انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة الرعد

تفسير البغويالآيات 1–29

تفسير سورة الرعد آية آية، من تفسير البغوي.

بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ

الٓمٓر تِلْكَ ءَايَٰتُ ٱلْكِتَٰبِ وَٱلَّذِىٓ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ ٱلْحَقُّ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ ۝١

{الۤمۤر} قال ابن عباس: معناه: أنا الله أعلم وأرى، {تِلْكَ ءَايَـٰتُ ٱلْكِتَـٰبِ}، يعني: تلك الأخبار التي قصصتُها عليك آيات التوراة والإِنجيل والكتب المتقدمة، {وَٱلَّذِىۤ أُنزِلَ إِلَيْكَ}، يعني: وهذا القرآن الذي أنزل إليك، {مِن رَّبِّكَ ٱلْحَقُّ}، أي: هو الحق فاعتصم به.

فيكون محل "الذي" رفعاً على الابتداء، و"الحقُّ" خبره.

وقيل: محلُّه خفض، يعني: تلك آيات الكتاب وآيات الذي أنزل إليك، ثم ابتدأ: "الحق"، يعني: ذلك الحق.

وقال ابن عباس: أراد بالكتاب القرآن، ومعناه: هذه آيات الكتاب، يعني القرآن، ثم قال: وهذا القرآن الذي أنزل إليك من ربك هو الحق.

{وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يُؤْمِنُونَ}، قال مقاتل: نزلت في مشركي مكة حين قالوا: إن محمداً يقوله من تلقاء نفسه، فردّ قولهم ثم بين دلائل ربوبيته، فقال عَزّ من قائل:

{ٱللَّهُ ٱلَّذِي رَفَعَ ٱلسَّمَاوَٰتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا}.

ٱللَّهُ ٱلَّذِى رَفَعَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ وَسَخَّرَ ٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِى لِأَجَلٍ مُّسَمًّى يُدَبِّرُ ٱلْأَمْرَ يُفَصِّلُ ٱلْـَٔايَٰتِ لَعَلَّكُم بِلِقَآءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ ۝٢

{ٱللَّهُ ٱلَّذِى رَفَعَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا}، يعني: السَّواري، واحدها عمود، مثل أديم وأَدَم، وعُمُد أيضاً جمعه، مثل: رسول ورُسل.

ومعناه نفي العمد أصلاً، وهو الأصح، يعني: ليس من دونها دعامة تدعمها ولا فوقها علاقة تمسكها.

قال إياس بن معاوية: السماء مقبَّبة على الأرض مثل القبة.

وقيل: "ترونها" راجعة إلى العمد، معناه: لها عمد ولكن لا ترونها.

وزعم: أن عمدها جبل قاف، وهو محيط بالدنيا، والسماء عليه مثل القبة.

{ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ}، علاَ عليه، {وَسَخَّرَ ٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ}، ذلّلهما لمنافع خلقه فهما مقهوران، {كُلٌّ يَجْرِى}، أي: يجريان على ما يريد الله عزَّ وجلَّ، {لأَجَلٍ مُّسَمّىً}، أي: إلى وقت معلوم وهو فناء الدنيا. وقال ابن عباس: أراد بالأجل المسمى درجاتهما ومنازلهما ينتهيان إليها لا يجاوزانها، {يُدَبِّرُ ٱلأَمْرَ}، يقضيه وحده، {يُفَصِّلُ ٱلأَيَـٰتِ}، يبين الدلالات، {لَعَلَّكُمْ بِلِقَآءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ}، لكي توقنوا بوعده وتصدقوه.

وَهُوَ ٱلَّذِى مَدَّ ٱلْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَٰسِىَ وَأَنْهَٰرًا وَمِن كُلِّ ٱلثَّمَرَٰتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ ٱثْنَيْنِ يُغْشِى ٱلَّيْلَ ٱلنَّهَارَ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَٰتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ۝٣

{وَهُوَ ٱلَّذِى مَدَّ ٱلأَرْضَ}، بسطها، {وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ}، جبالاً ثابتة، واحدتها: راسية، قال ابن عباس: كان أبو قبيس أول جبل وضع على الأرض، {وَأَنْهَـٰراً}، وجعل فيها أنهاراً. {وَمِن كُلِّ ٱلثَّمَرَٰتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ ٱثْنَيْنِ}، أي: صنفين اثنين أحمر وأصفر، وحلواً وحامضاً، {يُغْشِي ٱلْلَّيْلَ ٱلنَّهَارَ}، أي: يلبس النهار بظلمة الليل، ويلبس الليل بضوء النهار {إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لأَيَـٰتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ}، فيستدلون. والتفكر: تصرف القلب في طلب معاني الأشياء.

وَفِى ٱلْأَرْضِ قِطَعٌ مُّتَجَٰوِرَٰتٌ وَجَنَّٰتٌ مِّنْ أَعْنَٰبٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَىٰ بِمَآءٍ وَٰحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَىٰ بَعْضٍ فِى ٱلْأُكُلِ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَٰتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ۝٤

{وَفِى ٱلأَرْضِ قِطَعٌ مُّتَجَـٰوِرَٰتٌ}، متقاربات يقرب بعضها من بعض، وهي مختلفة: هذه طيبة تنبت، وهذه سبخة لا تنبت، وهذه قليلة الريع، وهذه كثيرة الريع، {وَجَنَّـٰتٌ}: بساتين، {مِّنْ أَعْنَـٰبٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَٰنٌ}، رفعها كلها ابن كثير، وأبو عمرو، وحفص، ويعقوب، عطفاً على الجنات، وجرها الآخرون نسقاً على الأعناب.

والصنوان: جمع صنو، وهو النخلات يجمعهن أصل واحد.

{وَغَيْرُ صِنْوَٰنٍ}، هي النخلة المنفردة بأصلها.

وقال أهل التفسير: صنوان: مجتمع، وغير صنوان: متفرق. نظيره من الكلام: قنوان جمع قنو. ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم في العباس:

عمّ الرجل صنو أبيه «.

ولا فرق في الصنوان والقنوان بين التثنية والجمع إلا في الإِعراب، وذلك أن النون في التثنية مكسورة غير منونة، وفي الجمع منونة.

{يُسْقَىٰ بِمَآءٍ وَٰحِدٍ}، قرأ ابن عامر وعاصم ويعقوب {يسقى} بالياء أي يسقى ذلك كله بماء واحد، وقرأ الآخرون بالتاء لقوله تعالى: {وجناتٍ} ولقوله تعالى من بعد {بَعْضَهَا عَلَىٰ بَعْضٍ}، ولم يقل بعضه، والماء جسم رقيق مائع به حياة كل نامٍ.

{وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَىٰ بَعْضٍ فِى ٱلأُكُلِ}، في الثمر والطعم.

قرأ حمزة والكسائي {ويفضل} بالياء، لقوله تعالى:

{ يُدَبِّرُ ٱلأَمْرَ يُفَصِّلُ ٱلآيَاتِ }[الرعد: 2].

وقرأ الآخرون بالنون على معنى: ونحن نفضل بعضها على بعض في الأُكُل، وجاء في الحديث [في قوله]: {وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَىٰ بَعْضٍ فِى ٱلأُكُلِ}، قال: «الفارسيُّ، والدَّقَلُ، والحلو، والحامض«

قال مجاهد: كمثل بني آدم، صالحهم وخبيثهم وأبوهم واحد.

