انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة النور

تفسير البغويالآيات 20–35

تفسير سورة النور آية آية، من تفسير البغوي.

وَلَوْلَا فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُۥ وَأَنَّ ٱللَّهَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ ۝٢٠ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تَتَّبِعُوا۟ خُطُوَٰتِ ٱلشَّيْطَٰنِ وَمَن يَتَّبِعْ خُطُوَٰتِ ٱلشَّيْطَٰنِ فَإِنَّهُۥ يَأْمُرُ بِٱلْفَحْشَآءِ وَٱلْمُنكَرِ وَلَوْلَا فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُۥ مَا زَكَىٰ مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ يُزَكِّى مَن يَشَآءُ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ۝٢١ وَلَا يَأْتَلِ أُو۟لُوا۟ ٱلْفَضْلِ مِنكُمْ وَٱلسَّعَةِ أَن يُؤْتُوٓا۟ أُو۟لِى ٱلْقُرْبَىٰ وَٱلْمَسَٰكِينَ وَٱلْمُهَٰجِرِينَ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ وَلْيَعْفُوا۟ وَلْيَصْفَحُوٓا۟ أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ ٱللَّهُ لَكُمْ وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ۝٢٢

{وَلَوْلاَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ ٱللَّهَ رَؤوفٌ رَحيمٌ}، جواب {لَوْلا} محذوف، أي: لعاجلكم بالعقوبة، قال ابن عباس: يريد مسطحاً وحسان وحمنة.

قوله عزّ وجلّ: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَٰتِ ٱلشَّيْطَـٰنِ وَمَن يَتَّبِعْ خُطُوَٰتِ ٱلشَّيْطَـٰنِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِٱلْفَحْشَآءِ}، أي: بالقبائح من الأفعال، {وَٱلْمُنْكَرِ}، ما يكرهه الله عز وجل، {وَلَوْلاَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى}، قال مقاتل: ما صلح. وقال ابن قتيبة: ما طهر، {مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ}، والآية على العموم عند بعض المفسرين، قالوا: أخبر الله أنه لولا فضله ورحمته بالعصمة ما صلح منكم أحد. وقال قوم: هذا الخطاب للذين خاضوا في الإِفك، ومعناه: ما طهر من هذا الذنب ولا صلح أمره بعد الذي فعل، وهذا قول ابن عباس في رواية عطاء، قال: ما قبل توبة أحد منكم، {أَبَداً وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يُزَكِّى}، يُطَهِّرُ، {مَن يَشَآءُ}، من الذنب بالرحمة والمغفرة، {وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ}.

قوله عزّ وجلّ: {وَلاَ يَأْتَلِ}، أي: ولا يحلف، وهو يفعل من الألية وهي القسم، قرأ أبو جعفر: "يتأل" بتقديم التاء وتأخير الهمزة، وهو يتفعل من الألية. {أُوْلُواْ ٱلْفَضْلِ مِنكُمْ وَٱلسَّعَةِ}، يعني أبا بكر الصديق {أَن يُؤْتُوۤاْ أُوْلِى ٱلْقُرْبَىٰ وَٱلْمَسَـٰكِينَ وَٱلْمُهَـٰجِرِينَ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ}، يعني مسطحاً، وكان مسكيناً مهاجراً بدرياً ابن خالة أبو بكر، حلف أبو بكر أن لا ينفق عليه، {وَلْيَعْفُواْ وَلْيَصْفَحُوۤاْ}، عنهم خوضهم في أمر عائشة، {أَلاَ تُحِبُّونَ}، يخاطب أبا بكر، {أَن يَغْفِرَ ٱللَّهُ لَكُمْ وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}، فلما قرأها النبي صلى الله عليه وسلم على أبي بكر قال: بلى أنا أحب أن يغفر الله لي، ورجع إلى مسطح نفقته التي كان ينفقها عليه، وقال: والله لا أنزعها منه أبداً.

وقال ابن عباس والضحاك: أقسم ناس من الصحابة فيهم أبو بكر أن لايتصدقوا على رجل تكلم بشيء من الإِفك ولا ينفعوهم، فأنزل الله هذه الآية.

إِنَّ ٱلَّذِينَ يَرْمُونَ ٱلْمُحْصَنَٰتِ ٱلْغَٰفِلَٰتِ ٱلْمُؤْمِنَٰتِ لُعِنُوا۟ فِى ٱلدُّنْيَا وَٱلْـَٔاخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ۝٢٣

قوله عزّ وجلّ: {إِنَّ ٱلَّذِينَ يَرْمُونَ ٱلْمُحْصَنَـٰتِ}، العفائف، {ٱلْغَـٰفِلَـٰتِ}، عن الفواحش، {ٱلْمُؤْمِنـٰتِ}، والغافلة عن الفاحشة أي: لا يقع في قلبها فعل الفاحشة وكانت عائشة كذلك، قوله تعالى: {لُعِنُواْ فِى ٱلدُّنْيَا وَٱلاَْخِرَةِ}، عذبوا، بالحدود وفي الآخرة بالنار، {وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ}، قال مقاتل: هذا في عبد الله بن أُبيّ المنافق. روي عن خصيف قال: قلت لسعيد بن جبير: من قذف مؤمنة يلعنه الله في الدنيا والآخرة؟ فقال ذلك لعائشة خاصة.

وقال قوم: هي لعائشة وأزواج النبي صلى الله عليه وسلم خاصة دون سائر المؤمنات. روي عن العوام بن حوشب عن شيخ من بني كاهل عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: هذه في شأن عائشة وأزواج النبي صلى الله عليه وسلم خاصة ليس فيها توبة. ومن قذف امرأة مؤمنة فقد جعل الله له توبة ثم قرأ: {وَٱلَّذِينَ يَرْمُونَ ٱلْمُحْصَنَـٰتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُواْ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَآءَ} إلى قوله: {إِلاَّ ٱلَّذِينَ تَابُواْ} فجعل لهؤلاء توبة، ولم يجعل لأولئك توبة.

وقال الآخرون: نزلت هذه الآية في أزواج النبي صلى الله عليه وسلم وكان ذلك حتى نزلت الآية التي في أول السورة {وَٱلَّذِينَ يَرْمُونَ ٱلْمُحْصَنَـٰتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُواْ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَآءَ} إلى قوله: {فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} فأنزل الله الجلد والتوبة.

يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم بِمَا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ ۝٢٤ يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ ٱللَّهُ دِينَهُمُ ٱلْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْحَقُّ ٱلْمُبِينُ ۝٢٥ ٱلْخَبِيثَٰتُ لِلْخَبِيثِينَ وَٱلْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَٰتِ وَٱلطَّيِّبَٰتُ لِلطَّيِّبِينَ وَٱلطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَٰتِ أُو۟لَٰٓئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ ۝٢٦

{يَوْمَ تَشْهَدُ} قرأ حمزة والكسائي بالياء لتقدم الفعل، وقرأ الآخرون بالتاء، {عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ}، وهذا قبل أن يختم على أفواههم، {وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ}، يروى أنه تختم على الأفواه فتتكلم الأيدي والأرجل بما عملت في الدنيا. وقيل: معناه تشهد ألسنة بعضهم على بعض وأيديهم وأرجلهم، {بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ}.

{يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ ٱللَّهُ دِينَهُمُ ٱلْحَقَّ} جزاءهم الواجب. وقيل: حسابهم العدل. {وَيَعْلَمُونَ أَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْحَقُّ ٱلْمُبِينُ}، يبين لهم حقيقة ما كان يعدهم في الدنيا. قال عبد الله بن عباس رضي الله عنهما: وذلك أن عبد الله بن أُبيّ كان يشك في الدين فيعلم يوم القيامة أن الله هو الحق المبين.

