروا إليهم، فيقول الولي والوصي: إني لا أملك هذا المال إنما هو للصغار، ولو كان لي منه شيء لأعطيتُكم، وإن يكبروا فسيعرفون حقوقك، هذا هو القول بالمعروف. وقال بعضهم: ذلك حق واجب في أموال الصغار والكبار، فإن كانوا كباراً تولوا إعطاءَهم، وإن كانوا صغاراً أعطَى وليهم. روى محمد بن سيرين أن عبيدة السلماني قسم أموال أيتام فأمر بشاة فذبحت فصنع طعاماً لأهل هذه الآية، وقال: لولا هذه الآية لكان هذا من مالي. وقال قتادة عن يحيى بن يعمر: ثلاث آيات محكمات مدنيات تركهن الناس، هذه الآية وآية الاستئذان:

{ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لِيَسْتَأْذِنكُمُ ٱلَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَـٰنُكُمْ } [النور: 58] الآية، وقوله تعالى: { يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَـٰكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنْثَى }[الحجرات: 13] الآية. وقال بعضهم - وهو أولى الأقاويل -: إن هذا على الندب والاستحباب، لا على الحتم والإِيجاب.

وَلْيَخْشَ ٱلَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا۟ مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَٰفًا خَافُوا۟ عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَلْيَقُولُوا۟ قَوْلًا سَدِيدًا ۝٩

قوله تعالى: {وَلْيَخْشَ ٱلَّذِينَ لَوْ تَرَكُواْ مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافاً}، أولاداً صغاراً، خافوا عليهم، الفقر، هذا في الرجل يحضره الموت، فيقول من بحضرته: انظر لنفسك فإن أولادك ورثتك لا يغنون عنك شيئاً، قدّم لنفسك، أعتقْ وتصدقْ وأعطِ فلاناً كذا وفلاناً كذا، حتى يأتي على عامة ماله، فنهاهم الله تعالى عن ذلك، وأمرهم أن يأمروه أن ينظر لولده ولا يزيد في وصيته على الثلث، ولا يُجحف بورثته كما لو كان هذا القائل هو الموصي يسره أن يحثه من بحضرته على حفظ ماله لولده، ولا يدعهم عالةً مع ضعفهم وعجزهم.

وقال الكلبي: هذا الخطاب لولاَة اليتامى يقول: من كان في حجره يتيم فليحسنْ إليه وليأتِ إليه في حقه ما يحب أن يفعل بذريته من بعده.

قوله تعالى: {فَلْيَتَّقُواّ ٱللَّهَ وَلْيَقُولُواْ قَوْلاً سَدِيداً}، أي: عدلاً، والسديد: العدل، والصواب من القول، وهو أن يأمره بأن يتصدق بما دون الثُّلث ويخلف الباقي لولده.

إِنَّ ٱلَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَٰلَ ٱلْيَتَٰمَىٰ ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِى بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا ۝١٠

قوله تعالى: {إِنَّ ٱلَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ ٱلْيَتَامَىٰ ظُلْماً}، قال مقاتل بن حيان: نزلت في رجل من غطفان، يقال له مَرْثَد بن زيد وَلِيَ مالَ ابن أخيه وهو يتيم صغير فأكله، فأنزل الله تعالى فيه {إِنَّ ٱلَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ ٱلْيَتَامَىٰ ظُلْماً}: حراماً بغير حق، {إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِى بُطُونِهِمْ نَاراً}، أخبر عن مآله، أي عاقبته تكون كذلك، {وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً}، قراءة العامة بفتح الياء، أي: يدخلونها، يقال: صَلي النار يصلاها صلاً، قال الله تعالى:

{ إِلاَّ مَنْ هُوَ صَالِ ٱلْجَحِيمِ }[الصافات: 163]، وقرأ ابن عامر وأبو بكر بضم الياء، أي: يدخلون النار ويحرقون، نظيره قوله تعالى: { فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَاراً } [النساء: 30] { سَأُصْلِيهِ سَقَرَ } [المدثر: 26] وفي الحديث

قال النبي صلّى الله عليه وسلم:

رأيتُ ليلة أُسري بي قوماً لهم مشافر كمشافر الإِبل، إحداهما قالصة على منخرية والأخرى على بطنه، وخزنة النار يلقمونهم جمر جهنم وصخرها، فقلت: يا جبريل من هؤلاء؟ قال: الذين يأكلون أموالَ اليتامَى ظلماً«.