قال الحسن: هذا مثل ضربه الله تعالى لقلوب بني آدم، كانت الأرض طينة واحدة في يد الرحمن عزّ وجلّ، فسطحها، فصارت قطعاً متجاورةً، فينزل عليها المطر من السماء، فتخرج هذه زهرتها، وشجرها وثمرها ونباتها، وتخرج هذه سَبَخَها وملحها وخبيثها، وكل يُسقَى بماء واحد، كذلك الناس خلقوا من آدم عليه السلام فينزل من السماء تذكرة فترق قلوب فتخشع، وتقسو قلوب فتلهو.

قال الحسن: والله ما جالس القرآن أحد إلا قام من عنده بزيادة أو نقصان، قال الله تعالى:

{ { وَنُنَزِّلُ مِنَ ٱلْقُرْءَانِ مَا هُوَ شِفَآءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ وَلاَ يَزِيدُ ٱلظَّـٰلِمِينَ إِلاَّ خَسَاراً } } [الإِسراء: 82].

{إِنَّ فِى ذَٰلِكَ} الذي ذكرت {لأَيَـٰتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ}.

وَإِن تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَءِذَا كُنَّا تُرَٰبًا أَءِنَّا لَفِى خَلْقٍ جَدِيدٍ أُو۟لَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ بِرَبِّهِمْ وَأُو۟لَٰٓئِكَ ٱلْأَغْلَٰلُ فِىٓ أَعْنَاقِهِمْ وَأُو۟لَٰٓئِكَ أَصْحَٰبُ ٱلنَّارِ هُمْ فِيهَا خَٰلِدُونَ ۝٥

{وَإِن تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ}، العجب تغير النفس برؤية المُسْتَبْعَد في العادة، والخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم. ومعناه: إنك إن تعجب من إنكارهم النشأة الآخرة مع إقرارهم بابتداء الخلق من الله عز وجل فعجب أمرهم.

وكان المشركون ينكرون البعث، مع إقرارهم بابتداء الخلق من الله تعالى، وقد تقرر في القلوب أن الإِعادة أهون من الابتداء، فهذا موضع العجب.

وقيل: معناه: وإن تعجب من تكذيب المشركين واتخاذهم مالا يضر ولا ينفع آلهةً يعبدونها وهم قدْ رأوا من قدرة الله تعالى ما ضرب لهم به الأمثال فعجب قولهم، أي: فتعجب أيضاً من قولهم:

{أَءِذَا كُنَّا تُرَاباً}، بعد الموت {أَءِنَّا لَفِى خَلْقٍ جَدِيدٍ}، أي: نعاد خلقاً جديداً كما كنا قبل الموت.

قرأ نافع والكسائي ويعقوب "أئذا" مستفهماً "إنَّا" بتركه، على الخبر، ضده: أبو جعفر وابن عامر. وكذلك في "سبحان" في موضعين، والمؤمنون، وآلم السجدة، وقرأ الباقون بالاستفهام فيهما وفي الصافات في موضعين هكذا إلا أن أبا جعفر يوافق نافعاً في أول الصافات فيقدم الاستفهام ويعقوب لا يستفهم الثانية

{ { أَءِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وَعِظَاماً أَءِنَّا لَمَدِينُونَ } } [الصافات:53].

قال الله تعالى: {أُوْلَـٰئِكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمْ وَأُوْلَئِكَ ٱلأَغْلَـٰلُ فِىۤ أَعْنَـٰقِهِمْ}، يوم القيامة {وَأُوْلَـٰئِكَ أَصْحَـٰبُ ٱلنَّارِ هُمْ فِيهَا خَـٰلِدونَ}.

وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِٱلسَّيِّئَةِ قَبْلَ ٱلْحَسَنَةِ وَقَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمُ ٱلْمَثُلَٰتُ وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِّلنَّاسِ عَلَىٰ ظُلْمِهِمْ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ ٱلْعِقَابِ ۝٦ وَيَقُولُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ لَوْلَآ أُنزِلَ عَلَيْهِ ءَايَةٌ مِّن رَّبِّهِۦٓ إِنَّمَآ أَنتَ مُنذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ ۝٧

قوله عزّ وجلّ: {وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِٱلسَّيِّئَةِ قَبْلَ ٱلْحَسَنَةِ}، الاستعجال: طلب تعجيل الأمر قبل مجيء وقته، والسيئة هاهنا هي: العقوبة، والحسنة: العافية. وذلك أن مشركي مكة كانوا يطلبون العقوبة بدلاً من العافية استهزاءً منهم يقولون:

{ { ٱللَّهُمَّ إِن كَانَ هَـٰذَا هُوَ ٱلْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ أَوِ ٱئْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ } } [الأنفال:32].

{وَقَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمُ ٱلْمَثُلَـٰتُ}، أي: مضت من قبلهم في الأمم التي عصت ربها وكذبت رسلها العقوبات، والمثلات جمع المَثُلَة بفتح الميم وضم الثاء، مثل: صَدُقَة وصَدُقَات.

{وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِّلنَّاسِ عَلَىٰ ظُلْمِهِمْ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ ٱلْعِقَابِ}.

{وَيَقُولُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْلاۤ أُنزِلَ عَلَيْهِ}، أي: على محمد صلى الله عليه وسلم {ءَايَةٌ مِّن رَّبِّهِ}، أي: علامة وحجة على نبوته، قال الله تعالى: {إِنَّمَآ أَنتَ مُنذِرٌ}، مُخوِّف، {وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ}، أي: لكل قوم نبي يدعوهم إلى الله تعالى

وقال الكلبي: داعٍ يدعوهم إلى الحق أو إلى الضلالة.

وقال عكرمة: الهادي محمد صلى الله عليه وسلم، يقول: إنما أنت منذر وأنت هادٍ لكل قوم، أي: داعٍ.

وقال سعيد بن جبير: الهادي هو الله تعالى.

ٱللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنثَىٰ وَمَا تَغِيضُ ٱلْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ وَكُلُّ شَىْءٍ عِندَهُۥ بِمِقْدَارٍ ۝٨

قوله تعالى: {ٱللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنثَىٰ}، من ذكر أو أنثى، سويّ الخلق أو ناقص الخلق، واحداً أو اثنين أو أكثر {وَمَا تَغِيضُ ٱلأَرْحَامُ}، أي ما تنقص {وَمَا تَزْدَادُ}.

وقال أهل التفسير: غيض الأرحام: الحيض على الحمل؛ فإذا حاضت الحامل كان نقصاناً في الولد، لأن دم الحيض غذاء الولد في الرحم، فإذا أهرقت الدم ينقص الغذاء فينتقص الولد، وإذا لم تحض يزداد الولد ويتمُّ، فالنقصان نقصان خلقة الولد بخروج الدم، والزيادة تمام خلقته باستمساك الدم.

وقيل: إذا حاضت ينتقص الغذاء وتزداد مدة الحمل حتى تستكمل تسعة أشهر ظاهراً، فإن رأت خمسة أيام دماً وضعت لتسعة أشهر وخمسة أيام، فالنقصان في الغذاء، والزيادة في المدة.

وقال الحسن: غيضها: نقصانها من تسعة أشهر، والزيادة: زيادتها على تسعة أشهر.

