انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة النساء

تفسير القرطبيالآيات 79–87

تفسير سورة النساء آية آية، من تفسير القرطبي.

مَّآ أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ ٱللَّهِ وَمَآ أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ وَأَرْسَلْنَٰكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيدًا ۝٧٩

قوله تعالى: {مَّآ أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ ٱللَّهِ وَمَآ أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ} أي ما أصابك يا محمد من خِصب ورخاءٍ وصحةٍ وسلامةٍ فبفضل الله عليك وإحسانه إليك، وما أصابك من جَدْب وشدّة فبذنب أتيته عوقبت عليه. والخطاب للنبيّ صلى الله عليه وسلم والمراد أُمّته. أي ما أصابكم يا معشر الناس من خصب وٱتساع رزق فمن تفضل الله عليكم، وما أصابكم من جدب وضيق رزق فمن أنفسكم؛ أي من أجل ذنوبكم وقع ذلك بكم. قاله الحسن والسَّدِّي وغيرهما؛ كما قال تعالى:

{ { يٰأيُّهَا ٱلنَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ ٱلنِّسَآءَ } } [الطلاق: 1]. وقد قيل: الخطاب للإنسان والمراد به الجنس؛ كما قال تعالى: { وَٱلْعَصْرِ إِنَّ ٱلإِنسَانَ لَفِى خُسْرٍ } } [العصر: 1] أي إن الناس لفي خسر، ألا تراه استثنى منهم فقال «إلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا» ولا يستثنى إلا من جملة أو جماعة. وعلى هذا التأويل يكون قوله {مَآ أَصَابَكَ} استئنافاً. وقيل: في الكلام حذف تقديره يقولون؛ وعليه يكون الكلام متصلاً؛ والمعنى فمال هؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثاً حتى يقولوا ما أصابك من حسنة فمن الله. وقيل: إن ألف الاستفهام مضمرة؛ والمعنى أفمن نفسك؟ ومثله قوله تعالى: { { وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ } } [الشعراء: 22] والمعنى أو تلك نعمة؟ وكذا قوله تعالى: { { فَلَمَّآ رَأَى ٱلْقَمَرَ بَازِغاً قَالَ هَـٰذَا رَبِّي } } [الأنعام: 77] أي أهذا ربي؟ قال أبو خِراشٍ الهُذلِيّ:

رَمَوْني وقالوا يا خُوَيلد لم تُرَعفقلت وأنكرتُ الوجوهَ هُمُ هُمُ

أراد «أهم» فأضمر ألف الاستفهام وهو كثير وسيأتي. قال الأخفش «ما» بمعنى الذي. وقيل: هو شرط. قال النحاس: والصواب قول الأخفش؛ لأنه نزل في شيء بعينه من الجدب، وليس هذا من المعاصي في شيء ولو كان منها لكان وما أصبت من سيئة. وروى عبد الوهاب بن مجاهد عن أبيه عن ابن عباس وأُبَيّ وابن مسعود {مَّآ أَصَـٰبَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ ٱللَّهِ وَمَآ أَصَـٰبَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ وَأَنَا كتبتها عَلَيْكَ} فهذه قراءة على التفسير، وقد أثبتها بعض أهل الزيغ من القرآن، والحديثُ بذلك عن ابن مسعود وأُبيٍّ منقطع؛ لأن مجاهداً لم ير عبد الله ولا أُبَيّاً. وعلى قول من قال: الحسنة الفتح والغنيمة يوم بدر، والسيئة ما أصابهم يوم أُحد؛ أنهم عوقبوا عند خلاف الرُّماة الذين أمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يحموا ظهرهُ ولا يبرحوا من مكانهم، فرأوا الهزيمة على قريش والمسلمون يغنمون أموالهم فتركوا مصافهم، فنظر خالد بن الوليد وكان مع الكفار يومئذ ظَهْر رسول الله صلى الله عليه وسلم قد انكشف من الرُّماة فأخذ سَريّة من الخيل ودار حتى صار خلف المسلمين وحمل عليهم، ولم يكن خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم من الرّماة إلا صاحبُ الراية، حفظ وصيّة رسول الله صلى الله عليه وسلم فوقف حتى استُشهد مكانه؛ على ما تقدّم في «آل عمران» بيانه. فأنزل الله تعالى نظيرَ هذه الآية وهو قوله تعالى: {أَوَ لَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُّصِيبَةٌ} يعني يوم أُحُد {قَدْ أَصَبْتُمْ مِّثْلَيْهَا} يعني يوم بدر { { قُلْتُمْ أَنَّىٰ هَـٰذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنْفُسِكُمْ } } [آل عمران: 165]. ولا يجوز أن تكون الحسنة هٰهنا الطاعة والسيئة المعصية كما قالت القدرية؛ إذ لو كان كذلك لكان ما أصبت كما قدّمنا، إذ هو بمعنى الفعل عندهم والكسب عندنا، وإنما تكون الحسنة الطاعة والسيئة المعصية في نحو قوله: { { مَن جَآءَ بِٱلْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَن جَآءَ بِٱلسَّيِّئَةِ فَلاَ يُجْزَىۤ إِلاَّ مِثْلَهَا } } [الأنعام: 160] وأما في هذه الآية فهي كما تقدّم شَرْحُنا له من الخِصب والجَدْب والرخاء والشدّة على نحو ما جاء في آية «الأعراف» وهي قوله تعالى: { { وَلَقَدْ أَخَذْنَآ آلَ فِرْعَونَ بِٱلسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِّن ٱلثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ } } [الأعراف: 130]. {بِٱلسِّنِينَ} بالجدب سنةً بعد سَنَة؛ حبس المطر عنهم فنقصت ثمارهم وغلت أسعارهم. { { فَإِذَا جَآءَتْهُمُ ٱلْحَسَنَةُ قَالُواْ لَنَا هَـٰذِهِ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُواْ بِمُوسَىٰ وَمَن مَّعَهُ } } [الأعراف: 131] أي يتشاءمون بهم ويقولون هذا من أجل ٱتباعنا لك وطاعتنا إياك؛ فردّ الله عليهم بقوله: { { أَلاۤ إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِندَ ٱللَّهِ } } [الأعراف: 131] يعني أن طائر البركة وطائر الشؤم من الخير والشر والنفع والضرّ من الله تعالى لا صُنع فيه لمخلوق؛ فكذلك قوله تعالى فيما أخبر عنهم أنهم يضيفونه للنبيّ صلى الله عليه وسلم حيث قال: {وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُواْ هَـٰذِهِ مِنْ عِندِكَ قُلْ كُلٌّ مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ} كما قال: { { أَلاۤ إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِندَ ٱللَّه } } [الأعراف: 131] وكما قال تعالى: { { وَمَآ أَصَابَكُمْ يَوْمَ ٱلْتَقَى ٱلْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ ٱللَّهِ } } [آل عمران: 166] أي بقضاء الله وقَدَره وعلمه، وآياتُ الكتاب يشهد بعضها لبعض. قال علماؤنا: ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يشك في أن كل شيء بقضاء الله وقدره وإرادته ومشيئته؛ كما قال تعالى: { { وَنَبْلُوكُم بِٱلشَّرِّ وَٱلْخَيْرِ فِتْنَةً } } [الأنبياء: 35] وقال تعالى: { { وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوۤءًا فَلاَ مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِّن دُونِهِ مِن وَالٍ } } [الرعد: 11].

