انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة الرعد

التحرير والتنويرالآيات 38–43

تفسير سورة الرعد آية آية، من التحرير والتنوير.

وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِّن قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَٰجًا وَذُرِّيَّةً وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَن يَأْتِىَ بِـَٔايَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ ٱللَّهِ لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ ۝٣٨ يَمْحُوا۟ ٱللَّهُ مَا يَشَآءُ وَيُثْبِتُ وَعِندَهُۥٓ أُمُّ ٱلْكِتَٰبِ ۝٣٩

{وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً مِّن قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجاً وَذُرِّيَّةً وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَن يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلاَّ بِإِذْنِ ٱللَّهِ}.

هذا عود إلى الردّ على المشركين في إنكارهم آية القرآن وتصميمهم على المطالبة بآية من مقترحاتهم تُماثل ما يؤثر من آيات موسى وآيات عيسى ــــ عليهما السلام ــــ ببيان أن الرسول لا يأتي بآيات إلاّ بإذن الله، وأن ذلك لا يكون عى مقترحات الأقوام، وذلك قوله: {وما كان لرسول أن يأتي بآية إلا بإذن الله}، فالجملة عطف على جملة

{ { وكذلك أنزلناه حكماً عربياً } } [الرعد: 37].

وأدمج في هذا الرد إزالة شبهة قد تعرض أو قد عرضت لبعض المشركين فيطعنون أو طعنوا في نبوءة محمد صلى الله عليه وسلم بأنه يتزوج النساء وأن شأن النبي أن لا يهتم بالنساء. قال البغوي: روي أن اليهود وقيل إن المشركين قالوا: إن هذا الرجل ليست له همة إلا في النساء اهـ. فتعين إن صحت الرواية في سبب النزول أن القائلين هم المشركون إذ هذه السورة مكية ولم يكن لليهود حديث مع أهل مكة ولا كان منهم في مكة أحد. وليس يلزم أن يكون هذا نازلاً على سبب. وقد تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم خديجة ثم سودة رضي الله عنهما في مكة فاحتمل أن المشركين قالوا قالةَ إنكار تعلقاً بأوهن أسباب الطعن في النبوءة. وهذه شبهة تعرض للسذج أو لأصحاب التمويه، وقد يموّه بها المبشرون من النصارى على ضعفاء الإيمان فيفضلون عيسى عليه السلام على محمد صلى الله عليه وسلم بأن عيسى لم يتزوج النساء. وهذا لا يروج على العقلاء لأن تلك بعض الحظوظ المباحة لا تقتضي تفضيلاً. وإنما التفاضل في كل عمل بمقادير الكمالات الداخلة في ذلك العمل. ولا يدري أحد الحكمة التي لأجلها لم يتزوج عيسى عليه السلام امرأةً. وقد كان يحيى عليه السلام حَصوراً فلعل عيسى عليه السلام قد كان مثله لأن الله لا يكلفه بما يشق عليه وبما لم يكلف به غيره من الأنبياء والرسل. وأما وصف الله يحيى عليه السلام بقوله: {وحصوراً} فليس مقصوداً منه أنه فضيلة ولكنه أعلم أباه زكرياء ــــ عليه السلام ــــ بأنه لا يكون له نسل ليعلم أن الله أجاب دعوته فوهب له يحيــــى ــــ عليه السلام ــــ كرامة له، ثم قدّر أنه لا يكون له نسل إنفاذاً لتقديره فجعل امرأته عاقراً. وقد تقدم بيان ذلك في تفسير سورة آل عمران. وقد كان لأكثر الرسل أزواج ولأكثرهم ذرية مثل نوح وإبراهيم ولوط وموسى وداود وسليمان وغير هؤلاء ــــ عليهم السلام ــــ.

والأزواج: جمع زوج، وهو من مقابلة الجمع بالجمع، فقد يكون لبعض الرسل زوجة واحدة مثل: نوح ولوط ــــ عليهما السلام ــــ، وقد يكون للبعض عدة زوجات مثل: إبراهيم وموسى وداود وسليمان ــــ عليهم السلام ــــ.

ولما كان المقصود من الردّ هو عدم منافاة اتخاذ الزوجة لصفة الرسالة لم يكن داع إلى تعداد بعضهم زوجات كثيرة.