قوله عزّ وجلّ: {ٱلْخَبِيثَـٰتُ لِلْخَبِيثِينَ}، قال أكثر المفسرين: الخبيثات من القول والكلام للخبيثين من الناس. {وَٱلْخَبِيثُونَ}، من الناس، {لِلْخَبِيثَـٰتِ}، من القول، والكلام، {وَٱلطَّيِّبَـٰتُ}، من القول، {لِلطَّيِّبِينَ}، من الناس، {وَٱلطَّيِّبُونَ}، من الناس، {لِلْطَّيِّبَـٰتِ}، من القول، والمعنى: أن الخبيث من القول لا يليق إلا بالخبيث من الناس والطيب لا يليق إلا بالطيب من الناس، فعائشة لا يليق بها الخبيثات من القول لأنها طيبة رضي الله عنها فيضاف إليها طيبات الكلام من المدح والثناء الحسن وما يليق بها.

وقال الزجاج: معناه لا يتكلم بالخبيثات إلا الخبيث من الرجال والنساء ولا يتكلم بالطيبات إلا الطيب من الرجال والنساء، وهذا ذم للذين قذفوا عائشة، ومدح للذين برؤوها بالطهارة.

قال ابن زيد: معناه الخبيثات من النساء للخبيثين من الرجال والخبيثون من الرجال للخبيثات من النساء [مثال عبد الله بن أُبيّ والشاكّين في الدين، والطيبات من النساء للطيبين من الرجال، والطيبون من الرجال للطيبات من النساء. يريد عائشة طيبها الله لرسوله الطيب صلى الله عليه وسلم.

{أُوْلَـٰئِكَ مُبَرَّءُونَ}، يعني: عائشة وصفوان ذكرهما بلفظ الجمع كقوله تعالى:

{ { فَإِن كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ } } [النساء: 11] أي: إخوان. وقيل: "أولئك مبرؤون" يعني الطيبين والطيبات منزهون، {مِمَّا يَقُولُونَ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ}، فالمغفرة هي العفو عن الذنوب، والرزق الكريم: الجنة.

ورُوي أن عائشة كانت تفتخر بأشياء أعطيتها لم تعطها امرأة غيرها، منها أن جبريل أتى بصورتها في سََرَقَةٍ من حرير، وقال هذه زوجتك. وروي أنه أتى بصورتها في راحته وأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يتزوج بكراً غيرها، وقبض رسول الله صلى الله عليه وسلم ورأسه في حجرها، ودفن في بيتها، وكان ينزل عليه الوحي وهو معها في لحافه، ونزلت براءتها من السماء، وأنها ابنة خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم وصديقه، وخلقت طيبة، ووُعدت مغفرة ورزقاً كريماً.

وكان مسروق إذا روى عن عائشة قال: حدثتني الصدِّيقة بنت الصدِّيق حبيبة رسول الله صلى الله عليه وسلم المبرأة من السماء.

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تَدْخُلُوا۟ بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّىٰ تَسْتَأْنِسُوا۟ وَتُسَلِّمُوا۟ عَلَىٰٓ أَهْلِهَا ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ۝٢٧

قوله: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لاَ تَدْخُلُواْ بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّىٰ تَسْتَأْنِسُواْ وَتُسَلِّمُواْ عَلَىٰ أَهْلِهَا ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} قيل: معنى قوله: {حَتَّىٰ تَسْتَأْنِسُواْ} أي: حتى تستأذنوا. وكان ابن عباس يقرأ حتى تستأذنوا ويقول: تستأنسوا خطأ من الكاتب. وكذلك كان يقرأ أُبيّ بن كعب، والقراءة المعروفة تستأنسوا وهو بمعنى الاستئذان.

وقيل: الاستئناس طلب الأنس وهو أن ينظر هل في البيت إنسان فيؤذنهم إني داخل.

وقال الخليل: الاستئناس الاستبصار من قوله: آنست ناراً، أي: أبصرت.

وقيل: هو أن يتكلم بتسبيحة أو تكبيرة أو يتنحنح، يُؤذِن أهل البيت.

وجملة حكم الآية: أنه لا يدخل بيت الغير إلا بعد السلام والاستئذان.

واختلفوا في أنه يقدم الاستئذان أم السلام؟ فقال قوم: يقدم الاستئذان فيقول: أأدخل سلام عليكم، لقوله تعالى: {حَتَّىٰ تَسْتَأْنِسُواْ} أي: تستأذنوا، {وَتُسَلِّمُواْ عَلَىٰ أَهْلِهَا} والأكثرون على أنه يقدم السلام فيقول: سلام عليكم أأدخل. وفي الآية تقديم وتأخير، تقديرها: حتى تسلموا على أهلها وتستأذنوا. وكذلك هو في مصحف عبد الله بن مسعود.

"وروي عن كلدة بن حنبل قال دخلت علي النبي صلى الله عليبه وسلم فلم أسلم ولم أستأذن، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ارجعْ فقل: السلام عليكم أأدخل."

وروي عن ابن عمر أن رجلاً استأذن عليه فقال: أأدخل؟ فقال ابن عمر: لا، فأمر بعضهم الرجل أن يسلم فسلم فأذن له.

وقال بعضهم: إن وقع بصره على إنسان قَدّم السلام، وإلاّ قدم الاستئذان، ثم سلم. وقال أبو موسى الأشعري وحذيفة: يستأذن على ذوات المحارم، ومثله عن الحسن، إن كانوا في دار واحدة يتنحنح ويتحرك أدنى حركة.

أخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي، أخبرنا أبو الحسن علي بن محمد بن عبد الله بن بشران، أخبرنا إسماعيل بن محمد الصفار، أخبرنا أحمد بن منصور الرمادي، أخبرنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر عن سعيد الجريري، عن أبي نضرة عن أبي سعيد الخدري قال: سلّم عبد الله بن قيس على عمر بن الخطاب ثلاث مرات فلم يأذن له فرجع فأرسل عمر في إثره فقال لم رجعت فقال إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:

إذا سلم أحدكم ثلاثاً فلم يُجَب فليرجع . قال عمر لتأتين على ما تقول ببينة وإىلا لأفعلن بك كذا وكذا غير أنه قد أوعده، قال: فجاء أبو موسى الأشعري منتقعاً لونه وأنا في حلقة جالس، فقلنا: ما شأنك؟ فقال: سلمت على عمر، فأخبرنا خبره، فهل سمع أحد منكم من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قالوا: نعم كلنا قد سمعه، قال فأرسلوا معه رجلاً منهم حتى أتى عمر فأخبره بذلك.

ورواه بُسر بن سعيد عن أبي سعيد الخدري، وفيه: قال أبو موسى الأشعري: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

إذا استأذن أحدكم ثلاثاً فلم يُؤذن له فليرجعْ ».

قال الحسن: الأول إعلام والثاني مؤامرة، والثالث استئذان بالرجوع.

فَإِن لَّمْ تَجِدُوا۟ فِيهَآ أَحَدًا فَلَا تَدْخُلُوهَا حَتَّىٰ يُؤْذَنَ لَكُمْ وَإِن قِيلَ لَكُمُ ٱرْجِعُوا۟ فَٱرْجِعُوا۟ هُوَ أَزْكَىٰ لَكُمْ وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ ۝٢٨ لَّيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَدْخُلُوا۟ بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيهَا مَتَٰعٌ لَّكُمْ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ ۝٢٩ قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا۟ مِنْ أَبْصَٰرِهِمْ وَيَحْفَظُوا۟ فُرُوجَهُمْ ذَٰلِكَ أَزْكَىٰ لَهُمْ إِنَّ ٱللَّهَ خَبِيرٌۢ بِمَا يَصْنَعُونَ ۝٣٠

قوله عزّ وجلّ: {فَإِن لَّمْ تَجِدُواْ فِيهَآ أَحَداً فَلاَ تَدْخُلُوهَا}, أي: إن لم تجدوا في البيوت أحداً يأذن لكم في دخولها فلا تدخلوها، {حَتَّىٰ يُؤْذَنَ لَكُمُ وَإِن قِيلَ لَكُمْ ٱرْجِعُواْ فَٱرْجِعُواْ}، يعني إن كان في البيت قوم فقالوا: ارجع فليرجع ولا يقف على الباب ملازماً، {هُوَ أَزْكَىٰ لَكُمْ}، يعني: الرجوع أطهر وأصلح لكم، قال قتادة: إذا لم يؤذن له فلا يقعد على الباب فإن للناس حاجات، وإذا حضر ولم يستأذن وقعد على الباب منتظراً جاز.

