انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة النساء

تفسير القرطبيالآيات 30–35

تفسير سورة النساء آية آية، من تفسير القرطبي.

وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ عُدْوَٰنًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا وَكَانَ ذَٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرًا ۝٣٠

«ذلك» إشارة إلى القتل؛ لأنه أقرب مذكور؛ قاله عطاء. وقيل: هو عائد إلى أكل المال بالباطل وقتل النفس؛ لأن النهي عنهما جاء متّسقاً مسرُوداً، ثم ورد الوعيد حسب النهي. وقيل: هو عام على كل ما نهى عنه من القضايا، من أوّل السورة إلى قوله تعالى: {وَمَن يَفْعَلْ ذٰلِكَ}. وقال الطبري: «ذلك» عائد على ما نهى عنه من آخر وعيدٍ، وذلك قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُواْ ٱلنِّسَآءَ كَرْهاً} لأن كل ما نهى عنه من أوّل السورة قرن به وعيد، إلا من قوله: {يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ يَحِلُّ لَكُمْ} فإنه لا وعيد بعده إلا قوله: {وَمَن يَفْعَلْ ذٰلِكَ عُدْوَاناً}. والعدوان تجاوز الحدّ. والظلم وضع الشيء في غير موضعه، وقد تقدّم. وقيد الوعيد بذكر العدوان والظلم ليخرج منه فعل السهو والغلط، وذكر العدوان والظلم مع تقارب معانيهما لاختلاف ألفاظهما، وحسن ذلك في الكلام كما قال.

وألفَـى قولـها كذِبـا ومَيْنـا

وحسُن العطف لاختلاف اللفظين؛ يقال: بُعْداً وسُحْقاً؛ ومنه قول يعقوب: { { إِنَّمَآ أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى ٱللَّهِ } } . فحسن ذلك لاختلاف اللفظ. و {نُصْلِيهِ} معناه نُمسّه حرّها. وقد بيّنا معنى الجمع بين هذه الآي وحديث أبي سعيد الخُدْريّ في العُصاة وأهل الكبائر لمن أنفذ عليه الوعيد؛ فلا معنى لإعادة ذلك. وقرأ الأعمش والنّخَعِيّ «نَصْلِيه» بفتح النون، على أنه منقول من صَلِيَ ناراً، أي أصليته؛ وفي الخبر «شاة مَصْلِيّة». ومن ضمَّ النون منقول بالهمزة، مثل طعمت وأطعمت.

إِن تَجْتَنِبُوا۟ كَبَآئِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّـَٔاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُم مُّدْخَلًا كَرِيمًا ۝٣١

فيه مسألتان:

الأُولى ـ لما نهى تعالى في هذه السورة عن آثامٍ هي كبائر، وعَدَ على اجتنابها التخفيف من الصغائر، ودلّ هذا على أن في الذنوب كبائرَ وصغائرَ. وعلى هذا جماعة أهل التأويل وجماعة الفقهاء، وأن اللّمسة والنظرة تُكفَّر باجتناب الكبائر قَطْعاً بوعده الصدق وقوله الحق، لا أنه يجب عليه ذلك. ونظير الكلام في هذا ما تقدّم بيانه في قبول التوبة في قوله تعالى: {إِنَّمَا ٱلتَّوْبَةُ عَلَى ٱللَّهِ}، فالله تعالى يغفر الصغائر باجتناب الكبائر، لكن بضميمة أُخرى إلى الاجتناب وهي إقامة الفرائض. روى مسلم عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان مكفِّراتٌ ما بينهنّ إذا ٱجْتَنَبَ الكبائر. وروى أبو حاتم البُسْتيّ في صحيح مسنده عن أبي هريرة وأبي سعيد الخُدْرِيّ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جلس على المنبر ثم قال: «والذي نفسي بيده» ثلاث مرات، ثم سكت فأكبّ كل رجل منا يبكي حزيناً ليَمين رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال: «ما من عبد يؤدّي الصلوات الخمس ويصوم رمضان ويجتنب الكبائر السبع إلا فتحت له ثمانية أبواب من الجنة يوم القيامة حتى إنها لتصفّق» ثم تلا {إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَآئِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ}. فقد تعاضد الكتاب وصحيحُ السنة بتكفير الصغائر قطعاً كالنظر وشِبهه. وبيّنت السنة أن المراد بـ {تَجْتَنِبُواْ} ليس كلّ الاجتناب لجميع الكبائر. والله أعلم. وأما الأُصوليون فقالوا: لا يجب على القطع تكفير الصغائر باجتناب الكبائر، وإنما محمل ذلك على غلبة الظنّ وقوّة الرّجاء والمشيئةُ ثابتةٌ. ودلّ على ذلك أنه لو قطعنا لمجتنب الكبائر وممتثل الفرائض تكفيرَ صغائره قطعاً لكانت له في حكم المباح الذي يقطع بألاّ تِباعة فيه، وذلك نقض لعُرَى الشريعة. ولا صغيرة عندنا. قال القُشيريّ عبد الرحيم: والصحيح أنها كبائر ولكن بعضها أعظم وقعاً من بعض، والحكمة في عدم التمييز أن يجتنب العبد جميع المعاصي.

قلت: وأيضاً فإن من نظر إلى نفس المخالفة كما قال بعضهم: ـ لا تنظرْ إلى صِغر الذنب ولكن ٱنظر من عصيت ـ كانت الذنوب بهذه النسبة كلها كبائر، وعلى هذا النحو يخرّج كلام القاضي أبي بكر بن الطيّب والأُستاذ أبي إسحاق الأسفرايني وأبي المعالي وأبي نصر عبد الرحيم القشيري وغيرهم؛ قالوا: وإنما يقال لبعضها صغيرة بالإضافة إلى ما هو أكبر منها، كما يقال الزنى صغيرة بإضافته إلى الكفر، والقُبْلة المحرمة صغيرة بالنسبة إلى الزنى، ولا ذنب عندنا يُغفر باجتناب ذنب آخر، بل كل ذلك كبيرة ومرتكبه في المشيئة غير الكفر؛ لقوله تعالى:

{ { إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ } } [النساء: 48] واحتجوا بقراءة من قرأإنْ تَجْتَنِبُوا كَبِيرَ مَا تنْهَوْنَ عَنْهُعلى التوحيد؛ وكبير الإثم الشرك. قالوا: وعلى الجمع فالمراد أجناس الكفر. والآيةُ التي قيّدت الحكم فتردّ إليها هذه المطلَقات كلها قولُه تعالى: {وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ}. واحتجوا بما رواه مُسلم وغيرهُ عن أبي أُمامة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «مَن ٱقتطع حق ٱمرىء مسلم بيمينه فقد أوجب الله له النار وحرّم عليه الجنة» فقال له رجل: يا رسول الله، وإن كان شيئاً يسيراً؟ قال: «وإن كان قضيباً من أَرَاك» . فقد جاء الوعيد الشديد على اليسير كما جاء على الكثير. وقال ابن عباس: الكبيرة كلّ ذنب ختمه الله بنار أو غضب أو لعنة أو عذاب. وقال ابن مسعود: الكبائر ما نهى الله عنه في هذه السورة إلى ثلاث وثلاثين آية؛ وتصديقُه قوله تعالى: {إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَآئِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ}. وقال طاوس: قيل لابن عباس الكبائر سبع؟ قال: هي إلى السبعين أقرب. وقال سعيد بن جُبير: قال رجل لابن عباس الكبائر سبع؟ قال: هي إلى السبعمائة أقرب منها إلى السبع؛ غير أنه لا كبيرة مع استغفار ولا صغيرة مع إصرار. وروي عن ابن مسعود أنه قال: الكبائر أربع: اليأس من رَوح الله، والقنوط من رحمة الله، والأمن من مكر الله، والشِّرك بالله؛ دل عليها القرآن. وروي عن ابن عمر: هي تسع: قتل النفس، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، ورَمْي المحصَنة، وشهادة الزور، وعقوق الوالدين، والفِرار من الزّحف، والسحر، والإلحاد في البيت الحرام. ومن الكبائر عند العلماء: القِمار والسرقة وشرب الخمر وسَبّ السَّلَف الصالح وعدول الحكام عن الحق واتباع الهوى واليمين الفاجرة والقنوط من رحمة الله وسب الإنسان أبويه ـ بأن يسُبّ رجلاً فيَسُبّ ذلك الرجلُ أبويه ـ والسعي في الأرض فساداً ـ؛ إلى غير ذلك مما يكثر تَعداده حسب ما جاء بيانها في القرآن، وفي أحاديث خرّجها الأئمة، وقد ذكر مسلم في كتاب الإيمان منها جملةً وافرة. وقد ٱختلف الناس في تَعدادها وحصرها لاختلاف الآثار فيها، والذي أقول: إنه قد جاءت فيها أحاديث كثيرة صِحاح وحِسان لم يُقصد بها الحصر، ولكن بعضها أكبر من بعض بالنسبة إلى ما يكثر ضرره، فالشرك أكبر ذلك كله، وهو الذي لا يُغفر لنصّ الله تعالى على ذلك، وبعده اليأس من رحمة الله؛ لأن فيه تكذيب القرآن؛ إذ يقول وقوله الحق: { { وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ } } [الأعراف: 156] وهو يقول: لا يغفر له؛ فقد حَجَر واسعاً. هذا إذا كان معتقداً لذلك؛ ولذلك قال الله تعالى: { { إِنَّهُ لاَ يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ ٱللَّهِ إِلاَّ ٱلْقَوْمُ ٱلْكَافِرُونَ } } [يوسف: 87]. وبعده القنوط؛ قال الله تعالى: { { وَمَن يَقْنَطُ مِن رَّحْمَةِ رَبِّهِ إِلاَّ ٱلضَّآلُّونَ } } [الحجر: 56]. وبعده الأمن من مكر الله فيسترسل في المعاصي ويتّكل على رحمة الله من غير عمل؛ قال الله تعالى: { { أَفَأَمِنُواْ مَكْرَ ٱللَّهِ فَلاَ يَأْمَنُ مَكْرَ ٱللَّهِ إِلاَّ ٱلْقَوْمُ ٱلْخَاسِرُونَ } } [الأعراف: 99]. وقال تعالى: { { وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ ٱلَّذِي ظَنَنتُم بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِّنَ ٱلُخَاسِرِينَ } } [فصلت: 23] وبعده القتل؛ لأن فيه إذهاب النفوس وإعدامَ الوجود، واللِّواطُ فيه قطع النَّسل، والزنى فيه اختلاط الأنساب بالمياه، والخَمرُ فيه ذهاب العقل الذي هو مناط التكليف، وترك الصلاة والأذان فيه تركُ إظهار شعائر الإسلام، وشهادةُ الزور فيها استباحة الدماء والفروج والأموال، إلى غير ذلك مما هو بيّن الضرر؛ فكلّ ذنب عظّم الشرْع التوعُّدَ عليه بالعقاب وشدّده، أو عظّم ضرره في الوجود كما ذكرنا فهو كبيرة وما عداه صغيرة. فهذا يربط لك هذا الباب ويضبطه، والله أعلم.

الثانية ـ قوله تعالى: {وَنُدْخِلْكُمْ مُّدْخَلاً كَرِيماً} قرأ أبو عمرو وأكثر الكوفيين «مُدخلا» بضم الميم، فيحتمل أن يكون مصدرا، أي إدخالا، والمفعول محذوف أي وندخلكم الجنة إدخالا. ويحتمل أن يكون بمعنى المكان فيكون مفعولا. وقرأ أهل المدينة بفتح الميم، فيجوز أن يكون مصدر دخل وهو منصوب بإضمار فعل؛ التقدير وندخلكم فتدخلون مدخَلا، ودّل الكلام عليه. ويجوز أن يكون اسم مكان فينتصب على أنه مفعول به، أي وندخلكم مكانا كريما وهو الجنة. وقال أبو سعيد بن الأعرابي: سمعت أبا داود السّجستاني يقول: سمعت أبا عبد الله أحمد بن حنبل يقول: المسلمون كلهم في الجنة؛ فقلت له: كيف؟ قال: يقول الله عز وجل {إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَآئِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُّدْخَلاً كَرِيماً } يعني الجنة. وقال النبي صلى الله عليه وسلم:

ادّخرت شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي. فإذا كان الله عز وجل يغفر ما دون الكبائر والنبي صلى الله عليه وسلم يشفع في الكبائر فأي ذنب يبقى على المسلمين. وقال علماؤنا: الكبائر عند أهل السنّة تُغفر لمن أقلع عنها قبل الموت حسب ما تقدّم. وقد يُغفر لمن مات عليها من المسلمين؛ كما قال تعالى: {وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ} الآية والمراد بذلك من مات على الذنوب فلو كان المراد من تاب قبل الموت لم يكن للتفرقة بين الإشراك وغيره معنى إذ التائب من الشرك أيضاً مغفور له. ورُوي عن ابن مسعود أنه قال: خمس آيات من سورة النساء هي أحب إلي من الدنيا جميعاً قوله تعالى: {إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَآئِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ} وقوله { { إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ } } [النساء: 48] الآية، وقوله تعالى: { { وَمَن يَعْمَلْ سُوۤءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ } } [النساء: 110]، وقوله تعالى: { { وَإِن تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا } } [النساء: 40] وقوله تعالى: { { وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِ } } [النساء: 152]. وقال ابن عباس؛ ثمان آيات في سورة النساء، هنّ خير لهذه الأمة مما طلعت عليه الشمس وغربت: {يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ} {وَٱللَّهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ} {يُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُخَفِّفَ عَنْكُمْ} {إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَآئِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ}، الآية، { { إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ } }،[النساء:48] { { إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ } } [النساء: 40] { { وَمَن يَعْمَلْ سُوۤءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ } [النساء:110] { مَّا يَفْعَلُ ٱللَّهُ بِعَذَابِكُمْ } } [النساء: 147] الآية.

وَلَا تَتَمَنَّوْا۟ مَا فَضَّلَ ٱللَّهُ بِهِۦ بَعْضَكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا ٱكْتَسَبُوا۟ وَلِلنِّسَآءِ نَصِيبٌ مِّمَّا ٱكْتَسَبْنَ وَسْـَٔلُوا۟ ٱللَّهَ مِن فَضْلِهِۦٓ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمًا ۝٣٢

فيه أربع مسائل:

الأولى ـ روى الترمذي عن أُمّ سَلَمة أنها قالت: يغزو الرجال ولا تغزو النساء وإنما لنا نصف الميراث؛ فأنزل الله تعالى {وَلاَ تَتَمَنَّوْاْ مَا فَضَّلَ ٱللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ} قال مجاهد: وأنزل فيها

{ { إِنَّ ٱلْمُسْلِمِينَ وَٱلْمُسْلِمَاتِ } } [الأحزاب: 35]، وكانت أمّ سلمة أول ظَعِينة قدِمت المدينة مهاجرة. قال أبو عيسى؛ هذا حديث مرسَل، ورواه بعضهم عن ابن أبي نَجيح عن مجاهد، مُرسَل أن أم سلمة قالت كذا. وقال قتادة؛ كان الجاهلية لا يوّرثون النساء ولا الصبيان؛ فلما ورّثوا وجُعل للذّكر مثل حظ الأنثيين تمنت النساء أن لو جُعل أنصباؤهن كأنصباء الرجال. وقال الرجال؛ إنا لنرجو أن نفضل على النساء بحسناتنا في الآخرة كما فضلنا عليهنّ في الميراث؛ فنزلت، {وَلاَ تَتَمَنَّوْاْ مَا فَضَّلَ ٱللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ}.

الثانية ـ قوله تعالى: {وَلاَ تَتَمَنَّوْاْ} التّمني نوع من الإرادة يتعلق بالمستقبل، كالتلهُّف نوع منها يتعلق بالماضي؛ فنهى الله سبحانه المؤمنين عن التّمني؛ لأن فيه تعلق البال ونسيان الأجل. وقد اختلف العلماء هل يدخل في هذا النهي الغِبطَةُ، وهي أن يتمنى الرجل أن يكون له حال صاحبه وإن لم يتمنّ زوال حاله. والجمهور على إجازة ذلك: مالك وغيره وهي المراد عند بعضهم في قوله عليه السلام:

لا حسد إلا في ٱثنتين: رجل آتاه الله القرآن فهو يقوم به آناء الليل وآناء النهار ورجل آتاه الله مالاً فهو ينفقه آناء الليل وآناء النهار. فمعنى قوله؛ «لا حسد» أي لا غِبطة أعظم وأفضل من الغِبطة في هذين الأمرين. وقد نبّه البخاري على هذا المعنى حيث بوَّب على هذا الحديث (باب الاغتباط في العلم والحكمة) قال المهلب: بيّن الله تعالى في هذه الآية ما لا يجوز تمنيّه، وذلك ما كان من عرض الدنيا وأشباهها. قال ابن عطية: وأما التمنّي في الأعمال الصالحة فذلك هو الحسن، وأما إذا تمنّى المرء على الله من غير أن يقرن أُمنيته بشيء مما قدّمنا ذكره فذلك جائز؛ وذلك موجود في حديث النبي صلى الله عليه وسلم في قوله:وَدِدت أن أَحْيَا ثم أُقتل».