وتقدم الكلام على الزوج عند قوله تعالى:

{ { وقلنا يآدم اسكن أنت وزوجك الجنة } } في سورة البقرة (35).

والذرية: النسل. وتقدم عند قوله تعالى:

{ { قال ومن ذريتي } } في سورة البقرة (124).

وجملة {وما كان لرسول أن يأتي بآية إلا بإذن الله} هي المقصود وهي معطوفة على جملة {ولقد أرسلنا رسلاً من قبلك}. وتركيب {ما كان} يدل على المبالغة في النفي، كما تقدم عند قوله:

{ { قال سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق } } في سورة العقود (116). والمعنى: أن شأنك شأن من سبق من الرسل لا يأتون من الآيات إلاّ بما آتاهم الله.

وإذن الله: هو إذن التكوين للآيات وإعلام الرسول بأن ستكون آية، فاستعير الإتيان للإظهار، واستعير الإذن للخلق والتكوين.

{لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ يَمْحُواْ ٱللَّهُ مَا يَشَآءُ وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ ٱلْكِتَابِ}.

تذييل لأنه أفاد عموم الآجال فشمل أجل الإتيان بآية من قوله: {وما كان لرسول أن يأتي بآية إلا بإذن الله}. وذلك إبطال لتوهم المشركين أن تأخر الوعيد يدل على عدم صدقه. وهذا ينظر إلى قوله تعالى:

{ { ويستعجلونك بالعذاب ولولا أجل مسمى لجاءهم العذاب } } [سورة العنكبوت: 53] فقد قالوا: { { اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء } } الآية [سورة الأنفال: 32].

وإذ قد كان ما سألوه من جملة الآيات وكان ما وعدوه آية على صدق الرسالة ناسب أن يذكر هنا أن تأخير ذلك لا يدل على عدم حصوله، فإن لذلك آجالاً أرادها الله واقتضتها حكمته وهو أعلم بخلقه وشؤونهم ولكن الجهلة يقيسون تصرفات الله بمثل ما تجري به تصرفات الخلائق.

والأجل: الوقت الموقت به عمل معزوم أو موعود.

والكتاب: المكتوب، وهو كناية عن التحديد والضبط، لأن شأن الأشياء التي يراد تحققها أن تكتب لئلا يخالف عليها. وفي هذا الرد تعريض بالوعيد. والمعنى: لكل واقع أجلٌ يقع عنده، ولكل أجل كتاب، أي تعيين وتحديد لا يتقدمه ولا يتأخر عنه.

وجملة {يمحوا الله ما يشاء} مستأنفة استئنافاً بيانياً لأن جملة {لكل أجل كتاب} تقتضي أن الوعيد كائن وليس تأخيره مزيلاً له. ولما كان في ذلك تأييس للناس عقب بالإعلام بأن التوبة مقبولة وبإحلال الرجاء محلّ اليأس، فجاءت جملة {يمحوا الله ما يشاء ويثبت} احتراساً.

وحقيقة المحو: إزالة شيء، وكثر في إزالة الخط أو الصورة، ومرجع ذلك إلى عدم المشاهدة، قال تعالى:

{ { فمحونا آية الليل وجعلنا آية النهار مبصرة } } [سورة الإسراء: 12]. ويطلق مجازاً على تغيير الأحوال وتبديل المعاني كالأخبار والتكاليف والوعد والوعيد فإن لها نسباً ومفاهيم إذا صادفت ما في الواقع كانت مطابقتُها إثباتاً لها وإذا لم تطابقه كان عدم مطابقتها محواً لأنه إزالة لمدلولاتها.

والتثبيت: حقيقته جعل الشيء ثابتاً قاراً في مكان، قال تعالى:

{ { إذا لقيتم فئة فاثبتوا } } [سورة الأنفال: 45]. ويطلق مجازاً على أضداد معاني المحو المذكورة. فيندرج في ما تحتمله الآية عدةُ معانٍ: منها أنه يُعدم ما يشاء من الموجودات ويبقي ما يشاء منها، ويعفو عما يشاء من الوعيد ويُقرر، وينسخ ما يشاء من التكاليف ويبقي ما يشاء.