مسألة ـ وقد تجاذب بعض جهال أهلِ السنة هذه الآية واحتجّ بها؛ كما تجاذبها القَدرية واحتجوا بها، ووجه ٱحتجاجهم بها أن القَدرية يقولون: إن الحسنة هٰهنا الطاعة، والسيئة المعصية؛ قالوا: وقد نسب المعصية في قوله تعالى: {وَمَآ أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ} إلى الإنسان دون الله تعالى؛ فهذا وجه تعلقهم بها. ووجه تعلّق الآخرين منها قوله تعالى: {قُلْ كُلٌّ مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ} قالوا: فقد أضاف الحسنة والسيئة إلى نفسه دون خلقه. وهذه الآية إنما يتعلق بها الجهال من الفريقين جميعاً؛ لأنهم بنوا ذلك على أن السيئة هي المعصية، وليست كذلك لما بيناه. والله أعلم. والقدرية إن قالوا {مَّآ أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ} أي من طاعة {فَمِنَ ٱللَّهِ} فليس هذا اعتقادَهم؛ لأن اعتقادهم الذي بنوا عليه مذهبهم أن الحسنة فعل المحسن والسيئة فعل المسيء. وأيضاً فلو كان لهم فيها حجة لكان يقول: ما أصبت من حسنة وما أصبت من سيئة؛ لأنه الفاعل للحسنة والسيئة جميعاً، فلا يضاف إليه إلا بفعله لهما لا بفعل غيره. نصّ على هذه المقالة الإمام أبو الحسن شبيبُ بن إبراهيم بن محمد بن حيدرة في كتابه المسمى بحز الغَلاصم في إفحام المخاصم.

قوله تعالى: {وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولاً} مصدر مؤكّد، ويجوز أن يكون المعنى ذا رسالة {وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيداً} نصب على البيان والباء زائدة، أي كفى الله شهيداً على صدق رسالة نبيه وأنه صادق.

مَّن يُطِعِ ٱلرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ ٱللَّهَ وَمَن تَوَلَّىٰ فَمَآ أَرْسَلْنَٰكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا ۝٨٠

قوله تعالى: {مَّنْ يُطِعِ ٱلرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ ٱللَّهَ} أعلم الله تعالى أن طاعة رسوله صلى الله عليه وسلم طاعةٌ له. وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه قال:

من أطاعني فقد أطاع الله ومن يَعْصِني فقد عصى الله ومن يُطع الأمير فقد أطاعني ومن يَعْصِ الأمير فقد عصانيفي رواية.ومن أطاع أميري، ومن عصى أميري ».

قوله تعالى: {وَمَن تَوَلَّىٰ} أي أعرض. {فَمَآ أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً} أي حافظاً ورقيباً لأعمالهم، إنما عليك البلاغ. وقال القُتَبيّ: محاسباً؛ فنسخ الله هذا بآية السيف وأمره بقتال من خالف الله ورسوله.

وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ فَإِذَا بَرَزُوا۟ مِنْ عِندِكَ بَيَّتَ طَآئِفَةٌ مِّنْهُمْ غَيْرَ ٱلَّذِى تَقُولُ وَٱللَّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ وَكِيلًا ۝٨١ أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ ٱلْقُرْءَانَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ ٱللَّهِ لَوَجَدُوا۟ فِيهِ ٱخْتِلَٰفًا كَثِيرًا ۝٨٢

قوله تعالى: {وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ فَإِذَا بَرَزُواْ مِنْ عِندِكَ بَيَّتَ طَآئِفَةٌ مِّنْهُمْ غَيْرَ ٱلَّذِي تَقُولُ وَٱللَّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ} أي أمْرُنا طاعةٌ، ويجوز «طاعةً» بالنصب، أي نطيع طاعة، وهي قراءة نصر بن عاصم والحسن والجَحْدرِي. وهذا في المنافقين في قول أكثر المفسرين؛ أي يقولون إذا كانوا عندك: أمْرُنا طاعَةٌ، أو نطيع طاعةً، وقولهم هذا ليس بنافع؛ لأن من لم يعتقد الطاعة ليس بمطيع حقيقة، لأن الله تعالى لم يحقق طاعتهم بما أظهروه، فلو كانت الطاعة بلا اعتقاد حقيقة لحكم بها لهم؛ فثبت أن الطاعة بالاعتقاد مع وجودها. {فَإِذَا بَرَزُواْ} أي خرجوا {مِنْ عِندِكَ بَيَّتَ طَآئِفَةٌ مِّنْهُمْ} فذكّر الطائفة لأنها في معنى رجال. وأدغم الكوفيون التاء في الطاء؛ لأنهما من مخرج واحد، واستقبح ذلك الكسائي في الفعل وهو عند البصريين غير قبيح. ومعنى {بَيَّتَ} زَوّر ومَوّه. وقيل: غيّر وبدّل وحَرّف؛ أي بدّلوا قول النبيّ صلى الله عليه وسلم فيما عَهِده إليهم وأمرهم به. والتّبييت التبديل؛ ومنه قول الشاعر:

أتَوْنِي فلم أرْضَ ما بَيَّتُواوكانوا أتَوْنِي بأمرٍ نُكُرْ لأُنكِحَ أَيِّمهم مُنْذراًوهل يُنكح العبدَ حُرٌّ لحُرْ

آخر:

بيَّتَ قولِيَ عبدُ المليـــك قاتله اللَّه عبداً كفوراً

وبيّت الرجل الأمر إذا دبّره ليلاً؛ قال الله تعالى: { { إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لاَ يَرْضَىٰ مِنَ ٱلْقَوْلِ } } [النساء: 108]. والعرب تقول: أمرٌ بُيِّت بليلٍ إذا أحكِم. وإنما خُصّ الليل بذلك لأنه وقت يُتفرّغ فيه. قال الشاعر:

أجمعوا أمرهم بليلٍ فلماأصبحوا أصبحت لهم ضَوضَاء

ومن هذا بيّت الصيام. والبَيُّوت: الماء يبِيت ليلاً. والبَيُّوت: الأمر يُبَيِّت عليه صاحبُه مُهْتَمّاً به؛ قال الهذلي:

وأجعلُ فِقْرتها عُدّةًإذا خِفْتُ بَيُّوتَ أمْرٍ عُضالِ

والتَّبْيِيتُ والبَيات أن يأتي العدوَّ ليلاً. وبات يفعل كذا إذا فعله ليلاً؛ كما يقال: ظل بالنهار. وبيَّت الشيء قَدّر. فإن قيل: فما وجه الحكمة في ابتدائه بذكر جملتهم ثم قال: {بَيَّتَ طَآئِفَةٌ مِّنْهُمْ}؟ قيل: إنما عبر عن حال من علم أنه بقي على كفره ونفاقه، وصفح عمن علم أنه سيرجع عن ذلك. وقيل: إنما عبّر عن حال من شَهِد وحار في أمره، وأما من سمع وسكت فلم يذكره. والله أعلم. {وَٱللَّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ} أي يثبته في صحائف أعمالهم ليجازيهم عليه. وقال الزجاج: المعنى ينزله عليك في الكتاب. وفي هذه الآية دليل على أن مجرّد القول لا يفيد شيئاً كما ذكرنا؛ فإنهم قالوا: طاعة، ولَفَظُوا بها ولم يحقق الله طاعتهم ولا حكم لهم بصحتها؛ لأنهم لم يعتقدوها. فثبت أنه لا يكون المطيع مطيعاً إلا باعتقادها مع وجودها.