وقيل: النقصان السَّقط، والزيادة: تمام الخلق.

وأقل مدة الحمل: ستة أشهر، فقد يُولد المولود لهذه المدة ويعيش.

واختلفوا في أكثرها: فقال قوم: أكثرها سنتان، وهو قول عائشة رضي الله عنها، وبه قال أبو حنيفة رحمه الله

وذهب جماعة إلى أن أكثرها أربع سنين، وإليه ذهب الشافعي رحمه الله، قال حماد بن سلمة. إنما سمي هَرِم بن حيَّان هرماً لأنه بقي في بطن أمه أربع سنين.

{وَكُلُّ شَىْءٍ عِندَهُ بِمِقْدَارٍ}، أي: بتقدير واحد لا يجاوزه ولا يقصر عنه.

عَٰلِمُ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَٰدَةِ ٱلْكَبِيرُ ٱلْمُتَعَالِ ۝٩ سَوَآءٌ مِّنكُم مَّنْ أَسَرَّ ٱلْقَوْلَ وَمَن جَهَرَ بِهِۦ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍۭ بِٱلَّيْلِ وَسَارِبٌۢ بِٱلنَّهَارِ ۝١٠ لَهُۥ مُعَقِّبَٰتٌ مِّنۢ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِۦ يَحْفَظُونَهُۥ مِنْ أَمْرِ ٱللَّهِ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا۟ مَا بِأَنفُسِهِمْ وَإِذَآ أَرَادَ ٱللَّهُ بِقَوْمٍ سُوٓءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُۥ وَمَا لَهُم مِّن دُونِهِۦ مِن وَالٍ ۝١١

{عَـٰلِمُ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَـٰدَةِ ٱلْكَبِيرُ}، الذي كل شيء دونه، {ٱلْمُتَعَالِ}، المستعلي على كل شيء بقدرته.

قوله تعالى: {سَوَآءٌ مِّنْكُمْ مَّنْ أَسَرَّ ٱلْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ}، أي: يستوي في علم الله المُسِرُّ بالقول والجاهر به، {وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِٱلْلَّيْلِ}، أي: مستتر بظلمة الليل، {وَسَارِبٌ بِٱلنَّهَارِ}، أي: ذاهب في سربه ظاهر.

والسَّرب ـ بفتح السين وسكون الراء ـ: الطريق.

قال القتيبي: سارب بالنهار: أي متصرف في حوائجه.

قال ابن عباس في هذه الآية: هو صاحب ريبة، مستخفٍ بالليل، فإذا خرج بالنهار أرى الناس أنه بريء من الإِثم.

وقيل: مستخف بالليل، أي ظاهر، من قولهم: خفيت الشيء؛ إذا أظهرته، وأخفيته: إذا كتمته. وسارب بالنهار: أي متوارٍ داخل في سرب.

{لَهُ مُعَقِّبَـٰتٌ}، أي: لله تعالى ملائكة يتعاقبون فيكم بالليل والنهار، فإذا صعدت ملائكة الليل جاء في عقبها ملائكة النهار، وإذا صعدت ملائكة النهار جاء في عقبها ملائكة الليل.

والتعقيب: العود بعد البدء، وإنما ذكر بلفظ التأنيث لأن واحدها معقِّب، وجمعه معقِّبة، ثم جمع الجمع معقِّبات، كما قيل: ابناوات سعد ورجالات بكر.

أخبرنا أبو الحسن السرخسي، أخبرنا زاهر بن أحمد، أخبرنا أبو إسحاق الهاشمي، أخبرنا أبو مصعب، عن مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:

يَتَعاقَبُون فيكم، ملائكةٌ بالليل وملائكة بالنهار، ويجتمعون في صلاةِ الفجرِ وصلاةِ الفجرِ وصلاةِ العصر، ثم يَعْرُجُ الذين بَاتُوا فيكم، فيسألُهم ربهم - وهو أعلم بهم -: كيف تركتم عبادِي؟ فيقولون: تركناهم وهم يصلُّون وأتيناهم وهم يصلُّون».

قوله تعالى: {مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ}، يعني: من قدام هذا المستخفي بالليل والسارب بالنهار، ومن خلفه: من وراء ظهره، {يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ ٱللَّهِ}، يعني: بأمر الله، أي: يحفظونه بإذن الله تعالى مالم يجيء المقدور، فإذا جاء المقدور خلوا عنه.

وقيل: يحفظونه من أمر الله: أي مما أمر الله به من الحفظ عنه.

قال مجاهد: ما من عبد إلا وله ملك موكَّل به يحفظه في نومه ويقظته من الجن والإِنس والهوامّ، فما منهم شيء يأتيه يريده إلا قال وراءك! إلا شيء يأذن الله فيه فيصيبه.

قال كعب الأحبار: لولا أن الله عزّ وجلّ وكَّل بكم ملائكة يَذُبُّون عنكم في مطعمكم ومشربكم وعوراتكم لتخطَّفكم الجن.

وقال عكرمة: الآية في الأمراء وحرسهم يحفظونهم من بين أيديهم ومن خلفهم.

وقيل: الآية في المَلَكَيْن القاعِدَيْن عن اليمين وعن الشمال يكتبان الحسنات والسيئات، كما قال الله تعالى:

{ { إِذْ يَتَلَقَّى ٱلْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ ٱلْيَمِينِ وَعَنِ ٱلشِّمَالِ قَعِيدٌ } } [ق: 17]. وقال ابن جريج: معنى يحفظونه أي: يحفظون عليه أعماله من أمر الله، يعني: الحسنات والسيئات.

وقيل: الهاء في (له): راجعة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.

روى جؤيبر عن الضحاك عن ابن عباس أنه قال: له معقبات يعني لمحمد صلى الله عليه وسلم حراس من الرحمن من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله، يعني: من شر الجن وطوارق الليل والنهار.

وقال عبدالرحمن بن زيد: نزلت هذه الآيات في عامر بن الطفيل، وأربد بن ربيعة، وكانت قصتهما على ما روى الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس رضي الله عنهما قال:

أقبل عامر بن الطفيل وأربد بن ربيعة، وهما عامريان، يريدان رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو جالس في المسجد في نفر من أصحابه، فدخلا المسجد فاستشرف الناس لجمال عامر وكان أعور وكان من أجلِّ الناس.

فقال رجل: يارسول الله، هذا عامر بن الطفيل قد أقبل نحوك، فقال: دعه فإن يرد الله به خيراً يهده.

فأقبل حتى قام عليه، فقال: يامحمد مالي إن أسلمت؟

قال: "لك ما للمسلمين وعليك ما على المسلمين".

قال: تجعل لي الأمر بعدك.

قال: ليس ذلك إلي، إنما ذلك إلى الله عزّ وجلّ، يجعله حيث يشاء.

قال: فتجعلني على الوبر وأنت على المدر، قال: لا.

قال: فماذا تجعل لي؟

قال: أجعل لك أَعِنة الخيل تغزو عليها.

قال: أوليس ذلك لي اليوم؟ قم معي أكلِّمك. فقام معه رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وكان عامر أوصى إلى أربد بن ربيعة إذا رأيتني أكلمه فَدُرْ من خلفه فاضربه بالسيف، فجعل يخاصم رسول الله صلى الله عليه وسلم ويراجعه فدار أربد من خلف النبي صلى الله عليه وسلم ليضربه، فاخترط من سيفه شبراً، ثم حبسه الله عنه، فلم يقدر على سلِّه، وجعل عامر يومىء إليه، فالتفت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فرأى أربد وما صنع بسيفه، فقال: اللهم أكفنيهما بما شئت.

