انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة الرعد

تفسير القرطبيالآيات 1–13

تفسير سورة الرعد آية آية، من تفسير القرطبي.

بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ

الٓمٓر تِلْكَ ءَايَٰتُ ٱلْكِتَٰبِ وَٱلَّذِىٓ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ ٱلْحَقُّ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ ۝١

قوله تعالى: {الۤمۤر تِلْكَ آيَاتُ ٱلْكِتَابِ} تقدّم القول فيها. {وَٱلَّذِيۤ أُنزِلَ إِلَيْكَ} يعني وهذا القرآن ٱلذي أنزل إليك. {مِن رَّبِّكَ ٱلْحَقُّ} لا كما يقول المشركون: إنك تأتي به من تلقاء نفسك؛ فاعتصم به، وٱعمل بما فيه. قال مقاتل: نزلت حين قال المشركون: إن محمداً أتى بالقرآن من تلقاء نفسه. «وَالَّذِي» في موضع رفع عطفاً على «آيَاتُ» أو على الابتداء، و«الْحَقُّ» خبره؛ ويجوز أن يكون موضعه جراً على تقدير: وآيات الذي أنزل إليك، وارتفاع «الحقّ» على هذا على إضمار مبتدأ، تقديره: ذلك الحق؛ كقوله تعالى: {وَهُمْ يَعْلَمُونَ. ٱلْحَقَّ} [البقرة: 75 ـ 146] يعني ذلك الحقّ. قال الفرّاء: وإن شئت جعلت «الَّذِي» خفضاً نعتاً للكتاب، وإن كانت فيه الواو كما يقال: أتانا هذا الكتاب عن أبي حفص والفاروق؛ ومنه قول الشاعر:

إلى الملِكِ القَرْمِ وٱبنِ الهُمَامِولَيْثِ الْكَتِيبَةِ فِي المُزْدَحم

يريد: إلى الملك ٱلْقَرْمِ بن الهمام، ليثِ الكَتيبة. {وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يُؤْمِنُونَ}.

ٱللَّهُ ٱلَّذِى رَفَعَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ وَسَخَّرَ ٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِى لِأَجَلٍ مُّسَمًّى يُدَبِّرُ ٱلْأَمْرَ يُفَصِّلُ ٱلْـَٔايَٰتِ لَعَلَّكُم بِلِقَآءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ ۝٢

قوله تعالى: {ٱللَّهُ ٱلَّذِي رَفَعَ ٱلسَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا} الآية. لمّا بيّن تعالى أن القرآن حقّ، بين أن مَن أنزله قادر على الكمال؛ فانظروا في مصنوعاته لتعرفوا كمال قدرته؛ وقد تقدّم هذا المعنى. وفي قوله: «بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا» قولان: أحدهما: أنها مرفوعة بغير عمد ترونها؛ قاله قَتَادة وإيّاس بن معاوية وغيرهما. الثاني: لها عمد، ولكنا لانراه؛ قال ٱبن عباس: لها عمد على جبل قاف؛ ويمكن أن يقال على هذا القول: العمد قدرته التي يُمسِك بها ٱلسموات وٱلأرض، وهي غير مرئية لنا؛ ذكره الزّجاج. وقال ٱبن عباس أيضاً: هي توحيد المؤمن. أعمدت السماء حين كادت تنفطر من كفر الكافر؛ ذكره الغَزْنَوِيّ. والعَمَد جمع عمود؛ قال النابغة:

وخَيِّسِ الجِنِّ إِني قد أَذِنْتُ لَهُمْيَبْنُونَ تَدْمُرَ بالصُّفَّاحِ والعَمَدِ

{ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ} تقدّم الكلام فيه. {وَسَخَّرَ ٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ} أي ذَلَّلَهما لمنافع خلقه ومصالح عباده؛ وكل مخلوق مُذلّل للخالق. {كُلٌّ يَجْرِي لأَجَلٍ مُّسَمًّـى} أي إلى وقت معلوم؛ وهو فناء الدنيا، وقيام الساعة ٱلتي عندها تُكوّر الشمس، ويُخسَف القمر، وتنكدر النّجوم، وتنتثر الكواكب. وقال ٱبن عباس: أراد بالأجل المسمّى درجاتهما ومنازلهما التي ينتهيان إليها لا يجاوزانها. وقيل: معنى الأجل المسمّى أن القمر يقطع فَلَكه في شهر، والشمس في سنة. {يُدَبِّرُ ٱلأَمْرَ} أي يصرفه على ما يريد. {يُفَصِّلُ ٱلآيَاتِ} أي يُبيّنها؛ أي من قدر على هذه الأشياء يقدر على ٱلإعادة؛ ولهذا قال: {لَعَلَّكُمْ بِلِقَآءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ}.

وَهُوَ ٱلَّذِى مَدَّ ٱلْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَٰسِىَ وَأَنْهَٰرًا وَمِن كُلِّ ٱلثَّمَرَٰتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ ٱثْنَيْنِ يُغْشِى ٱلَّيْلَ ٱلنَّهَارَ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَٰتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ۝٣

قوله تعالى: {وَهُوَ ٱلَّذِي مَدَّ ٱلأَرْضَ} لمّا بيّن آيات السّموات بيّن آيات الأرض؛ أي بسط الأرض طولاً وعرضاً. {وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ} أي جبالاً ثوابت؛ واحدها راسية؛ لأن الأرض ترسو بها، أي تثبت؛ والإرساء الثّبوت؛ قال عَنْتَرَة:

فَصَبَرْتُ عَارِفَةً لذلك حُرَّةًتَرْسُو إذا نَفْسُ الجَبَانِ تَطَلَّعُ

وقال جميل:

أُحِبُّها والذي أَرْسَى قواعِدَهُحُبًّا إذا ظَهَرَت آياتُه بَطَنَا

وقال ٱبن عباس وعطاء: أوّل جبل وُضع على الأرض أبو قُبَيس.

مسألة: في هذه الآية ردّ على من زعم أن الأرض كالكرة، وردّ على من زعم أن الأرض تهوِي أبوابها عليها؛ وزعم ابن الرَّاوندي أن تحت الأرض جسماً صَعَّاداً كالرِّيح الصعَّادة؛ وهي منحدرة فاعتدل الهاوي والصعادي في الجِرْم والقوّة فتوافقا. وزعم آخرون أن الأرض مركبة من جسمين، أحدهما منحدر، والآخر مصعد، فاعتدلا، فلذلك وقفت. والذي عليه المسلمون وأهل الكتاب القول بوقوف الأرض وسكونها ومدّها، وأن حركتها إنما تكون في العادة بزلزلة تصيبها. وقوله تعالى: {وَأَنْهَاراً} أي مياهاً جارية في الأرض، فيها منافع الخلق. {وَمِن كُلِّ ٱلثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ ٱثْنَيْنِ} بمعنى صنفين. قال أبو عبيدة: الزوج واحد، ويكون ٱثنين. الفراء: يعني بالزوجين هاهنا الذكر والأنثى؛ وهذا خلاف النص. وقيل: معنى «زَوْجَيْنٍ» نوعان، كالحُلْو والحامض، والرطب واليابس، والأبيض والأسود، والصغير والكبير. {إِنَّ فِي ذٰلِكَ لآيَاتٍ} أي دلالات وعلامات {لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ}.

وَفِى ٱلْأَرْضِ قِطَعٌ مُّتَجَٰوِرَٰتٌ وَجَنَّٰتٌ مِّنْ أَعْنَٰبٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَىٰ بِمَآءٍ وَٰحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَىٰ بَعْضٍ فِى ٱلْأُكُلِ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَٰتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ۝٤

فيه خمس مسائل:

الأولى: قوله تعالى: {وَفِي ٱلأَرْضِ قِطَعٌ مُّتَجَاوِرَاتٌ} في الكلام حذف؛ المعنى: وفي الأرض قِطع متجاورات وغير متجاورات؛ كما قال:

{ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ ٱلْحَرَّ }[النحل: 81] والمعنى وتقيكم البَرْد، ثم حذف لعلم السامع. والمتجاورات المدن وما كان عامراً، وغير متجاورات الصحارى وما كان غير عامر.