وكان ابن عباس يأتي باب الأنصار يطلب الحديث فيقعد على الباب حتى يخرج، ولا يستأذن، فيخرج الرجل ويقول: يا ابن عم رسول الله لو أخبرتني، فيقول: هكذا أُمرنا أن نطلب العلم. وإذا وقف فلا ينظر من شق الباب إذا كان الباب مردودا.

أخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي، أخبرنا أبو الحسين بن بشران، أخبرنا إسماعيل بن محمد الصفار، أخبرنا أحمد بن منصور، أخبرنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر عن الزهري، عن سهل بن سعد الساعدي

أن رجلاً اطلع على النبي صلى الله عليه وسلم من ستر الحجرة في يد النبي صلى الله عليه وسلم مَدْرى، فقال: لو علمت أن هذا ينظرني حتى آتيه لطعنت بالمَدْرى في عينيه، وهلْ جُعل الاستئذان إلاّ من أجل البصر ».

أخبرنا عبد الوهاب بن محمد الخطيب، أخبرنا عبد العزيز بن أحمد الخلال، أخبرنا أبو العباس الأصم، أخبرنا الربيع، أخبرنا الشافعي، أخبرنا سفيان عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة أن رسول الله قال:

لو أن امرأً اطَّلَعَ عليك بغير إذن فحذفته بحصاة ففقأت عينه ما كان عليك جناح ».

قوله تعالى: {وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ}، من الدخول بالإِذن وغير الإِذن.

ولما نزلت آية الاستئذان قالوا: كيف بالبيوت التي بين مكة والمدينة والشام على ظهر الطريق، ليس فيها ساكن؟ فأنزل الله عزّ وجلّ:

{لَّيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَدْخُلُواْ بُيُوتاً غَيْرَ مَسْكُونَةٍ} أي: بغير استئذن، {فِيهَا مَتَاعٌ لَّكُمْ}، يعني منفعة لكم. واختلفوا في هذه البيوت، فقال قتادة: هي الحانات والبيوت والمنازل المبنية للسابلة ليأووا إليها ويؤووا أمتعتهم إليها، جاز دخولها بغير استئذان، والمنفعة فيها بالنزول وإيواء المتاع والاتقاء من الحر والبرد.

وقال ابن زيد: هي بيوت التجار وحوانيتهم التي بالأسواق يدخلونها للبيع والشراء وهو المنفعة. وقال إبراهيم النخعي: ليس على حوانيت السوق إذن.

وكان ابن سيرين إذا جاء إلى حانوت السوق يقول: السلام عليكم أأدخل؟ ثم يلج. وقال عطاء: هي البيوت الخربة، والمتاع هو قضاء الحاجة فيها من البول والغائط. وقيل: هي جميع البيوت التي لا ساكن لها لأن الاستئذان إنما جاء لئلا يطلع على عورة فإن لم يخف ذلك فله الدخول بغير استئذان، {وَٱللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ}.

قوله عزّ وجلّ: {قُلْ لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّواْ مِنْ أَبْصَـٰرِهِمْ} أي: عن النظر إلى مالا يحل النظر إليه. وقيل: «مِنْ» صلة أي: يغضوا أبصارهم. وقيل: هو ثابت لأن المؤمنين غير مأمورين بغض البصر أصلاً، لأنه لا يجب الغض عما يحل النظر إليه، وإنما أمروا بأن يغضوا عمّا لا يحل النظر إليه، {وَيَحْفَظُواْ فُرُوجَهُمْ}، عمّا لا يحل، قال أبو العالية: كل ما في القرآن من حفظ الفرج فهو عن الزنا والحرام، إلا في هذا الموضع فإنه أراد به الاستتار حتى لا يقع بصر الغير عليه، {ذٰلِكَ} أي: غض البصر وحفظ الفرج، {أَزْكَىٰ لَهُمْ}، أي: خير لهم وأطهر،{إِنَّ ٱللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ}، يعني عليم بما يفعلون، روي عن بريدة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعلي:

يا علي لا تُتبعِ النظرةَ النظرة فإنّ لك الأولى وليست لك الآخرة ».

وروي عن جرير بن عبد الله قال: سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن نظرة الفجأة فقال:

اصرف بصرك ».

أخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر، أخبرنا عبد الغافر بن محمد، حدثنا محمد بن عيسى الجلودي، حدثنا إبراهيم بن محمد بن سفيان، حدثنا مسلم بن الحجاج، أخبرنا أبو بكر بن أبي شيبة، أخبرنا زيد بن الحباب، عن الضحاك بن عثمان قال: أخبرني زيد بن أسلم، عن عبد الرحمن بن أبي سعيد الخدري، عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:

لا ينظرُ الرجلُ إلى عورةِ الرجلِ، ولا المرأةُ إلى عورةِ المرأةِ، ولا يُفْضِي الرجلُ إلى الرجلِ في ثوبٍ واحد، ولا تفضي المرأةُ إلى المرأةِ في ثوبٍ واحد ».

وَقُل لِّلْمُؤْمِنَٰتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَٰرِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَىٰ جُيُوبِهِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ ءَابَآئِهِنَّ أَوْ ءَابَآءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَآئِهِنَّ أَوْ أَبْنَآءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَٰنِهِنَّ أَوْ بَنِىٓ إِخْوَٰنِهِنَّ أَوْ بَنِىٓ أَخَوَٰتِهِنَّ أَوْ نِسَآئِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَٰنُهُنَّ أَوِ ٱلتَّٰبِعِينَ غَيْرِ أُو۟لِى ٱلْإِرْبَةِ مِنَ ٱلرِّجَالِ أَوِ ٱلطِّفْلِ ٱلَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا۟ عَلَىٰ عَوْرَٰتِ ٱلنِّسَآءِ وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوٓا۟ إِلَى ٱللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ ٱلْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ۝٣١

قوله عزّ وجلّ: {وَقُل لِّلْمُؤْمِنَـٰتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَـٰرِهِنَّ} عمّا لا يحل، {وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ}، عمن لا يحل. وقيل أيضاً: "يحفظن فروجهن" يعني: يسترنها حتى لا يراها أحد. وروي عن

"أم سلمة أنها كانت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وميمونة إذ أقبل ابن أم مكتوم فدخل عليه، وذلك بعدما أُمرنا بالحجاب، فقال رسول الله رسول الله صلى الله عليه وسلم: احتجبا منه، فقلت: يا رسول الله أليس هو أعمىً لا يُبْصِرُنا؟ فقال رسول الله صلى لله عليه وسلم: أَفَعَمْيَاوَان أنتما, ألستما تبصرانه؟ ».

قوله تعالى: {وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ}، يعني لا يظهرن زينتهن لغير محرم، وأراد بها الزينة الخفية وهما زينتان خفية وظاهر، فالخفية مثل الخلخال، والخضاب في الرجل، والسوار في المعصم، والقرط والقلائد، فلاة يجوز لها إظهارها، ولا للأجنبي النظر إليها، والمراد من الزينة موضع الزينة.

قوله تعالى: {إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا}، أراد به الزينة الظاهرة.

واختلف أهل العلم في هذه الزينة الظاهرة التي استثناها الله تعالى: قال سعيد بن جبير والضحاك والأوزاعي: هو الوجه والكفان. وقال ابن مسعود: هي الثياب بدليل قوله تعالى:

{ { خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ } } [الأعراف: 31]، وأراد بها الثياب. وقال الحسن: الوجه والثياب. وقال ابن عباس: الكحل والخاتم والخضاب في الكف.

فما كان من الزينة الظاهرة جاز للرجل الأجنبي النظر إليه إذا لم يخف فتنة وشهوة، فإن خاف شيئاً منها غض البصر، وإنما رُخص في هذا القدر أن تبديه المرأة من بدنها لأنه ليس بعورة وتؤمر بكشفه في الصلاة، وسائر بدنها عورة يلزمها ستره.

قوله عزّ وجلّ: {وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ}، أي: ليلقين بمقانعهن، {عَلَىٰ جُيُوبِهِنَّ}، وصدورهنّ ليسترن بذلك شعورهنّ وصدورهنّ وأعناقهن وقراطهن. قالت عائشة: رحم الله نساء المهاجرات الأول لما أنزل الله عزّ وجلّ: {وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَىٰ جُيُوبِهِنَّ} شققن مروطهنّ فاختمرن بها.

{وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ} يعني: الزينة الخفية التي لم يبح لهن كشفها في الصلاة ولا للأجانب وهو ما عدا الوجه والكفين {إِلاَّ لِبُعُولَتِهِنَّ}، قال ابن عباس ومقاتل: يعني لا يضعن الجلباب ولا الخمار إلا لبعولتهن، أي إلا لأزواجهن، {أَوْ ءَابَآئِهِنَّ أَوْ ءَابَآءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَآئِهِنَّ أَوْ أَبْنَآءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِىۤ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِى أَخَوَٰتِهِنَّ}، فيجوز لهؤلاء أن ينظروا إلى الزينة الباطنة، ولا ينظرون إلى ما بين السرة والركبة، ويجوز للزوج أن ينظر إلى جميع بدنها غير أنه يكره له النظر إلى فرجها.

قوله تعالى: {أَوْ نِسَآئِهِنَّ} أراد أنه يجوز للمرأة أن تنظر إلى بدن المرأة إلاّ ما بين السرة والركبة كالرجل المحرم، هذا إذا كانت المرأة مسلمة، فإن كانت كافرة فهل يجوز للمسلمة أن تنكشف لها؟ اختلف أهل العلم فيه، فقال بعضهم: يجوز كما يجوز أن تنكشف للمرأة المسلمة لأنها من جملة النساء، وقال بعضهم: لا يجوز لأن الله تعالى قال: {أَوْ نِسَآئِهِنَّ} والكافرة ليست من نسائنا ولأنها أجنبية في الدين، كانت أبعد من الرجل الأجنبي. كتب عمر بن الخطاب إلى أبي عبيدة بن الجراح أن يمنع نساء أهل الكتاب أن يدخلن الحمام مع المسلمات.

قوله تعالى: {أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَـٰنُهُنَّ}، اختلفوا فيها، فقال قوم: عبد المرأة محرم لها، فيجوز له الدخول عليها إذا كان عفيفاً، وأن ينظر إلى بدن مولاته إلا ما بين السرة والركبة، كالمحارم وهو ظاهر القرآن.

وروي ذلك عن عائشة وأم سلمة. وروى ثابت عن أنس

عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أتى فاطمةَ بعبدٍ قد وهبه لها، وعلى فاطمة ثوب إذا قَنَّعَتْ به رأسها لم يبلغ رجليها، وإذا غطَّت رجليها لم يبلغ رأسها، فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما تَلْقى قال: إنه ليسَ عليكِ بأسٌ إنما هو أبوكِ وغلامُكِ ».

وقال قوم: هو كالأجنبي معها، وهو قول سعيد بن المسيب، وقال: المراد من الآية الإِماء دون العبيد. وعن ابن جريج أنه قال: أو نسائهن أو ما ملكت أيمانهن أنه لا يحل لامرأة مسلمة أن تتجرد بين يدي امرأة مشركة إلا أن تكون تلك المرأة المشركة أَمًَّة لها.

قوله عزّ وجلّ: {أَوِ ٱلتَّـٰبِعِينَ غَيْرِ أُوْلِى ٱلإِرْبَةِ مِنَ ٱلرِّجَالِ}، قرأ أبو جعفر وابن عامر وأبو بكر "غيرَ" بنصب الراء على القطع لأن "التابعين" معرفة و"غير" نكرة. وقيل: بمعنى «إلا» فهو استثناء، معناه: يبدين زينتهن للتابعين إلاّ ذا الإِربة منهم فإنهن لا يبدين زينتهن لمن كان منهم ذا إربة. وقرأ الآخرون بالجر على نعت "التابعين" والإِربة والأرب: الحاجة.

والمراد بـ "التابعين غير أولي الإربة" وهم الذين يتبعون القوم ليصيبوا من فضل طعامهم لا همة لهم إلا ذلك، ولا حاجة لهم في النساء، وهو قول مجاهد وعكرمة والشعبي. وعن ابن عباس أنه الأحمق العنِّين. وقال الحسن: هو الذي لا ينتشر ولا يستطيع غشيان النساء ولا يشتهيهن. وقال سعيد بن جبير: هو المعتوه، وقال عكرمة: المجبوب. وقيل: هو المخنث. وقال مقاتل: هو الشيخ الهرم والعنين والخصي والمجبوب ونحوه.

أخبرنا الإِمام أبو علي الحسين بن محمد القاضي، أخبرنا أحمد بن الحسن الحيري، أخبرنا محمد بن أحمد بن محمد بن معقل بن محمد الميداني، أخبرنا محمد بن يحيى، أخبرنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر عن الزهري، عن عروة عن عائشة قالت:

كان رجل يدخل على أزواج النبي صلى الله عليه وسلم مخنَّث، وكانوا يعدونه من غير أولي الإِربة، فدخل النبي صلى الله عليه وسلم يوماً وهو عند بعض نسائه وهو ينعت امرأة فقال: إنها إذا أقبلت أقبلت بأربع وإذا أدبرت أدبرت بثمان، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ألا أرى هذا يعلم ما ههنا لا يدخلَنَّ عليكن هذافحجبوه.

{أَوِ ٱلطِّفْلِ ٱلَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُواْ عَلَىٰ عَوْرَٰتِ ٱلنِّسَآءِ}، أراد بالطفل الأطفال، يكون واحداً وجمعاً، أي: لم يكشفوا عن عورات النساء للجماع فيطلعوا عليها. وقيل: لم يعرفوا العورة من غيرها من الصغر، وهو قول مجاهد. وقيل: لم يطيقوا أمر النساء. وقيل: لم يبلغوا حدّ الشهوة.

{وَلاَ يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ}، كانت المرأة إذا مشت ضربت برجلها ليسمع صوت خلخالها أو يتبين خلخالها، فنهيت عن ذلك.

{وَتُوبُوۤاْ إِلَى ٱللَّهِ جَمِيعاً}، من التقصير الواقع في أمره ونهيه. وقيل: راجعوا طاعة الله فيما أمركم به ونهاكم عنه من الآداب المذكورة في هذه السورة، {أَيُّهَا ٱلْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}، قرأ ابن عامر «أيهُ المؤمنون» و«يآيةُ الساحر» و«أيهُ الثقلان» بضم الهاء فيهن، ويقف بلا ألف على الخط، وقرأ الآخرون بفتح الهاءات على الأصل.

أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أبو منصور محمد بن محمد بن سمعان، أخبرنا أبو جعفر محمد بن أحمد بن عبد الجبار الرياني، أخبرنا حميد بن زنجويه، أخبرنا وهب بن جرير، أخبرنا شعبة عن عمرو بن مرة عن أبي بردة أنه سمع الأغر يحدث عن ابن عمر أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:

يا أيها الناس توبوا إلى ربكم, فإني أتوب إلى ربي كل يوم مائة مرة ».

أخبرنا أبو الحسن عبد الرحمن بن محمد الداودي، أخبرنا محمد بن عبد الله بن حمويه السرخسي، أخبرنا أبو إسحاق إبراهيم بن خريم الشاشي، أخبرنا أبو محمد عبد بن حميد الكشي، حدثني ابن أبي شيبة، أخبرنا عبد الله بن نمير, عن مالك بن مغول، عن محمد بن سوقة، عن نافع، عن ابن عمر قال: إنْ كنا لَنَعُدَّ لرسول الله صلىالله عليه وسلم في المجلس يقول:

ربِّ اغفرْ لي، وتُبْ عليَّ، إنك أنت التواب الرحيم، مائة مرة.

وجملة الكلام في بيان العورات: أنه لا يجوز للناظر أن ينظر إلى عورة الرجل، وعورته ما بين السرة إلى الركبة، وكذلك المرأة مع المرأة، ولا بأس بالنظر إلى سائر البدن إذا لم يكن خوف فتنة.

وقال مالك وابن أبي ذئب: الفخذ ليس بعورة لما رُوي عن عبد العزيز بن صهيب عن أنس قال أجرى نبي الله صلى الله عليه وسلم فرساً في زقاق خيبر وإن ركبتي لتمس فخذ نبي الله صلى الله عليه وسلم، ثم حسر الإِزار عن فخذه حتى إني لأنظر إلى بياض فخذ نبي الله صلى الله عليه وسلم.