وكل ذلك مظاهر لتصرف حكمته وعلمه وقدرته. وإذ قد كانت تعلقات القدرة الإلهية جارية على وفق علم الله تعالى كان ما في علمه لا يتغير فإنه إذا أوجَدَ شيئاً كان عالماً أنه سيوجده، وإذا أزال شيئاً كان عالماً أنه سيزيله وعالماً بوقت ذلك.

وأبهم الممحو والمثبت بقوله: {ما يشاء} لتتوجه الأفهام إلى تعرّف ذلك والتدبر فيه لأن تحت ذا الموصول صوراً لا تحصى، وأسبابُ المشيئة لا تحصى.

ومن مشيئة الله تعالى محوَ الوعيد أن يلهم المذنبين التوبة والإقلاع ويخلق في قلوبهم داعية الامتثال. ومن مشيئة التثبيت أن يصرف قلوب قوم عن النظر في تدارك أمورهم، وكذلك القول في العكس من تثبيت الخير ومحوه.

ومن آثار المحو تغير إجراء الأحكام على الأشخاص، فبينما ترى المحارب مبحوثاً عنه مطلوباً للأخذ فإذا جاء تائباً قبل القدرة عليه قُبل رجوعه ورفع عنه ذلك الطلب، وكذلك إجراء الأحكام على أهل الحرب إذا آمنوا ودخلوا تحت أحكام الإسلام.

وكذلك الشأن في ظهور آثار رضا الله أو غضبه على العبد فبينما ترى أحداً مغضوباً عليه مضروباً عليه المذلة لانغماسه في المعاصي إذا بك تراه قد أقلع وتاب فأعزه الله ونصره.

ومن آثار ذلك أيضاً تقليب القلوب بأن يجعل الله البغضاء محبةً، كما قالت هند بنتُ عتبة للنبي صلى الله عليه وسلم بعدَ أن أسلمتْ: «ما كان أهل خباء أحبّ إليّ أن يذلوا من أهل خِبائك واليوم أصبحتُ وما أهل خباء أحب إليّ أن يعزوا من أهل خبائك».

وقد محا الله وعيد من بقي من أهل مكة فرفع عنهم السيف يوم فتح مكة قبل أن يأتوا مسلمين، ولو شاء لأمر النبي صلى الله عليه وسلم باستئصالهم حين دخوله مكة فاتحاً.

وبهذا يتحصل أن لفظ {ما يشاء} عام يشمل كل ما يشاؤه الله تعالى ولكنه مجمل في مشيئة الله بالمحو والإثبات، وذلك لا تصل الأدلة العقلية إلى بيانه، ولم يرد في الأخبار المأثورة ما يبينه إلا القليل على تفاوت في صحة أسانيده. ومن الصحيح فيما ورد من ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم

إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكونُ بينَه وبينها إلاّ ذراعٌ فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها. وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلاّ ذراع فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها

والذي يلوح في معنى الآية أن ما في أم الكتاب لا يقبل محواً، فهو ثابت وهو قسيم لما يشاء الله محوه.

ويجوز أن يكون ما في أم الكتاب هو عين ما يشاءُ الله محوه أو إثباته سواء كان تعييناً بالأشخاص أو بالذوات أو بالأنواع وسواء كانت الأنواع من الذوات أو من الأفعال، وأن جملة {وعنده أم الكتاب} أفادت أن ذلك لا يطلع عليه أحد.

ويجوز أن يكون قوله: {وعنده أم الكتاب} مراداً به الكتاب الذي كتبت به الآجال وهو قوله: {لكل أجل كتاب}، وأن المحو في غير الآجال.

ويجوز أن يكون أم الكتاب مراداً به علم الله تعالى، أي يمحو ويثبت وهو عالم بأن الشيء سيُمحى أو يثبت. وفي تفسير القرطبي عن ابن عمر قال سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول:

يمحو الله ما يشاء ويثبت إلاّ السعادة والشقاوة والموت. وروى مثله عن مجاهد. وروى عن ابن عباس {يمحوا الله ما يشاء ويثبت} إلا أشياء الخَلْقَ ــــ بفتح الخاء وسكون اللام ــــ والخُلُق ــــ بضم الخاء واللام ــــ والأجل والرزقَ والسعادة والشقاوة، {وعنده أم الكتاب} الذي لا يتغيّر منه شيء. قلت: وقد تفرع على هذا قول الأشعري: إن السعادة والشقاوة لا يتبدلان خلافاً للماتريدي.