قوله تعالى: {فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ وَكِيلاً. أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ ٱلْقُرْآنَ} قوله تعالى: {فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ} أي لا تخبر بأسمائهم؛ عن الضحاك، يعني المنافقين. وقيل: لا تعاقبهم. ثم أمره بالتوكل عليه والثقة به في النصر على عدوّه. ويقال: إن هذا منسوخ بقوله تعالى:

{ { يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ جَاهِدِ ٱلْكُفَّارَ وَٱلْمُنَافِقِينَ } } [التوبة: 73] ثم عاب المنافقين بالإعراض عن التدبّر في القرآن والتفكّر فيه وفي معانيه. تدبّرت الشيء فكّرت في عاقبته. وفي الحديث:لا تَدَابَرُواأي لا يولي بعضكم بعضاً دُبرُه. وأدبر القومُ مضى أمرهم إلى آخره. والتدبير أن يُدبِّر الإنسان أمره كأنه ينظر إلى ما تصير إليه عاقبته. ودلّت هذه الآية وقوله تعالى: { { أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ ٱلْقُرْآنَ أَمْ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقْفَالُهَآ } } [محمد: 24] على وجوب التدبر في القرآن ليعرف معناه. فكان في هذا ردّ على فساد قول من قال: لا يؤخذ من تفسيره إلا ما ثبت عن النبيّ صلى الله عليه وسلم، ومنع أن يُتأوّل على ما يسوغه لسان العرب. وفيه دليل على الأمر بالنظر والاستدلال وإبطال التقليد، وفيه دليل على إثبات القياس.

قوله تعالى: {وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ ٱللَّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ ٱخْتِلاَفاً كَثِيراً} أي تفاوتا وتناقضا؛ عن ابن عباس وقتادة وابن زيد. ولا يدخل في هذا اختلاف ألفاظ القراءات وألفاظِ الأمثال والدلالات ومقادير السُّوَر والآيات. وإنما أراد اختلاف التناقض والتفاوت. وقيل: المعنى لو كان ما تُخْبرون به من عند غير الله لاختلفَ. وقيل: إنه ليس من متكلم يتكلم كلاماً كثيراً إلا وجد في كلامه اختلاف كثير؛ إما في الوصف واللفظ، وإما في جَودة المعنى، وإما في التناقض، وإما في الكذب. فأنزل الله عز وجل القرآن وأمرهم بتدبُّره؛ لأنهم لا يجدون فيه اختلافاً في وَصْفٍ ولا رَدّاً له في معنًى، ولا تناقضاً ولا كذباً فيما يخبرون به من الغيوب وما يُسَرُّون.

وَإِذَا جَآءَهُمْ أَمْرٌ مِّنَ ٱلْأَمْنِ أَوِ ٱلْخَوْفِ أَذَاعُوا۟ بِهِۦ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى ٱلرَّسُولِ وَإِلَىٰٓ أُو۟لِى ٱلْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ ٱلَّذِينَ يَسْتَنۢبِطُونَهُۥ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُۥ لَٱتَّبَعْتُمُ ٱلشَّيْطَٰنَ إِلَّا قَلِيلًا ۝٨٣

قوله تعالىٰ: {وَإِذَا جَآءَهُمْ أَمْرٌ مِّنَ ٱلأَمْنِ} في «إذا» معنى الشرط ولا يجازي بها وإن زيدت عليها «ما» وهي قليلة الاستعمال. قال سيبويه. والجيِّد ما قال كعب بن زهير:

وإذا ما تشاء تَبعثُ منهامغربَ الشمسِ ناشِطاً مذعوراً

يعني أن الجيِّد لا يجزم بإذا ما كما لم يجزم في هذا البيت، وقد تقدّم في أوّل «البقرة». والمعنى أنهم إذا سمعوا شيئاً من الأُمور فيه أمْنٌ نحو ظفر المسلمين وقتل عدوّهم {أَوِ ٱلْخَوْفِ} وهو ضد هذا{أَذَاعُواْ بِهِ} أي أفشوه وأظهروه وتحدّثوا به قبل أن يقفوا على حقيقته. فقيل: كان هذا من ضَعفة المسلمين؛ عن الحسن؛ لأنهم كانوا يفشون أمر النبيّ صلى الله عليه وسلم ويظنّون أنهم لا شيء عليهم في ذلك. وقال الضحاك وابن زيد: هو في المنافقين فنُهُوا عن ذلك لما يلحقهم من الكذب في الإرجاف.

قوله تعالىٰ: {وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى ٱلرَّسُولِ وَإِلَىٰ أُوْلِي ٱلأَمْرِ مِنْهُمْ}أي لم يحدّثوا به ولم يفشوه حتى يكون النبيّ صلى الله عليه وسلم هو الذي يحدّث به ويُفشيه. أو أُولو الأمر وهم أهل العلم والفقه؛ عن الحسن وقتادة وغيرهما. السُّدِّي وابن زيد: الوُلاةُ. وقيل: أمراء السرايا. {لَعَلِمَهُ ٱلَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ} أي يستخرجونه، أي لعلموا ما ينبغي أن يفشى منه وما ينبغي أن يكتم. والاستنباط مأخوذ من استنبطت الماء إذا استخرجته. والنبط: الماء المستنبط أوّلَ ما يخرج من ماء البئر أوّل ما تُحفر. وسُمِّي النَّبَط نبطاً لأنهم يستخرجون ما في الأرض، والاستنباط في اللغة الاستخراج، وهو يدل على الاجتهاد إذا عدم النص والإجماع كما تقدّم.

قوله تعالىٰ: {وَلَوْلاَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ} رفع بالابتداء عند سيبويه، ولا يجوز أن يظهر الخبر عنده. والكوفيون يقولون: رفع بلولا. {لاَتَّبَعْتُمُ ٱلشَّيْطَانَ إِلاَّ قَلِيلاً} في هذه الآية ثلاثة أقوال؛ قال ابن عباس وغيره: المعنى أذاعوا به إلاَّ قليلاً منهم لم يُذع ولم يُفشِ. وقاله جماعة من النحويين: الكسائي والأخفش وأبو عبيد وأبو حاتم والطبري. وقيل: المعنى لعلمه الذين يستنبطونه منهم إلاَّ قليلاً منهم؛ عن الحسن وغيره، واختاره الزجاج قال: لأن هذا الاستنباط الأكثرُ يعرفه؛ لأنه استعلام خبر. واختار الأوّل الفراء قال: لأن علم السرايا إذا ظهر علمه المستنبط وغيره، والإذاعة تكون في بعض دون بعض. قال الكَلْبيّ عنه: فلذلك استحسنتُ الاستثناء من الإذاعة. قال النحاس: فهذان قولان على المجاز، يريد أن في الكلام تقديماً وتأخيراً. وقول ثالث بغير مجاز: يكون المعنى ولولا فضل الله عليكم ورحمته بأن بعث فيكم رسولاً أقام فيكم الحجة لكفرتم وأشركتم إلاَّ قليلاً منكم فإنه كان يُوَحّد. وفيه قولٌ رابع ـ قال الضحاك: المعنى لاتبعتم الشيطان إلاَّ قليلاً، أي إن أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم حدّثوا أنفسهم بأمر من الشيطان إلاَّ قليلاً، يعني الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى. وعلى هذا القول يكون قوله {إِلاَّ قَلِيلاً} مستثنى من قوله {لاَتَّبَعْتُمُ ٱلشَّيْطَانَ}. قال المهدويّ: وأنكر هذا القول أكثر العلماء، إذ لولا فضل الله ورحمته لاتبع الناسُ كلُّهم الشيطانَ.

فَقَٰتِلْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ وَحَرِّضِ ٱلْمُؤْمِنِينَ عَسَى ٱللَّهُ أَن يَكُفَّ بَأْسَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ وَٱللَّهُ أَشَدُّ بَأْسًا وَأَشَدُّ تَنكِيلًا ۝٨٤

قوله تعالىٰ: {فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ} هذه الفاء متعلقة بقوله {وَمَن يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ فَيُقْتَلْ أَو يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً}. {فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ} أي من أجل هذا فقاتل. وقيل: هي متعلقة بقوله: {وَمَا لَكُمْ لاَ تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ} {فَقَاتِلْ}. كأن هذا المعنى: لا تَدَع جهاد العدوّ والاستنصار عليهم للمستضَعفِين من المؤمنين ولو وحدك؛ لأنه وَعَده بالنصر. قال الزجاج: أمر الله تعالىٰ رسوله صلى الله عليه وسلم بالجهاد وإن قاتل وحده؛ لأنه قد ضمِن له النصرة. قال ابن عطية: هذا ظاهر اللفظ، إلاَّ أنه لم يجىء في خبر قطُّ أن القتال فُرض عليه دون الأُمة مدّة ما؛ فالمعنى والله أعلم أنه خطاب له في اللفظ، وهو مثال ما يُقال لكل واحدٍ في خاصة نفسه؛ أي أنت يا محمد وكل واحد من أُمّتك القول له؛ {فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ لاَ تُكَلَّفُ إِلاَّ نَفْسَكَ}. ولهذا ينبغي لكل مؤمن أن يجاهد ولو وحده؛ ومن ذلك قول النبيّ صلى الله عليه وسلم:

والله لأقاتلنهم حتى تنفرد سالِفتي. وقول أبي بكر وقت الردة:«ولو خالفتني يميني لجاهدتها بشمالي». وقيل: إن هذه الآية نزلت في موسم بدر الصغرى؛ فإن أبا سفيان لما انصرف من أُحُدٍ واعد رسولَ الله صلى الله عليه وسلم موسِمَ بدرٍ الصغرى؛ فلما جاء الميعاد خرج إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم في سبعين راكباً فلم يحضر أبو سفيان ولم يتّفق قتال. وهذا على معنى ما قاله مجاهد كما تقدّم في «آل عمران». ووجه النظم على هذا والاتصال بما قبل أنه وصف المنافقين بالتخليط وإيقاع الأراجيف، ثم أمر النبيّ صلى الله عليه وسلم بالإعراض عنهم وبالجِدّ في القتال في سبيل الله وإن لم يساعده أحد على ذلك.

قوله تعالىٰ: {لاَ تُكَلَّفُ إِلاَّ نَفْسَكَ} {تُكَلَّفُ} مرفوع لأنه مستقبل، ولم يجزم لأنه ليس علّة للأوّل. وزعم الأخفش أنه يجوز جزمه. {إِلاَّ نَفْسَكَ} خبر ما لم يسم فاعله؛ والمعنى لا تُلَزم فعل غيرك ولا تؤاخَذ به.

قوله تعالى: {وَحَرِّضِ ٱلْمُؤْمِنِينَ عَسَى ٱللَّهُ أَن يَكُفَّ بَأْسَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} فيه ثلاث مسائل:

الأُولىٰ ـ قوله تعالىٰ: {وَحَرِّضِ ٱلْمُؤْمِنِينَ} أي حضّهم على الجهاد والقتال. يُقال؛ حرّضت فلاناً على كذا إذا أمرته به. وحارض فلان على الأمر وأكَبّ وواظب بمعنًى واحد.

الثانية ـ قوله تعالىٰ: {عَسَى ٱللَّهُ أَن يَكُفَّ بَأْسَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} إطماع، والإطماع من الله عزّ وجلّ واجب. على أن الطمع قد جاء في كلام العرب على الوجوب؛ ومنه قوله تعالىٰ:

{ { وَٱلَّذِيۤ أَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ ٱلدِّينِ } } [الشعراء: 82]. وقال ابن مُقْبِل:

ظنِّي بهم كعسى وهم بِتَنُوفةٍيتنازعون جوائز الأمثال

قوله تعالىٰ: {وَٱللَّهُ أَشَدُّ بَأْساً} أي صولة وأعظم سلطاناً وأقدر بأساً على ما يريده. {وَأَشَدُّ تَنكِيلاً} أي عقوبة؛ عن الحسن وغيره. قال ابن دُرَيد: رماه الله بنُكْلَة، أي رماه بما ينكِّله. قال: ونكّلت بالرجل تنكيلاً من النَّكال. والمَنْكَل الشيء الذي يُنكِّل بالإنسان. قال:

وٱرم على أقفائهم بمنْكَل

الثالثة ـ إن قال قائل: نحن نرى الكفار في بأس وشدّة، وقلتم: إن عسىٰ بمعنى اليقين فأين ذلك الوعد؟ قيل له: قد وُجد هذا الوعد ولا يلزم وجوده على الاستمرار والدوام فمتى وُجد ولو لحظة مثلاً فقد صدق الوعد؛ فكفّ الله بأس المشركين ببدر الصغرى، وأخلفوا ما كانوا عاهدوه من الحرب والقتال { { وَكَفَى ٱللَّهُ ٱلْمُؤْمِنِينَ ٱلْقِتَالَ } } [الأحزاب: 25] وبالحُدَيْبِيَة أيضاً عما راموه من الغدر وانتهاز الفرصة، ففطِن بهم المسلمون فخرجوا فأخذوهم أسْرىٰ، وكان ذلك والسفراء يمشون بينهم في الصلح، وهو المراد بقوله تعالىٰ: { { وَهُوَ ٱلَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ } } [الفتح: 24] على ما يأتي. وقد ألقىٰ الله في قلوب الأحزاب الرُّعْب وانصرفوا من غير قتل ولا قتال؛ كما قال تعالىٰ: {وَكَفَى ٱللَّهُ ٱلْمُؤْمِنِينَ ٱلْقِتَالَ}. وخرج اليهود من ديارهم وأموالهم بغير قتال المؤمنين لهم، فهذا كله بأس قد كفه الله عن المؤمنين، مع أنه قد دخل من اليهود والنصارى العدد الكثير والجَمُّ الغفير تحت الجِزْية صاغرين وتركوا المحاربة داخِرين، فكف الله بأسهم عن المؤمنين والحمد لِله رب العالمين.