قلت: هذا الحديث هو الذي صدّر به البخاري كتاب التمني في صحيحه، وهو يدل على تمني الخير وأفعال البر والرغبة فيها، وفيه فضل الشهادة على سائر أعمال البر؛ لأنه عليه السلام تمناها دون غيرها. وذلك لرفيع منزلتها وكرامة أهلها، فرزقه الله إياها؛ لقوله:

ما زالت أُكْلَة خَيْبَرَ تُعادُّني الآن أَوان قطعتْ أَبْهَرِي. وفي الصحيح:إن الشهيد يقال له تمنّ فيقول أتمنى أن أرجع إلى الدنيا حتى أقتلَ في سبيلك مرة أخرى. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتمنى إيمان أبي طالب وإيمان أبي لهب وصناديد قريش مع علمه بأنه لا يكون؛ وكان يقول:واشوقاه إلى إخواني الذين يجيئون من بعدي يؤمنون بي ولم يروني. وهذا كله يدل على أن التمني لا ينهى عنه إذا لم يكن داعيه إلى الحسد والتباغض، والتمني المنهى عنه في الآية من هذا القبيل؛ فيدخل فيه أن يتمنى الرجل حال الآخر من دين أو دنيا على أن يذهب ما عند الآخر.. وسواء تمنيّت مع ذلك أن يعود إليك أو لا. وهذا هو الحسد بعينه، وهو الذي ذمّه الله تعالى بقوله: { { أَمْ يَحْسُدُونَ ٱلنَّاسَ عَلَىٰ مَآ آتَاهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ } } [النساء: 54] ويدخل فيه أيضاً خطبة الرجل على خِطبة أخيه وبيعه على بيعه؛ لأنّه داعية الحسد والمَقْت. وقد كره بعض العلماء الغبطة وأنها داخلة في النهي، والصحيح جوازها على ما بينّا، وبالله توفيقنا. وقال الضحاك: لا يحل لأحد أن يتمنى مال أحد، ألم تسمع الذين قالوا: { { يٰلَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَآ أُوتِيَ قَارُونُ } } [القصص: 79] إلى أن قال: { { وَأَصْبَحَ ٱلَّذِينَ تَمَنَّوْاْ مَكَانَهُ بِٱلأَمْسِ } } [القصص: 82] حين خُسِف به وبداره وبأمواله { { لَوْلاۤ أَن مَّنَّ ٱللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا } } [القصص: 82] وقال الكلبي: لا يتمنَّ الرجل مال أخيه ولا امرأته ولا خادمَه ولا دابته؛ ولكن ليقل؛ اللهم ارزقني مثله. وهو كذلك في التوراة، وكذلك قوله في القرآن {وَٱسْأَلُواْ ٱللَّهَ مِن فَضْلِهِ}. وقال ابن عباس: نهى الله سبحانه أن يتمنّى الرجل مال فلان وأهلَه، وأمر عباده المؤمنين أن يسألوه من فضله. ومن الحجة للجمهور قوله صلى الله عليه وسلم:إنما الدنيا لأربعة نفر: رجل آتاه الله مالا وعلما فهو يتّقي فيه ربّه ويصلُ به رَحِمه ويعلم لله فيه حقا فهذا بأفضل المنازل، ورجل آتاه الله علما ولم يؤته مالاً فهو صادق النيّة يقول لو أن لي مالاً لعملت فيه بعمل فلان فهو بنيته فأجرهما سواءالحديث... وقد تقدّم. خرّجه الترمذي وصححه. وقال الحسن؛ لا يتمنّ أحدكُم المال وما يدريه لعلّ هلاكهَ فيه؛ وهذا إنما يصح إذا تمنّاه للدنيا، وأما إذا تمنّاه للخير فقد جوّزه الشرع، فيتمنّاه العبد ليصل به إلى الرّب، ويفعل الله ما يشاء.

الثالثة ـ قوله تعالى: {لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا ٱكْتَسَبُواْ} يريد من الثواب والعقاب {وَلِلنِّسَآءِ} كذلك؛ قاله قتادة. فللمرأة الجزاء على الحسنة بعشر أمثالها كما للرجال. وقال ابن عباس: المراد بذلك الميراث. والاكتساب على هذا القول بمعنى الإصابة، للذّكَر مثل حظ الأنثيين؛ فنهى الله عز وجل عن التمني على هذا الوجه لما فيه من دواعي الحسد؛ ولأن الله تعالى أعلمُ بمصالحهم منهم؛ فوضع القسمة بينهم على التفاوت على ما علم من مصالحهم.

الرابعة ـ قوله تعالى: {وَٱسْأَلُواْ ٱللَّهَ مِن فَضْلِهِ} روى الترمذي عن عبدلله قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

سلُوا الله من فضله فإنه يحب أن يُسأل وأفضل العبادة ٱنتظار الفرجوخرّج أيضاً ابن ماجه عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:من لم يسأل الله يغضب عليه. وهذا يدّل على أن الأمر بالسؤال لله تعالى واجب؛ وقد أخذ بعض العلماء هذا المعنى فنظمه فقال:

الله يغضَب إن تركتَ سؤالهوبني آدمَ حين يُسأل يَغضبُ

وقال أحمد بن المعذّل أبو الفضل الفقيه المالكي فأحسن:

التِمس الأرزاقَ عندَ الذيما دُونَه إن سِيَل مِن حاجِبِ مَنْ يُبغِض التاركَ تَسْأَلَهُجوداً ومن يَرضَى عن الطالبِ ومَنْ إذا قال جَرَى قولُهبغير تَوْقِيع إلى كاتبِ

وقد أشبعنا القول في هذا المعنى في كتاب «قمع الحرص بالزهد والقناعة». وقال سعيد بن جُبير: {وَٱسْأَلُواْ ٱللَّهَ مِن فَضْلِهِ} العبادة، ليس من أمر الدنيا. وقيل: سَلُوه التوفيقَ للعمل بما يرضيه. وعن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: سلُوا ربَّكم حتى الشّبع؛ فإنه إن لم ييسره الله عز وجل لم يتيّسر. وقال سفيان بن عُيَيْنة: لم يأمر بالسؤال إلا لِيعطي.

وقرأ الكسائي وابن كثير: «وَسَلُوا الّلَهَ مِنْ فَضْلِهِ» بغير همزٍ في جميع القرآن. الباقون بالهمز. «واسألوا الله». وأصله بالهمز إلا أنه حذفت الهمزة للتخفيف. والله أعلم.

وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَٰلِىَ مِمَّا تَرَكَ ٱلْوَٰلِدَانِ وَٱلْأَقْرَبُونَ وَٱلَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَٰنُكُمْ فَـَٔاتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ شَهِيدًا ۝٣٣

فيه خمس مسائل:

الأولى ـ بيّن تعالى أن لكل إنسان ورثةً وَموالي؛ فلينتَفِع كلُّ واحدٍ بما قسَم الله له من الميراث، ولا يتمنى مالَ غيره. وروى البخاري في كتاب الفرائض من رواية سعيد بن جُبير عن ابن عباس:

{ { وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ ٱلْوَالِدَانِ وَٱلأَقْرَبُونَ وَٱلَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ } } [النساء: 33] قال: كان المهاجرون حين قدِموا المدينة يرث الأنصاري المهاجريُّ دون ذوي رحِمِه؛ للأخوة التي آخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهم، فلما نزلت {وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ} قال: نسختها {وَٱلَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ}. قال أبو الحسن بن بطّال: وقع في جميع النسخ {وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ} قال: نسختها {وَٱلَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ}. والصواب أن الآية الناسخة {وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ} والمنسوخة {وَٱلَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ}، وكذا رواه الطبري في روايته. وروي عن جمهور السلف أن الآية الناسخة لقوله: {وَٱلَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ} قوله تعالى في «الأنفال»: { { وَأْوْلُواْ ٱلأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَىٰ بِبَعْضٍ } } [الانفال: 75]. رُوي هذا عن ابن عباس وقَتادة والحسن البَصْرِي؛ وهو الذي أثبته أبو عبيد في كتاب «الناسخ والمنسوخ» له. وفيها قول آخر رواه الزُّهْرِي عن سعيد بن المسيب قال: أمر الله عز وجل الذين تَبَنَّوا غير أبنائهم في الجاهلية وورثوا في الإسلام أن يجعلوا لهم نصيباً في الوصيّة وردّ الميراث إلى ذَوي الرَّحِم وَالعَصَبة وقالت طائفة: قوله تعالى: {وَٱلَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ} مُحْكَمٌ وليس بمنسوخ؛ وإنما أمر الله المؤمنين أن يُعْطُوا الحلفاء أنصباءهم من النُّصرة والنصيحة وما أشبه ذلك؛ ذكره الطبري عن ابن عباس. {وَٱلَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ} من النُّصرة والنصيحة والرِّفادة ويُوصى لهم وقد ذهب الميراث؛ وهو قول مُجاهد والسُّدي.

قلت واختاره النحاس؛ ورواه عن سعيدبن جبير، ولا يصح النسخ؛ فإن الجمع ممكن كما بيّنه ابن عباس فيما ذكره الطبري، ورواه البخاري عنه في كتاب التفسير. وسيأتي ميراث «ذوي الأرحام» في «الأنفال» إن شاء الله تعالى

الثانية ـ «كُلّ» في كلام العرب معناها الإحاطة والعموم. فإذا جاءت مفردة فلا بدّ أن يكون في الكلام حذف عند جميع النحويين؛ حتى أن بعضهم أجاز مررتُ بكلٍّ، مثل قبلُ وبعدُ. وتقدير الحذف: ولكلّ أحدٍ جعلنا موالي، يعني ورثة. {وَٱلَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ} يعني بالحلف؛ عن قتادة. وذلك أن الرجل كان يعاقد الرجل فيقول: دَمي دَمُك، وهَدْمي هَدْمُكَ، وثأري ثأرك، وحَرْبي حربُكَ، وسِلْمي سِلْمك، وتَرِثُني وأرِثُك، وتطلب بي وأطلب بك، وتَعْقِل عني وأعْقِل عنك؛ فيكون للحليف السّدسُ من ميراث الحَليف ثم نسخ.

الثالثة ـقوله تعالى: {مَوَالِيَ} اعلم أن المولى لفظ مشترك يطلق على وجوه؛ فيُسَمَّى المُعْتِق مَوْلىً والمُعْتَق مَوْلىً. ويقال: المَوْلَى الأسفل والأعلى أيضاً. ويُسَمَّى الناصر المَوْلَى؛ ومنه قوله تعالى

{ { وَأَنَّ ٱلْكَافِرِينَ لاَ مَوْلَىٰ لَهُمْ } } [محمد: 11] ويسمى ابن العم مَوْلىً والجار مَولىً. فأما قوله تعالى: {وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ} يريد عَصبة؛ لقوله عليه السلام:ما أبقت السهام فَلأَوْلَى عَصَبَةٍ ذَكَر. ومن العصبات المَوْلَى الأعلى لا الأسفل، على قول أكثر العلماء؛ لأن المفهوم في حق المعتق أنه المُنْعِم على المُعْتَق، كالموجِد له؛ فٱستحق ميراثه لهذا المعنى. وحكى الطحاوي عن الحسن بن زياد أن المولى الأسفل يرث من الأعلى؛ واحتج فيه بما روى أن رجلا أعتق عبداً له فمات المُعْتِق ولم يترك إلا المُعْتَق فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ميراثه للغلام المُعْتَق. قال الطحاوي: ولا معارِض لهذا الحديث، فوجب القول به: ولأنه إذا أمكن إثبات الميراث للمعتِق على تقدير أنه كان كالموجِد له، فهو شبيه بالأب؛ والمولى الأسفل شبيه بالابن؛ وذلك يقتضي التّسْوية بينهما في الميراث، والأصل أن الاتصال يَعُّم. وفي الخبر: «مَوْلَى القوم منهم». والذين خالفوا هذا وهم الجمهور قالوا: الميراث يَستدعي القرابة ولا قرابة، غير أنا أثبتنا للمُعْتِق الميراث بحكم الإنعام عَلىَ المُعْتَق؛ فيقتضي مقابلة الإنعام بالمجازاة وذلك لا ينعكس في المَوْلَى الأسفل. وأما الابن فهو أوْلَى الناس بأن يكون خليفة أبيه وقائماً مقامه، وليس المعتَق صالحا لأن يقوم مقام معتقه، وإنما المعتِق قد أنعم عليه فقابله الشّرع بأن جعله أحقّ بمولاه المُعْتَق، ولا يوجد هذا في المولى ٱلأسفل؛ فظهر الفرق بينهما والله أعلم.

الرابعة ـ قوله تعالى: {وَٱلَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ} روى علي بن كَبْشة عن حمزة {عَقَدَتْ} بتشديد القاف على التكثير. والمشهور عن حمزة {عَقَّدَتْ أَيْمَانُكُمْ} مخفّفة القاف، وهي قراءة عاصم والكسائي، وهي قراءة بعيدة؛ لأن المعاقِدة لا تكون إلا من ٱثنين فصاعداً، فبابها فاعل. قال أبو جعفر النحاس: وقراءة حمزة تجوّز على غموض في العربية، يكون التقدير فيها والذين عقدتهم أيمانُكم الحلف، وتعدَّى إلى مفعولين؛ وتقديره: عَقدَتْ لهم أيمانُكم الحِلْف، ثم حذفت اللام مثل قوله تعالى:

{ { وَإِذَا كَالُوهُمْ } } [المطففين: 3] أي كَالُوا لهم. وحذِف المفعول الثاني، كما يقال: كِلْتك أي كِلْتُ لك بُراً. وحذِف المفعول الأوّل لأنه متصل في الصلة.

الخامسة ـ قوله تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيداً} أي قد شَهِد معاقدتكم إياهم، وهو عز وجل يُحِبُّ الوفاء.

ٱلرِّجَالُ قَوَّٰمُونَ عَلَى ٱلنِّسَآءِ بِمَا فَضَّلَ ٱللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ وَبِمَآ أَنفَقُوا۟ مِنْ أَمْوَٰلِهِمْ فَٱلصَّٰلِحَٰتُ قَٰنِتَٰتٌ حَٰفِظَٰتٌ لِّلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ ٱللَّهُ وَٱلَّٰتِى تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَٱهْجُرُوهُنَّ فِى ٱلْمَضَاجِعِ وَٱضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا۟ عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا ۝٣٤

فيه إحدى عشرة مسألة:

الأولى ـ قوله تعالى: {ٱلرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى ٱلنِّسَآءِ} ابتداء وخبر، أي يقومون بالنفقة عليهن والذَّب عنهن؛ وأيضاً فإن فيهم الحكام والأمراء ومن يغزو، وليس ذلك في النساء. يقال: قوّام وقَيِّم. والآية نزلت في سعد بن الربيع نَشَزت عليه امرأته حبيبة بنت زيد بن خارجة بن أبي زهير فلطمها؛ فقال أبوها:

يا رسول الله، أفرشتهُ كريمتي فلطمهاٰ فقال عليه السلام: «لِتَقْتَصّ من زوجها». فانصرفت مع أبيها لتقتصّ منه، فقال عليه السلام: «ارجعوا: هذا جبريل أتاني» فأنزل الله هذه الآية فقال عليه السلام: «أردنا أمْرّاً وأراد الله غيره» . وفي رواية أُخرى؛أردتُ شيئاً وما أراد الله خير. ونقض الحكم الأوّل. وقد قيل: إن في هذا الحكم المردود نزل { { وَلاَ تَعْجَلْ بِٱلْقُرْآنِ مِن قَبْلِ إَن يُقْضَىٰ إِلَيْكَ وَحْيُهُ } } [طه: 114]. ذكر إسماعيل بن إسحاق قال: حدّثنا حجّاج بن المنهال وعارِم بن الفَضْل ـ واللفظ لحجاج ـ قال حدّثنا جرير بن حازم قال سمعت الحسن يقول: إن امرأة أتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: إن زَوْجي لطم وجهي. فقال: «بينكما القصاص» ، فأنزل الله تعالى: {وَلاَ تَعْجَلْ بِٱلْقُرْآنِ مِن قَبْلِ إَن يُقْضَىٰ إِلَيْكَ وَحْيُهُ}. وأمسك النبي صلى الله عليه وسلم حتى نزل: {ٱلرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى ٱلنِّسَآءِ}. وقال أبو رَوْق: نزلت في جميلة بنت أبيّ وفي زوجها ثابت بن قيس بن شمّاس. وقال الكلبي: نزلت في عميرة بنت محمد بن مسلمة وفي زوجها سعد بن الربيع. وقيل؛ سببها قولُ أمِّ سلمة المتقدّم. ووجه النظم أنهنّ تكلمنّ في تفضيل الرجال على النساء في الإرث، فنزلت «وَلاَ تَتَمَنَّوا» الآية. ثم بيّن تعالى أنّ تفضيلهم عليهنّ في الإرث لِما على الرجال من المهر وٱلإنفاق؛ ثم فائدة تفضيلهم عائدةٌ إليهنّ. ويقال: إن الرجال لهم فضيلة في زيادة العقل والتدبير؛ فجعل لهم حق القيام عليهنّ لذلك. وقيل: للرجال زيادة قوّة في النفس والطبع ما ليس للنساء؛ لأن طبع الرجال غلب عليه الحرارة واليبوسة، فيكون فيه قوّة وشدّة، وطبع النساء غلب عليه الرطوبة والبرودة، فيكون فيه معنى اللين والضعف؛ فجعل لهم حق القيام عليهنّ بذلك، وبقوله تعالى: {وَبِمَآ أَنْفَقُواْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ}.

الثانية ـ ودّلت هذه الآية على تأديب الرجال نساءَهم، فإذا حفظن حقوق الرجال فلا ينبغي أن يسيء الرّجل عِشرتها. و «قَوّام» فعّال للمبالغة؛ من القيام على الشيء والاستبداد بالنظر فيه وحفظه بالاجتهاد. فقيام الرّجال على النساء هو علىٰ هذا الحد؛ وهو أن يقوم بتدبيرها وتأديبها وإمساكها في بيتها ومنعها من البروز وأنْ عليها طاعته وقبول أمره ما لم تكن معصية؛ وتعليل ذلك بالفضيلة والنفقة والعقل والقوّة في أمر الجهاد والميراث والأمر بالمعروف وٱلنهي عن المنكر. وقد راعى بعضهم في التفضيل الِّلحْيَة وليس بشيء؛ فإن الَّلحْيَة قد تكون وليس معها شيء مما ذكرنا وقد مضى الردّ على هذا في «البقرة».

الثالثة ـ فَهِم العلماء من قوله تعالى: {وَبِمَآ أَنْفَقُواْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ} أنه متى عجز عن نفقتها لم يكن قوّاماً عليها، وإذا لم يكن قَوّاماً عليها كان لها فسخ العقد؛ لزوال المقصود الذي شُرع لأجله النكاح. وفيه دلالة واضحةٌ من هذا الوجه على ثبوت فسخ النكاح عند الإعسار بالنفقة والكسوة؛ وهو مذهب مالك والشافعي. وقال أبو حنيفة؛ لا يفسخ؛ لقوله تعالى:

{ { وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَىٰ مَيْسَرَةٍ } } [البقرة: 280] وقد تقدّم القول في هذا في هذه السورة.

الرابعة ـ قوله تعالى: {فَٱلصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِّلْغَيْبِ} هذا كله خبر، ومقصوده الأمر بطاعة الزوج والقيام بحقه في مالِه وفي نفسها في حال غيبة الزوج. وفي مسند أبي داود الطيالسي عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

خير النساء التي إذا نظرت إليها سَرّتْك وإذا أمرتها أطاعتك وإذا غِبْتَ عنها حفِظتك في نفسها ومالِكقال: وتلا هذه الآية {ٱلرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى ٱلنِّسَآءِ} إلى آخر الآية. وقال صلى الله عليه وسلم لعمر:ألا أخبرك بخير ما يكنزه المرء المرأةُ الصالحة إذا نظر إليها سرّتْه وإذا أمرها أطاعته وإذا غاب عنها حفظتهأخرجه أبو داود. وفي مصحف ابن مسعودفالصّوالح قوانِت حوافِظ. وهذا بناء يختص بالمؤنث. قال ابن جِنَّي: والتكسير أشبه لفظاً بالمعنى؛ إذا هو يعطي الكثرة وهي المقصود ها هنا. و {مَآ} في قوله: {بِمَا حَفِظَ ٱللَّهُ} مصدرية، أي بحفظ الله لهنّ. ويصح أن تكون بمعنى الذي، ويكون العائد في «حفظ» ضمير نصب وفي قراءة أبي جعفر «بما حفط الله» بالنصب قال النحاس: الرفع أبين أي حافظات لمغيب أزواجهن بِحفظ الله ومعونته وتسديده. وقيل: بما حفِظهن الله في مهورهن وعشرتهن. وقيل: بما استحفظهن الله إياه من أداء الأمانات إلى أزواجهن. ومعنى قراءة النصب: بحفظهن الله؛ أي بحفظهن أمره أو دينه. وقيل في التقدير: بما حفظن الله، ثم وُحِّد الفعل؛ كما قيل:

فـإن الحـوادث أَودَى بهـا

وقيل: المعنى بحفظٍ الله؛ مثل حفِظتُ الله.

الخامسة: قوله تعالى: {وَٱللاَّتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ} اللاتي جمع التي وقد تقدّم. قال ابن عباس: تخافون بمعنى تعلمون وتتيقَّنون. وقيل هو على بابه. والنُّشوز العصيان؛ مأخوذ من النَّشْز، وهو ما ارتفع من الأرض. يقال: نَشَز الرجل يُنشز وينشز إذا كان قاعداً فنهض قائماً؛ ومنه قوله عز وجل:

{ { وَإِذَا قِيلَ ٱنشُزُواْ فَانشُزُواْ } } [المجادلة: 11] أي ارتفعوا وانهضوا إلى حرب أو أمر من أمور الله تعالى. فالمعنى: أي تخافون عِصيانهن وتعاليهن عما أوجب الله عليهن من طاعة الأزواج. وقال أبو منصور الُّلغَوِي: النشوز كراهيةُ كلِّ واحد من الزوجين صاحبَه؛ يقال: نشزت تنشِز فهي ناشِز بغير هاء. ونَشَصت تنشص، وهي السيئة للعشرة. وقال ابن فارس: ونشزت المرأة استصعبت على بعلها، ونشز بعلها عليها إذا ضربها وجفاها. قال ابن دُرَيد: نشزت المرأة ونشست ونشصت بمعنًى واحد.

السادسة ـ قوله تعالى: {فَعِظُوهُنَّ} أي بكتاب الله؛ أي ذكّروهن ما أوجب الله عليهن من حسن الصحبة وجميل العِشرة للزوج، والاعتراف بالدرجة التي له عليها، ويقول: إن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال:

لو أمرت أحداً أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها. وقال:لا تمنعه نفسَها وإن كانت على ظهر قَتَبٍ. وقال:أيُّما ٱمرأة باتت هاجرة فراش زوجها لعنتها الملائكة حتى تصبِحفي روايةحتى تراجع وتضع يدها في يده. وما كان مثل هذا.

السابعة ـ قوله تعالى: {وَٱهْجُرُوهُنَّ فِي ٱلْمَضَاجِعِ} وقرأ ابن مسعود والنَّخَعِيّ وغيرهما «في المضجع» على الإفراد؛ كأنه اسم جنس يؤدّي عن الجمع. والهجر في المضاجع هو أن يضاجعها ويُولِيها ظهره ولا يجامعها؛ عن ابن عباس وغيره. وقال مجاهد: جنِّبوا مضاجِعهن؛ فيتقدّر على هذا الكلام حذف، ويَعضُده «اهجروهن» من الهجران، وهو البعد؛ يقال: هجره أي تباعد ونأى عنه. ولا يمكن بُعْدُها إلا بترك مضاجعتها. وقال معناه إبراهيم النَّخعِي والشّعبِيّ وقَتادة والحسن البصريّ، ورواه ابن وهب وابن القاسم عن مالك، وٱختاره ابن العربي وقال: حَملُوا الأمر على الأكثر المُوفي. ويكون هذا القول كما تقول: ٱهجره في الله. وهذا أصل مالك.