يُوصِيكُمُ ٱللَّهُ فِىٓ أَوْلَٰدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ ٱلْأُنثَيَيْنِ فَإِن كُنَّ نِسَآءً فَوْقَ ٱثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِن كَانَتْ وَٰحِدَةً فَلَهَا ٱلنِّصْفُ وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَٰحِدٍ مِّنْهُمَا ٱلسُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِن كَانَ لَهُۥ وَلَدٌ فَإِن لَّمْ يَكُن لَّهُۥ وَلَدٌ وَوَرِثَهُۥٓ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ ٱلثُّلُثُ فَإِن كَانَ لَهُۥٓ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ ٱلسُّدُسُ مِنۢ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِى بِهَآ أَوْ دَيْنٍ ءَابَآؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا فَرِيضَةً مِّنَ ٱللَّهِ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا ۝١١

قوله تعالى: {يُوصِيكُمُ ٱللَّهُ فِيۤ أَوْلاَدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ ٱلأُنْثَيَيْنِ} الآية، اعلم أن الوراثة كانت في الجاهلية بالذكورة والقوة فكانوا يُورِّثون الرجال دون النساء والصبيان، فأبطل الله ذلك بقوله: {لِّلرِّجَالِ نَصيِبٌ مِّمَّا تَرَكَ ٱلْوَالِدَانِ وَٱلأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَآءِ نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ ٱلْوَالِدَانِ وَٱلأَقْرَبُونَ} الآية، وكانت أيضاً في الجاهلية وابتداء الإِسلام بالمحالفة، قال الله تعالى:

{ وَٱلَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَـٰنُكُمْ فَـآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ }[النساء: 33] ثم صارت الوراثة بالهجرة، قال الله تعالى { وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَلَمْ يُهَاجِرُواْ مَا لَكُم مِّن وَلـٰيَتِهِم مِّن شَىْءٍ حَتَّىٰ يُهَاجِرُواْ }[الأنفال: 72] فنسخ ذلك كله وصارت الوراثة بأحد الأمور الثلاثة بالنسب والنكاح أو الولاء، فالمعنيُّ بالنسب أن القرابة يرث بعضهم من بعض، لقوله تعالى { وَأُوْلُواْ ٱلأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَىٰ بِبَعْضٍ فِي كِتَـٰبِ ٱللَّهِ } [الأنفال: 75]، والمعنيُّ بالنكاح: أن أحد الزوجين يرث صاحبه، وبالولاء: أن المُعْتِقَ وعصباته يرثون المُعْتَقَ، فنذكر بعون الله تعالى فصلاً وجيزاً في بيان من يرث من الأقارب. وكيفية توريث الورثة فنقول: إذا مات ميّتٌ وله مال فيُبدأ بتجهيزه ثم بقضاءِ ديونه ثم بإنفاذ وصاياه فما فَضُلَ يُقسم بين الورثة. (ثم الورثة) على ثلاثة أقسام: منهم من يرث بالفرض ومنهم من يرث بالتعصيب، ومنهم من يرث بهما جميعاً، فمن يرث بالنكاح لا يرث إلا بالفرض، ومن يرث بالولاء لا يرث إلا بالتعصيب، أما من يرث بالقرابة فمنهم من يرث بالفرض كالبنات والأخوات والأمهات والجدات، وأولاد الأم، ومنهم من يرث بالتعصيب كالبنين والأخوة وبني الأخوة والأعمام وبنيهم، ومنهم من يرث بهما كالأب يرث بالتعصيب إذا لم يكن للميت ولد، فإن كان للميت ابن: يرث الأب بالفرض السدس، وإن كان للميت بنت فيرث الأب السدس بالفرض ويأخذ الباقي بعد نصيب البنت بالتعصيب، وكذلك الجد، وصاحب التعصيب من يأخذ جميع المال عند الانفراد ويأخذ ما فضل عن أصحاب الفرائض. وجملة الورثة سبعة عشر: عشرة من الرجال وسبع من النساء، فمن الرجال: الابن وابن الابن وإن سفل والأب والجد أبو الأب وإن علا، والأخ سواء كان لأب وأم أو لأب أو لأم، وابن الأخ للأب والأم أو للأب وإن سفل والعم للأب والأم أو للأب وأبناؤهما وإن سفلوا، والزوج ومولى العتاق، ومن النساء البنت وبنت الابن وإن سفلت، والأم والجدة أم الأم وأم الأب، والأخت سواء كانت لأب وأم أو لأب أو لأم، والزوجة ومولاة العتاق. وستة من هؤلاء لا يلحقهم حجب الحرمان بالغير: الأبوان والولدان، والزوجان، لأنه ليس بينهم وبين الميت واسطة. والأسباب التي توجب حرمان الميراث أربعة: اختلاف الدين والرق والقتل وعمي الموت. ونعني باختلاف الدين أن الكافر لا يرث المسلم والمسلم لا يرث الكافر، لما أخبرنا عبد الوهاب بن محمد الكسائي الخطيب أنا عبد العزيز بن أحمد الخلال أنا أبو العباس الأصم أخبرنا الربيع أخبرنا الشافعي أنا ابن عيينة عن الزهري عن علي بن حسين عن عمرو بن عثمان عن أسامة بن زيد رضي الله عنه أن رسول الله صلّى الله عليه وسلم قال:لا يرث المسلمُ الكافرَ ولا الكافرُ المسلمَ.»