مَّن يَشْفَعْ شَفَٰعَةً حَسَنَةً يَكُن لَّهُۥ نَصِيبٌ مِّنْهَا وَمَن يَشْفَعْ شَفَٰعَةً سَيِّئَةً يَكُن لَّهُۥ كِفْلٌ مِّنْهَا وَكَانَ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ مُّقِيتًا ۝٨٥

فيه ثلاث مسائل:

الأُولىٰ ـ قوله تعالىٰ: {مَّن يَشْفَعْ} أصل الشفاعة والشّفْعة ونحوها من الشَّفْع وهو الزوج في العدد؛ ومنه الشَّفيع؛ لأنه يصير مع صاحب الحاجة شَفْعا. ومنه ناقة شفوع إذا جمعت بين مِحْلَبَيْن في حلبةٍ واحدة. وناقة شفيع إذا ٱجتمع لها حمل وولد يتبعها. والشفع ضم واحد إلى واحد. والشُّفْعة ضم مِلْكِ الشريك إلى ملكك؛ فالشفاعة إذاً ضَمُّ غيرك إلى جاهك ووسيلتك، فهي على التحقيق إظهارٌ لمنزلة الشفيع عند المشفِّع وإيصال المنفعة إلى المشفوع له.

الثانية ـ واختلف المتأوّلون في هذه الآية؛ فقال مجاهد والحسن وابن زيد وغيرهم هي في شفاعات الناس بينهم في حوائجهم؛ فمن يشفع لينفع فله نصيب، ومن يشفع ليضر فله كِفْل. وقيل: الشفاعة الحسنة هي في البر والطاعة، والسيئة في المعاصي. فمن شَفَع شفاعة حسنة ليصلح بين ٱثنين ٱستوجب الأجر، ومن سعى بالنميمة والغِيبة أثم، وهذا قريب من الأوّل. وقيل: يعني بالشفاعة الحسنة الدعاءَ للمسلمين، والسيئةِ الدعاءَ عليهم. وفي صحيح الخبر:

من دعا بظهر الغيب استجيب له وقال الملك آمين ولك بمثل. هذا هو النصيب، وكذلك في الشر؛ بل يرجع شؤم دعائه عليه. وكانت اليهود تدعو على المسلمين. وقيل: المعنى من يكن شَفْعاً لصاحبه في الجهاد يكن له نصيبه من الأجر، ومن يكن شفعاً لآخرَ في باطل يكن له نصيبه من الوِزر. وعن الحسن أيضاً: الحسنة ما يجوز في الدِّين، والسيئة ما لا يجوز فيه. وكأنّ هذا القول جامع. والكِفل الوِزر والإثم؛ عن الحسن وقَتادة. السدي وابن زيد هو النصيب. واشتقاقه من الكِساء الذي يحويه راكب البعير على سنامه لئلا يسقط. يُقال: اكتفلت البعير إذا أدرت على سنامه كِساء ورَكِبت عليه. ويُقال له: اكتفل لأنه لم يستعمل الظَّهْر كله بل استعمل نصيباً من الظهر. ويستعمل في النصيب من الخير والشر، وفي كتاب الله تعالىٰ { { يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ } } [النحل: 28]. والشافع يؤجر فيما يجوز وإن لم يُشَفّع؛ لأنه تعالىٰ قال {مَّن يَشْفَعْ} ولم يقل يُشَفَّع. وفي صحيح مسلم: ٱشْفَعُوا تُؤْجروا ولْيَقْضِ اللَّه على لسان نبيّه ما أحبّ ».

الثالثة ـ قوله تعالىٰ: {وَكَانَ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ مُّقِيتاً} «مقيتا» معناه مُقتدِراً؛ ومنه قول الزبير بن عبد المطلب:

وذي ضِغْنٍ كففْتُ النفسَ عنهوكنتُ على مَساءته مُقِيتَا

أي قديراً. فالمعنى إن الله تعالى يعطي كل إنسان قُوته؛ ومنه قوله عليه السَّلام:كفى بالمرء إثماً أن يُضَيّع من يَقيت. على من رواه هكذا، أي مَن هو تحت قدرته وفي قبضته من عيال وغيره؛ ذكره ابن عطية. يقول منه: قُتُّه أقوته قَوْتاً، وأَقَتُّه أقِيته أقاتة فأنا قائت ومُقيت. وحكى الكسائي: أقات يقيت. وأما قول الشاعر:

إنّي على الحساب مُقِيتُ

فقال فيه الطبري: إنه من غير هذا المعنى المتقدم، وإنه بمعنى الموقوف. وقال أبو عبيدة: المقيت الحافظ. وقال الكسائي: المقيت المقتدر. وقال النحاس: وقول أبي عبيدة أولى لأنه مشتق من القَوْت، والقوت معناه مقدار ما يحفظ الإنسان. وقال الفراء: المقيت الذي يعطي كلّ رجلٍ قوته. وجاء في الحديث:كفى بالمرء إثماً أن يضيّع من يَقوتو «يقيت» ذكره الثعلبي، وحكى ابن فارس في المُجْمَل: المقيت المقتدر، والمقيت الحافظ والشاهد، وما عنده قِيتُ ليلةٍ وقوت ليلة. والله أعلم.

وَإِذَا حُيِّيتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا۟ بِأَحْسَنَ مِنْهَآ أَوْ رُدُّوهَآ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ حَسِيبًا ۝٨٦

فيه ٱثنتا عشرة مسألة:

الأُولىٰ ـ قوله تعالىٰ: {وَإِذَا حُيِّيتُم بِتَحِيَّةٍ} التّحِيّة تفعلة من حييت؛ الأصل تَحْيِيَة مثل تَرْضية وتَسْمِية، فأدغموا الياء في الياء. والتحية السلام. وأصل التحية الدعاء بالحياة. والتحيات لله، أي السلام من الآفات. وقيل: المُلْك. قال عبد الله بن صالح العِجلِيّ: سألت الكسائي عن قوله «التحيات لله» ما معناه؟ فقال: التحيات مثل البركات؛ فقلت: ما معنى البركات؟ فقال: ما سمعت فيها شيئاً. وسألت عنها محمد بن الحسن فقال: هو شيء تعبّد الله به عباده. فقدِمت الكوفة فلقيت عبد الله بن إدريس فقلت: إني سألت الكسائي ومحمداً عن قوله «التحيات لله» فأجاباني بكذا وكذا؛ فقال عبد الله بن إدريس: إنهما لا علم لهما بالشّعر وبهذه الأشياء ؟ٰ التحية الملك؛ وأنشد:

أَؤمّ بها أبا قابوس حتىأنِيخَ على تحيته بجنْدِي

وأنشد ابن خُوَيْز مَنْدَاد:

أَسِير به إلى النّعمان حتى أُنيخ على تحيته بجُندِي

يريد على ملكه. وقال آخر:

ولَكُلُّ ما نال الفتىقد نِلْتُه إلاَّ التَّحِيّة

وقال القتبي: إنما قال «التحيات لله» على الجمع؛ لأنه كان في الأرض ملوك يُحَيَّوْن بتحياتٍ مختلفات؛ فيقال لبعضهم: أبَيْتَ اللّعْنَ، ولبعضهم: ٱسْلَم وٱنْعَم، ولبعضهم: عِش ألف سنة. فقيل لنا: قولوا التحيات لله؛ أي الألفاظ التي تدل على المُلْك، ويكنى بها عنه لله تعالى. ووجه النظم بما قبل أنه قال: إذا خرجتم للجهاد كما سبق به الأمر فَحُييتم في سفركم بتحية الإسلام، فلا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمناً، بل ردوا جواب السلام؛ فإن أحكام الإسلام تجري عليهم.