وعن عمر وابن مسعود ما يقتضي أن السعادة والشقاوة يقبلان المحو والإثبات.

فإذا حمل المحو على ما يجمع معاني الإزالة، وحُمل الإثبات على ما يجمع معانيَ الإبقاء، وإذا حمل معنى {أم الكتاب} على معنى ما لا يقبل إزالة ما قرر أنه حاصل أو أنه موعود به ولا يقبل إثبات ما قرر انتفاؤه، سواء في ذلك الأخبار والأحكام، كان ما في أم الكتاب قسيماً لما يمحى ويثبت.

وإذا حمل على أن ما يقبل المحو والإثبات معلوم لا يتغيّر علم الله به كان ما في أم الكتاب تنبيهاً على أن التغييرات التي تطرأ على الأحكام أو على الأخبار ما هي إلا تغييرات مقررة من قبلُ وإنما كان الإخبار عن إيجادها أو عن إعدامها مظهراً لما اقتضته الحكمة الإلهية في وقت ما.

و{أم الكتاب} لا محالة شيء مضاف إلى الكتاب الذي ذُكر في قوله: {لكل أجل كتاب}. فإن طريقَة إعادة النكرة بحرف التعريف أن تكون المُعادة عينَ الأولى بأن يجعل التعريف تعريف العهد، أي وعنده أم ذلك الكتاب، وهو كتاب الأجل.

فكلمة {أمّ} مستعملة مجازاً فيما يُشبه الأم في كونها أصلاً لما تضاف إليه {أمُّ} لأن الأمّ يتولد منها المولود فكثر إطلاق أمّ الشيء على أصله، فالأمّ هنا مراد به ما هو أصل للمحو والإثبات اللذيْن هما من مظاهر قوله: {لكل أجل كتاب}، أي لِما مَحْوُ وإثباتُ المشيئات مظاهرُ له وصادرة عنه، فأمُّ الكتاب هو علم الله تعالى بما سيريد محوه وما سيريد إثباته كما تقدم.

والعِندية عندية الاستئثار بالعلم وما يتصرف عنه، أي وفي ملكه وعلمه أمّ الكتاب لا يَطلع عليها أحد. ولكن الناس يرون مظاهرها دون اطلاع على مدى ثبات تلك المظاهر وزوالها، أي أن الله المتصرف بتعيين الآجال والمواقيت فجعل لكل أجل حداً معيناً، فيكون أصل الكتاب على هذا التفسير بمعنى كله وقاعدته.

ويحتمل أن يكون التعريف في {الكتاب} الذي أضيف إليه {أم} أصل ما يُكتب، أي يُقدر في علم الله من الحوادث فهو الذي لا يُغيّر، أي يمحو ما يشاء ويثبت في الأخبار من وعد ووعيد، وفي الآثار من ثواب وعقاب، وعنده ثابتُ التقادير كلها غير متغيرة.

والعندية على هذا عندية الاختصاص، أي العلم، فالمعنى: أنه يمحو ما يشاء ويثبت فيما يبلغ إلى الناس وهو يعلم ما ستكون عليه الأشياء وما تستقر عليه، فالله يأمر الناس بالإيمان وهو يعلم مَن سيؤمن منهم ومن لا يؤمن فلا يفجؤه حادث. ويشمل ذلك نسخَ الأحكام التكليفية فهو يشرعها لمصالح ثم ينسخها لزوال أسباب شرعها وهو في حال شَرْعها يعلم أنها آيلة إلى أن تنسخ.

وقرأ الجمهور {ويثبّت} ــــ بتشديد الموحدة ــــ من ثبّت المضاعف. وقرأه ابن كثير، وأبو عمرو، وعاصم، ويعقوب {ويُثْبت} ــــ بسكون المثلثة وتخفيف الموحدة ــــ.

وَإِن مَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ ٱلَّذِى نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ ٱلْبَلَٰغُ وَعَلَيْنَا ٱلْحِسَابُ ۝٤٠

عطف على جملة

{ { يمحوا الله ما يشاء ويثبت } } [الرعد: 39] باعتبار ما تفيده من إبهام مراد الله في آجال الوعيد ومواقيت إنزال الآيات، فبينت هذه الجملة أن النبي ليس مأموراً بالاشتغال بذلك ولا بترقبه وإنما هو مبلّغ عن الله لعباده والله يعلم ما يحاسب به عباده سواء شهد النبي ذلك أم لم يشهده.