فأرسل الله على أربد صاعقة في يوم صحو قائظ فأحرقته، وولَّى عامر هارباً وقال: يامحمد دعوت ربك فقتل أربد والله لأملأنَّها عليك خيلاً جرداً وفتياناً مرداً.

فقال النبي صلى الله عليه وسلم:: يمنعك الله تعالى من ذلك، وابنا قيلة يريد: الأوس والخزرج.

فنزل عامر بيت امرأة سلولية، فلما أصبح ضمَّ عليه سلاحه وقد تغير لونه، فجعل يركض في الصحراء، ويقول: أبرز ياملك الموت، ويقول الشعر، ويقول واللات لئن أبصرت محمداً وصاحبه يعني ملك الموت لأنفذنّهما برمحي، فأرسل الله ملكاً فلطمه بجناحه فأرداه في التراب وخرجت على ركبتيه في الوقت غُدَّة عظيمة، فعاد إلى بيت السلولية وهو يقول: غدة كغدة البعير وموت في بيت سلولية. ثم دعا بفرسه فركبه ثم أجراه حتى مات على ظهره فأجاب الله دعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقتل عامر ابن الطفيل بالطعن وأربد بالصاعقة

وأنزل الله عزّ وجلّ في هذه القصة قوله: {سَوَآءٌ مِّنْكُمْ مَّنْ أَسَرَّ ٱلْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِٱلْلَّيْلِ وَسَارِبٌ بِٱلنَّهَارِ لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ}، يعني لرسول الله صلى الله عليه وسلم معقبات يحفظونه من بين يديه ومن خلفه من أمر الله.

يعني تلك المعقبات من أمر الله، وفيه تقديم تأخير.

وقال لهذين: {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ}، من العافية والنعمة، {حَتَّىٰ يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمْ}.

من الحال الجميلة فيعصوا ربهم.

{وَإِذَآ أَرَادَ ٱللَّهُ بِقَوْمٍ سُوۤءاً}، أي: عذاباً وهلاكاً {فَلاَ مَرَدَّ لَهُ} أي: لا رادَّ له، {وَمَا لَهُمْ مِّن دُونِهِ مِن وَالٍ}، أي: ملجأ يلجؤون إليه، وقيل: والٍ يلي أمرهم ويمنع العذاب عنهم.

هُوَ ٱلَّذِى يُرِيكُمُ ٱلْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنشِئُ ٱلسَّحَابَ ٱلثِّقَالَ ۝١٢ وَيُسَبِّحُ ٱلرَّعْدُ بِحَمْدِهِۦ وَٱلْمَلَٰٓئِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِۦ وَيُرْسِلُ ٱلصَّوَٰعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَن يَشَآءُ وَهُمْ يُجَٰدِلُونَ فِى ٱللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ ٱلْمِحَالِ ۝١٣

قوله عزّ وجلّ: {هُوَ ٱلَّذِى يُرِيكُمُ ٱلْبَرْقَ خَوْفاً وَطَمَعاً}، قيل: خوفاً من الصاعقة، طمعاً في نفع المطر.

وقيل: الخوف للمسافر، يخاف منه الأذى والمشقة والطمع للمقيم يرجو منه البركة والمنفعة.

وقيل: الخوف من المطر في غير مكانه وإبَّانه، والطمع إذا كان في مكانه وإبَّانه، ومن البلدان إذا أمطروا قحطوا وإذا لم يمطروا أخصبوا.

{وَيُنْشِىءُ ٱلسَّحَابَ ٱلثِّقَالَ}، بالمطر. يقال: أنشاء الله السحابة فنشأت أي: أبداها فبدت، والسحاب جمعٌ، واحدتها سحابة، قال علي رضي الله عنه: السحاب غربال الماء.

{وَيُسَبِّحُ ٱلرَّعْدُ بِحَمْدِهِ} أكثر المفسرين على أن الرعد اسم مَلَكٍ يسوق السحاب، والصوت المسموع منه تسبيحه.

قال ابن عباس: من سمع صوت الرعد فقال: سبحان الذي يسبح الرعد بحمده، والملائكة من خيفته وهو على كل شيء قدير، فإن أصابته صاعقة فعليَّ ديته.

وعن عبدالله بن الزبير: أنه كان إذا سمع صوت الرعد ترك الحديث: وقال: سبحان من يسبح الرعد بحمده والملائكة من خيفته، ويقول: إن هذا الوعيد لأهل الأرض شديد.

وفي بعض الأخبار يقول الله تعالى:

لو أن عبادي أطاعوني لسقيتهم المطر بالليل، ولأطلعت عليهم الشمس بالنهار، ولم أُسْمِعْهم صوت الرعد «.

وقال جويبر عن الضحاك عن ابن عباس: الرعد ملك موكل بالسحاب يصرفه إلى حيث يؤمر، وأن بحور الماء في نقرة إبهامه، وأنه يسبح الله تعالى، فإذا سبح لا يبقى مَلَكٌ في السماء إلا رفع صوته بالتسبيح فعندها ينزل القَطْر. {وَٱلْمَلْـٰئِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ}، أي: تسبح الملائكة من خيفة الله عزّ وجلّ وخشيته.

وقيل أراد بهؤلاء الملائكة أعوان الرعد، جعل الله تعالى له أعوناً، فهم خائفون خاضعون طائعون.

قوله تعالى: {وَيُرْسِلُ ٱلصَّوَٰعِقَ}، جمع صاعقة، وهي: العذاب المهلك، ينزل من البرق فيحرق من يصيبه، {فَيُصِيبُ بِهَا مَن يَشَآءُ}، كما أصاب أربد بن ربيعة.

قال محمد بن علي الباقر: الصاعقة تصيب المسلم وغير المسلم ولا تصيب الذاكر.

{وَهُمْ يُجَـٰدِلُونَ}، يخاصمون، {فِى ٱللَّهِ}، نزلت في شأن أربد بن ربيعة حيث قال للنبي صلى الله عليه وسلم. ممَّ ربك أمن دُرٍّ أم من ياقوت أم من ذهب؟ فنزلت صاعقة من السماء فأحرقته.

وسُئل الحسن عن قوله عزّ وجلّ: {وَيُرْسِلُ ٱلصَّوَٰعِقَ} الآية، قال:

كان رجل من طواغيت العرب بعث إليه النبي صلى الله عليه وسلم نفراً يدعونه إلى الله وإلى رسوله.

فقال لهم: أخبروني عن رب محمد هذا الذي تدعونني إليه ممَّ هو؟ من ذهب أو فضة أو حديد أو نحاس؟

فاستعظم القوم مقالته فانصرفوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: يارسول الله ما رأينا رجلاً أكفر قلباً ولا أعتى على الله منه!

فقال: ارجعوا إليه، فرجعوا إليه، فجعل لا يزيدهم على مثل مقالته الأولى، وقال: أُجيب محمداً إلى رب لا أراه ولا أعرفه؟

فانصرفوا وقالوا: يارسول الله ما زادنا على مقالته الأولى وأخبث.