قلت: هذا قول حَسَن؛ فإن الزوج إذا أعرض عن فراشها فإن كانت محبة للزوج فذلك يشقّ عليها فترجع للصلاح، وإن كانت مُبغِضة فيظهر النشوز منها؛ فيتبيّن أن النشوز من قِبَلها. وقيل: «اهجروهن» من الهُجر وهو القبيح من الكلام، أي غلِّظوا عليهن في القول وضاجعوهن للجماع وغيره؛ قال معناه سفيان، وروي عن ابن عباس. وقيل: أي شدّوهن وثَاقاً في بيوتهن؛ من قولهم: هجرَ البعيرَ أي ربطه بالهِجار، وهو حبل يُشدّ به البعير، وهو اختيار الطبري وقدح في سائر الأقوال. وفي كلامه في هذا الموضع نظر. وقد ردّ عليه القاضي أبو بكر بن العربي في أحكامه فقال: يا لها من هفوة من عالم بالقرآن والسنة! والذي حمله على هذا التأويل حديثٌ غريب رواه ابن وهبٍ عن مالك أن أسماء بنت أبي بكر الصدّيق ٱمرأةَ الزبير بن العوّام كانت تخرج حتى عوتب في ذلك. قال: وعتب عليها وعلى ضَرّتها، فعقد شعر واحدة بالأُخرى ثم ضربهما ضرباً شديداً، وكانت الضرّة أحسن ٱتقاء، وكانت أسماء لا تتّقي فكان الضرب بها أكثر؛ فشكَتْ إلى أبيها أبي بكر رضي الله عنه فقال لها: أيّ بُنيّة ٱصبِري فإن الزّبير رجل صالح، ولعلّه أن يكون زوجَك في الجنة؛ ولقد بلغني أن الرجل إذا ٱبتكر بٱمرأة تزوّجها في الجنة. فرأى الربط والعقد مع ٱحتمال اللفظ مع فعل الزبير فأقدم على هذا التفسير. وهذا الهجر غايته عند العلماء شهرٌ؛ كما فعل النبيّ صلى الله عليه وسلم حين أسَرّ إلى حفصة فأفشته إلى عائشة، وتظاهرتا عليه. ولا يبلغ به الأربعة الأشهر التي ضرب الله أجلاً عذراً للمُولِي.

الثامنة ـ قوله تعالى: {وَٱضْرِبُوهُنَّ} أمر الله أن يبدأ النساء بالموعظة أولاً ثم بالهجران، فإن لم يَنْجَعا فالضرب؛ فإنه هو الذي يصلِحها له ويحملها على تَوْفِية حقه. والضرب في هذه الآية هو ضرب الأدب غير المُبَرِّح، وهو الذي لا يكسر عظماً ولا يشين جارحة كاللَّكْزة ونحوها؛ فإن المقصود منه الصلاح لا غير. فلا جَرَم إذا أدّى إلى الهلاك وجب الضمان، وكذلك القول في ضرب المؤدّب غلامَه لتعليم القرآن والأدب. وفي صحيح مسلم:

ٱتقوا الله في النساء فإنكم أخذتموهن بأمانة الله واستحللتم فروجهن بكلمة الله ولكم عليهن ألاّ يُوطِئْنَ فُرُشكم أحداً تكرهونه فإن فعلن فاضربوهن ضَرْباً غيرُ مُبَرِّحالحديث. أخرجه من حديث جابر الطويل في الحج، أي لا يُدخِلن منازلكم أحداً ممن تكرهونه من الأقارب والنساء الأجانب. وعلى هذا يُحمل ما رواه التّرْمذِيّ وصحّحه عن عمرو بن الأحْوَص أنه شهد حجة الودَاع مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فحمِد الله وأثنى عليه وذكّر ووعظ فقال:ألاَ وٱستَوْصُوا بالنساء خيراً فإنهن عَوَانٍ عندكم ليس تملكون منهن شيئاً غير ذلك إلا أن يأتين بفاحشة مُبَيِّنة فإن فعلن فاهجروهن في المضاجِع وٱضربوهن ضرباً غيرَ مُبَرِّح فإن أطَعْنَكم فلا تَبْغُوا عليهن سبيلاً ألا إنّ لكم على نسائكم حقاً ولنسائكم عليكم حقّاً فأما حقكم على نسائكم فلا يُوطِئْنَ فُرُشَكم مَن تكرهون ولا يأذنّ في بيوتكم من تكرهون ألاَ وحقُّهنّ عليكم أن تحسِنوا إليهن في كسوتهن وطعامهن. قال: هذا حديث حسن صحيح. فقوله: {بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ} يريد لا يُدخِلن مَن يكرهه أزواجُهن ولا يُغضِبنهم. وليس المراد بذلك الزنى؛ فإن ذلك محرّم ويلزم عليه الحدّ. وقد قال عليه الصلاة والسلام: ٱضرِبوا النساء إذا عَصَينكم في معروفٍ ضَرْباً غيرَ مُبَرِّح. قال عطاء: قلت لابن عباس ما الضرب غيرُ المُبَرِّح؟ قال بالسواك ونحوه. وروي أن عمر رضي الله عنه ضرب ٱمرأته فعُذِل في ذلك فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:لا يُسأل الرجل فيمَ ضرب أهله ».

التاسعة ـ قوله تعالى: {فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ} أي تركوا النشوز. {فَلاَ تَبْغُواْ عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً} أي لا تَجْنُوا عليهن بقولٍ أو فعلٍ. وهذا نهيٌ عن ظلمهن بعد تقرير الفضل عليهن والتمكين من أدبهن. وقيل: المعنى لا تكلِّفوهن الحُبَّ لكم فإنه ليس إليهن.

العاشرة ـ قوله تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيّاً كَبِيراً} إشارة إلى الأزواج بخفض الجناح ولِين الجانب؛ أي إن كنتم تقدِرون عليهن فتذكّروا قدرة الله؛ فيَدهُ بالقدرة فوق كل يد. فلا يَستعلي أحد على ٱمرأته فالله بالمرصاد؛ فلذلك حسن الاتصاف هنا بالعلوّ والكبر.

الحادية عشرة ـ وإذا ثبت هذا فٱعلم أن الله عزّ وجلّ لم يأمر في شيء من كتابه بالضرب صُراحاً إلا هنا وفي الحدود العظام؛ فسَاوى معصِيتهن بأزواجهن بمعصية الكبائر، وولّى الأزواج ذلك دون ٱلأئمة، وجعله لهم دون القُضاة بغير شهود ولا بينات ٱئتمانا من الله تعالى للأزواج على النساء. قال المهلب: إنما جوّز ضرب النساء من أجل ٱمتناعهنّ على أزواجهنّ في المباضعة. وٱختلِف في وجوب ضربها في الخدمة، والقياس يوجِب أنه إذا جاز ضربها في المباضعة جاز (ضربها) في الخدمة الواجبة للزوج عليها بالمعروف. وقال ٱبن خُوَيْزِ مَنْدَاد: والنشوز يُسقِط النفقة وجميع الحقوق الزوجية، ويجوز معه أن يضرِبها الزوج ضرب الأدب غير المُبَرِّح، والوعظُ والهجر حتى ترجِع عن نشوزها، فإذا رجعت عادت حقوقها؛ وكذلك كل ما ٱقتضى الأدب فجائز للزوج تأديبها. ويختلف الحال في أدب الرفيعة والدنيئة؛ فأدب الرفيعة العَذْل، وأدب الدنيئة السَّوْط. وقد قال النبيّ صلى الله عليه وسلم:

رحِم الله ٱمرأ علّق سوطه وأدّب أهله. وقال:إنّ أبا جهم لا يضع عصاه عن عاتِقه. وقال بَشَّار:

الحرُّ يُلْحَى والعصا للعبْدِ

يُلْحَى أي يلام؛ وقال ٱبن دُرَيد:

وٱللَّوْمُ للحرّ مُقيمٌ رادِعٌوالعبد لا يَرْدَعهُ إلا العَصَا

قال ٱبن المنذِر: ٱتفق أهل العلم على وجوب نفقات الزوجات على أزواجهن إذا كانوا جميعاً بالِغِين إلا الناشز منهنّ الممتنعة. وقال أبو عمر: من نشزت عنه ٱمرأته بعد دخوله سقطت عنه نفقتها إلا أن تكون حاملاً. وخالف ٱبن القاسم جماعة الفقهاء في نفقة الناشِز فأوجبها. وإذا عادت الناشز إلى زوجها وجب في المستقبل نفقتها. ولا تَسقط نفقةُ المرأة عن زوجها لشيءٍ غير النشوز؛ لا من مرض ولا حيض ولا نفاس ولا صوم ولا حج ولا مَغِيب زوجها ولا حبسه عنها في حق أو جَوْرٍ غير ما ذكرنا. والله أعلم.

وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَٱبْعَثُوا۟ حَكَمًا مِّنْ أَهْلِهِۦ وَحَكَمًا مِّنْ أَهْلِهَآ إِن يُرِيدَآ إِصْلَٰحًا يُوَفِّقِ ٱللَّهُ بَيْنَهُمَآ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا ۝٣٥

فيه خمس مسائل:

الأُولى ـ قوله تعالى: {وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا} قد تقدّم معنى الشقاق في «البقرة». فكأنّ كل واحد من الزوجين يأخذ شِقّاً غير شِقّ صاحبه، أي ناحية غير ناحية صاحبه. والمراد إن خِفتم شِقاقاً بينهما؛ فأضيف ٱلمصدر إلى الظرف كقولك: يعجِبني سَيْر الليلة المُقْمرة، وصومُ يومِ عرفة. وفي التنزيل:

{ { بَلْ مَكْرُ ٱلْلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ } } [سبأ: 33]. وقيل: إن «بَيْنَ» أجرِي مجرى ٱلأسماء وأزِيل عنه الظرفية؛ إذ هو بمعنى حالهما وعشرتهما، أي وإن خِفتم تباعد عشرتهما وصحبتهما {فَٱبْعَثُواْ}. و {خِفْتُمْ} على الخلاف المتقدّم. قال سعيد بن جُبير: الحُكْم أن يعِظَها أوّلاً، فإن قبِلت وإلا هجرها، فإن هي قبِلت وإلا ضربها، فإن هي قبِلت وإلا بعث الحاكِم حَكَماً من أهله وحَكَماً من أهلها، فينظران ممن الضرر، وعند ذلك يكون الخُلْع. وقد قيل: له أن يضرِب قبل الوعظ. والأوّل أصح لترتيب ذلك في الآية.

الثانية ـ الجمهور من العلماء على أن المخاطب بقوله: «وَإنْ خِفْتُمْ» الحُكّامُ والأُمراء. وأن قوله: {إِن يُرِيدَآ إِصْلاَحاً يُوَفِّقِ ٱللَّهُ بَيْنَهُمَآ} يعني الحكمين؛ في قول ٱبن عباس ومجاهد وغيرهما. أي إن يرد الحكمان إصلاحاً يُوفّق الله بين الزوجين. وقيل: المراد الزوجان؛ أي إن يرد الزوجان إصلاحاً وصِدقاً فيما أخبرا به الحكمين {يُوَفِّقِ ٱللَّهُ بَيْنَهُمَآ}. وقيل: الخطاب للأولياء. يقول: {وَإِنْ خِفْتُمْ} أي علمتم خِلافاً بين الزوجين {فَٱبْعَثُواْ حَكَماً مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِّنْ أَهْلِهَآ} والحكمان لا يكونان إلا من أهل الرجل والمرأة؛ إذ هما أقعد بأحوال الزوجين، ويكونان من أهل العدالة وحسن النظر والبصر بالفقه. فإن لم يُوجد من أهلهما مَن يصلح لذلك فيُرسِل من غيرهما عدلين عالِمين؛ وذلك إذا أشكل أمرهما ولم يُدْرَ مِمن ٱلإساءة منهما. فأمّا إن عرِف الظالم فإنه يؤخذ له الحق من صاحبه ويُجبر على إزالة الضرر. ويقال: إن الحَكَم من أهل الزوج يخلو به ويقول له: أخبِرني بما في نفسِك أتهواها أم لا حتى أعلم مرادك؟ فإن قال: لا حاجة لي فيها خذ لي منها ما استطعت وفرّق بيني وبينها، فيُعرف أن مِن قِبله النشوز. وإن قال: إنِّي أهواها فأرضِها من مالي بما شِئت ولا تفرّق بيني وبينها، فيُعلم أنه ليس بناشِز. ويخلو (الحكم من جهتها) بالمرأة ويقول لها: أتهوِي زوجَك أم لا؛ فإن قالت: فرّق بيني وبينه وأعطه من مالي ما أراد؛ فيعلم أن النشوز من قِبلها. وإن قالت: لا تفرّق بيننا ولكن حثه على أن يزيد في نفقتي ويحسِن إليّ، علم أن النشوز ليس من قبلها. فإذا ظهر لهما الذي كان النشوز من قِبله يُقبِلان عليه بالعِظةِ والزجر والنهي؛ فذلك قوله تعالى: {فَٱبْعَثُواْ حَكَماً مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِّنْ أَهْلِهَآ}.

الثالثة ـ قال العلماء: قَسّمت هذه الآيةُ النساءَ تقسيماً عقليّاً؛ لأنهنّ إمّا طائعة وإما ناشز؛ والنشوز إما أن يرجع إلى الطّواعِية أوْ لا. فإن كان الأوّل تُرِكَا؛ لما رواه النّسائِي أن عَقِيل بن أبي طالب تزوّج فاطمةَ بنتَ عتبة بن ربيعة فكان إذا دخل عليها تقول: يا بني هاشم، واللَّهِ لا يحِبكم قلبي أبداً! أين الذين أعناقهم كأباريق الفِضة! تُرَدّ أُنوفهم قبل شِفاهِهِم، أين عُتبةُ بن ربيعة، أبن شَيْبة بن ربيعة؛ فيسكت عنها، حتى دخل عليها يوماً وهو بَرِمٌ فقالت له: أين عُتبة بن ربيعة؟ فقال: على يسارك في النار إذا دخلت؛ فنشرت عليها ثيابها، فجاءت عثمان فذكرت له ذلك؛ فأرسل ٱبنَ عباس ومعاوية، فقال ٱبن عباس: لأُفرقنّ بينهما؛ وقال معاوية؛ ما كنت لأُفرّق بين شيخين من بني عبد مناف. فأتياهما فوجداهما قد سدّا عليهما أبوابهما وأصلحا أمرهما. فإن وجداهما قد ٱختلفا ولم يصطلِحا وتفاقم أمرهما سَعَيَا في الأُلفة جهدهما، وذَكّرا بالله وبالصحبة. فإن أنابَا ورجعا تركاهما، وإن كانا غير ذلك ورأيا الفرقة فرّقا بينهما. وتفريقهما جائز على الزوجين؛ وسواء وافق حُكْم قاضي البلد أو خالفه، وكّلَهما الزوجان بذلك أو لم يوكّلاهما. والفِراق في ذلك طلاقٌ بائن. وقال قوم: ليس لهما الطلاق ما لم يوكّلْهما الزوج في ذلك، وليعرّفا الإمام؛ وهذا بناء على أنهما رسولان شاهدان. ثم الإمام يفرّق إن أراد ويأمر الحَكَم بالتفريق. وهذا أحد قولي الشافعيّ؛ وبه قال الكوفيون، وهو قول عطاء وٱبن زيد والحسن، وبه قال أبو ثور. والصحيح الأوّل، وأن للحكمين التطليقَ دون توكيل؛ وهو قول مالك والأُوزاعيّ وإسحاق ورُوي عن عثمان وعليّ وٱبن عباس، وعن الشَّعْبيّ والنَّخَعِيّ، وهو قول الشافعي؛ لأن الله تعالى قال: {فَٱبْعَثُواْ حَكَماً مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِّنْ أَهْلِهَآ} وهذا نص من الله سبحانه بأنهما قاضيان لا وكيلان ولا شاهدان. وللوكيل ٱسم في الشريعة ومعنًى، ولِلحَكَم ٱسم في الشريعة ومعنًى؛ فإذا بيّن الله كل واحد منهما فلا ينبغي لشاذّ ـ فكيف لِعالم ـ أن يركّب معنى أحدهما على الآخر!. وقد روى الدَّارَقُطْنِيّ من حديث محمد بن سِيرين عن عبَيدة في هذه الآية {وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَٱبْعَثُواْ حَكَماً مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِّنْ أَهْلِهَآ} قال: جاء رجل وٱمرأة إلى عليّ مع كل واحد منهما فِئام من الناس فأمرهم فبعثوا حَكَماً من أهله وَحَكَماً من أهلها، وقال للحكمين: هل تَدْرِيان ما عليكما؟ عليكما إن رأيتما أن تفرّقا فرّقتما. فقالت المرأة: رضيت بكتاب الله بما عليّ فيه ولِي. وقال الزوج: أما الفرقة فلا. فقال عليّ: كذبت، والله لا تبرح حتى تُقِرّ بمثل الذي أقرّت به. وهذا إسناد صحيح ثابت رُوي عن عليّ من وجوه ثابتة عن ٱبن سيرين عن عَبيدة؛ قاله أبو عمر. فلو كانا وكيلين أو شاهدين لم يقل لهما: أتدريان ما عليكما؟ إنما كان يقول: أتدريان بما وُكِّلْتما؟ وهذا بيّن. احتج أبو حنيفة بقول عليّ رضي الله عنه للزوج: لا تبرح حتى ترضى بما رضيت به. فدلّ على أن مذهبه أنهما لا يفرقان إلا برضا الزوج، وبأن الأصل المجتمع عليه أن الطلاق بيد الزوج أو بيد من جعل ذلك إليه. وجعله مالك ومن تابعه من باب طلاق السلطان على المَوْلى والعِنِّين.