الثانية: قوله تعالى: «مُتَجَاوِرَاتٌ» أي قُرًى متدانيات، ترابها واحد، وماؤها واحد، وفيها زروع وجنات، ثم تتفاوت في الثّمار والتَّمر؛ فيكون البعض حُلْواً، والبعض حامضاً؛ والغصن الواحد من الشجرة قد يختلف الثّمر فيه من الصغر والكبر واللون والمطعم، وإن ٱنبسط الشمس والقمر على الجميع على نسق واحد؛ وفي هذا أدلّ دليل على وحدانيته وعِظم صمدِيته، والإرشاد لمن ضلّ عن معرفته؛ فإنه نَبَّهَ سبحانه بقوله: {يُسْقَىٰ بِمَآءٍ وَاحِدٍ} على أن ذلك كله ليس إلا بمشيئته وإرادته، وأنه مقدور بقدرته؛ وهذا أدلّ دليل على بطلان القول بالطبع؛ إذ لو كان ذلك بالماء والتراب والفاعل له الطبيعة لما وقع الاختلاف.وقيل: وجه الاحتجاج أنه أثبت التفاوت بين البِقاع؛ فمِن تربة عذبة، ومن تربة سبِخة مع تجاورهما؛ وهذا أيضاً من دلالات كمال قدرته؛ جلّ وعزّ تعالى عما يقول الظالمون والجاحدون عُلُوًّا كبيراً.

الثالثة: ذهبت الكفرة ـ لعنهم الله ـ إلى أن كل حادث يحدث بنفسه لا من صانع؛ وادّعوا ذلك في الثمار الخارجة من الأشجار، وقد أقرّوا بحدوثها، وأنكروا محدثها، وأنكروا الأعراض. وقالت فرقة: بحدوث الثمار لا من صانع، وأثبتوا للأعراض فاعلاً؛ والدليل على أن الحادث لا بدّ له من مُحدِث أنه يَحدُث في وقت، ويَحدُث ما هو من جنسه في وقت آخر؛ فلو كان حدوثه في وقته لاختصاصه به لوجب أن يَحدُث في وقته كل ما هو من جنسه؛ وإذا بطل اختصاصه بوقته صح أن اختصاصه به لأجل مُخصِّص خَصَّصه به، ولولا تخصيصه إياه به لم يكن حدوثه في وقته أولى من حدوثه قبل ذلك أو بعده؛ وٱستيفاء هذا في علم الكلام.

الرابعة: قوله تعالى: {وَجَنَّاتٌ مِّنْ أَعْنَابٍ} قرأ الحسن «وَجَنَّاتٍ» بكسر التاء، على التقدير: وجعل فيها جنات، فهو محمول على قوله: «وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ». ويجوز أن تكون مجرورة على الحمل على «كل» التقدير: ومن كل الثمرات، ومن جنات. الباقون: «جَنَّاتٌ» بالرفع على تقدير: وبينهما جنات. {وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ} بالرفع. ٱبن كثير وأبو عمرو وحفص عطفاً على الجنات؛ أي على تقدير: وفي الأرض زرع ونخيل. وخفضها الباقون نَسَقاً على الأعناب؛ فيكون الزرع والنخيل من الجَنّات؛ ويجوز أن يكون معطوفاً على «كُلّ» حسب ما تقدّم في «وجنّات». وقرأ مجاهد والسُّلَميّ وغيرهما «صُنْوَانٌ» بضم الصاد، الباقون بالكسر؛ وهما لغتان؛ وهما جمع صِنْوٍ، وهي النَّخَلات والنَّخلتان، يجمعهن أصلٌ واحد، وتتشعب منه رؤوس فتصير نخيلاً؛ نظيرها قِنْوان، واحدها قِنو: وروى أبو إسحاق عن البَرَاء قال: الصِّنْوان المجتمع، وغير الصِّنْوان المتفرق؛ النحاس: وكذلك هو في اللغة؛ يقال للنخلة إذا كانت فيها نخلة أخرى أو أكثر صِنْوان. والصِّنو المِثل؛ ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم:

عَمُّ الرَّجُل صِنْوُ أبيه. ولا فرق فيها بين التّثنية والجمع، ولا بالإعراب؛ فتعرب نون الجمع، وتكسر نون التّثنية؛ قال الشاعر:

العلمُ والحلمُ خُلَّتَا كَرَمٍللمرءِ زَيْنٌ إذا هُمَا ٱجْتَمَعَاصِنْوانِ لا يُسْتَتَمُّ حُسنُهُمَاإِلاَّ بجمعِ ذا وذاكَ مَعَا

الخامسة: قوله تعالى:{يُسْقَىٰ بِمَآءٍ وَاحِدٍ} كصالح بني آدم وخبيثهم، أبوهم واحد؛ قاله النحاس والبخاريّ. وقرأ عاصم وابن عامر: «يُسْقَى» بالياء، أي يُسقى ذلك كله. وقرأ الباقون بالتاء، لقوله: «جَنَاتٌ» واختاره أبو حاتم وأبو عبيدة؛ قال أبو عمرو: والتأنيث أحسن؛ لقوله: {وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَىٰ بَعْضٍ فِي ٱلأُكُلِ} ولم يقل بعضه. وقرأ حمزة والكسائي وغيرهما «وَيُفَضِّلُ» بالياء ردّاً على قوله: {يُدَبِّرُ ٱلأَمْرَ} و«يُفَصِّلُ» و«يُغْشِي» الباقون بالنون على معنى: ونحن نفضل. وروى جابر بن عبد الله قال: سمعت النبيّ صلى الله عليه وسلم يقول لعليّ رضي الله عنه:الناس من شجر شتى وأنا وأنت من شجرة واحدةثم قرأ النبي صلى الله عليه وسلم {وَفِى ٱلأَرْضِ قِطَعٌ مُّتَجَـٰوِرَٰتٌ} حتى بلغ قوله: «يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ» و«الأُكُلِ» الثمر. قال ابن عباس: يعني الحلو والحامض والفارسيّ والدّقَل. وروي مرفوعاً من حديث أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في قوله تعالى: {وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَىٰ بَعْضٍ فِي ٱلأُكُلِ} قال: الفارسي والدَّقَل والحُلْو والحامضذكره الثعلبيّ. قال الحسن: المراد بهذه الآية المثل؛ ضربه الله تعالى لبني آدم، أصلهم واحد، وهم مختلفون في الخير والشر والإيمان والكفر، كاختلاف الثمار التي تسقى بماء واحد؛ ومنه قول الشاعر:

الناسُ كالنَّبتِ والنَّبْتُ ألوانمنها شجر الصَّندلِ والكافورِ والبانومنها شجر يَنضحُ طول الدّهرِ قطران

{إِنَّ فِي ذٰلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} أي لعلامات لمن كان له قلب يفهم عن الله تعالى

وَإِن تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَءِذَا كُنَّا تُرَٰبًا أَءِنَّا لَفِى خَلْقٍ جَدِيدٍ أُو۟لَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ بِرَبِّهِمْ وَأُو۟لَٰٓئِكَ ٱلْأَغْلَٰلُ فِىٓ أَعْنَاقِهِمْ وَأُو۟لَٰٓئِكَ أَصْحَٰبُ ٱلنَّارِ هُمْ فِيهَا خَٰلِدُونَ ۝٥