فأما الكفار فيرث بعضهم من بعض مع اختلاف مللهم، لأن الكفر كله ملة واحدة، لقوله تعالى:

{ وَٱلَّذينَ كَفَرُواْ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ } [الأنفال: 73]. وذهب بعضهم إلى أن اختلاف الملل في الكفر يمنع التوارث حتى لا يرث اليهودي النصراني ولا النصراني المجوسي، وإليه ذهب الزهري والأوزاعي وأحمد وإسحاق

لقول النبي صلّى الله عليه وسلم:

لا يتوارث أهل ملتين شتّى، وتأوله الآخرون على الإِسلام مع الكفر فكله ملة واحدة فتوريث بعضهم من بعض لا يكون فيه إثبات التوارث بين أهل ملتين شتى. والرقيق لا يرث أحداً ولا يرثه أحد لأنه لا ملك له، ولا فرق فيه بين القِن والمدبَّر والمكاتَب وأمّ الولد. والقتل يمنع الميراث عمداً كان أو خطأ لِما رُوي عن أبي هريرة رضي الله عنه النبي صلّى الله عليه وسلم أنه قال: القاتل لا يرث.»

ونعني بعمي الموت أن المتوارِثَين إذا عمي موتهما بأن غرقا في ماء أو انهدم عليهما بناء فلم يدر أيّهما سبق موته فلا يوّرث أحدهما من الآخر، بل ميراث كل واحد منهما لمن كان حياته يقيناً بعد موته من ورثته. والسهام المحدودة في الفرائض ستة: النصف والربع والثُمن والثلثان والثلث والسدس. فالنصف فرض ثلاثة: فرض الزوج عند عدم الولد وفرض البنت الواحدة للصّلب أو بنت الابن عند عدم ولد الصلب، وفرض الأخت الواحدة للأب والأم أو للأب إذا لم يكن ولد لأب وأم. والربع فرض الزوج إذا كان للميتة ولد وفرض الزوجة إذا لم يكن للميت ولد. والثمن: فرض الزوجة إذا كان للميت ولد. والثلثان فرض البنتين للصلب فصاعداً ولبنتي الابن فصاعداً عند عدم ولد الصلب، وفرض الأختين لأب وأم أو للأب فصاعداً. والثلث فرض ثلاثة: فرض الأم إذا لم يكن للميت ولد ولا اثنان من الأخوات والأخوة، إلا في مسألتين: إحداهما زوج وأبوان، والثانية زوجة وأبوان، فإن للأم فيهما ثلث ما بقي بعد نصيب الزوج أو الزوجة، وفرض الاثنين فصاعداً من أولاد الأم، ذكَرُهُم وأنثاهم فيه سواء، وفرض الجد مع الإِخوة إذ لم يكن في المسْألة صاحب فرض، وكان الثلث خيراً للجد من المقاسمة مع الإِخوة. وأمّا السدس ففرض سبعة: فرض الأب إذا كان للميت ولد، وفرض الأم إذا كان للميت ولد أو اثنان من الإِخوة والأخوات، وفرض الجد إذا كان للميت ولد ومع الإِخوة والأخوات إذا كان في المسألة صاحب فرض، وكان السدس خيراً للجد من المقاسمة مع الإِخوة، وفرض الجدة والجدات وفرض الواحد من أولاد الأم ذكراً أو أنثى، وفرض بنات الابن إذا كان للميت بنت واحدة للصلب تكملة الثلثين، وفرض الأخوات للأب إذا كان للميت أخت واحدة لأب وأم تكملة الثلثين.

أخبرنا عبد الواحد المليحي أنا أحمد بن عبد الله النعيمي أنا محمد بن يوسف أنا محمد بن إسماعيل أخبرنا مسلم بن إبراهيم أنا وهيب أنا ابن طاووس عن أبيه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم

ألحقوا الفرائض بأهلها فما بقي فهو لأوْلَى رجلٍ ذكر.»