وأكثر أهل العلم على أن الفخذ عورة، لما أخبرنا أبو عبد الله محمد بن الفضل الخرقي، أخبرنا أبو الحسن الطيسفوني، أخبرنا عبد الله بن عمر الجوهري، حدثنا أحمد بن علي الكشميهني، أخبرنا علي بن حجر، أخبرنا إسماعيل بن جعفر، عن العلاء عن أبي كثير، عن محمد بن جحش، قال:

مرّ رسول الله صلى الله عليه وسلم على مَعْمَرُ وفخذاه مكشوفتان، قال: «يا مَعْمَرُ غطِّ فَخِذَيْك، فإن الفخذين عورة». وروي عن ابن عباسٍ وجَرْهَد بن خويلد، كان من أصحاب الصفة، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إن الفخذ عورة ».

قال محمد بن إسماعيل: "وحديثُ أنسٍ أسندُ، وحديث جَرْهَد أَحْوط.

أما المرأة مع الرجل فإن كانت أجنبيةً حرةً: فجميع بدنها في حق الأجنبي عورة، لا يجوز النظر إلى شيء منها إلا الوجه الوكفين، وإن كانت أمة: فعورتها مثل عورة الرجل، ما بين السرة إلى الركبة، وكذلك المحارم بعضهم مع بعض، والمرأة في النظر إلى الرجل الأجنبي كهو معها. ويجوز للرجل أن ينظر إلى جميع بدن امرأته وأمته التي تحل له، وكذلك هي منه إلا نفس الفرج فإنه يكره النظر إليه، وإذا زوج الرجل أمته حرم عليه النظر إلى عورتها كالأَمَة الأجنبية. وروي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:

إذا زوج أحدُكم عَبْدَهُ أَمَتَهُ فلا ينظرنَّ إلى ما دون السرةِ وفوقَ الركبةِ».

وَأَنكِحُوا۟ ٱلْأَيَٰمَىٰ مِنكُمْ وَٱلصَّٰلِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَآئِكُمْ إِن يَكُونُوا۟ فُقَرَآءَ يُغْنِهِمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِۦ وَٱللَّهُ وَٰسِعٌ عَلِيمٌ ۝٣٢

قوله عزّ وجلّ: {وَأَنْكِحُواْ ٱلأَيَـٰمَىٰ مِنْكُمْ} "الأيامى" جمع أيم، وهو من لا زوج له من رجل أو امرأة، يقال: رجل أيم وامرأة أيمة، وأيم. ومعنى الآية: زوجوا أيها المؤمنون من لا زوج له من أحرار رجالكم ونسائكم، {وَٱلصَّـٰلِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمائِكُمْ}، وهذا الأمر أمر ندب واستحباب.

يستحب لمن تاقت نفسه إلى النكاح ووجد أهبة النكاح أن يتزوج، وإن لم يجد أهبة النكاح يكسر شهوته بالصوم، لما أخبرنا أبو بكر محمد بن علي بن الحسن الطوسي، أخبرنا أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن إبراهيم الإِسفرايني، أخبرنا أبو بكر محمد بن داود بن مسعود، أخبرنا أبو عبد الله محمد بن أيوب البجلي، أخبرنا محمد بن كثير، أخبرنا سفيان عن الأعمش عن عمارة بن عمير عن عبد الرحمن بن يزيد، عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج، فإنه أغضُّ للبصر، وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء ».

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

تناكحوا تكثروا فإني أباهي بكم الأمم حتى بالسقط ».

وقال صلى الله عليه وسلم:

من أحب فطرتي فليستنّ بسنتي، ومن سنتي النكاح ».

أما من لا تتوق نفسه إلى النكاح وهو قادر عليه فالتخلي للعبادة له أفضل من النكاح عند الشافعي رحمه الله، وعند أصحاب الرأي النكاح أفضل.

قال الشافعي: وقد ذكر الله تعالى عبداً كرّمه فقال:

{ { وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِّنَ ٱلصَّـٰلِحِينَ } } [آل عمران: 39]، والحصور الذي لا يأتي النساء مع القدرة عليه، وذكر القواعد من النساء ولم يندبهن إلى النكاح.

وفي الآية دليل على أن تزويج النساء الأيامى إلى الأولياء لأن الله تعالى خاطبهم به، كما أن تزويج العبيد والإِماء إلى السادات، لقوله عزّ وجلّ: {وَٱلصَّـٰلِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمائِكُمْ}، وهو قول أكثر أهل العلم من الصحابة ومن بعدهم، روي ذلك عن عمر، وعلي، وعبد الله بن مسعود، وعبد الله بن عباس، وأبي هريرة وعائشة، وبه قال سعيد بن المسيب، والحسن، وشريح وإبراهيم النخعي، وعمر بن عبد العزيز، وإليه ذهب الثوري والأوزاعيُّ، وعبد الله بن المبارك، والشافعي، وأحمد وإسحاق. وجوز أصحاب الرأي للمرأة الحرة تزويج نفسها.

وقال مالك: إن كانت المرأة دنيئة يجوز لها تزويج نفسها، وإن كانت شريفة فلا.

والدليل على أن الولي شرط من جهة الأخبار: ما أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا محمد الحسن بن أحمد المخلدي، أخبرنا أبو العباس محمد بن إسحاق السراج، أخبرنا قتيبة بن سعيد، أخبرنا أبو عوانة عن أبي إسحاق عن أبي بردة عن أبي موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

لا نكاح إلا بولي ».

أخبرنا عبد الوهاب بن محمد الخطيب، أخبرنا عبد العزيز بن أحمد الخلال، أخبرنا أبو العباس الأصم، أخبرنا الربيع، أخبرنا الشافعي، أخبرنا سعيد بن سالم، عن ابن جريج، عن سليمان بن موسى عن ابن شهاب، عن عروة عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:

أيَما امرأةٍ نكحت نفسها بغير إذن وليها فنكاحُها باطلٌ، ثلاثاً، فإن أصابها فلها المهر بما استحل من فرجها، فإن اشتجروا فالسلطان ولي من لا ولي له ».

قوله عزّ وجلّ: {إِن يَكُونُواْ فُقَرَآءَ يُغْنِهِمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَٱللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ}، قيل: الغنَى ههنا: القناعة. وقيل: اجتماع الرزقين، رزق الزوج ورزق الزوجة. وقال عمر: عجبت لمن ابتغى الغنى بغير النكاح، والله عزّ وجلّ يقول: {إِن يَكُونُواْ فُقَرَآءَ يُغْنِهِمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ}. وروي عن بعضهم: أن الله تعالى وعد الغنى بالنكاح وبالتفرق فقال تعالى: {إِن يَكُونُواْ فُقَرَآءَ يُغْنِهِمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ}، وقال تعالى:

{ { وَإِن يَتَفَرَّقَا يُغْنِ ٱللَّهُ كُلاًّ مِّن سَعَتِهِ } } [النساء: 130].

وَلْيَسْتَعْفِفِ ٱلَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّىٰ يُغْنِيَهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِۦ وَٱلَّذِينَ يَبْتَغُونَ ٱلْكِتَٰبَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَٰنُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا وَءَاتُوهُم مِّن مَّالِ ٱللَّهِ ٱلَّذِىٓ ءَاتَىٰكُمْ وَلَا تُكْرِهُوا۟ فَتَيَٰتِكُمْ عَلَى ٱلْبِغَآءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا لِّتَبْتَغُوا۟ عَرَضَ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَمَن يُكْرِههُّنَّ فَإِنَّ ٱللَّهَ مِنۢ بَعْدِ إِكْرَٰهِهِنَّ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ۝٣٣

{وَلْيَسْتَعْفِفِ ٱلَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ نِكَاحاً} أي: ليطلب العفة عن الحرام والزنا الذين لا يجدون مالاً ينكحون به للصداق والنفقة، {حَتَّىٰ يُغْنِيَهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ}، أي يوسع عليهم من رزقه.