قوله تعالى: {وَإِن تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ} أي إن تعجب يا محمد من تكذيبهم لك بعد ما كنت عندهم الصادق الأمين فأعجب منه تكذيبهم بالبعث؛ والله تعالى لا يتَعجَّب، ولا يجوز عليه التعجّب؛ لأنه تَغيُّر النفس بما تخفى أسبابه، وإنما ذَكَر ذلك ليتعجّب منه نَبيُّه والمؤمنون. وقيل المعنى: أي إن عجبت يا محمد من إنكارهم الإعادة مع إقرارهم بأني خالق السموات والأرض والثمار المختلفة من الأرض الواحدة فقولهم عجب يعجب منه الخلق؛ لأن الإعادة في معنى الابتداء. وقيل: الآية في منكري الصانع؛ أي إن تعجب من إنكارهم الصانع مع الأدلة الواضحة بأن المتغير لا بدّ له من مغيّر فهو محل التعجّب؛ ونظم الآية يدلّ على الأوّل والثاني؛ لقوله: {أَإِذَا كُنَّا تُرَاباً} أي أنبعث إذا كنا تراباً؟ٰ. {أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ} وقرىء «إِنَّا». وَ{ٱلأَغْلاَلُ} جمع غلّ؛ وهو طَوْق تشد به اليد إلى العُنُق، أي يُغلّون يوم القيامة؛ بدليل قوله:

{ إِذِ ٱلأَغْلاَلُ فِيۤ أَعْنَاقِهِمْ }[غافر: 71] إلى قوله: { ثُمَّ فِي ٱلنَّارِ يُسْجَرُونَ }[غافر: 40]. وقيل: الأغلال أعمالهم السيئة التي هي لازمة لهم.

وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِٱلسَّيِّئَةِ قَبْلَ ٱلْحَسَنَةِ وَقَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمُ ٱلْمَثُلَٰتُ وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِّلنَّاسِ عَلَىٰ ظُلْمِهِمْ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ ٱلْعِقَابِ ۝٦ وَيَقُولُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ لَوْلَآ أُنزِلَ عَلَيْهِ ءَايَةٌ مِّن رَّبِّهِۦٓ إِنَّمَآ أَنتَ مُنذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ ۝٧

قوله تعالى: {وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِٱلسَّيِّئَةِ قَبْلَ ٱلْحَسَنَةِ} أي لفرط إنكارهم وتكذيبهم يطلبون العذاب؛ قيل هو قولهم:

{ ٱللَّهُمَّ إِن كَانَ هَـٰذَا هُوَ ٱلْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ ٱلسَّمَآء }[الأنفال: 32]. قال قتادة: طلبوا العقوبة قبل العافية؛ وقد حكم سبحانه بتأخير العقوبة عن هذه الأمة إلى يوم القيامة. وقيل: «قَبْلَ الْحَسَنَةِ» أي قبل الإيمان الذي يرجى به الأمان والحسنات. و{ٱلْمَثُلاَتُ} العقوبات؛ الواحدة مَثُلَة. ورُوي عن الأعمش أنه قرأ «المُثْلاَت» بضم الميم وإسكان الثاء؛ وهذا جمع مُثْلَة، ويجوز «المَثْلاَت» تبدل من الضمة فتحة لثقلِها، وقيل: يُؤْتى بالفتحة عِوَضاً من الهاء. وروي عن ٱلأعمش أنه قرأ «ٱلْمَثْلاَت» بفتح الميم وإسكان الثاء؛ فهذا جمع مُثْلة، ثم حَذف الضمة لثقلها؛ ذكره جميعه النحاس رحمه الله. وعلى قراءة الجماعة واحدة مَثُلة، نحو صَدُقة (وصُدْقَة)؛ وتميم تضم الثاء وٱلميم جميعاً، واحدها على لغتهم مُثْلة، بضم الميم وجزم الثاء؛ مثل: غُرْفة وغُرُفات؛ والفعل منه مَثَلْتُ به أَمْثُلُ مَثْلا، بفتح الميم وسكون الثاء. {وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ} أي لذو تجاوز عن المشركين إذا آمنوا، وعن المذنبين إذا تابوا. وقال ٱبن عباس: أرجى آية في كتاب الله تعالى {وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِّلنَّاسِ عَلَىٰ ظُلْمِهِمْ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ ٱلْعِقَابِ} إذا أصروا على الكفر. وروى حماد بن سلمة عن علي بن زيد عن سعيد بن المسيب قال: لما نزلت: «وإن ربك لذو مغفرةٍ للناس على ظلمهم وإن ربك لشديد العقاب» قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لولا عفو الله ورحمته وتجاوزه لما هَنَأَ أحداً عيشٌ ولولا عقابه ووعيده وعذابه لاتَّكَل كل أحد».

قوله تعالى: {وَيَقُولُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْلاۤ} أي هلا {أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِّن رَّبِّهِ} لما ٱقترحوا الآيات وطلبوها قال الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: {إِنَّمَآ أَنتَ مُنذِرٌ} أي مُعْلِم. {وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ} أي نبيّ يدعوهم إلى الله. وقيل: الهادي الله؛ أي عليك الإنذار، والله هادي كل قوم إن أراد هدايتهم.

ٱللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنثَىٰ وَمَا تَغِيضُ ٱلْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ وَكُلُّ شَىْءٍ عِندَهُۥ بِمِقْدَارٍ ۝٨ عَٰلِمُ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَٰدَةِ ٱلْكَبِيرُ ٱلْمُتَعَالِ ۝٩

فيه ثمان مسائل:

الأولى: قوله تعالى: {ٱللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنثَىٰ} أي من ذكر وأنثى، صبيح وقبيح، صالح وطالح؛ وقد تقدّم في سورة «الأنعام» أن الله سبحانه منفرد بعلم الغيب وحده لا شريك له؛ وذكرنا هناك حديث البخاري عن ٱبن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:

مفاتيح الغيب خمس الحديث. وفيهلا يعلم ما تغِيض الأرحام إلا الله. وٱختلف العلماء في تأويل قوله: {وَمَا تَغِيضُ ٱلأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ} فقال قَتَادة: المعنى ما تُسقِط قبل التسعة الأشهر، وما تزداد فوق التسعة؛ وكذلك قال ٱبن عباس. وقال مجاهد: إذا حاضت ٱلمرأة في حملها كان ذلك نقصاناً في ولدها؛ فإن زادت على التسعة كان تماما لما نقص؛ وعنه: الغيض ما تنقصه الأرحام من الدم، والزيادة ما تزداد منه. وقيل: الغيض والزيادة يرجعان إلى الولد، كنقصان إصبع أو غيرها، وزيادة إصبع أو غيرها. وقيل: الغيض ٱنقطاع دم الحيض. «وَمَا تَزْدَادُ» بدم النفاس بعد الوضع.

الثانية: في هذه الآية دليل على أن الحامل تحيض؛ وهو مذهب مالك والشافعي في أحد قوليه. وقال عطاء والشعبي وغيرهما: لا تحيض؛ وبه قال أبو حنيفة؛ ودليله الآية. قال ابن عباس في تأويلها: إنه حيض الحبالى، وكذلك روي عن عِكْرمة ومجاهد؛ وهو قول عائشة، وأنها كانت تفتي النساء الحوامل إذا حِضْن أن يتركن الصلاة؛ والصحابة إذ ذاك متوافرون، ولم ينكر منهم أحد عليها، فصار كالإجماع؛ قاله ابن القصّار. وذكر أن رجلين تنازعا ولداً، فترافعا إلى عمر رضي الله عنه فعرضه على القَافَة، فألحقه القَافَة بهما، فَعَلاه عمر بالدرة، وسأل نِسوة من قريش فقال: ٱنظُرْن ما شأن هذا الولد؟ فقلن: إن الأوّل خلا بها وخلاّها، فحاضت على الحمل، فظنّت أن عِدّتها انقضت؛ فدخل بها الثاني، فانتعش الولد بماء الثاني؛ فقال عمر: الله أكبر! وألحقه بالأول، ولم يقل إن الحامل لا تحيض، ولا قال ذلك أحد من الصحابة؛ فدلّ أنه إجماع، والله أعلم. احتجّ المخالف بأن قال لو كان الحامل تحيض، وكان ما تراه المرأة من الدم حيضاً لما صَحّ استبراء الأمة بحيض؛ وهو إجماع. ورُوي عن مالك في كتاب محمد ما يقتضي أنه ليس بحيض.