وفي الحديث دليل على أن بعض الورثة يحجب البعض، والحجب نوعان حجب نقصان وحجب حرمان: فأما حجب النقصان فهو أن الولد وولد الابن يحجب الزوج من النصف إلى الربع والزوجة من الربع إلى الثمن، والأم من الثلث إلى السدس، وكذلك الاثنان فصاعداً من الإِخوة يحجبون الأم من الثلث إلى السدس. وحجب الحرمان هو أن الأم تُسقط الجدات، وأولاد الأم - وهم الأخوة والأخوات للأم - يسقطون بأربعة: بالأب والجد وإن علا، وبالولد وولد الابن وإن سفل، وأولاد الأب والأم يسقطون بثلاثة بالأب والابن وابن الابن وإن سفلوا، ولا يسقطون بالجد على مذهب زيد بن ثابت، وهو قول عمر وعثمان وعلي وابن مسعود رضي الله عنهم، وبه قال مالك والشافعي والأوزاعي وأحمد رحمهم الله. وأولاد الأب يسقطون بهؤلاء الثلاثة وبالأخ للأب والأم، وذهب قوم إلى أن الأخوة جميعاً يسقطون بالجد كما يسقطون بالأب، وهو قول أبي بكر الصديق وابن عباس ومعاذ وأبي الدرداء وعائشة رضي الله عنهم، وبه قال الحسن وعطاء وطاووس وأبو حنيفة رحمهم الله. وأقرب العصبات يُسقط الأبعد من العصوبة، وأقربهم الابن ثم ابن الابن وإن سفل، ثم الأب ثم الجد أبو الأب وإن علا، فإن كان مع الجد أحد من الإِخوة أو الأخوات للأب والأم أو للأب يشتركان في الميراث، فإن لم يكن جد فالأخ للأب والأم ثم الأخ للأب ثم بنو الإِخوة يقدم أقربهم سواء كان لأب وأم أو لأب، فإن استويا في الدرجة فالذي هو لأب وأم أولى ثم العم للأب والأم ثم العم للأب ثم بنوهم على ترتيب بني الإِخوة، ثم عم الأب ثم عم الجد على هذا الترتيب. فإن لم يكن أحد من عصبات النسب وعلى الميت ولاء فالميراث للمعتق، فإن لم يكن حياً فلعصبات المعتق. وأربعة من الذكور يعصبون الإِناث، الابن وابن الابن والأخ للأب والأم والأخ للأب حتى لو مات عن ابن وبنت أو عن أخ وأخت لأب وأم أو لأب فإنه يكون المال بينهما للذكر مثل حظ الأُنثيين، ولا يفرض للبنت والأخت. وكذلك ابن الابن يعصب من في درجته من الإِناث، ومن فوقه إذا لم يأخذ من الثلثين شيئاً حتى لو مات عن بنتين وبنت ابن فللبنتين الثلثان ولا شيء لبنت الابن، فإن كان في درجتها ابن ابن أو أسفل منها ابن ابن ابن كان الباقي بينهما للذكر مثل حظ الأنثيين. والأخت للأب والأم وللأب تكون عصبة مع البنت حتى لو مات عن بنت وأخت كان النصف للبنت والباقي للأخت، لو مات عن بنتين وأخت فللبنتين الثلثان والباقي للأخت. والدليل عليه ما أخبرنا عبد الواحد المليحي أنا أحمد بن عبد الله النعيمي أنا محمد بن يوسف أنا محمد بن إسماعيل أنا آدم أنا شعبة أنا أبو قيس قال: سمعت هذيل بن شرحبيل قال: سئل أبو موسى عن ابنة وبنت ابن وأخت فقال: للبنت النصف وللأخت النصف، وائتِ ابنَ مسعود فسيتابعني فسُئل ابن مسعود وأُخبر بقول أبي موسى فقال: لقد ضللت إذاً وما أنا من المهتدين أقضي فيها بما قضى به رسول الله صلّى الله عليه وسلم: للبنت النصف ولابنة الابن السدس تكملة الثلثين وما بقي فللأخت، فأتينا أبا موسى فأخبرناه بقول ابن مسعود رضي الله عنه، فقال: لا تسألوني ما دام هذا الحَبر فيكم.