قوله تعالى: {وَٱلَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَـٰبَ}، أي: يطلبون المكاتبة، {مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَـٰنُكُمْ فَكَـٰتِبُوهُمْ}، سبب نزول هذه الآية ما رُوي أن غلاماً لحويطب بن عبد العزى سأل مولاه أن يكاتبه فأبى عليه، فأنزل الله هذه الآية فكاتبه حويطب على مائة دينار، ووهب له منها عشرين ديناراً فأدّاها، وقتل يوم حنين في الحرب.

والكتابة أن يقول الرجل لمملوكه: كاتبتك على كذا من المال، ويسمي مالاً معلوماً، يؤدي ذلك في نجمين أو نجوم معلومة في كل نجم كذا، فإذا أديت فأنت حر، يقبل العبد ذلك، فإذا أدى المال عتق ويصير العبد أحق بمكاسبه بعد الكتابة، وإذ أعتق بعد أداء المال فما فضل في يده من المال يكون له، ويتبعه أولاده الذين حصلوا في حال الكتابة في العتق، وإذا عجز عن أداء المال كان لمولاه أن يفسخ كتابته ويرده إلى الرق، وما في يده من المال يكون لمولاه، لِما. أخبرنا أبو الحسن السرخسي، أخبرنا زاهر بن أحمد، أخبرنا أبو إسحاق الهاشمي، أخبرنا أبو مصعب، عن مالك، عن نافع، أخبرنا عبد الله بن عمر كان يقول: "المكاتب عبد ما بقي عليه من كتابته شيء.

ورواه عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده مرفوعاً:"المكاتب عبد ما بقي عليه من كتابته درهم. وذهب بعض أهل العلم إلى أن قوله تعالى: {فَكَـٰتِبُوهُمْ} أمر إيجاب، يجب على المولى أن يكاتب عبده الذي علم فيه خيراً إذا سأل العبد ذلك، على قيمته أو أكثر، وإن سأل على أقل من قيمته فلا يجب، وهو قول عطاء وعمرو بن دينار، ولما رُوي أنّ سيرين سأل أنس بن مالك أن يكاتبه فتلكأ عنه فشكاه إلى عمر، فعلاه بالدرة وأمره بالكتابة فكاتبه.

وذهب أكثر أهل العلم إلى أنه أمر ندب واستحباب.

ولا تجوز الكتابة على أقل من نجمين عند الشافعي؛ لأنه عقد جُوِّز إرْفاقاً بالعبد، ومن تتمة الإِرفاق أن يكون ذلك المال عليه إلى أجل حتى يؤديه على مهل، فيحصل المقصود، كالدية في قتل الخطأ وجبت على العاقلة على سبيل المواساة فكانت عليهم مؤجلة منجمة، وجوّز أبو حنيفة الكتابة على نجم واحد وحالّة.

قوله تعالى: {إِنْ عَلِمُتُمْ فِيهِمْ خَيْراً}، اختلفوا في معنى الخير، فقال ابن عمر: قوة على الكسب. وهو قول مالك والثوري، وقال الحسن ومجاهد والضحاك: مالاً، كقوله تعالى:

{ { إِن تَرَكَ خَيْرًا } } [البقرة: 180] أي: مالاً، ورُوي أنّ عبداً لسلمان الفارسي قال له كاتبني، قال: ألك مال؟ قال: لا. قال: تريد أن تطعمني من أوساخ الناس، ولم يكاتبه.

قال الزجاج: لو أراد به المال لقال: إن علمتم لهم خيراً. وقال إبراهيم وابن زيد وعبيدة: صدقاً وأمانة. وقال طاووس وعمرو بن دينار: مالاً وأمانة.

وقال الشافعي: وأظهر معاني الخير في العبد: الاكتساب مع الأمانة، فأحب أن لا يمنع من كتابته إذا كان هكذا.

أخبرنا أبو الحسن علي بن يوسف الجويني، أخبرنا أبو الحسن بن علي بن شريك الشافعي، أخبرنا عبد الله بن محمد بن مسلم، أخبرنا أبو بكر الجوربذي، أخبرنا يونس بن عبد الأعلى، أخبرنا ابن وهب، أخبرني الليث عن محمد بن عجلان، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:

ثلاثة حق على الله عونهم: المكاتب الذي يريد الأداء، والناكح يريد العفاف، والمجاهد في سبيل الله ».

وحكى محمد بن سيرين عن عبيدة: "إن علمتم فيهم خيراً" أي: أقاموا الصلاة.

وقيل: هو أن يكون العبد بالغاً عاقلاً، أما الصبي والمجنون فلا تصح كتابتهما لأن الابتغاء منهما لا يصح. وجوز أبو حنيفة كتابة الصبي المراهق.

قوله سبحانه وتعالى: {وَءَاتُوهُمْ مِّن مَّالِ ٱللَّهِ ٱلَّذِىۤ ءَاتَـٰكُمْ}، اختلفوا فيه، فقال بعضهم: هذا خطاب للموالي يجب على المولى أن يحط عن مكاتبه من مال كتابته شيئاً، وهو قول عثمان وعلي والزبير وجماعة، وبه قال الشافعي.

ثم اختلفوا في قدره, فقال قوم: يحط عنه ربع مال الكتابة، وهو قول علي، ورواه بعضهم عن علي مرفوعاً، وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما يحط عنه الثلث. وقال الآخرون: ليس له حد بل عليه أن يحط عنه ما شاء، وهو قول الشافعي.

قال نافع: كاتب عبد الله بن عمر غلاماً له على خمسة وثلاثين ألف درهم فوضع عنه من آخر كتابته خمسة آلاف درهم.

وقال سعيد بن جبير: كان ابن عمر إذا كاتب مكاتبه لم يضع عنه شيئاً من أول نجومه مخافة أن يعجز فيرجع إليه صدقته، ووضع من آخر كتابته ما أحب.

وقال بعضهم: هو أمر استحباب. والوجوب أظهر.

وقال قوم: أراد بقوله: {وَءَاتُوهُمْ مِّن مَّالِ ٱللَّهِ} أي سهمهم الذي جعله الله لهم من الصدقات المفروضات، بقوله تعالى:

{ { وَفِي ٱلرِّقَابِ } } [التوبة: 60] وهو قول الحسن وزيد بن أسلم.

وقال إبراهيم: هو حث لجميع الناس على معونتهم.

ولو مات المكاتب قبل أداء النجوم، اختلف أهل العلم فيه: فذهب كثير منهم إلى أنه يموت رقيقاً، وترتفع الكتابة، سواء ترك مالاً أو لم يترك، كما لو تلف المبيع قبل القبض يرتفع البيع، وهو قول عمر، وابن عمر، وزيد بن ثابت، وبه قال عمر بن عبد العزيز، والزهري، وقتادة، وإليه ذهب الشافعي وأحمد.

وقال قوم: إن ترك وفاءً بما بقي عليه من الكتابة كان حراً، وإن كان فيه فضل، فالزيادة لأولاده الأحرار، وهو قول عطاء, وطاووس، والنخعي، والحسن، وبه قال مالك، والثوري، وأصحاب الرأي.

ولو كاتب عبده كتابة فاسدة يعتق بأداء المال لأن عتقه معلق بالأداء، وقد وجد وتبعه الأولاد والاكتساب كما في الكتابة الصحيحة، ويفترقان في بعض الأحكام: وهي أن الكتابة الصحيحة لا يملك المولى فسخها ما لم يعجز المكاتب عن أداء النجوم، ولا تبطل بموت المولى، ويعتق بالإِبراء عن النجوم، والكتابة الفاسدة يملك المولى فسخها قبل أداء المال، حتى لو أدى المال بعد الفسخ لا يعتق ويبطل بموت المولى، ولا يعتق بالإِبراء عن النجوم، وإذا عتق المكاتب بأداء المال لا يثبت التراجع في الكتابة الصحيحة، ويثبت في الكتابة الفاسدة، فيرجع المولى عليه بقيمة رقبته، وهو يرجع على المولى بما دفع إليه إن كان مالاً.