وجعل التوفي كناية عن عدم رؤية حلول الوعيد بقرينة مقابلته بقوله: {نرينك}. والمعنى: ما عليك إلا البلاغ سواء رأيت عذابهم أم لم تره.

وفي الإتيان بكلمة {بعض} إيماء إلى أنه يرى البعض. وفي هذا إنذار لهم بأن الوعيد نازل بهم ولو تأخر؛ وأن هذا الدين يستمر بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم لأنه إذا كان الوعيد الذي أمر بإبلاغه واقعاً ولو بعد وفاته فبالأولى أن يكون شرعه الذي لأجله جاء وعيد الكافرين به شرعاً مستمراً بعده، ضرورة أن الوسيلة لا تكون من الأهمية بأشدّ من المقصد المقصودة لأجله.

وتأكيد الشرط بنون التوكيد و {مَا} المزيدة بعد {إنْ} الشرطية مراد منه تأكيد الربط بين هذا الشرط وجوابه وهو {إنما عليك البلاغ وعلينا الحساب}. على أن نون التوكيد لا يقترن بها فعل الشرط إلاّ إذا زيدت {ما}؛ بعد {إن} الشرطية فتكون إرادة التأكيد مقتضية لاجتلاب مؤكدين، فلا يكون ذلك إلا لغرض تأكيد قويّ.

وقد أرى الله نبيئه بعض ما توعد به المشركين من الهلاك بالسيف يوم بدر ويوم الفتح ويوم حنين وغيرها من أيام الإسلام في حياة النبي صلى الله عليه وسلم ولم يُرِهِ بعضه مثل عذاب أهل الردة فإن معظمهم كان من المكذبين المبطنين الكفر مثل: مسيلمة الكذاب.

وفي الآية إيماء إلى أن العذاب الذي يحل بالمكذبين لرسوله صلى الله عليه وسلم عذاب قاصر على المكذبين لا يصيب غير المكذب لأنه استئصال بالسيف قابل للتجزئة واختلاف الأزمان رحمةً من الله بأمة محمد صلى الله عليه وسلم.

و{على} في قوله: {عليك البلاغ وعلينا الحساب} مستعملة في الإيجاب والإلزام، وهو في الأول حقيقة وفي الثاني مجاز في الوجوب لله بالتزامه به.

و{إنما} للحصر، والمحصور فيه هو البلاغ لأنه المتأخر في الذكر من الجملة المدخولة لِحرف الحصر، والتقدير: عليك البلاغ لا غيره من إنزال الآيات أو من تعجيل العذاب، ولهذا قدم الخبر على المبتدأ لتعيين المحصور فيه.

وجملة {وعلينا الحساب} عطف على جملة {عليك البلاغ} فهي مدخولة في المعنى لحرف الحصر. والتقدير: وإنما علينا الحساب، أي محاسبتهم على التكذيب لا غير الحساب من إجابة مقترحاتهم.

أَوَلَمْ يَرَوْا۟ أَنَّا نَأْتِى ٱلْأَرْضَ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا وَٱللَّهُ يَحْكُمُ لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِۦ وَهُوَ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ ۝٤١

عطف على جملة

{ { وإما نرينك بعض الذي نعدهم } } [الرعد: 40] المتعلقة بجملة {لكل أجل كتاب}. عقبت بهذه الجملة لإنذار المكذبين بأن ملامح نصر النبي صلى الله عليه وسلم قد لاحت وتباشير ظَفَره قد طلعت ليتدبروا في أمرهم، فكان تعقيب المعطوف عليها بهذه الجملة للاحتراس من أن يتوهموا أن العقاب بطيء وغيرُ واقع بهم. وهي أيضاً بشارة للنبيء صلى الله عليه وسلم بأن الله مظهر نصره في حياته وقد جاءت أشراطه،فهي أيضاً احتراس من أن ييأس النبي صلى الله عليه وسلم من رؤية نصره مع علمه بأن الله متم نوره بهذا الدّين.