رجعنا إلى تفسير الآية: واختلفوا في سبب نزولها.

أخبرنا عبد الواحد المليحي أنا أحمد بن عبد الله النعيمي أنا محمد بن يوسف أنا محمد بن إسمعيل أخبرنا أبو الوليد أنا شعبة عن محمد بن المنكدر:

سمعتُ جابراً يقول جاء رسول الله صلّى الله عليه وسلم يعودني وأنا مريض لا أعقل فتوضأ وصبَّ علي من وَضوئه فعقلت، فقلت: يا رسول الله لِمَنِ الميراث إنّما يرثني كلالة؟ فنزلت آية الفرائض.

وقال مقاتل والكلبي: نزلت في أم كُجّة امرأة أوس بن ثابت وبناته.

وقال عطاء:

"استشهد سعد بن الربيع النقيب يوم أُحد وترك امرأة وبنتين وأخاً، فأخذ الأخ المال فأتت امرأة سعد إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلم بابنتي سعد [فقالت: يا رسول الله إن هاتين ابنتا سعد وإنّ سعد] قُتل يوم أُحد شهيداً، وإن عمهما أخذ مالهما ولا تنكحان إلا ولهما مال، فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: «ارجعي فلعلّ الله سيقضي في ذلك»، فنزل {يُوصِيكُمُ ٱللَّهُ} إلى آخرها، فدعا رسول الله صلّى الله عليه وسلم عمَّهما فقال له: «أعطِ ابنتي سعد الثلثين وأمهما الثمن وما بقي فهو لك»"، فهذا أول ميراث قُسم في الإِسلام.

قوله عزّ وجلّ: {يُوصِيكُمُ اللَّهُ في أَوْلَـٰدِكُمْ} أي: يعهد إليكم ويفرض عليكم في أولادكم، أي: في أمر أولادكم إذا متم، للذكر مثل حظ الأنثيين. {فَإِن كُنَّ}، يعني: المتروكات من الأولاد، {نِسَآءً فَوْقَ ٱثْنَتَيْنِ}، أي: ابنتين فصاعداً {فَوْقَ} صلة، كقوله تعالى:

{ فَٱضْرِبُواْ فَوْقَ ٱلأَعْنَـٰقِ }[الأنفال: 12]، {فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِن كَانَتْ}، يعني: البنت، {وَٰحِدَةٍ}، قراءة العامة بالنصب على خبر كان، ورفعَها أهل المدينة على معنى: إن وقعت واحدة، {فَلَهَا ٱلنِّصْفُ وَلأَبَوَيْهِ}، يعني لأبوي الميت، كناية عن غير مذكور، {لِكُلِّ وَٰحِدٍ مِّنْهُمَا ٱلسُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِن كَانَ لَهُ وَلَدٌ}، أراد أن الأب والأم يكون لكل واحد منهما سدس الميراث عند وجود الولد أو ولد الابن، والأب يكون صاحب فرض {فَإِن لَّمْ يَكُنْ لَّهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلأُمِّهِ ٱلثُّلُثُ}، قرأ حمزة والكسائي {فلأمه} بكسر الهمزة استثقالاً للضمة بعد الكسرة، وقرأ الآخرون بالضم على الأصل {فَإِن كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ} اثنان أو أكثر ذكوراً أو إناثاً {فَلأُمِّهِ ٱلسُّدُسُ}، والباقي يكون للأب إن كان معها أب، والإِخوة لا ميراثَ لهم مع الأب، ولكنهم يحجبون الأم من الثلث إلى السدس. وقال ابن عباس رضي الله عنهما: لا يحجب الإِخوة الأم من الثلث إلى السدس إلا أن يكونوا ثلاثةً، وقد تفرد به، وقال: لأن الله تعالى قال: {فَإِن كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلأُمِّهِ ٱلسُّدُسُ}، ولا يقال للاثنين إخوة، فنقول اسم الجمع قد يقع على التثنية لأن الجمع ضم شيء إلى شيء وهو موجود في الاثنين كما قال الله تعالى: { فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا }[التحريم: 4] ذكر القلب بلفظ الجمع، وأضافه إلى الاثنين. قوله تعالى: {مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِى بِهَآ أَوْ دَيْنٍ}، قرأ ابن كثير وابن عامر وأبو بكر {يُوصِى} بفتح الصاد على ما لم يُسَمَّ فاعله، وكذلك الثانية، ووافق حفص في الثانية، وقرأ الآخرون بكسر الصاد لأنه جرى ذِكْرُ الميت من قبل، بدليل قوله تعالى: {مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَآ}، و{تُوصُونَ}.

قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: «إنكم تقرؤون الوصية قبل الدَّين، وبدأ رسول الله صلّى الله عليه وسلم بالدَّين قبل الوصية».

وهذا إجماعٌ أن الدين مُقدّم على الوصية. ومعنى الآية الجمع لا الترتيب، وبيان أن الميراث مؤخر عن الدين والوصية جميعاً، معناه: من بعد وصية إن كانت، أو دين إن كان، فالإِرث مؤخر عن كل واحد منهما. {ءَابَآؤُكُمْ وَأَبناؤُكُمْ}، يعني: الذين يرثونكم آباؤكم وأبناؤكم، {لاَ تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعاً}، أي: لا تعلمون أيهم أنفع لكم في الدين والدنيا فمنكم من يظن أن الأب أنفع له، فيكون الابن أنفع له، ومنكم من يظن أن الابن أنفع له فيكون الأب أنفع له، وأنا العالم بمن هو أنفع لكم، وقد دبَّرت أمركم على ما فيه المصلحة فاتبعوه، وقال عبد الله بن عباس رضي الله عنهما: أطوعكم لله عزّ وجلّ من الآباء والأبناء أرفعكم درجة يوم القيامة، والله تعالى يُشفّع المؤمنين بعضهم في بعض، فإن كان الوالد أرفع درجة في الجنة رفع إليه ولده وإن كان الولد أرفع درجة رفع إليه والده لتقرّ بذلك أعينهم، {فَرِيضَةً مِّنَ ٱللَّهِ}، أي: ما قدرمن المواريث، {إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيماً}، بأمور العباد، {حَكِيماً}، بنصب الأحكام.

الأربعاء، 28 أكتوبر 2026 17 جمادى الأولى 1448 هـ