قوله عزّ وجلّ: {وَلاَ تُكْرِهُواْ فَتَيَـٰتِكُمْ عَلَى ٱلْبِغَآءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً} الآية، نزلت في عبد الله بن أُبيّ بن سلول المنافق، كانت له جاريتان: معاذة ومسيكة، وكان يكرههما على الزنا بالضريبة يأخذها منهما، وكذلك كانوا يفعلون في الجاهلية، يؤجرون إماءهم، فلما جاء الإِسلام قالت معاذة لمسيكة: إن هذا الأمر الذي نحن فيه لا يخلو من وجهين، فإن يك خيراً فقد استكثرنا منه، وإن يك شراً فقد آن لنا أن نَدَعَه، فأنزل الله هذه الآية.

وروي أنه جاءت إحدى الجاريتين يوماً ببُرْدٍ وجاءت الأخرى بدينار، فقال لهما: ارجعا فازنيا، قالتا والله لا نفعل، قد جاء الإِسلام وحرّم الزنا فأتيا رسول الله صلى الله عليه وسلم وشكتا إليه، فأنزل هذه الآية.

{وَلاَ تُكْرِهُواْ فَتَيَـٰتِكُمْ} إماءكم {عَلَى ٱلْبِغَآءِ} أي: الزنا {إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً} أي إذا أردن، وليس معناه الشرط لأنه لا يجوز إكراههن على الزنا إن لم يردن تحصناً، كقوله تعالى:

{ { وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ } } [آل عمران: 139]، أي: إذا كنتم مؤمنين وقيل: شرط إرادة التحصن لأن الإِكراه إنما يكون عند إرادة التحصن، فإذا لم ترد التحصن بَغَتْ طوعاً، والتحصن: التعفف.

وقال الحسن بن الفضل: في الآية تقديم وتأخير تقديرها: وأنكحوا الأيامى منكم إن أردن تحصناً ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء.

{لِّتَبْتَغُواْ عَرَضَ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا}، أي: لتطلبوا من أموال الدنيا، يريد من كسبهن وبيع أولادهن، {وَمَن يُكْرِههُنَّ فِإِنَّ ٱللَّهِ مِن بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}، يعني للمكرهات، والوزر على المُكرِه. وكان الحسن إذا قرأ هذه الآية قال: لهن والله لهن والله.

وَلَقَدْ أَنزَلْنَآ إِلَيْكُمْ ءَايَٰتٍ مُّبَيِّنَٰتٍ وَمَثَلًا مِّنَ ٱلَّذِينَ خَلَوْا۟ مِن قَبْلِكُمْ وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ ۝٣٤ ٱللَّهُ نُورُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِۦ كَمِشْكَوٰةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ ٱلْمِصْبَاحُ فِى زُجَاجَةٍ ٱلزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّىٌّ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَٰرَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَّا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِىٓءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُّورٌ عَلَىٰ نُورٍ يَهْدِى ٱللَّهُ لِنُورِهِۦ مَن يَشَآءُ وَيَضْرِبُ ٱللَّهُ ٱلْأَمْثَٰلَ لِلنَّاسِ وَٱللَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ ۝٣٥

قوله عزّ وجلّ: {وَلَقَدْ أَنْزَلْنَآ إِلَيْكُمْ ءَايَـٰتٍ مُّبَيِّنَـٰتٍ} من الحلال والحرام، {وَمَثَلاً مِّنَ ٱلَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُمْ}، أي شبهاً من حالكم بحالهم أيها المكذبون، وهذا تخويف لهم أن يلحقهم ما لحق من قبلهم من المكذبين، {وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ}، للمؤمنين الذين يتقون الشرك والكبائر.

قوله عزّ وجلّ: {ٱللَّهُ نُورُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ} قال ابن عباس: هادي أهل السموات والأرض، فهم بنوره إلى الحق يهتدون وبهداه من الضلالة ينجون.

وقال الضحاك: منوّر السموات والأرض، يقال: نوّر السماء بالملائكة ونوّر الأرض بالأنبياء. وقال مجاهد: مدبر الأمور في السموات والأرض.

وقال أُبيّ بن كعب والحسن وأبو العالية: مزِّين السموات والأرض، زيّن السماء بالشمس والقمر والنجوم، وزيّن الأرض بالأنبياء والعلماء والمؤمنين. ويقال: بالنبات والأشجار.

وقيل: معناه الأنوار كلها منه، كما يقال: فلان رحمة أي منه الرحمة. وقد يذكر مثل هذا اللفظ على طريق المدح كما قال القائل:

إذا سَارَ عَبْدُ اللهِ مِنْ مَرْوَ ليلةً فقد سَارَ منها نورُها وجمالُها

قوله تعالى: {مَثَلُ نُورِهِ} أي مثل نور الله تعالى في قلب المؤمن، وهو النور الذي يهتدي به، كما قال { فَهُوَ عَلَىٰ نُورٍ مِّن رَّبِّهِ } [الزمر: 22]، وكان ابن مسعود يقرأ "مثل نوره في قلب المؤمن". وقال سعيد بن جبير عن ابن عباس: مثل نوره الذي أعطى المؤمن. وقال بعضهم: الكناية عائدة إلى المؤمن، أي: مثل نور قلب المؤمن، وكان أُبيّ يقرأ: "مثل نور من آمن به" وهو عبد جُعل الإِيمانُ والقرآنُ في صدره. وقال الحسن وزيد بن أسلم: أراد بالنور القرآن. وقال سعيد بن جبير والضحاك: هو محمد صلى الله عليه وسلم. وقيل: أراد بالنور الطاعة، سمّى طاعةَ الله نوراً وأضاف هذه الأنوار إلى نفسه تفضيلاً، {كَمِشْكَاةٍ}، وهي الكوة التي لا منفذ لها فإن كان لها منفذ فهي كوة. وقيل: المشكاة حبشية. قال مجاهد: هي القنديل {فِيهَا مِصْبَاحٌ} أي: سراج، وأصله من الضوء، ومنه الصبح، ومعناه: كمصباح في مشكاة، {ٱلْمِصْبَاحُ فِى زُجَاجَةٍ}، يعني القنديل، قال الزجاج: إنما ذكر الزجاجة لأن النور وضوء النار فيها أبين من كل شيء، وضوؤه يزيد في الزجاج، ثم وصف الزجاجة، فقال: {ٱلزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ}. قرأ أبو عمر والكسائي «درىء» بكسر الدال والهمزة، وقرأ حمزة وأبو بكر بضم الدال والهمزة، فمن كسر الدال فهو فعيل من الدرء، وهو الدفع, لأن الكوكب يدفع الشيطاطين من السماء، وشبهه بحالة الدفع لأنه يكون في تلك الحالة أضْوَأَ وأنورَ، ويُقال: هو من درأ الكوكب إذا اندفع منقبضاً فيتضاعف ضوءه في ذلك الوقت. وقيل: "دُري" أي: طالع، يقال: درأ النجم إذا طلع وارتفع. ويقال: درأ علينا فلان أي طلع وظهر، فأما رفع الدال مع الهمزة كما قرأ حمزة، قال أكثر النحاة: هو لحن، لأنه ليس في كلام العرب فعيل بضم الفاء وكسر العين.

قال أبو عبيدة: وأنا أرى لها وجهاً وذلك أنها دروء على وزن فعول من دراتُ، مثل سبوح وقدوس، وقد استثقلوا كثرة الضمات فردوا بعضها إلى الكسر، كما قالوا: عتياً وهو فعول من عتوت، وقرأ الآخرون {دُرِّيٌّ} بضم الدال وتشديد الياء بلا همز، أي: شديد الإِنارة، نُسِبَ إلى الدُّرِّ في صفائه وحسنه، وإن كان الكوكب أكثر ضوءاً من الدر لكنه يَفْضُل الكواكبَ بضيائه، كما يفضل الدر سائر الحب.

وقيل: الكوكب الدري واحد من الكواكب الخمسة العظام، وهي زُحَلٌ، والمريخ، والمشتري، والزهرة، وعطارد.

وقيل: شُبهه بالكوكب، ولم يشبهه بالشمس والقمر, لأن الشمس والقمر يلحقهما الخسوف والكواكب لا يلحقها الخسوف.