فقال ارجعوا إليه، فرجعوا، فبينما هم عنده ينازعونه ويدعونه، وهو يقول هذه المقالة إذن ارتفعت سحابة، فكانت فوق رؤوسهم، فرعدت وبرقت، ورمت بصاعقة، فاحترق الكافر، وهم جلوس، عنده، فجاؤوا يسعون ليخبروا رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستقبلهم قوم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، فقالوا لهم: احترق صاحبكم. فقالوا: من أين علمتم فقالوا أوحى الله إلى النبي صلى الله عليه وسلم: {وَيُرْسِلُ ٱلصَّوَٰعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَن يَشَآءُ وَهُمْ يُجَـٰدِلُونَ فِى ٱللَّهِ}

.

{وَهُوَ شَدِيدُ ٱلْمِحَالِ}، قال علي رضي الله عنه: شديد الأخذ.

وقال ابن عباس: شديد الحول.

وقال الحسن: شديد الحقد.

وقال مجاهد: شديد القوة.

وقال أبو عبيدة: شديد العقوبة.

وقيل: شديد المكر.

والمحال والمُمَاحلة: المماكرة والمغالبة.

لَهُۥ دَعْوَةُ ٱلْحَقِّ وَٱلَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِۦ لَا يَسْتَجِيبُونَ لَهُم بِشَىْءٍ إِلَّا كَبَٰسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى ٱلْمَآءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَٰلِغِهِۦ وَمَا دُعَآءُ ٱلْكَٰفِرِينَ إِلَّا فِى ضَلَٰلٍ ۝١٤

{لَهُ دَعْوَةُ ٱلْحَقِّ}، أي: لله دعوة الصدق.

قال علي رضي الله عنه: دعوة الحق التوحيد.

وقال ابن عباس: شهادة أن لا إله إلا الله.

وقيل: الدعاء بالإِخلاص، والدعاء الخالص لا يكون إلا لله عزّ وجلّ.

{وَٱلَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ}، أي: يعبدون الأصنام من دون الله تعالى. {لاَ يَسْتَجِيبُونَ لَهُم بِشَىْءٍ}، أي: لا يجيبونهم بشيء يريدونه من نفع أو دفع ضر، {إِلاَّ كَبَـٰسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى ٱلْمَآءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ}، أي: إلا كباسط كفيه ليقبض على الماء والقابض على الماء لا يكون في يده شيء، ولا يبلغ إلى فيه منه شيء، كذلك الذي يدعو الأصنام، وهي لا تضر ولا تنفع، لا يكون بيده شيء.

وقيل: معناه كالرجل العطشان الذي يريد الماء من بعيد، فهو يشير بكفه إلى الماء، ويدعوه بلسانه، فلا يأتيه أبداً، فهذا معنى قول مجاهد.

ومثله عن علي وعطاء: كالعطشان الجالس على شفير البئر، يمد يده إلى البئر فلا يبلغ قعر البئر إلى الماء، ولا يرتفع إليه الماء، فلا ينفعه بسط الكف إلى الماء ودعاؤه له، ولا هو يبلغ فاه كذلك الذين يدعون الأصنام لا ينفعهم دعاؤها، وهي لا تقدر على شيء.

وعن ابن عباس: كالعطشان إذا بسط كفيه إلى الماء لا ينفعه ذلك ما لم يغرف بهما الماء، ولا يبلغ الماء فاه ما دام باسطاً كفيه. وهو مثلٌ ضربه الله لخيبة الكفار.

{وَمَا دُعَآءُ ٱلْكَـٰفِرِينَ}، أصنامهم، {إِلاَّ فِى ضَلَـٰلٍ}، يضل عنهم إذا احتاجوا إليه كما قال:

{ { وَضَلَّ عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ } } [الأنعام: 24 وغيرها].

وقال الضحاك عن ابن عباس: وما دعاء الكافرين ربهم إلاّ في ضلال لأن أصواتهم محجوبة عن الله تعالى

وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَن فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلَٰلُهُم بِٱلْغُدُوِّ وَٱلْـَٔاصَالِ ۝١٥

قوله عزّ وجلّ: {وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَن فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ طَوْعاً}، يعني: الملائكة والمؤمنين، {وَكَرْهاً}، يعني: المنافقين والكافرين الذين أكرهوا على السجود بالسيف.

{وَظِلَـٰلُهُم}، يعني: ظلال الساجدين طوعاً وكرهاً تسجد لله عزّ وجلّ طوعاً.

قال مجاهد: ظل المؤمن يسجد طوعاً وهو طائع، وظل الكافر يسجد طوعاً وهو كاره.

{بِٱلْغُدُوِّ وَٱلآصَالِ}، يعني إذا سجد بالغدو والعشي يسجد معه ظله.

و"الآصال": جمع "الأُصُل"، و"الأُصُل" جمع "الأَصيل"، وهو ما بين العصر إلى غروب الشمس.

وقيل: ظلالهم أي: أشخاصُهم، بالغدو والآصال: بالبُكَرِ والعَشَايا.

وقيل: سجود الظل تذليله لما أُريدَ له.

قُلْ مَن رَّبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ قُلِ ٱللَّهُ قُلْ أَفَٱتَّخَذْتُم مِّن دُونِهِۦٓ أَوْلِيَآءَ لَا يَمْلِكُونَ لِأَنفُسِهِمْ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا قُلْ هَلْ يَسْتَوِى ٱلْأَعْمَىٰ وَٱلْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِى ٱلظُّلُمَٰتُ وَٱلنُّورُ أَمْ جَعَلُوا۟ لِلَّهِ شُرَكَآءَ خَلَقُوا۟ كَخَلْقِهِۦ فَتَشَٰبَهَ ٱلْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ ٱللَّهُ خَٰلِقُ كُلِّ شَىْءٍ وَهُوَ ٱلْوَٰحِدُ ٱلْقَهَّٰرُ ۝١٦

قوله تعالى: {قُلْ مَن رَّبُّ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ}، أي: خالقُهما ومدبِّرهما فسيقولون الله، لأنهم يقرُّون بأنَّ الله خالقهم وخالق السموات والأرض، فإذا أجابوك فقُل أنت أيضاً يامحمد: "الله".

ورُوي أنه لما قال هذا للمشركين عطفوا عليه فقالوا: أَجِبْ أنت، فأمره الله عزّ وجلّ فقال: {قُلِ ٱللَّهُ}.

ثم قال الله لهم إلزاماً للحجة: {قُلْ أَفَٱتَّخَذْتُمْ مِّن دُونِهِ أَوْلِيَآءَ}، معناه: إنكم مع إقراركم بأن الله خالق السموات والأرض اتخذتم من دونه أولياء فعبدتموها من دون الله، يعني: الأصنام، وهم {لاَ يَمْلِكُونَ لأَنْفُسِهِمْ نَفْعاً وَلاَ ضَرّاً}، فكيف يملكون لكم؟

ثم ضرب لهم مثلاً فقال: {قُلْ هَلْ يَسْتَوِى ٱلأَعْمَىٰ وَٱلْبَصِيرُ}، كذلك لا يستوي الكافر والمؤمن، {أَمْ هَلْ تَسْتَوِى}، قرأ حمزة والكسائي وأبو بكر {يستوي} بالياء، وقرأ الآخرون بالتاء لأنه لا حائل بين الاسم والفعل المؤنث. {ٱلظُّلُمَـٰتُ وَٱلنُّورُ}، أي: كما لا يستوي الظلمات والنور لا يستوي الكفر والإِيمان.