الثانية ـ واختلف العلماء في معنى الآية وتأويلها؛ فروى ٱبن وهب وابن القاسم عن مالك أن هذه الآية في تشميت العاطس والردّ على المُشَمِّت. وهذا ضعيف؛ إذ ليس في الكلام دلالة على ذلك، أمّا الرد على المشمِّت فمما يدخل بالقياس في معنى ردّ التحية، وهذا هو منحى مالك إن صح ذلك عنه. والله أعلم. وقال ابن خُوَيْزِ مَنْدَاد: وقد يجوز أن تُحمل هذه الآية على الهبة إذا كانت للثواب؛ فمن وُهب له هبة على الثواب فهو بالخيار إن شاء ردّها وإن شاء قبِلها وأثاب عليها قيمتها.

قلت: ونحو هذا قال أصحاب أبي حنيفة، قالوا: التحية هنا الهدية؛ لقوله تعالىٰ: {أَوْ رُدُّوهَآ} ولا يمكن ردّ السلام بعينه. وظاهر الكلام يقتضي أداء التحية بعينها وهي الهدية، فأمر بالتعويض إن قبِل أو الردّ بعينه، وهذا لا يمكن في السلام. وسيأتي بيان حكم الهبة للثواب والهدية في سورة «الروم» عند قوله:

{ { وَمَآ آتَيْتُمْ مِّن رِّباً } } [الروم: 39] إن شاء الله تعالىٰ. والصحيح أن التحية هٰهنا السلام؛ لقوله تعالىٰ: { { وَإِذَا جَآءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ ٱللَّهُ } } [المجادلة: 8]. وقال النابغة الذُّبيانِيّ:

تُحَيِّيهم بيضُ الولائدِ بينهموأكسيةُ الإضرِيج فوق المشاجبِ

أراد: ويسلّم عليهم. وعلى هذا جماعة المفسرين. وإذا ثبت هذا وتقرّر ففِقهُ الآية أن يُقال: أجمع العلماء على أن الابتداء بالسلام سُنّة مرغّب فيها، وردُّه فريضة؛ لقوله تعالىٰ: {فَحَيُّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَآ أَوْ رُدُّوهَآ}. واختلفوا إذا ردّ واحد من جماعة هل يجزىء أو لا؛ فذهب مالك والشافعيّ إلى الإجزاء، وأن المسلم قد ردّ عليه مثلَ قوله. وذهب الكوفيون إلى أن ردّ السَّلام من الفروض المتعيّنة؛ قالوا: والسلام خلاف الردّ؛ لأن الابتداء به تطوّع وردّه فريضة. ولو ردّ غير المسلم عليهم لم يسقط ذلك عنهم فرض الردّ، فدل على أن ردّ السلام يلزم كل إنسان بعينه؛ حتى قال قتادة والحسن: إن المصلي يردّ السلام كلاماً إذا سُلّم عليه ولا يقطع ذلك عليه صلاتَه؛ لأنه فعل ما أمر به. والناس على خلافه. احتج الأوّلون بما رواه أبو داود عن عليّ بن أبي طالب عن النبّي صلى الله عليه وسلم قال:يُجزىء من الجماعة إذا مَرُّوا أن يُسلّم أحدهم، ويجزىء عن الجلوس أن يردّ أحدهم. وهذا نصٌّ في موضع الخلاف. قال أبو عمر: وهو حديث حسَن لا معارض له، وفي إسناده سعيد بن خالد، وهو سعيد بن خالد الخزاعيّ مدنِيّ ليس به بأس عند بعضهم؛ وقد ضعّفه بعضهم منهم أبو زُرعة وأبو حاتم ويعقوب بن شيبة وجعلوا حديثه هذا منكراً؛ لأنه انفرد فيه بهذا الإسناد؛ على أن عبد الله بن الفضل لم يسمع من عبيد الله بن أبي رافع؛ بينهما الأعرج في غير ما حديث. والله أعلم. واحتجوا أيضاً بقوله عليه السَّلام:يُسلم القليل على الكثير. ولما أجمعوا على أن الواحد يسلم على الجماعة ولا يحتاج إلى تكريره على عداد الجماعة، كذلك يردّ الواحد عن الجماعة وينوب عن الباقين كفروض الكفاية. وروى مالك عن زيد بن أسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:يسلم الراكب على الماشي وإذا سلم واحد من القوم أجزأ عنهم. قال علماؤنا: وهذا يدل على أن الواحد يكفي في الرد؛ لأنه لا يُقال أجزأ عنهم إلاَّ فيما قد وجب. والله أعلم.

قلت: هكذا تأوّل علماؤنا هذا الحديث وجعلوه حجة في جواز رد الواحد؛ وفيه قلق.

الثالثة ـ قوله تعالىٰ: {فَحَيُّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَآ أَوْ رُدُّوهَآ} رد الأحسن أن يزيد فيقول: عليك السَّلام ورحمة الله؛ لمن قال: سلام عليك. فإن قال: سلام عليك ورحمة الله؛ زدت في ردّك: وبركاته. وهذا هو النهاية فلا مزيد. قال الله تعالىٰ مخبراً عن البيت الكريم

{ { رَحْمَةُ ٱللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ } } [هود: 73] على ما يأتي بيانه إن شاء الله تعالى. فإن انتهى بالسلام غايته، زدت في ردّك الواو في أول كلامك فقلت: وعليك السلام ورحمة الله وبركاته. والردّ بالمثل أن تقول لمن قال السلام عليك: عليك السَّلام، إلاَّ أنه ينبغي أن يكون السَّلام كلّه بلفظ الجماعة، وإن كان المُسَلّم عليه واحداً. روى الأعمشُ عن إبراهيم النَّخَعيّ قال: إذا سلّمت على الواحد فقل: السَّلام عليكم، فإن معه الملائكة. وكذلك الجواب يكون بلفظ الجمع: قال ابن أبي زيد: يقول المُسَلِّم السَّلام عليكم، ويقول الرادّ وعليكم السَّلام، أو يقول السَّلام عليكم كما قيل له؛ وهو معنى قوله {أَوْ رُدُّوهَآ} ولا تقل في ردّك: سلام عليك.

الرابعة ـ والاختيارُ في التسليم والأدبُ فيه تقديم ٱسم الله تعالى على اسم المخلوق؛ قال الله تعالىٰ:

{ { سَلاَمٌ عَلَىٰ إِلْ يَاسِينَ } } [الصافات: 130]. وقال في قصة إبراهيم عليه السَّلام: { { رَحْمَةُ ٱللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ ٱلْبَيْتِ } } [هود: 73]. وقال مخبراً عن إبراهيم: {سَلاَمٌ عَلَيْكَ}. وفي صحيحي البُخارِيّ ومسلم من حديث أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:خلق الله عزّ وجلّ آدم على صورته طوله ستون ذراعاً فلما خلقه قال اذهب فسَلّم على أولئك النّفر وهم نفر من الملائكة جلوس فاستمع ما يحيّونك فإنها تحيتك وتحيّة ذريتك ـ قال ـ فذهب فقال السَّلام عليكم فقالوا السَّلام عليك ورحمة الله ـ قال ـ فزادوه ورحمة الله ـ قال ـ فكل من يدخل الجنّة على صورة آدم وطوله ستون ذراعاً فلم يزل الخلق ينقص بعده حتى الآن ».