{يُوقَدُ} قرأ أبو جعفر، وابن كثير وأبو عمرو، ويعقوب: «تَوَقَّدَ» بالتاء وفتحها وفتح الواو والدال وتشديد القاف على الماضي، يعني المصباح، أي: اتقد، يقال توقدت النار إي: اتقدت. وقرأ أهل الكوفة غير حفص "تُوْقَد" بالتاء وضمها وفتح القاف خفيفاً، يعني الزجاجة أي: نار الزجاجة لأن الزجاجة لا توقد، وقرأ الآخرون بالياء وضمها خفيفاً يعني المصباح، {مِن شَجَرَةٍ مُّبَـٰرَكَةٍ زَيْتُونَةٍ}، أي: من زيت شجرة مباركة، فحذف المضاف بدليل قوله تعالى: {يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِىۤءُ}، وأراد بالشجرة المباركة الزيتونة وهي كثيرة البركة، وفيها منافع كثيرة، لأن الزيت يسرج به، وهو أضوأ وأصفى الأدهان، وهو إدام وفاكهة، ولا يحتاج في استخراجه إلى إعصار بل كل أحد يستخرجه. وجاء في الحديث:

أنه مصحة من الباسوروهي شجرة تورق من أعلاها إلى أسفلها.

أخبرنا أبو الحسن السرخسي، أخبرنا زاهر بن أحمد، أخبرنا أبو الحسن القاسم بن بكر الطيالسي، أخبرنا أبو أمية الطرسوسي، أخبرنا قبيصة بن عقبة، أخبرنا سفيان الثوري، عن عبد الله بن عيسى، عن عطاء الذي كان بالشام، وليس بابن أبي رباح، عن أسد بن ثابت وأبي أسلم الأنصاري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

كُلُوا الزيتَ وادّهِنوا به فإنه من شجرةٍ مباركة ».

قوله تعالى: {لاَّ شَرْقِيَّةٍ وَلاَ غَرْبِيَّةٍ}، أي: ليست شرقية وحدها حتى لا تصيبها الشمس إذا غربت, ولا غربية وحدها فلا تصيبها الشمس بالغداة إذا طلعت، بل هي ضاحية الشمس طول النهار، تصيبها الشمس عند طلوعها وعند غروبها، فتكون شرقية وغربية تأخذ حظها من الأمرين، فيكون زيتها أضوأ، وهذا كما يقال: فلان ليس بأسود ولا بأبيض، يريد ليس بأسود خالص ولا بأبيض خالص، بل اجتمع فيه كل واحد منهما، وهذا الرمان ليس بحلو ولا حامض، أي اجتمعت فيه الحلاوة والحموضة، هذا قول ابن عباس في رواية عكرمة والكلبي، والأكثرين.

وقال السديّ وجماعة: معناه أنها ليست في مقناة لا تصيبها الشمس ولا في مضحاة لا يصيبها الظل، فهي لا تضرها شمس ولا ظل.

وقيل: معناه أنها معتدلة ليست في شرق يضرها الحر، ولا في غرب يضرها البرد.

وقيل: معناه هي شامية لأن الشام لا شرقي ولا غربي.

وقال الحسن: ليست هذه من أشجار الدنيا ولو كانت في الدنيا لكانت شرقية أو غربية وإنما هو مثل ضربه الله لنوره.

{يَكَادُ زَيْتُهَا}، دهنها، {يُضِىۤءُ}، من صفائه، {وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ}، أي: قبل أن تصيبه النار، {نُّورٌ عَلَىٰ نُورٍ}، يعني نور المصباح على نور الزجاجة.

واختلف أهل العلم في معنى هذا التمثيل، فقال بعضهم: وقع هذا التمثل لنور محمد صلى الله عليه وسلم، قال ابن عباس لكعب الأحبار: أخبرني عن قوله تعالى: {مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ} فقال كعب: هذا مثل ضربه الله لنبيه صلى الله عليه وسلم، فالمشكاة صدره، والزجاجة قلبه، والمصباح فيه النبوة، توقد من شجرة مباركة هي شجرة النبوة، يكاد نور محمد وأمره يتبين للناس ولو لم يتكلم أنه نبي كما يكاد ذلك الزيت يضيء ولو لم تمسسه نار.

وروى سالم عن ابن عمر في هذه الآية قال: المشكاة: جوف محمد والزجاجة: قلبه، والمصباح: النور الذي جعله الله فيه، لا شرقية ولا غربية، لا يهودي ولا نصراني، توقد من شجرة مباركة: إبراهيم، نور على نور، قلب إبراهيم، ونور: قلب محمد صلى الله عليه وسلم.

وقال محمد بن كعب القرظي: "المشكاة" إبراهيم، "والزجاجة": إسماعيل و"المصباح": محمد صلوات الله عليهم أجمعين سماه الله مصباحاً كما سماه سراجاً، فقال تعالى:

{ وَسِرَاجاً مُّنِيراً } [الأحزاب: 46]، "توقد من شجرة مباركة" وهي إبراهيم، وسماه مباركه لأن أكثر الأنبياء من صلبه، "لا شرقية ولا غربية" يعني: إبراهيم لم يكن يهودياً ولا نصرانياً ولكن كان حنيفاً مسلماً، لأن اليهود تصلي قِبَلَ المغرب والنصارى تصلي قِبَلَ المشرق يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار، تكاد محاسن محمد صلى الله عليه وسلم تظهر للناس قبل أن يوحى إليه "نور على نور": نبي من نسل نبي، نور محمد على نور إبراهيم.

وقال بعضهم: وقع هذا التمثيل لنور قلب المؤمن. روى أبو العالية عن أُبيّ بن كعب قال: هذا مثل المؤمن، فالمشكاة نفسه والزجاجة صدره، والمصباح ما جعل الله فيه من الإِيمان، والقرآن في قلبه يوقد من شجرة مباركة وهي الإِخلاص لله وحده، فمثله كمثل الشجرة التي التف بها الشجر خضراء ناعمة لا تصيبها الشمس لا إذا طلعت ولا إذا غربت فكذلك المؤمن، قد احترس من أن يصيبه شيء من الفتن فهو بين أربع خلال إن أُعطيَ شكر وإن ابْتلي صَبر، وإن حكم عدل، وإن قال صدق، يكاد زيتها يضيء أي: يكاد قلب المؤمن يعرف الحق قبل أن يتبين له لموافقته إياه نور على نور. قال أُبيّ فهو يتقلب في خمسة أنوار. قوله: نور، وعمله نور، ومدخله نور، ومخرجه نور، ومصيره إلى النور يوم القيامة.

قال ابن عباس: هذا مثل نور الله وهداه في قلب المؤمن كما يكاد الزيت الصافي يضيء قبل أن تمسه النار، فإذا مسته النار ازداد ضوءاً على ضوئه، كذلك يكاد قلب المؤمن يعمل بالهدى قبل أن يأتيه العلم، فإذا جاءه العلم ازداد هدىً على هدى ونوراً على نور.

قال الكلبي: قوله: {نُّورٌ عَلَىٰ نُورٍ}، يعني: إيمان المؤمن وعمله.

وقال السدي: نور الإِيمان ونور القرآن.

وقال الحسن وابن زيد: هذا مثل للقرآن، فالمصباح هو القرآن فكما يُستضاء بالمصباح يُهتدى بالقرآن، والزجاجة قلب المؤمن والمشكاة فمه ولسانه والشجرة المباركة شجرة الوحي، {يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِىۤءُ} تكاد حجة القرآن تتضح وإن لم يقرأ، نور على نور يعني القرآن نور من الله عزّ وجلّ لخلقه مع ما أقام لهم من الدلائل والإِعلام قبل نزول القرآن، فازداد بذلك نوراً على نور.

قوله عزّ وجلّ: {يَهْدِى ٱللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَآءُ}، قال ابن عباس رضي الله عنهما: لدينِ الإِسلام, وهو نور البصيرة, وقيل: القرآن {وَيَضْرِبُ ٱللَّهُ ٱلأَمْثَالَ لِلنَّاسِ}، يبين الله الأشياء للناس تقريباً للأفهام وتسهيلاً لسبل الإِدراك، {وَٱللَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلَيِمٌ}.

السبت، 7 نوفمبر 2026 27 جمادى الأولى 1448 هـ