الثالثة: في هذه الآية دليل على أن الحامل قد تضع حملها لأقل من تسعة أشهر وأكثر، وأجمع العلماء على أن أقل الحمل ستة أشهر، وأن عبد الملك بن مروان ولد لستة أشهر.

الرابعة: وهذه الستة الأشهر هي بالأهِلّة كسائر أشهر الشريعة؛ ولذلك قد روي في المذهب عن بعض أصحاب مالك، وأظنه في كتاب ابن حارث أنه إن نقص عن الأشهر الستة ثلاثة أيام فإن الولد يلحق لعلة نقص الأشهر وزيادتها؛ حكاه ابن عطية.

الخامسة: وٱختلف العلماء في أكثر الحمل؛ فروى ابن جُرَيج عن جَميلة بنت سعد عن عائشة قالت: لا يكون الحمل أكثر من سنتين قدر ما يتحوّل ظِل المِغزَل؛ ذكره الدَّارَقُطْنِي. وقالت جَميلة بنت سعد ـ أخت عبيد بن سعد، وعن الليث بن سعد ـ: إن أكثره ثلاث سنين. وعن الشافعي أربع سنين؛ وروي عن مالك في إحدى روايتيه، والمشهور عنه خمس سنين؛ وروي عنه لا حدّ له، ولو زاد على العشرة الأعوام؛ وهي الرواية الثالثة عنه. وعن الزّهري ست وسبع. قال أبو عمر: ومن الصحابة من يجعله إلى سبع؛ والشافعي: مُدَّةٌ الغاية منها أربع سنين. والكوفيون يقولون: سنتان لا غير. ومحمد بن عبد الحكم يقول: سنة لا أكثر. وداود يقول: تسعة أشهر، لا يكون عنده حمل أكثر منها. قال أبو عمر: وهذه مسألة لا أصل لها إلا الاجتهاد، والرّد إلى ما عُرف من أمر النّساء وبالله التوفيق. رَوى الدَّارَقُطْنِيّ عن الوليد بن مسلم قال: قلت لمالك بن أنس إني حدّثت عن عائشة أنها قالت: لا تزيد المرأة في حملها على سنتين قَدْر ظِلّ المِغْزَل، فقال: سبحان الله! مَن يقول هذا؟ هذه جارتنا ٱمرأة محمد بن عَجْلاَن، تحمل وتضع في أربع سنين، ٱمرأة صدق، وزوجها رجل صدق؛ حملت ثلاث أبطن في ٱثنتي عشرة سنة، تحمل كل بطن أربع سنين. وذكره عن المبارك ابنُ مجاهد قال: مشهور عندنا كانت ٱمرأة محمد بن عجلان تحمل وتضع في أربع سنين، وكانت تسمى حاملة الفيل. وروي أيضاً قال: بينما مالك بن دينار يوماً جالس إذ جاءه رجل فقال: يا أبا يحيـىٰ ٱدع لامرأة حبلى منذ أربع سنين قد أصبحت في كرب شديد؛ فغضب مالك وأطبق المصحف ثم قال: ما يرى هؤلاء القوم إلا أَنَّا أنبياء! ثم قرأ، ثم دعا، ثم قال: اللهم هذه المرأة إن كان في بطنها ريح فأخرجه عنها الساعة، وإن كان في بطنها جارية فأبدلها (بها) غلاماً، فإنك تَمْحُو ما تشاء وتُثْبِت، وعندك أمّ الكتاب، ورفع مالك يده، ورفع الناس أيديهم، وجاء الرسول إلى الرجل فقال: أدرك ٱمرأتك، فذهب الرجل؛ فما حطّ مالك يده حتى طلع الرجل من باب المسجد على رقبته غلام جَعْد قَطَطٌ ٱبن أربع سنين، قد استوت أسنانه، ما قُطِعت سراره؛ ورُوي أيضاً أن رجلاً جاء إلى عمر بن الخطاب فقال: يا أمير المؤمنين! إني غبت عن ٱمرأتي سنتين فجئت وهي حبلى؛ فشاور عمر الناس في رجمها، فقال معاذ بن جبل: يا أمير المؤمنين! إن كان لك عليها سبيل فليس لك على ما في بطنها سبيل؛ فاتركها حتى تضع، فتركها، فوضعت غلاماً قد خرجت ثنيتاه؛ فعرف الرجل الشبه فقال: ابني وربّ الكعبةٰ فقال عمر: عجزت النساء أن يلدن مثل معاذ؛ لولا معاذ لهلك عمر. وقال الضحّاك: وضعتني أمي وقد حملت بي في بطنها سنتين، فولدتني وقد خرجت سِنّي. ويذكر عن مالك أنه حمل به في بطن أُمه سنتين، وقيل: ثلاث سنين. ويقال: إن محمد بن عجلان مكث في بطن أُمه ثلاث سنين، فماتت به وهو يضطرب اضطراباً شديداً، فشُقّ بطنها وأخرج وقد نبتت أسنانه. وقال حمّاد بن سلمة: إنما سمي هَرِم بن حيان هَرِماً لأنه بقي في بطن أُمه أربع سنين. وذكر الغَزْنَوي أن الضحّاك وُلد لسنتين، وقد طلعت سِنّه فُسمّي ضحّاكاً. عبّاد بن العوّام: ولدت جارة لنا لأربع سنين غلاماً شعره إلى منكبيه، فمرّ به طير فقال: كش.

السادسة: قال ابن خُوَيْزِ مَنْدَاد: أقل الحيض والنفاس وأكثره وأقل الحمل وأكثره مأخوذ من طريق الاجتهاد؛ لأن علم ذلك استأثر الله به، فلا يجوز أن يحكم في شيء منه إلا بقَدْرِ ما أظهره لنا، ووُجد ظاهراً في النساء نادراً أو معتاداً؛ ولمّا وجدنا ٱمرأة قد حملت أربع سنين وخمس سنين حكمنا بذلك، والنفاس والحيض لَمّا لم نجد فيه أمراً مستقراً رجعنا فيه إلى ما يوجد في النادر منهنّ.

السابعة: قال ابن العربي: نقل بعض المتساهلين من المالكيين أن أكثر الحمل تسعة أشهر؛ وهذا ما لم ينطق به قطّ إلا هالكيّ، وهم الطبائعيون الذين يزعمون أن مدبّر الحمل في الرَّحِم الكواكب السبعة؛ تأخذه شهراً شهراً، ويكون الشهر الرابع منها للشمس؛ ولذلك يتحرّك ويضطرب، وإذا تكامل التداول في السبعة الأشهر بين الكواكب السبعة عاد في الشهر الثامن إلى زُحل، فيُبْقِله بِبَرْده؛ فيا ليتني تمكنت من مناظرتهم أو مقاتلتهمٰ ما بال المرجع بعد تمام الدّور يكون إلى زُحل دون غيره؟ آلله أخبركم بهذا أم على الله تفترون؟ٰ وإذا جاز أن يعود إلى اثنين منها لم لا يجوز أن يعود التدبير إلى ثلاث أو أربع، أو يعود إلى جميعها مرتين أو ثلاثاً؟ٰ ما هذا التحكم بالظنون الباطلة على الأمور الباطنةٰ.