قلت: فقد جمع هذا الحديث مع صحته فوائد سبع: الأُولىٰ ـ الإخبار عن صفة خلق آدم. الثانية ـ أنا ندخل الجنة عليها بفضله. الثالثة ـ تسليم القليل على الكثير. الرابعة ـ تقديم اسم الله تعالىٰ. الخامسة ـ الرد بالمثل لقولهم: السلام عليكم. السادسة ـ الزيادة في الردّ. السابعة ـ إجابة الجميع بالرد كما يقول الكوفيون. والله أعلم.

الخامسة ـ فإن ردّ فقدّم اسمَ المُسَلّم عليه لم يأت محرّماً ولا مكروهاً؛ لثبوته

عن النبيّ صلى الله عليه وسلم حيث قال للرجل الذي لم يحسن الصَّلاة وقد سلّم عليه: «وعليك السَّلام ٱرْجِع فَصلّ فإنك لم تُصَلِّ» . وقالت عائشة: وعليه السَّلام ورحمة الله؛ حين أخبرها النبيّ صلى الله عليه وسلم أن جبريل يقرأ عليها السَّلام. أخرجه البخاريّ. وفي حديث عائشة:« من الفقه أن الرجل إذا أرسل إلى رجل بسلامه فعليه أن يردّ كما يردّ عليه إذا شافهه. وجاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إن أبي يقرئك السَّلام؛ فقال: «عليك وعلى أبيك السَّلام» . وقد روى النسائِيّ وأبو داود من حديث جابر بن سُليم قال: لقيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: عليك السَّلام يا رسول الله؛ فقال: «لا تقل عليك السَّلام فإن عليك السَّلام تحية الميت ولكن قُل السَّلام عليك» . وهذا الحديث لا يثبت؛ إلاَّ أنه لما جرت عادة العرب بتقديم اسم المدعو عليه في الشر كقولهم: عليه لعنة الله وغضب الله. قال الله تعالىٰ: { { وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِيۤ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلدِّينِ } } [صۤ: 78]. وكان ذلك أيضاً دأب الشعراء وعادتهم في تحية الموتى؛ كقولهم:

عليك سلام اللَّه قيسَ بن عاصمورحمته ما شاء أن يترحَّما

وقال آخر وهو الشَّمّاخ:

عليك سلام من أمير وباركتْيَدُ اللَّه في ذاك الأدِيم المُمَزَّقِ

نهاه عن ذلك، لا أن ذاك هو اللفظ المشروع في حق الموتى؛ لأنه عليه السلام ثبت عنه أنه سلّم على الموتى كما سلم على الأحياء فقال:السلام عليكم دار قوم مؤمنين وإنا إن شاء الله بكم لاحقون». فقالت عائشة: قلت يا رسول الله، كيف أقول إذا دخلت المقابر؟ قال: «قولي السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين» الحديث؛ وسيأتي في سورة «ألهاكم» إن شاء الله تعالى

قلت: وقد يحتمل أن يكون حديث عائشة وغيره في السلام على أهل القبور جميعهم إذا دخلها وأشرف عليها، وحديث جابر بن سليم خاص بالسلام على المرور المقصود بالزيارة. والله أعلم.

السادسة ـ من السُّنَّة تسليم الراكب على الماشي، والقائم على القاعد، والقليل على الكثير؛ هكذا جاء في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة. قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

يسلم الراكبفذكره فبدأ بالراكب لعلوّ مرتبته؛ ولأن ذلك أبعد له من الزّهوْ، وكذلك قيل في الماشي مثله. وقيل: لما كان القاعد على حال وقَارٍ وثُبوت وسكون فله مزيّةٌ بذلك على الماشي؛ لأن حاله على العكس من ذلك. وأما تسليم القليل على الكثير فمراعاة لشرفية جمع المسلمين وأكثريتهم. وقد زاد البُخارِيّ في هذا الحديثويسلم الصغير على الكبير. وأما تسليم الكبير على الصغير فروى أشعث عن الحسن أنه كان لا يرى التسليم على الصبيان؛ قال: لأن الردّ فرض والصبي لا يلزمه الردّ فلا ينبغي أن يسلم عليهم. وروي عن ابن سيرين أنه كان يسلم على الصبيان ولكن لا يسمعهم. وقال أكثر العلماء: التسليم عليهم أفضل من تركه. وقد جاء في الصحيحين عن سيار قال: كنت أمشي مع ثابت فمرّ بصبيان فسلم عليهم، وذكر أنه كان يمشي مع أنس فمرّ بصبيان فسلّم عليهم، وحدّث أنه كان يمشي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فمرّ بصبيان فسلّم عليهم. لفظ مسلم. وهذا من خُلُقه العظيم صلى الله عليه وسلم، وفيه تدريب للصغير وحضٌّ على تعليم السُّنن ورياضةٌ لهم على آداب الشريعة فيه؛ فلتقتدِ.

وأما التسليم على النساء فجائز إلا على الشابَّات منهن خوف الفتنة من مكالمتهنّ بنزعة شيطان أو خائنة عَيْن. وأما المتجالات والعُجْز فحَسَن للأمن فيما ذكرناه؛ هذا قول عطاء وقتادة، وإليه ذهب مالك وطائفة من العلماء. ومنعه الكوفيون إذا لم يكن منهنّ ذوات مَحْرَم وقالوا: لما سقط عن النساء الأذان والإقامة والجهر بالقراءة في الصلاة سقط عنهن ردّ السلام فلا يسلَّم عليهن. والصحيح الأوّل لما خرّجه البخاريّ عن سهل بن سعد قال: كنا نفرح بيوم الجمعة. قلت ولِمَ؟ قال: كانت لنا عجوز ترسِل إلى بِضاعة ـ قال ابن مَسْلمة: نخلٌ بالمدينة ـ فتأخذ من أُصول السِّلق فتطرحه في القِدر وتُكَرْكِر حبّاتٍ من شعيرٍ، فإذا صلينا الجمعة انصرفنا فنُسلّم عليها فتقدّمه إلينا فنفرح من أجله: وما كنا نَقِيل ولا نتغدّى إلا بعد الجمعة. تكركر أي تطحن؛ قاله القُتَبِي.

الثامنة ـ والسنة في السلام والجواب الجهر؛ ولا تكفي الإشارة بالإصبع والكف عند الشافعيّ، وعندنا تكفي إذا كان على بُعد؛ روى ابن وهب عن ابن مسعود قال: السلام اسم من أسماء الله عز وجل وضعه الله في الأرض فأفْشُوه بينكم؛ فإن الرجل إذا سلّم على القوم فردّوا عليه كان له عليهم فضلُ درجةٍ لأنه ذكرهم، فإن لم يردّوا عليه ردّ عليه من هو خير منهم وأطيب. وروى الأعمش عن عمرو ابن مُرّة عن عبد الله بن الحارث قال: إذا سلّم الرجل على القوم كان له فضل درجة، فإن لم يردّوا عليه ردّت عليه الملائكة ولعنتهم. فإذا ردّ المسلَّم أسمع جوابه؛ لأنه إذا لم يُسْمِع المُسْلِّمَ لم يكن جواباً له؛ ألا ترى أن المُسَلِّم إذا سلّم بسلام لم يسمعه المسلَّم عليه لم يكن ذلك منه سلاماً، فكذلك إذا أجاب بجواب لم يُسمَع منه فليس بجواب. وروى أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال:

إذا سلّمتم فأسمعوا وإذا رددتم فأسمعوا وإذا قعدتم فٱقعدوا بالأمانة ولا يرفعن بعضكم حديث بعض. قال ابن وهب: وأخبرني أُسامة بن زيد عن نافع قال: كنت أُساير رجلاً من فقهاء الشام يقال له عبد الله ابن زكريا فحبستني دابتي تبول، ثم أدركته ولم أسلم عليه؛ فقال: ألا تسلم؟ فقلت: إنما كنت معك آنفا؛ فقال: وإن صحّ؛ لقد كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يتسايرون فيفرقُ بينهم الشجر فإذا التقوا سلّم بعضهم على بعض.