والاستفهام في {أولم يروا أنا} إنكاري، والضمير عائد إلى المكذبين العائد إليهم ضمير {نعدهم}. والكلام تهديد لهم بإيقاظهم إلى ما دب إليهم من أشباح الاضمحلال بإنقاص الأرض، أي سكانها.

والرؤية يجوز أن تكون بصرية. والمراد: رؤية آثار ذلك النقص؛ ويجوز أن تكون علمية، أي ألم يعلموا ما حل بأرضي الأمم السابقة من نقص.

وتعريف {الأرض} تعريف الجنس، أي نأتي أية أرض من أرضي الأمم. وأطلقت الأرض هنا على أهلها مجازاً، كما في قوله تعالى:

{ { واسأل القرية } } [سورة يوسف: 82] بقرينة تعلق النقص بها، لأن النقص لا يكون في ذات الأرض ولا يرى نقص فيها ولكنه يقع فيمن عليها. وهذا من باب قوله تعالى: { { أولم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم دمر الله عليهم وللكافرين أمثالها } } [سورة محمد: 10].

وذهب كثير من المفسرين إلى أن المراد بـ {الأرض} أرض الكافرين من قريش فيكون التعريف للعهد، وتكون الرؤية بصرية، ويكون ذلك إيقاظاً لهم لما غلب عليه المسلمون من أرض العدوّ فخرجت من سلطانه فتنقص الأرض التي كانت في تصرفهم وتزيد الأرض الخاضعة لأهل الإسلام. وبنوا على ذلك أن هذه الآية نزلت بالمدينة وهو الذي حمل فريقاً على القول بأن سورة الرعد مدنية فإذا اعتبرت مدنية صح أن تفسر الأطراف بطرفين وهما مكة والمدينة فإنهما طرفا بلاد العرب، فمكة طرفها من جهة اليَمن، والمدينة طرف البلاد من جهة الشام، ولم يزل عدد الكفار في البلدين في انتقاص بإسلام كفارها إلى أن تمحضت المدينة للإسلام ثم تمحضت مكة له بعد يوم الفتح.

وأيّاً ما كان تفسير الآية وسبب نزولها ومكانه فهي للإنذار بأنهم صائرون إلى زوال وأنهم مغلوبون زائلون، كقوله في الآية الأخرى في سورة الأنبياء:

{ { أفلا يرون أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها أفهم الغالبون } } [سورة الأنبياء: 51]، أي ما هم الغالبون. وهذا إمهال لهم وإعذار لعلهم يتداركون أمرهم.

وجملة

{ { والله يحكم لا معقب لحكمه } } [سورة الرعد: 41] عطف على جملة {أولم يروا أنا} مؤكدة للمقصود منها، وهو الاستدلال على أن تأخير الوعيد لا يدل على بطلانه، فاستدل على ذلك بجملة {وإما نرينك بعض الذي نعدهم} ثم بجملة {أولم يروا أنا نأتي الأرض} ثم بجملة {والله يحكم}، لأن المعنى: أن ما حكم الله به من العقاب لا يبطله أحد وأنه واقع ولو تأخر.

ولذلك فجملة {لا معقب لحكمه} في موضع الحال، وهي المقيدة للفعل المراد إذ هي مصب الكلام إذ ليس الغرض الإعلام بأن الله يحكم إذ لا يكاد يخفى، وإنما الغرض التنبيه إلى أنه لا معقب لحكمه. وأفاد نفي جنس المعقب انتفاء كل ما من شأنه أن يكون معقباً من شريك أو شفيع أو داع أو راغب أو مستعصم أو مفتد.

والمعقب: الذي يعقب عملاً فيبطله، مشتق من العَقِب، وهو استعارة غلبت حتى صارت حقيقة. وتقدم عند قوله تعالى:

{ { له معقبات } } [سورة الرعد: 11] في هذه السورة، كأنه يجيء عقب الذي كان عمل العمل.

وإظهار اسم الجلالة بعد الإضمار الذي في قوله: {أنا نأتي الأرض} لتربية المهابة، وللتذكير بما يحتوي عليه الاسم العظيم من معنى الإلٰهية والوحدانية المقتضية عدم المنازع، وأيضاً لتكون الجملة مستقلة بنفسها لأنها بمنزلة الحكمة والمثل.