الثامنة: قوله تعالى: {وَكُلُّ شَيْءٍ عِندَهُ بِمِقْدَارٍ} يعني من النقصان والزيادة. ويقال: «بمقدار» قدر خروج الولد من بطن أمّه، وقَدْر مكثه في بطنها إلى خروجه. وقال قَتَادة: في الرزق والأجل. والمقدار الْقَدْر؛ وعموم الآية يتناول كل ذلك، والله سبحانه أعلم.

قلت: هذه الآية تمدّح الله سبحانه وتعالى بها بأنه {عَالِمُ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَادَةِ} أي هو عالم بما غاب عن الخلق، وبما شهِدوه. فالغيب مصدر بمعنى الغائب. والشهادة مصدر بمعنى الشاهد؛ فنبّه سبحانه على ٱنفراده بعلم الغيب، والإحاطة بالباطن الذي يخفى على الخلق، فلا يجوز أن يشاركه في ذلك أحد؛ فأما أهل الطبّ الذين يستدلّون بالأمارات والعلامات فإن قطعوا بذلك فهو كفر، وإن قالوا إنها تجربة تُرِكوا وما هم عليه، ولم يَقدَح ذلك في الممدوح؛ فإن العادة يجوز ٱنكسارها، والعلم لا يجوز تبدّله. و{ٱلْكَبِيرُ} الذي كل شيء دونه. {ٱلْمُتَعَالِ} عما يقول المشركون، المستعلي على كل شيء بقدرته وقَهْره؛ وقد ذكرناهما في شرح الأسماء مستوفى، والحمد لله.

سَوَآءٌ مِّنكُم مَّنْ أَسَرَّ ٱلْقَوْلَ وَمَن جَهَرَ بِهِۦ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍۭ بِٱلَّيْلِ وَسَارِبٌۢ بِٱلنَّهَارِ ۝١٠

قوله تعالى: {سَوَآءٌ مِّنْكُمْ مَّنْ أَسَرَّ ٱلْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ} إسرار القول: ما حَدَّث به المرءُ نفسه، والجهر ما حدَّث به غيره؛ والمراد بذلك أن الله سبحانه يعلم ما أسرّه الإنسان من خير وشر، كما يعلم ما جهر به من خير وشر. و«مِنْكُمْ» يحتمل أن يكون وصفاً لـ«سواء» التقدير: سِرُّ مَن أَسَرَّ وَجَهْرُ مَن جَهَر سواء منكم؛ ويجوز أن يتعلق «بسواء» على معنى: يستوي منكم، كقولك: مررت بزيد. ويجوز أن يكون على تقدير: سِر من أَسَرّ منكم وجَهْر من جَهَر منكم. ويجوز أن يكون التقدير: ذو سواء منكم من أسر القول ومن جهر به، كما تقول: عدل زيد وعمرو أي ذوا عدلٍ. وقيل: «سواء» أي مستوٍ، فلا يحتاج إلى تقدير حذف مضاف. {وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِٱلْلَّيْلِ وَسَارِبٌ بِٱلنَّهَارِ} أي يستوي في علم الله السرّ والجهر، والظاهر في الطرقات، والمستخفي في الظلمات. وقال الأخفش وقُطْرُب: المستخفي بالليل الظاهر؛ ومنه خَفَيتُ الشيء وأَخْفَيته أي أظهرتُه؛ وأخفيت الشيء أي ٱستخرجته؛ ومنه قيل لِلنَّبَّاشِ: المختفي. وقال ٱمرؤ القيس:

خَفَاهُنَّ مِن أَنْفَاقِهِنّ كَأَنَّمَاخَفَاهُنَّ وَدْقٌ مِن عَشِيٍّ مُجَلّبِ

والسّارب المتواري، أي الداخل سَرَباً؛ ومنه قولهم: ٱنسَرَب الوحشيُّ إذا دخل في كِنّاسه. وقال ابن عباس: «مُسْتَخْفٍ» مستتر، «وَسَارِبٌ» ظاهر. مجاهد: «مُسْتَخْفٍ» بالمعاصي، «وَسَارِبٌ» ظاهر. وقيل: معنى «سَارِبٌ» ذاهب؛ (قال) الكسائي: سَرَبَ يَسْرُبُ سَرَباً وسُرُوباً إذا ذهب؛ وقال الشاعر:

وكُلُّ أناسٍ قَارَبُوا قَيْدَ فَحْلِهمْونَحْنُ خَلَعْنَا قَيْدَهُ فهو مسَارِبٌ

أي ذاهب. وقال أبو رجاء: السّارب الذاهب على وجهه في الأرض؛ قال الشاعر:

أَنَّى سَرَبْتِ وكنتِ غيَر سَرُوبِ

وقال القُتَبيّ: «سَارِبٌ بِالنَّهَارِ» أي منصرف في حوائجه بسرعة؛ من قولهم؛ ٱنْسَرَب الماء. وقال الأصمعيّ: خَلِّ سِرْبَه أي طريقه.

لَهُۥ مُعَقِّبَٰتٌ مِّنۢ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِۦ يَحْفَظُونَهُۥ مِنْ أَمْرِ ٱللَّهِ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا۟ مَا بِأَنفُسِهِمْ وَإِذَآ أَرَادَ ٱللَّهُ بِقَوْمٍ سُوٓءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُۥ وَمَا لَهُم مِّن دُونِهِۦ مِن وَالٍ ۝١١

قوله تعالى: {لَهُ مُعَقِّبَاتٌ} أي لله ملائكة يتعاقبون بالليل والنهار؛ فإذا صعِدت ملائكة الليل أعقبتها ملائكة النهار. وقال: «مُعَقِّبَاتٌ» والملائكة ذُكْرَان لأنه جمع مُعقِّبة؛ يقال: مَلَك مُعقِّب، وملائكة مُعقِّبة، ثم مُعقِّبات جمع الجمع. وقرأ بعضهم ـ «لَهُ مَعَاقِيبُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ». ومعاقيب جمع مُعْقِب؛ وقيل للملائكة معقّبة على لفظ الملائكة. وقيل: أنّث لكثرة ذلك منهم؛ نحو نسّابة وعلاّمة وراوية؛ قاله الجوهري وغيره. والتّعقب العود بعد البدء؛ قال الله تعالى:

{ وَلَّىٰ مُدْبِراً وَلَمْ يُعَقِّبْ }[النمل: 10] أي لم يَرجع؛ وفي الحديث: مُعَقِّباتٌ لا يَخِيبُ قائِلُهنّ ـ أو ـ فاعلُهنّ فذكر التسبيح والتحميد والتكبير. قال أبو الهيثم: سُمّين «مُعقِّبات» لأنهن عادت مرّة بعد مرّة، فِعْل من عَمِل عَملاً ثم عاد إليه فقد عَقَّبَ. وٱلمعقّبات من الإبل اللواتي يقمن عند أعجاز الإبل المعترِكات على الحوض؛ فإذا ٱنصرفت ناقة دخلت مكانها أخرى. وقوله: {مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ} أي المستخفي بالليل والسارب بالنهار. {يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ ٱللَّهِ} ٱختلف في (هذا) الحفظ؛ فقيل: يحتمل أن يكون توكيل الملائكة بهم لحفظهم من الوحوش والهوام والأشياء المضرّة، لطفاً منه به، فإذا جاء القَدَر خلّوا بينه وبينه؛ قاله ٱبن عباس وعلي بن أبي طالب رضي الله عنهما. قال أبو مِجلَز: جاء رجل من مُرَاد إلى علي فقال: احترس فإن ناساً من مُرَاد يريدون قتلك؛ فقال: إن مع كل رجل مَلَكين يحفظانه ما لم يُقدَّر، فإذا جاء القَدَر خلَّيَا بينه وبين قَدَر الله، وإن الأجل حِصن حصينة؛ وعلى هذا، «يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ» أي بأمر الله وبإذنه؛ فـ«ـمِن» بمعنى الباء؛ وحروف الصفات يقوم بعضها مقام بعض. وقيل: «مِنْ» بمعنى «عن»؛ أي يحفظونه عن أمر الله، وهذا قريب من الأوّل؛ أي حفظهم عن أمر الله لا من عند أنفسهم؛ وهذا قول الحسن؛ تقول: كسوته عن عُرْي ومن عُرْي؛ ومنه قوله عز وجل: { ٱلَّذِيۤ أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ }[قريش: 4] أي عن جوع. وقيل: يحفظونه من ملائكة العذاب، حتى لا تحلّ به عقوبة؛ لأن الله لا يغير ما بقوم من النّعمة والعافية حتى يُغيِّروا ما بأنفسهم بالإصرار على الكفر، فإن أصرُّوا حان الأجل المضروب ونزلت بهم النّقمة، وتزول عنهم الحَفَظَة المعقبات. وقيل: يحفظونه من الجِنّ؛ قال كعب: لولا أن الله وَكَّل بكم ملائكة يَذبُّون عنكم في مَطْعَمكم وَمَشْرَبِكم وعوراتكم لَتخطَّفتكم الجِنّ. وملائكة العذاب من أمر الله؛ وخصّهم بأن قال: «مِنْ أَمْرِ اللَّهِ» لأنهم غير معايَنين؛ كما قال: { قُلِ ٱلرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي } [الإسراء: 85] أي ليس مما تشاهدونه أنتم. وقال الفرّاء: في الكلام تقديم وتأخير، تقديره، له معقبات من أمر الله من بين يديه ومن خلفه يحفظونه؛ وهو مرويّ عن مجاهد وٱبن جُرَيج والنَّخعيّ؛ وعلى أن ملائكة العذاب والجِنّ من أمر الله لا تقديم فيه ولا تأخير، وقال ٱبن جريج: إن المعنى يحفظون عليه عمله، فحذف المضاف. وقال قتادة: يكتبون أقواله وأفعاله. ويجوز إذا كانت المعقّبات الملائكة أن تكون الهاء في «له» لله عزّ وجل، كما ذكرنا؛ ويجوز أن تكون للمستخفي، فهذا قول. وقيل: «لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ» يعني به النبي صلى الله عليه وسلم؛ أي أن الملائكة تحفظه من أعدائه؛ وقد جرى ذكر الرسول في قوله: «لَوْلاَ أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ» أي سواء منكم من أسرّ القول ومن جهر به في أنه لا يضرّ النبي صلى الله عليه وسلم، بل له معقبات يحفظونه عليه السلام؛ ويجوز أن يرجع هذا إلى جميع الرسل؛ لأنه قد قال: «وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ» أي يحفظون الهادي من بين يديه ومن خلفه. وقول رابع: أن المراد بالآية السلاطين والأمراء الذين لهم قوم من بين أيديهم ومن خلفهم يحفظونهم؛ فإذا جاء أمر الله لم يُغنوا عنهم من الله شيئاً؛ قاله ابن عباس وعِكْرِمة؛ وكذلك قال الضّحاك: هو السّلطان المتحرّس من أمر الله، المِشركُ. وقد قيل: إن في الكلام على هذا التأويل نفياً محذوفاً، تقديره: لا يحفظونه من أمر الله تعالى؛ ذكره الماورديّ. قال المهدويّ: ومن جعل المعقّبات الحرس فالمعنى: يحفظونه من أمر الله على ظنه وزعمه. وقيل: سواء من أسرّ القول ومن جهر به فله حرّاس وأعوان يتعاقبون عليه فيحملونه على المعاصي، ويحفظونه من أن ينجَع فيه وعظٌ؛ قال القُشَيريّ: وهذا لا يمنع الرّب من الإمهال إلى أن يحقّ العذاب؛ وهو إذا غَيَّرَ هذا العاصي ما بنفسه بطول الإصرار فيصير ذلك سبباً للعقوبة؛ فكأنّه الذي يحلّ العقوبة بنفسه؛ فقوله: «يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ» أي من ٱمتثال أمر الله. وقال عبد الرحمن بن زيد: المعقّبات ما يتعاقب من أمر الله تعالى وقضائه في عباده؛ قال الماورديّ: ومن قال بهذا القول ففي تأويل قوله: «يَحَفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ» وجهان: أحدهما: يحفظونه من الموت ما لم يأت أجل؛ قاله الضحاك. الثاني: يحفظونه من الجِنّ والهوامّ المؤذية، ما لم يأت قَدَرٌ؛ ـ قاله أبو أمامة وكعب الأحبار ـ فإذا جاء المقدور خلّوا عنه؛ والصحيح أن المعقّبات الملائكة، وبه قال الحسن ومجاهد وقتادة وٱبن جريج؛ ورُوي عن ابن عباس، واختاره النحاس، وٱحتج بقول النبي صلى الله عليه وسلم:يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهارالحديثَ، رواه الأئمة. وروى الأئمة عن عمرو عن ابن عباس قرأ ـ معقّبات من بين يديه ورقباء من خلفه من أمر الله يحفظونه فهذا قد بيّن المعنى. وقال كِنَانة العَدَويّ: دخل عثمان رضي الله تعالى عنه على النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله! أخبرني عن العبد كم معه من مَلَك؟ قال: «مَلَك عن يمينك يكتب الحسنات وآخر عن الشمال يكتب السيئات والذي على اليمين أمير على الذي على الشمال فإذا عَمِلت حسنة كُتبت عشراً وإذا عمِلت سيئة قال الذي على الشمال للذي على اليمين أأكتب قال لا لعله يستغفر الله تعالى أو يتوب إليه فإذا قال ثلاثاً قال نعم ٱكتب أراحنا الله تعالى منه فبئس القرين هو ما أقلّ مراقبته لله عز وجل وأقل ٱستحياءه منا يقول الله تعالى {مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ } [قۤ: 18] ومَلَكَان من بين يديك ومن خلفك يقول الله تعالى «لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحَفْظُونَهُ مِنَ أَمْرِ اللَّهِ» (وملَك قابض على ناصيتك فإذا تواضعتَ لله رفعك وإذا تَجَبَّرْتَ على الله قَصَمكَ) وملَكَان على شَفَتيك وليس يحفظان عليك إلا الصلاة على محمد وآله ومَلَك قائم على فِيك لا يدع أن تدخل الحية في فِيك وملَكَان على عينيك فهؤلاء عشرة أملاك على كل آدمي يتداولون ملائكة الليل على ملائكة النهار لأن ملائكة الليل ليسوا بملائكة النهار فهؤلاء عشرون مَلكاً على كل آدمي وإبليس مع ٱبن آدم بالنهار وولده بالليل. ذكره الثعلبيّ. قال الحسن: المعقّبات أربعة أملاك يجتمعون عند صلاة الفجر. وٱختيار الطَّبريّ: أن المعقّبات المواكب بين أيدي الأمراء وخَلْفهم؛ والهاء في «له» لهنّ؛ على ما تقدّم. وقال العلماء رضوان الله عليهم: إن الله سبحانه جعل أوامره على وجهين: أحدهما: قضى حلوله ووقوعه بصاحبه؛ فذلك لا يدفعه أحد ولا يغيره. والآخر: قضى مجيئه ولم يقض حلوله ووقوعه، بل قضى صرفه بالتوبة والدعاء والصدقة والحفظ.

قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ} أخبر الله تعالى في هذه الآية أنه لا يغيّر ما بقوم حتى يقع منهم تغيير، إما منهم أو من الناظر لهم، أو ممن هو منهم بسبب؛ كما غيّر الله بالمنهزمين يوم أُحُد بسبب تغيير الرّماة بأنفسهم، إلى غير هذا من أمثلة الشَّريعة؛ فليس معنى الآية أنه ليس ينزل بأحد عقوبة إلا بأن يتقدم منه ذنب، بل قد تنزل المصائب بذنوب الغير؛ كما قال صلى الله عليه وسلم ـ وقد سُئل أَنَهلِك وفينا الصّالحون؟ قال: «نعم إذا كَثُر الْخُبْثُ». والله أعلم.