الرابعة ـ فإن ٱختلف الحكَمَان لم ينفذ قولهما ولم يلزم من ذلك شيء إلا ما ٱجتمعا عليه. وكذلك كل حكمين حَكَمَا في أمر؛ فإن حكم أحدهما بالفرقة ولم يحكم بها الآخر، أو حكم أحدهما بمال وأبَى الآخر فليس بشيء حتى يتّفقا. وقال مالك في الحكمين يطلِّقان ثلاثاً قال: تلزم واحدة وليس لهما الفراق بأكثر من واحدة بائنة؛ وهو قول ابن القاسم. وقال ابن القاسم أيضاً: تلزمه الثلاث إن اجتمعا عليها؛ وقاله المغيرة وأشهب وابن الماجِشُون وأَصْبَغ. وقال ابن الموّاز: إن حكم أحدهما بواحدة والآخر بثلاث فهي واحدة. وحكى ابن حبيب عن أَصْبَغ أن ذلك ليس بشيء.

الخامسة ـ ويجزىء إرسال الواحد؛ لأن الله سبحانه حكم في الزنى بأربعة شهود، ثم قد

أرسل النبيّ صلى الله عليه وسلم إلى المرأة الزانية أُنَيْساً وحده وقال له: «إن اعترفت فٱرجُمْها» وكذلك قال عبد الملك في المدوّنة.

قلت: وإذا جاز إرسال الواحد فلو حكّم الزوجان واحداً لأجزأ، وهو بالجواز أوْلى إذا رضيا بذلك، وإنما خاطب الله بالإرسال الحُكّامَ دون الزوجين. فإن أرسل الزوجان حَكَمين وحَكما نفذ حكمهُما؛ لأن التحكيم عندنا جائز، وينفذُ فعلُ الحكَم في كل مسألة. هذا إذا كان كل واحد منهما عدلاً، ولو كان غير عدل قال عبد الملك: حكمه منقوض؛ لأنهما تخاطرا بما لا ينبغي من الغَرَر. قال ابن العربي: والصحيح نفوذه؛ لأنه إن كان توكيلاً فِفْعل الوكيل نافذ، وإن كان تحكيماً فقد قدّماه على أنفسهما وليس الغرر بمؤثّر فيه كما لم يؤثر في باب التوكيل، وبابُ القضاء مبنيٌّ على الغَرَر كله، وليس يلزم فيه معرفة المحكوم عليه بما يؤول إليه الحكم. قال ابن العربي: مسألة الحكَمَين نصَّ اللَّهُ عليها وحَكَم بها عند ظهور الشقاق بين الزوجين، واختلاف ما بينهما. وهي مسألة عظيمة ٱجتمعت الأُمة على أصلها في البعث، وإن اختلفوا في تفاصيل ما ترتب عليه. وعجباً لأهل بلدنا حيث غَفَلوا عن موجب الكتاب والسنة في ذلك وقالوا: يُجعلان على يدي أمين؛ وفي هذا من معاندة النّص ما لا يخفى عليكم، فلا بكتاب الله ٱئتمروا ولا بالأقْيِسة ٱجتَزأُوا. وقد ندبت إلى ذلك فما أجابني إلى بعث الحَكَمين عند الشقاق إلا قاضٍ واحد، ولا بالقضاء باليمين مع الشاهد إلا آخر، فلما ملّكني الله الأمر أجْريت السُّنّة كما ينبغي. ولا تعجب لأهل بلدنا لما غمرهم من الجهالة، ولكن ٱعجب لأبي حنيفة ليس للحَكَمين عنده خبر، بل ٱعجب مرّتين للشافعيّ فإنه قال: الذي يشبه ظاهر الآية أنه فيما عمّ الزوجين معاً حتى يشتبه فيه حالاهما. قال: وذلك أني وجدت الله عزّ وجلّ أذِن في نشوز الزوج بأن يصطَلِحا وأذن في خوفهما ألاّ يقيما حدود الله بالخُلْع وذلك يشبه أن يكون برضا المرأة. وحظر أن يأخذ الزوج مما أعطى شيئاً إذا أراد استبدال زوج مكان زوج؛ فلما أمر فيمن خِفنا الشقاق بينهما بالحكمين دلّ على أن حكمهما غير حكم الأزواج، فإذا كان كذلك بعث حكما من أهله وحكما من أهلها، ولا يبعث الحكمين إلا مأمونين برضا الزوجين وتوكيلهما بأن يجمعا أو يُفرّقا إذا رأيا ذلك. وذلك يدل على أن الحكمين وكيلان للزوجين. قال ٱبن العربيّ: هذا منتهى كلام الشافعيّ، وأصحابُه يفرحون به وليس فيه ما يلتفت إليه ولا يشبه نصابه في العلم، وقد تولى الردّ عليه القاضي أبو إسحاق ولم ينصفه في الأكثر. أما قوله: «الذي يشبه ظاهر الآية أنه فيما عمّ الزوجين» فليس بصحيح بل هو نصّه، وهي من أبين آيات القرآن وأوضحها جَلاء؛ فإن الله تعالى قال: {ٱلرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى ٱلنِّسَآءِ}. ومن خاف من ٱمرأته نشوزاً وعَظَها، فإن أنابت وإلا هجرها في المَضْجَع، فإن ٱرْعَوَتْ وإلا ضربها، فإن ٱستمرّت في غلوائها مشى الحكمان إليهما. وهذا إن لم يكن نصّاً فليس في القرآن بيانٌ. ودَعْه لا يكون نصّاً، يكون ظاهراً؛ فأما أن يقول الشافعي: يشبه الظاهر فلا ندري ما الذي أشبه الظاهر؟. ثم قال: وأذِن في خوفهما ألاّ يقيما حدود الله بالخُلْع وذلك يشبه أن يكون برضا المرأة، بل يجب أن يكون كذلك وهو نصه. ثم قال: فلما أمر بالحكمين علمنا أن حكمهما غير حكم الأزواج، ويجب أن يكون غيره بأن ينفذ عليهما من غير اختيارهما فتتحقق الغَيْرِية. فأما إذا أنفذا عليهما ما وكّلاهما به فلم يحكما بخلاف أمرهما فلم تتحقق الغَيْرِيَة. «برضى الزوجين وتوكيلهما» فخطأٌ صُراح؛ فإن الله سبحانه خاطب غير الزوجين إذا خاف الشقاق بين الزوجين بإرسال الحكمين، وإذا كان المخاطب غيرهما كيف يكون ذلك بتوكيلهما، ولا يصح لهما حكم إلا بما ٱجتمعا عليه. هذا وجه الإنصاف والتحقيق في الردّ عليه. وفي هذه الآية دليل على إثبات التحكيم، وليس كما تقول الخوارج إنه ليس التحكيم لأحد سوى الله تعالى. وهذه كلمة حق ولكن يريدون بها الباطل.

الأحد، 8 نوفمبر 2026 28 جمادى الأولى 1448 هـ