{أَمْ جَعَلُواْ}، أي: جعلوا، {لِلَّهِ شُرَكَآءَ خَلَقُواْ كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ ٱلْخَلْقُ عَلَيْهِمْ}، أي: اشتبه ما خلقوه بما خلقه الله تعالى فلا يدرون ما خلق الله وما خلق آلهتهم.

{قُلِ ٱللَّهُ خَـٰلِقُ كُلِّ شَىْءٍ وَهُوَ ٱلْوَاحِدُ ٱلْقَهَّـٰرُ}.

ثم ضرب الله تعالى مثلين للحق والباطل، فقال عزّ وجلّ:

{أَنَزَلَ}.

أَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌۢ بِقَدَرِهَا فَٱحْتَمَلَ ٱلسَّيْلُ زَبَدًا رَّابِيًا وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِى ٱلنَّارِ ٱبْتِغَآءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَٰعٍ زَبَدٌ مِّثْلُهُۥ كَذَٰلِكَ يَضْرِبُ ٱللَّهُ ٱلْحَقَّ وَٱلْبَٰطِلَ فَأَمَّا ٱلزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَآءً وَأَمَّا مَا يَنفَعُ ٱلنَّاسَ فَيَمْكُثُ فِى ٱلْأَرْضِ كَذَٰلِكَ يَضْرِبُ ٱللَّهُ ٱلْأَمْثَالَ ۝١٧

{أَنَزَلَ} يعني الله عزّ وجلّ، {مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً}، يعني المطر، {فَسَالَتْ} من ذلك الماء، {أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا}، أي: في الصغر والكبر، {فَٱحْتَمَلَ ٱلسَّيْلُ}، الذي حدث من ذلك الماء، {زَبَداً رَّابِياً}، الزَّبَد: الخَبَثُ الذي يظهر على وجهِ الماءِ، وكذلك على وجه القِدْر، "رابياً" أي عالياً مرتفعاً فوق الماء، فالماء الصّافي الباقي هو الحق، والذاهب الزائل الذي يتعلق بالأشجار وجوانب الأودية هو الباطل.

وقيل: قوله {أَنَزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً} هذا مَثَلٌ للقرآن، والأوديةَ مَثَلٌ للقلوب، يريد ينزل القرآن، فتحمل منه القلوب على قدر اليقين والعقل والشكِ والجهلِ. فهذا أحدُ المَثَلَين.

والمثل الآخرُ: قوله عزّ وجلّ: {وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِى ٱلنَّارِ}.

قرأ حمزة والكسائي وحفص {يوقدون} بالياء لقوله تعالى: {مَا يَنفَعُ ٱلنَّاسَ}، ولا مخاطبة هاهنا.

وقرأ الآخرون بالتاء {ومما توقدون}، أي: ومن الذي توقدون عليه في النار.

والإِيقاد: جعل النار تحت الشيء ليذوب.

{ٱبْتِغَآءَ حِلْيَةٍ}، أي لطلب زينة، وأراد الذهبَ والفضةَ؛ لأن الحلية تُطلبُ منهما، {أَوْ مَتَـٰعٍ} أي: طلب متاع وهو ما ينتفع به، وذلك مثل الحديد، والنحاس، والرصاص، والصُّفْر، تذاب فيتخذ منها الأواني وغيرها مما ينتفع بها، {زَبَدٌ مِّثْلُهُ}.

{ كَذَٰلِكَ يَضْرِبُ ٱللَّهُ ٱلْحَقَّ وَٱلْبَـٰطِلَ}، أي: إذا أذيبَ فله أيضاً زبد مثل زبد الماء، فالباقي الصافي من هذه الجواهر مثل الحق، والزبد الذي لا ينتفع به مثل الباطل.

{فَأَمَّا ٱلزَّبَدُ}، الذي علا السيل والفِلِزّ، {فَيَذْهَبُ جُفَآءً} أي: ضائعاً باطلاً، والجفاء ما رمى به الوادي من الزَّبَد والقِدْرُ إلى جنباته.

يقال: جفا الوادي وأَجْفَأ: إذا ألقى غُثاءهُ، وأَجْفَأَتِ القِدْر وجَفَأَت: إذا غلَت وألقَت زَبَدها، فإذا سكنت لم يبق فيها شيء.

معناه: إن الباطل وإن علا في وقتٍ فإنه يضمَحِلُّ.

وقيل: "جُفَاءً" أي: متفرقاً. يقال: جفأتِ الريحُ الغيمَ إذا فرَّقَتْه وذهبَت به.

{وَأَمَّا مَا يَنفَعُ ٱلنَّاسَ}، يعني: الماء والفلز من الذهب والفضة والصفر والنحاس، {فَيَمْكُثُ فِى ٱلأَرْضِ}، أي: يبقى ولا يذهبُ. {كَذَٰلِكَ يَضْرِبُ ٱللَّهُ ٱلأَمْثَالَ}، جعل الله هذا مثالاً للحق والباطل، أي: أنَّ الباطل كالزبد يذهبُ ويضيع، الحقّ كالماء والفلز يبقى في القلوب.

وقيل: هذا تسلية للمؤمنين، يعني: أنَّ أمر المشركين كالزبد يُرى في الصورة شيئاً وليس له حقيقة، وأمرُ المؤمنين كالماءِ المستقرِّ في مكانه له البقاءُ والثبات.

لِلَّذِينَ ٱسْتَجَابُوا۟ لِرَبِّهِمُ ٱلْحُسْنَىٰ وَٱلَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا۟ لَهُۥ لَوْ أَنَّ لَهُم مَّا فِى ٱلْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُۥ مَعَهُۥ لَٱفْتَدَوْا۟ بِهِۦٓ أُو۟لَٰٓئِكَ لَهُمْ سُوٓءُ ٱلْحِسَابِ وَمَأْوَىٰهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ ٱلْمِهَادُ ۝١٨ أَفَمَن يَعْلَمُ أَنَّمَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ ٱلْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَىٰٓ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُو۟لُوا۟ ٱلْأَلْبَٰبِ ۝١٩

قوله تعالى: {لِلَّذِينَ ٱسْتَجَابُواْ لِرَبِّهِمُ}، أجابوا، لربِّهم، فأطاعوه، {ٱلْحُسْنَىٰ} الجنة، {وَٱلَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُواْ لَهُ لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَّا فِى ٱلأَرْضِ جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ لاَفْتَدَوْاْ بِهِ}، أي: لبذلوا ذلك يوم القيامة افتداءً من النار، {أُوْلَـٰئِكَ لَهُمْ سُوۤءُ ٱلْحِسَابِ}. قال إبراهيم النخعيّ: سُوءُ الحساب: أن يحاسبَ الرجلُ بذنبه كلّه لا يغفر له من شيء {وَمَأْوَاهُمْ} في الآخرة {جَهَنَّمُ وَبِئْسَ ٱلْمِهَادُ}، الفِراش، أي: بئس ما مُهِد لهم.