وجملة {وهو سريع الحساب} يجوز أن تكون عطفاً على جملة {والله يحكم} فتكون دليلاً رابعاً على أن وعده واقع وأن تأخره وإن طال فما هو إلا سريع باعتبار تحقق وقوعه؛ ويجوز أن يكون عطفاً على جملة الحال. والمعنى: يحكم غير منقوص حكمه وسريعاً حسابه. ومآل التقديرين واحد.

والحساب: كناية عن الجزاء والسرعة: العجلة، وهي في كل شيء بحسبه.

وَقَدْ مَكَرَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلِلَّهِ ٱلْمَكْرُ جَمِيعًا يَعْلَمُ مَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ وَسَيَعْلَمُ ٱلْكُفَّٰرُ لِمَنْ عُقْبَى ٱلدَّارِ ۝٤٢

لما كان قوله:

{ { أولم يروا أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها } } [سورة الرعد: 41] تهديداً وإنذاراً مثل قوله: { { فقد جاء أشراطها } } [محمد: 18] وهو إنذار بوعيد على تظاهرهم بطلب الآيات وهم يضمرون التصميم على التكذيب والاستمرار عليه. شبه عملهم بالمكر وشبه بعمل المكذبين السابقين كقوله: { { ما آمنت قبلهم من قرية أهلكناها } } [سورة الأنبياء: 6]. وفي هذا التشبيه رمز إلى أن عاقبتهم كعاقبة الأمم التي عَرفوها. فنقص أرض هؤلاء من أطرافها من مكر الله بهم جزاء مكرهم، فلذلك أعقب بقوله: {وقد مكر الذين من قبلهم} أي كما مكر هؤلاء. فجملة {وقد مكر الذين من قبلهم} حال أو معترضة.

وجملة {فللَّه المكر جميعاً} تفريع على جملة

{ { أولم يروا أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها } } [الرعد: 41] وجملة { { والله يحكم لا معقب لحكمه } } [الرعد: 41].

والمعنى: مكَرَ هؤلاء ومكرَ الذين من قبلهم وحل العذاب بالذين من قبلهم فمكر الله بهم وهو يمكر بهؤلاء مكراً عظيماً كما مكر بمن قبلهم.

وتقديم المجرور في قوله: {فللَّه المكر جميعاً} للاختصاص، أي له لا لغيره، لأن مكره لا يدفعه دافع فمكر غيره كلاَ مكر بقرينة أنه أثبت لهم مكراً بقوله: {وقد مكر الذين من قبلهم}. وهذا بمعنى قوله تعالى: {والله خير الماكرين}.

وأكد مدلول الاختصاص بقوله: {جميعاً} وهو حال من المكر. وتقدم في قوله تعالى: {إليه مرجعكم جميعاً في [سورة يونس: 4].

وإنما جعل جميع المكر لله بتنزيل مكر غيره منزلة العدم، فالقصر في قوله: {فللَّه المكر} ادعائي، والعموم في قوله: {جميعاً} تنزيليّ.

وجملة {يعلم ما تكسب كل نفس} بمنزلة العلة لجملة {فللَّه المكر جميعاً}، لأنه لما كان يعلم ما تكسب كل نفس من ظاهر الكسب وباطنه كان مكره أشد من مكر كل نفس لأنه لا يفوته شيء مما تضمره النفوس من المكر فيبقى بعض مكرهم دون مقابلة بأشد منه فإن القوي الشديد الذي لا يعلم الغيوب قد يكون عقابه أشد ولكنه قد يفوقه الضعيف بحيلته.

وجملة {وسيعلم الكفار لمن عقبى الدار} عطف على جملة {فللَّه المكر جميعاً}. والمراد بالكافر الجنس، أي الكفار، و{عقبى الدار} تقدم آنفاً، أي سيعلم عقبى الدار للمؤمنين لا للكافرين، فالكلام تعريض بالوعيد.

وقرأ الجمهور: {وسيعلم الكافر} بإفراد الكافر. وقرأه ابن عامر، وعاصم، وحمزة والكسائي، وخلف {وسيعلم الكفار} بصيغة الجمع. والمفرد والجمع سواء في المعرف بلام الجنس.

وَيَقُولُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ لَسْتَ مُرْسَلًا قُلْ كَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيدًۢا بَيْنِى وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِندَهُۥ عِلْمُ ٱلْكِتَٰبِ ۝٤٣

عطف على ما تضمنته جملة

{ { وقد مكر الذين من قبلهم } } [الرعد: 42] من التعريض بأن قولهم: { لولا أنزل عليه آية من ربه }[سورة الأنعام: 37] ضَرْب من المكر بإظهارهم أنهم يتطلبون الآيات الدالة على صدق الرسول، مظهرين أنهم في شك من صدقه وهم يبطنون التصميم على التكذيب. فذكرت هذه الآيةُ أنهم قد أفصحوا تارات بما أبطنوه فنطقوا بصريح التكذيب وخرجوا من طور المكر إلى طور المجاهرة بالكفر فقالوا: {لست مرسلاً}.

وقد حكي قولهم بصيغة المضارع للدلالة على تكرر ذلك منهم ولاستحضار حالهم العجيبة من الاستمرار على التكذيب بعد أن رأوا دلائل الصدق، كما عبر بالمضارع في قوله تعالى:

{ { ويصنع الفلك } } [سورة هود: 38] وقوله: { { يجادلنا في قوم لوط } } [سورة هود: 11].

ولما كانت مقالتهم المحكية هنا صريحة لا مواربة فيها أمر الرسول صلى الله عليه وسلم بجواب لا جدال فيه وهو تحكيم الله بينه وبينهم.

وقد أمر الرسول عليه الصلاة والسلام بأن يجيبهم جواب الواثق بصدقه المستشهد على ذلك بشهادة الصدق من إشهاد الله تعالى وإشهاد العالمين بالكتب والشرائع.

ولما كانت الشهادة للرسول عليه الصلاة والسلام بالصدق شهادة على الذين كفروا بأنهم كاذبون جعلت الشهادة بينه وبينهم.

وإشهاد الله في معنى الحلف على الصدق كقول هود عليه السلام

{ { إنّي أشهد الله } } [هود: 54].

والباء الداخلة على اسم الجلالة الذي هو فاعل {كفى} في المعنى للتأكيد وأصل التركيب: كفى اللّهُ. و{شهيداً} حال لازمة أو تمييز، أي كفى الله من جهة الشاهد.

{ومن عنده علم الكتاب} معطوف على اسم الجلالة.

والموصول في {ومن عنده علم الكتاب} يجوز أن يراد به جنس من يتصف بالصلة. والمعنى: وكل من عندهم علم الكتاب. وإفراد الضمير المضاف إليه {عِنْدَ} لمراعاة لفظ {من}. وتعريف {الكتاب} تعريف للعهد، وهو التوراة، أي وشهادة علماء الكتاب. وذلك أن اليهود كانوا قبل هجرة النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة يستظهرون على المشركين بمجيء النبي المصدق للتوراة.

ويحتمل أن يكون المراد بمن عنده علم الكتاب معيّناً، فهو ورقة بن نوفل إذ علم أهل مكة أنه شهد بأن ما أوحي به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الناموس الذي أنزل على موسى ــــ عليه السلام ــــ كما في حديث بدء الوحي في الصحيح. وكان ورقة منفرداً بمعرفة التوراة والإنجيل. وقد كان خبر قوله للنبي صلى الله عليه وسلم ما قاله معروفاً عند قريش.

فالتعريف في {الكتاب} تعريف الجنس المنحصر في التوراة والإنجيل.

وقيل: أريد به عبد الله بن سلام الذي آمن بالنبي صلى الله عليه وسلم في أول مقدمهِ المدينة. ويبعده أن السورة مكية كما تقدم.

ووجه شهادة علماء الكتاب برسالة محمد صلى الله عليه وسلم وجدانهم البشارة بنبيء خاتم للرسل صلى الله عليه وسلم ووجدانهم ما جاء في القرآن موافقاً لسنن الشرائع الإلهية ومفسراً للرموز الواردة في التوراة والإنجيل في صفة النبي صلى الله عليه وسلم المصدق الموعود به. ولهذا المعنى كان التعبير في هذه الآية بــــ {من عنده علم الكتاب} دون أهل الكتاب لأن تطبيق ذلك لا يدركه إلا علماؤهم. قال تعالى:

{ { أو لم يكن لهم آية أن يعلمه علماء بني إسرائيل } } [سورة الشعراء: 97].
الأحد، 8 نوفمبر 2026 28 جمادى الأولى 1448 هـ