قوله تعالى: {وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوۤءًا} أي هلاكاً وعذاباً، {فَلاَ مَرَدَّ لَهُ}. وقيل: إذا أراد بهم بلاء من أمراض وأسقام فلا مردّ لبلائه. وقيل: إذا أراد الله بقوم سوءاً أعمى أبصارهم حتى يختاروا ما فيه البلاء ويعملوه؛ فيمشون إلى هلاكهم بأقدامهم، حتى يبحث أحدهم عن حتفة بكفه، ويسعى بقدمه إلى إراقة دمه. {وَمَا لَهُمْ مِّن دُونِهِ مِن وَالٍ} أي ملجأ؛ وهو معنى قول السُّدي. وقيل: من ناصر يمنعهم من عذابه؛ وقال الشاعر:

* ما في السماء سوى الرحمنِ من وَالِ V

ووَالٍ ووَليّ كقادر وقدير.

هُوَ ٱلَّذِى يُرِيكُمُ ٱلْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنشِئُ ٱلسَّحَابَ ٱلثِّقَالَ ۝١٢ وَيُسَبِّحُ ٱلرَّعْدُ بِحَمْدِهِۦ وَٱلْمَلَٰٓئِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِۦ وَيُرْسِلُ ٱلصَّوَٰعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَن يَشَآءُ وَهُمْ يُجَٰدِلُونَ فِى ٱللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ ٱلْمِحَالِ ۝١٣

قوله تعالى: {هُوَ ٱلَّذِي يُرِيكُمُ ٱلْبَرْقَ خَوْفاً وَطَمَعاً وَيُنْشِىءُ ٱلسَّحَابَ ٱلثِّقَالَ} أي بالمطر. «والسَّحاب» جمع، والواحدة سَحَابة، وسُحُب وسَحَائب في الجمع أيضاً. {وَيُسَبِّحُ ٱلرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَٱلْمَلاَئِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ وَيُرْسِلُ ٱلصَّوَاعِقَ} قد مضى في «البقرة» القول في الرعد والبرق والصواعق فلا معنى للإعادة؛ والمراد بالآية بيان كمال قدرته؛ وأن تأخير العقوبة ليس عن عجز؛ أي يريكم البرق في السماء خوفاً للمسافر، فإنه يخاف أذاه لما يناله من المطر والهول والصواعق؛ قال الله تعالى:

{ أَذًى مِّن مَّطَرٍ أَوْ }[النساء: 102] وطمعاً للحاضر أن يكون عقِبه مطر وخِصْب؛ قال معناه قَتَادة ومجاهد وغيرهما. وقال الحسن: خوفاً من صواعق البرق، وطمعاً في غيثه المزيل للقحط. «وَيُنْشِىءُ السَّحَّابَ الثِّقَالَ» قال مجاهد: أي بالماء. «وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ» من قال إن الرّعد صوت السحاب فيجوز أن يُسبّح الرعد بدليل خلق الحياة فيه؛ ودليل صحة هذا القول قوله: «وَالْمَلائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ» فلو كان الرّعد مَلَكاً لدخل في جملة الملائكة. ومن قال إنه ملك قال: معنى. «مِنْ خِيفَتِهِ» من خيفة الله؛ قاله الطَّبَريّ وغيره. قال ابن عباس: إن الملائكة خائفون من الله ليس كخوف ٱبن آدم؛ لا يعرف واحدهم مَن على يمينه ومَن على يساره، لا يشغلهم عن عبادة الله طعام ولا شراب؛ وعنه قال: الرّعد ملَك يَسوق السّحاب، وإن بخار الماء لفي نُقْرة إبهامه، وأنه مُوَكّل بالسّحاب يصرفه حيث يؤمر، وأنه يسبّح الله؛ فإذا سبّح الرّعد لم يبق مَلَك في السّماء إلا رفع صوته بالتّسبيح، فعندها ينزل القَطْر، وعنه أيضاً كان إذا سمع صوت الرّعد قال: سبحان الذي سَبَّحَت له. وروى مالك عن عامر بن عبد الله عن أبيه أنه كان إذا سمع صوت الرّعد قال: سبحان الذي يُسَبِّح الرّعد بحمده والملائكة من خيفته، ثم يقول: إن هذا وعيد لأهل الأرض شديد. وقيل: إنه مَلَك جالس على كرسيّ بين السماء والأرض، وعن يمينه سبعون ألف مَلَك، وعن يساره مثل ذلك؛ فإذا أقبل على يمينه وسبّح سبّح الجميع من خوف الله، وإذا أقبل على يساره وسَبّح سَبَّح الجميع من خوف الله. {وَيُرْسِلُ ٱلصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَن يَشَآءُ} ذكر الماورديّ عن ابن عباس وعليّ بن أبي طالب ومجاهد: نزلت في يهوديّ قال للنبيّ صلى الله عليه وسلم: أخبرنيٰ مِن أيّ شيء ربّك، أمِن لؤلؤ أم من ياقوت؟ فجاءت صاعقة فأحرقته. وقيل: نزلت في بعض كفّار العرب؛ قال الحسن: كان رجل من طواغيت العرب بعث النبي صلى الله عليه وسلم نَفَراً يدعونه إلى الله ورسوله والإسلام فقال لهم: أخبروني عن ربّ محمد ما هو، ومِمّ هو، أمِن فضة أم من حديد أم نحاس؟ فاستعظم القوم مقالته؛ فقال: أُجِيبُ محمداً إلى ربّ لا يعرفه! فبعث النبي صلى الله عليه وسلم إليه مراراً وهو يقول مثل هذا؛ فبينا النَّفَر ينازعونه ويدعونه إذ ٱرتفعت سحابة فكانت فوق رؤوسهم، فرعدت وأبرقت ورمت بصاعقة، فأحرقت الكافر وهم جلوس؛ فرجعوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فاستقبلهم بعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا: ٱحترق صاحبكم، فقالوا: من أين علمتم؟ قالوا: أوحى الله إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم. «وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ». ذكره الثعلبي عن الحسن؛ والقشيري بمعناه عن أنس، وسيأتي. وقيل: نزلت الآية في أربد بن ربيعة أخي لَبيد بن ربيعة، وفي عامر بن الطُّفَيْل؛ قال ابن عباس: أقبل عامر بن الطُّفَيْل وأَرْبَد بن ربيعة العامريان يريدان النبي صلى الله عليه وسلم وهو في المسجد جالس في نفر من أصحابه، فدخلا المسجد، فاستشرف الناس لجمال عامر وكان أعور، وكان من أجمل الناس؛ فقال رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: هذا يا رسول الله عامر بن الطُّفَيْل قد أقبل نحوك؛ فقال: «دَعْه فإن يُرِد الله به خيراً يَهْدِه» فأقبل حتى قام عليه فقال: يا محمد ما لي إن أسلمت؟ فقال: «لك ما للمسلمين وعليك ما على المسلمين». قال: أتجعل لي الأمر من بعدك؟ قال: «ليس ذاك إليّ إنما ذلك إلى الله يجعله حيث يشاء». قال: أفتجعلني على الوَبَر وأنت على المَدَر؟ قال: «لا». قال: فما تجعل لي؟ قال: «أجعل لك أَعِنّة الخيل تغزو عليها في سبيل الله». قال: أو ليس لي أعنّة الخيل اليوم؟ قم معي أكلمك؛ فقام معه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان عامر أومأ إلى أَرْبَد: إذا رأيتني أكلمه فدُرْ من خلفه وٱضربه بالسيف؛ فجعل يخاصم النبي صلى الله عليه وسلم ويراجعه؛ فاخترط أَرْبَدْ من سيفه شبراً ثم حبسه الله، فلم يقدر على سَلّه، ويَبست يده على سيفه، وأرسل الله عليه صاعقة في يوم صائفٍ صاحٍ فأحرقته، وولّى عامر هارباً وقال: يا محمدٰ دعوت ربك على أربد حتى قتلته؛ والله لأملأنها عليك خيلاً جُرْداً، وفتياناً مُرْداً؛ فقال عليه السلام: «يمنعك الله من ذلك وأبناء قَيْلة» يعني الأوْس والخَزْرَج؛ فنزل عامر بيت ٱمرأة سَلولية؛ وأصبح وهو يقول: والله لئن أَصْحَرَ لي محمدٌ وصاحبه ـ يريد مَلَك الموت ـ لأنفذتهما برمحي؛ فأرسل الله مَلَكاً فلطمه بجناحه فأذراه في التراب؛ وخرجت على ركبته غُدَّة عظيمة في الوقت؛ فعاد إلى بيت السَّلولية وهو يقول: غُدّة كغدة البعير، وموت في بيت سَلُولية؛ ثم ركب على فرسه فمات على ظهره. ورَثَى لَبيد بن ربيعة أخاه أَرْبَد فقال:

يا عينُ هلاّ بَكَيتِ أَرْبَدَ إِذْ قُمْــنَا وقَامَ الخُصُوم في كَبَدأَخْشَى على أَرْبَدَ الحُتُوفَ وَلاَأَرْهَبُ نَوْءَ السِّمَاك وَالأَسَدفَجَّعنِي الرَّعْدُ والصَّوَاعِقُ بالفارِسِ يَوْمَ الْكَرِيهَةِ النَّجِدِ

وفيه قال:

إن الرّزيَّة لاَ رَزِيَّةَ مِثْلُهَافِقْدَان كُلِّ أخٍ كضوء الْكَوْكَبِيا أَرْبَدَ الخيرِ الكرِيمَ جُدُودُهُأفردَتنِي أَمشِي بقَرْنٍ أعْضَب

وأسلم لبِيد بعد ذلك رضي الله عنه

مسألة: روى أَبَان عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

لا تأخذ الصاعقة ذاكراً لله عزّ وجلّ». وقال أبو هريرة رضي الله عنه: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا سمع صوت الرعد يقول:سبحان من يسبح الرعد بحمده والملائكة من خِيفته وهو على كل شيء قدير فإن أصابته صاعقة فعليّ ديته. وذكر الخطيب من حديث سليمان بن عليّ بن عبد الله بن عباس عن أبيه عن جده قال: كنا مع عمر في سفر فأصابنا رعد وبرد، فقال لنا كعب: من قال حين يسمع الرعد: سبحان من يسبح الرّعد بحمده والملائكة من خِيفته ثلاثاً عوفي مما يكون في ذلك الرعد؛ ففعلنا فعوفينا؛ ثم لقيت عمر بن الخطاب رضي الله عنه فإذا بَرَدَة قد أصابت أنفه فأثّرت به، فقلت: يا أمير المؤمنين ما هذا؟ قال بَرَدَة أصابت أنفي فأثرت، فقلت: إن كعباً حين سمع الرعد قال لنا: من قال حين يسمع الرعد سبحان من يسبح الرعد بحمده والملائكة من خيفته ثلاثاً عُوفي مما يكون في ذلك الرعد؛ فقلنا فعوفِينا؛ فقال عمر: أفلا قلتم لنا حتى نقولها؟ وقد تقدّم هذا المعنى في «البقرة».

قوله تعالى: {وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي ٱللَّهِ} يعني جدال اليهوديّ حين سأل عن الله تعالى: من أيّ شيء هو؟ قاله مجاهد. وقال ٱبن جُرَيج: جدال أَرْبَدَ فيما همّ به من قتل النبي صلى الله عليه وسلم. ويجوز أن يكون، «وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللَّهِ» حالاً، ويجوز أن يكون منقطعاً. وروى أنس

أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث إلى عظيم من المشركين يدعوه إلى الله عز وجل، فقال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: أخبرني عن إلهك هذا! أهو من فضة أم من ذهب أم من نحاس؟ فاستعظم ذلك؛ فرجع إليه فأعلمه؛ فقال: «ٱرجع إليه فادعه» فرجع إليه وقد أصابته صاعقة، وعاد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد نزل: «وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللَّهِ». {وَهُوَ شَدِيدُ ٱلْمِحَالِ} قال ابن الأعرابي: «المِحال» المكر، والمكر من الله عزّ وجلّ التدبير بالحق. النحاس: المكر من الله إيصال المكروه إلى من يستحقه من حيث لا يشعر. وروى ابن اليزيدي عن أبي زيد «وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ» أي النقمة. وقال الأزهريّ: «المحال» أي القوّة والشدّة. والْمَحْل: الشدّة؛ الميم أصلية، وماحَلْتُ فلاناً مِحَالاً أي قاويته حتى يتبيّن أينا أشدّ. وقال أبو عبيد: «المحال» العقوبة والمكروه. وقال ابن عَرَفة: «المِحال» الجدال؛ يقال: ماحَلَ عن أمره أي جادل. وقال القُتَيبِيّ: أي شديد الكيد؛ وأصله من الحيلة، جعل ميمه كميم المكان؛ وأصله من الكون، ثم يقال: تمكنت. وقال الأزهري: غلط ٱبن قتيبة أن الميم فيه زائدة؛ بل هي أصلية، وإذا رأيت الحرف على مثال فِعال أوّله ميم مكسورة فهي أصلية؛ مثل: مِهاد ومِلاك ومِرَاس، وغير ذلك من الحروف. ومِفْعَل إذا كانت من بنات الثلاثة فإنه يجيء بإظهار الواو مثل: مِزْوَد ومِحْوَل ومِحْوَر، وغيرها من الحروف؛ وقال: وقرأ الأعرج ـ «وَهُوَ شَدِيدُ الْمَحَال» بفتح الميم؛ وجاء تفسيره على هذه القراءة عن ابن عباس أنه الحول؛ ذكر هذا كله أبو عبيد الْهَرَويّ، إلا ما ذكرناه أوّلاً عن ابن الأعرابيّ؛ وأقاويل الصحابة والتابعين بمعناها، وهي ثمانية: أولها: شديد العداوة، قاله ابن عباس. وثانيها: شديد الْحَوْل، قاله ابن عباس أيضاً. وثالثها: شديد الأخذ، قاله عليّ بن أبي طالب. ورابعها: شديد الحقد، قاله ابن عباس. وخامسها: شديد القوة، قاله مجاهد. وسادسها: شديد الغضب، قاله وهب بن مُنَبّه. وسابعها: شديد الهلاك بالمحل، وهو القحط؛ قاله الحسن أيضاً. وثامنها: شديد الحيلة؛ قاله قَتَادة. وقال أبو عبيدة مَعْمَر: المِحال والمماحلة المماكرة والمغالبة؛ وأنشد للأعشى:

فرع نَبْعٍ يَهْتَزُّ في غُصُنِ الْمَجْــدِ كثير النَّدَى شديد المحال

وقال آخر:

ولَبَّسَ بَيْنَ أقوَامٍ فكُلٌّأَعَدَّ له الشَّغَازِبَ والْمِحَالاَ

وقال عبد المطلب:

لا هُمَّ إنّ الْمَرْءَ يَمْــنَعُ رَحْلَهُ فٱمْنَعْ حِلاَلَكَلاَ يَغْلِبَنَّ صَلِيبُهُم وَمِحَالُهُمْ عَدْواً مِحَالك

الاثنين، 26 أكتوبر 2026 15 جمادى الأولى 1448 هـ