قوله تعالى: {أَفَمَن يَعْلَمُ أَنَّمَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَبِّكَ ٱلْحَقُّ}، فيؤمن به ويعمَلُ بما فيه، {كَمَنْ هُوَ أَعْمَىٰ}، عنه لا يعلمُه ولا يعملُ به.

قيل: نزلت في حمزة وأبي جهل.

وقيل: في عمَّار وأبي جهل.

فالأول حمزة أو عمّارٌ والثاني أبو جهل، وهو الأعمى.

أي: لا يستوي من يُبصر الحق ويتبعُه ومن لا يُبصُره ولا يتبعُهُ.

{إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ} يتعظ، {أُوْلُواْ ٱلأَلْبَـٰبِ}. ذوو العقول.

ٱلَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ ٱللَّهِ وَلَا يَنقُضُونَ ٱلْمِيثَٰقَ ۝٢٠ وَٱلَّذِينَ يَصِلُونَ مَآ أَمَرَ ٱللَّهُ بِهِۦٓ أَن يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوٓءَ ٱلْحِسَابِ ۝٢١

{ٱلَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ ٱللَّهِ}، بما أمرهم الله تعالى به وفَرَضَهُ عليهم فلا يُخالفونه، {وَلاَ يِنقُضُونَ ٱلْمِيثَـٰقَ}، قيل: أراد العهدَ الذي أخذه على ذرية آدمَ عليه السلام حين أخرَجهم من صُلبه.

{وَٱلَّذِينَ يَصِلُونَ مَآ أَمَرَ ٱللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ}، قيل: أراد به الإِيمان بجميع الكتب والرسل ولا يفرقون بينهما.

والأكثرون على أنه أرادَ به صِلةَ الرَّحِم.

أخبرنا عبدالواحد المليحي، أخبرنا أبو منصور محمد بن محمد بن سمعان، أخبرنا أبو جعفر محمد بن أحمد بن عبدالجبار الرّياني، حدثنا حميد بن زنجويه، حدثنا ابن أبي شيبة، حدثنا سُفيان بن عُيينة، عن الزهريّ، عن أبي سلمة أَنَّ عبدالرحمن بن عوف عادَ أبا الدَّرداء فقال ـ يعني عبدالرحمن ـ: سمعتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يقول: فيما يحكي عن ربه عزّ وجلّ:

أنا اللَّهُ، وأنا الرحمن، وهي الرَّحِمُ، شققت لها من اسمي اسماً، فمن وصلها وصَلتُه ومن قطعَها بَتَتُّه".

أخبرنا عبدالواحد المليحي، أنبأنا أبو منصور السمعاني، أخبرنا أبو جعفر الريَّاني، حدثني حميد بن زنجويه، حدثنا ابن أبي أويس قال: حدثني سليمان بن بلال عن معاوية بن أبي مُزَرِّد، عن سعيد بن يسار، عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:

خلق الله الخلق فلما فرغ منه قامت الرَّحِمُ فأخذت بِحَقْوَي الرَّحمنِ، فقال: مَهْ، قالت: هذا مقام العائذ بك من القطيعة، قال: ألا ترضين أن أَصِلَ من وصلك وأقطعَ من قطعكِ؟ قالت: بلى ياربِّ، قال: فذلك لكثم قال أبو هريرة: اقرؤا إن شئتم { { فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُواْ فِى ٱلأَرْضِ وَتُقَطِّعُوۤاْ أَرْحَامَكُمْ } } [محمد: 22].

أخبرنا عبدالواحد المليحي، أنبأنا أبو منصور السَّمعانيُّ، أنبأنا أبو جعفر الريَّاني، حدثنا حميد بن زنجَويه، حدثنا مسلم بن إبراهيم، حدثنا كثير بن عبدالله اليشكري، حدثنا الحسن بن عبدالرحمن ابن عوف عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

ثلاثةٌ تحت العَرْشِ يوم القيامة: القرآنُ يُحَاجُّ العباد، له ظهرٌ وبطنٌ، والأمانةُ، والرَّحِمُ تنادي أَلا مَنْ وصَلني وصله الله ومَنْ قطعني قطعَه الله".

أخبرنا عبدالواحد المليحي، أنبأنا أبو منصور السمعاني، أخبرنا أبو جعفر الريَّاني، أخبرنا حميد بن زنجويه، حدثنا عبدالله بن صالح، حدثني الليث بن سعد، حدثني عُقيلٌ عن ابن شهاب أخبرني أنس بن مالك رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:

من أحبَّ أن يبْسَطَ له في رزقه ويُنْسأَ له في أثره فليصلْ رحمه".

أخبرنا عبدالواحد المليحي، أخبرنا عبدالرحمن بن أبي شُريح، أخبرنا أبو القاسم عبدالله بن محمد ابن عبدالعزيز البغوي، حدثنا علي بن الجعد، حدثنا شعبة، عن عُيينة بن عبدالرحمن قال: سمعت أبي يحدَّث عن أبي بكر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

ما مِنْ ذَنْبٍ أحرى أن يعجِّل الله لصاحبه العقُوبةَ في الدنيا مع ما يدَّخِرَ له في الآخرة من البغي وقطيعةِ الرَّحِمِ".

أخبرنا أحمد بن عبدالله الصالحي، أخبرنا أبو الحسين بن بشرَان، أخبرنا إسماعيل بن محمد الصفَّار، أخبرنا أحمد بن منصور الزيادي، حدثنا عبدالرزاق، حدثنا معمر، عن الزهري، عن محمد بن جبير بن مطعم، عن أبيه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:

لا يدخل الجنَّةَ قاطِعُ".

أخبرنا الإِمام أبو علي الحسين بن محمد القاضي، أخبرنا أبو طاهر محمد بن محمد بن محمش الزيادي، حدثنا أحمد بن إسحاق الصيدلاني، أخبرنا أبو نصر أحمد بن محمد بن نصر، حدثنا أبو نعيم الفضل بن دكين، حدثنا عمرو بن عثمان قال. سمعت موسى بن طلحة يذكر عن أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه،

أن أعرابياً عرض لرسول الله صلى الله عليه وسلم في مسير له فقال: أخبرني بما يقربني من الجنَّة ويباعدني من النار، قال صلى الله عليه وسلم: "تعبدُ الله، لا تشرك به شيئاً، وتقيم الصلاة، وتؤتى الزكاة، وتصل الرحم".

أخبرنا عبدالواحد المليحي، أخبرنا أبو منصور السمعاني، حدثنا أبو جعفر الرياني، حدثنا حميد بن زنجويه حدثنا أبو يعلى وأبو نُعيم قالا: حدثنا فِطْر، عن مُجاهد، عن عبدالله بن عمر رضي الله عنه قال: قال رسول الله:

ليس الواصلُ بالمكافىء، ولكنَّ الواصلَ الذي إذا قُطِعَتْ رَحِمُه وَصَلَها"، رواه محمد بن إسماعيل عن محمد بن كثير عن سُفيان عن قطر وقال: إذا قطعت رحمه وصلها.

قوله تعالى: {وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ ٱلْحِسَابِ}.