التاسعة ـ وأما الكافر فحكم الردّ عليه أن يقال له: وعليكم. قال ابن عباس وغيره: المراد بالآية: {وَإِذَا حُيِّيتُم بِتَحِيَّةٍ} فإذا كانت من مؤمن {فَحَيُّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَآ} وإن كانت من كافر فردّوا على ما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقال لهم: «وعليكم». وقال عطاء: الآية في المؤمنين خاصّة، ومن سلّم من غيرهم قيل له: عليك؛ كما جاء في الحديث.

قلت: فقد جاء إثبات الواو وإسقاطها في صحيح مسلم: «عليك» بغير واو وهي الرواية الواضحة المعنى، وأما مع إثبات الواو ففيها إشكال؛ لأن الواو العاطفة تقتضي التشريك فيلزم منه أن يدخل معهم فيما دَعَوْا به علينا من الموت أو من سامة ديننا؛ فاختلف المتأوّلون لذلك على أقوال: أولاها أن يقال: إن الواو على بابها من العطف، غير أنا نُجاب عليهم ولا يُجابون علينا، كما قال صلى الله عليه وسلم. وقيل: هي زائدة. وقيل: للاستئناف. والأُولى أوْلى. ورواية حذف الواو أحسنُ معنى وإثباتُها أصحّ روايةً وأشهر، وعليها من العلماء الأكثر.

العاشرة ـ واختُلف في ردّ السلام على أهل الذِّمة هل هو واجب كالردّ على المسلمين؛ وإليه ذهب ابن عباس والشَّعْبِيّ وقتادة تمسّكاً بعموم الآية وبالأمر بالردّ عليهم في صحيح السنة. وذهب مالك فيما رَوى عنه أشهب وابن وهب إلى أن ذلك ليس بواجب؛ فإن رددت فقل: عليك. واختار ابن طاوس أن يقول في الرّدّ عليهم: علاكَ السلام، أي ٱرتفع عنك. واختار بعض علمائنا السِّلام (بكسر السين) يعني به الحجارة. وقول مالك وغيره في ذلك كاف شاف كما جاء في الحديث، وسيأتي في سورة «مريم» القول في ابتدائهم بالسلام عند قوله تعالى إخباراً عن إبراهيم في قوله لأبيه

{ { سَلاَمٌ عَلَيْكَ } } [مريم: 47]. وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال:لا تدخلون الجنة حتى تؤمنوا ولا تؤمنوا حتى تَحابُّوا أوَلاَ أدُلّكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم أفْشُوا السلام بينكم. وهذا يقتضي إفشاءه بين المسلمين دون المشركين. والله أعلم.

الحادية عشرة ـ ولا يُسلَّم على المُصَلِّي فإن سُلِّم عليه فهو بالخيار إن شاء ردّ بالإشارة بإصبعه وإن شاء أمسك حتى يَفرُغ من الصلاة ثم يردّ. ولا ينبغي أن يُسَلِّم على من يقضي حاجته فإن فُعل لم يلزمه أن يردّ عليه.

دخل رجل على النبيّ صلى الله عليه وسلم في مثل هذه الحال فقال له: «إذا وجدتني أو رأيتني على هذه الحال فلا تُسَلِّم عليّ فإنك إن سلّمت عليّ لم أردّ عليك» . ولا يُسَلَّم على من يقرأ القرآن فيقطع عليه قراءته، وهو بالخيار إن شاء ردّ وإن شاء أمسك حتى يَفرُغ ثم يردّ، ولا يُسَلَّم على من دخل الحمام وهو كاشف العورة، أو كان مشغولاً بما لَهُ دَخْل بالحمّام، ومن كان بخلاف ذلك سُلِّم عليه.

الثانية عشرة ـ قوله تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ حَسِيباً} معناه حفيظاً. وقيل: كافياً؛ من قولهم: أحْسَبَني كذا أي كفاني، ومثله حَسْبُكَ الله. وقال قتادة: محاسباً كما يقال: أكِيل بمعنى مواكل. وقيل: هو فعِيل من الحساب، وحسُنت هذه الصفة هنا؛ لأن معنى الآية في أن يزيد الإنسان أو ينقص أو يُوفّي قدر ما يجيء به. روى النَّسائيّ عن عِمران بن حُصين قال:

كنا عند النبيّ صلى الله عليه وسلم فجاء رجل فسلّم، فقال: السلام عليكم فردّ عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال:«عشر» ثم جلس، ثم جاء آخر فسلم فقال: السلام عليكم ورحمة الله؛ فردّ عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: «عشرون» ثم جلس وجاء آخر فقال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته؛ فردّ عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: «ثلاثون» . وقد جاء هذا الخبر مُفَسِّراً وهو أن من قال لأخيه المسلم: سلام عليكم كتب له عشر حسنات، فإن قال: السلام عليكم ورحمة الله كتب له عشرون حسنة. فإن قال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته كتب له ثلاثون حسنة، وكذلك لمن ردّ من الأجر. والله أعلم.

ٱللَّهُ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَٰمَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ ٱللَّهِ حَدِيثًا ۝٨٧

قوله تعالى: {ٱللَّهُ لاۤ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ} ابتداء وخبر. واللام في قوله {لَيَجْمَعَنَّكُمْ} لام القَسم؛ نزلت في الذين شَكُّوا في البَعْث فأقسم الله تعالى بنفسه. وكل لام بعدها نون مشدّدة فهو لام القَسَم. ومعناه في الموت وتحت الأرض {إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ}. وقال بعضهم: {إِلَىٰ} صلة في الكلام، معناه ليجمعنّكم يوم القيامة. وسُمّيت القيامة قيامةً لأن الناس يقومون فيه لرب العالمين جل وعز؛ قال الله تعالى:

{ { أَلا يَظُنُّ أُوْلَـٰئِكَ أَنَّهُمْ مَّبْعُوثُونَ لِيَوْمٍ عَظِيمٍ يَوْمَ يَقُومُ ٱلنَّاسُ لِرَبِّ ٱلْعَالَمِينَ } } [المطففين:4 - 6]. وقيل: سُمِّي يوم القيامة لأن الناس يقومون من قبورهم إليها؛ قال الله تعالى: { يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ ٱلأَجْدَاثِ سِرَاعاً }[المعارج: 43] وأصل القيامة الواو. {وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ ٱللَّهِ حَدِيثاً} نصب على البيان، والمعنى لا أحد أصدق من الله. وقرأ حمزة والكسائِيّ «ومن أزدق» بالزاي. الباقون: بالصاد، وأصله الصاد إلا أن لِقُرب مخرجها جعل مكانها زاي.
الأحد، 8 نوفمبر 2026 28 جمادى الأولى 1448 هـ