وَٱلَّذِينَ صَبَرُوا۟ ٱبْتِغَآءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ وَأَنفَقُوا۟ مِمَّا رَزَقْنَٰهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً وَيَدْرَءُونَ بِٱلْحَسَنَةِ ٱلسَّيِّئَةَ أُو۟لَٰٓئِكَ لَهُمْ عُقْبَى ٱلدَّارِ ۝٢٢

{وَٱلَّذِينَ صَبَرُواْ}، على طاعة الله، وقال ابن عباس: على أمر الله عزّ وجلّ. وقال عطاء: على المصائب والنوائب. وقيل: عن الشهوات. وقيل: عن المعاصي.

{ٱبْتِغَآءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ}، طلب تعظيمه أن يخالفوه.

{وَأَقَامُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَأَنْفَقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرّاً وَعَلاَنِيَةً}، يعني يؤدون الزكاةَ.

{وَيَدْرَءُونَ بِٱلْحَسَنَةِ ٱلسَّيِّئَةَ}، رُوي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: يدفعون بالصالح من العمل السيءَ من العمل، وهو معنى قوله:

{ { إِنَّ ٱلْحَسَنَـٰتِ يُذْهِبْنَ ٱلسَّـيِّئَـٰتِ } } [هود: 114].

وجاء في الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:

إذا عملتَ سيئةً فاعملْ بجنبها حسنةً تمحها، السِرُّ بالسرِ والعلانيةُ بالعلانية".

أخبرنا أبو بكر محمد بن عبدالله بن أبي توبة، أنبأنا محمد بن أحمد بن الحارث، أنبأنا محمد بن يعقوب الكسائي، أنبأنا عبدالله بن محمود، أخبرنا إبراهيم بن عبدالله الخلال، حدثنا عبدالله بن المبارك عن ابن لهيعة، حدثني يزيد بن أبي حبيب، حدثنا أبو الخير، أنه سمع عقبة بن عامر رضي الله عنه يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

إن مثل الذي يعمل السيئات ثم يعمل الحسنات كمثل رجلٍ كانت عليه درعٌ ضيِّقةٌ قد خنقته، ثم عَمِل حسنة، فانفكَّت عنه حلقة، ثم عمل أخرى فانفكت أخرى، حتى يخرج إلى الأرض «.

وقال ابن كيسان: معنى الآية: يدفعون الذنب بالتوبة.

وقيل: لا يكافئون الشرَّ بالشرِّ، ولكن يدفعون الشرَّ بالخير.

وقال القتيبي: معناه: إذا سُفِهَ عليهم حَلِمُوا، فالسفهُ: السيّئةُ، والحلمُ: الحسنة.

وقال قتادة: ردوا عليهم معروفاً، ونظيره قوله تعالى:

{ { وَإِذَا خَاطَبَهُمُ ٱلجَـٰهِلُونَ قَالُواْ سَلاَماً } } [الفرقان: 63].

وقال الحسن: إذا حُرِمُوا أعطوا وإذا ظُلِمُوا عَفُوا وإذا قُطِعُوا وصلوا.

قال عبدالله بن المبارك: هذه ثمان خلال مشيرةٌ إلى ثمانية أبواب الجنة.

{أُوْلَـٰئِكَ لَهُمْ عُقْبَىٰ ٱلدَّارِ}، يعني الجنة، أي: عاقبتهم دار الثواب. ثم بيّن فقال:

{جَنَّاتُ عَدْنٍ}.

جَنَّٰتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَن صَلَحَ مِنْ ءَابَآئِهِمْ وَأَزْوَٰجِهِمْ وَذُرِّيَّٰتِهِمْ وَٱلْمَلَٰٓئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِم مِّن كُلِّ بَابٍ ۝٢٣

{جَنَّـٰتُ عَدْنٍ}، بساتين إقامة {يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَٱلْمَلاۤئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِّن كُلِّ بَابٍ}، قيل: من أبواب الجنة. وقيل: من أبواب القصور.

سَلَٰمٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى ٱلدَّارِ ۝٢٤ وَٱلَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ ٱللَّهِ مِنۢ بَعْدِ مِيثَٰقِهِۦ وَيَقْطَعُونَ مَآ أَمَرَ ٱللَّهُ بِهِۦٓ أَن يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِى ٱلْأَرْضِ أُو۟لَٰٓئِكَ لَهُمُ ٱللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوٓءُ ٱلدَّارِ ۝٢٥

{سَلَـٰمٌ عَلَيْكُم}، أي: يقولون سلام عليكم.

وقيل: يقولون: سلمكم الله من الآفات التي كنتم تخافونَ منها.

قال مقاتل: يدخلون عليهم في مقدار يوم وليلة من أيام الدنيا ثلاث كرَّات، معهم الهدايا والتحف من الله عزّ وجلّ، يقولون سلام عليكم، {بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَىٰ ٱلدَّارِ}.

أخبرنا أبو بكر محمد بن عبدالله بن أبي توبة، أخبرنا أبو طاهر محمد بن أحمد بن الحارث، أخبرنا أبو الحسن محمد بن يعقوب الكسائي، أخبرنا عبدالله بن محمود، أخبرنا إبراهيم بن عبدالله الخلال، حدثنا عبدالله بن المبارك، عن بقية بن الوليد، حدثني أرطأة بن المنذر قال: سمعت رجلاً من مشيخة الجند يقال له أبو الحجاج يقول: جلستُ إلى أبي أمامة فقال: إن المؤمن ليكون مَّتكئاً على أريكته إذا دخل الجنة، وعنده سِمَاطَان من خَدَمٍ، وعند طرف السِّماطين باب مبوَّبٌ.

فَيُقْبِلُ مَلَك من ملائكة الله يستأذن، فيقوم أدنى الخدم إلى الباب، فإذا هو بالملَك يستأذن، فيقول للذي يليه: ملك يستأذن ويقول الذي يليه للذي يليه ملك يستأذن كذلك حتى يبلغ المؤمن، فيقول: ائذنوا له، فيقول أقربهم إلى المؤمن: ائذنوا له، ويقول الذي يليه للذي يليه: ائذنوا له كذلك حتى يبلغ أقصاهم الذي عند الباب، فيُفتح له فيدخل، فيسلم ثم ينصرف.

{وَٱلَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ ٱللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثَـٰقِهِ}، هذا في الكفار. {وَيَقْطَعُونَ مَآ أَمَرَ ٱللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ}، أي: يؤمنون ببعض الأنبياء ويكفرون ببعض. وقيل: يقطعون الرَّحم، {وَيُفْسِدُونَ فِى ٱلأَرْضِ}، أي: يعملون بالمعاصي، {أُوْلَـٰئِكَ لَهُمُ ٱللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوۤءُ ٱلدَّارِ}، يعني: النار، وقيل: سوء المنقلب لأن منقلب الناس دُورُهم.

ٱللَّهُ يَبْسُطُ ٱلرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ وَيَقْدِرُ وَفَرِحُوا۟ بِٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَمَا ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَا فِى ٱلْـَٔاخِرَةِ إِلَّا مَتَٰعٌ ۝٢٦ وَيَقُولُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ لَوْلَآ أُنزِلَ عَلَيْهِ ءَايَةٌ مِّن رَّبِّهِۦ قُلْ إِنَّ ٱللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِىٓ إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ ۝٢٧ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ ٱللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ ٱللَّهِ تَطْمَئِنُّ ٱلْقُلُوبُ ۝٢٨

قوله عزّ وجلّ: {ٱللَّهُ يَبْسُطُ ٱلرِّزْقَ لِمَنْ يَشَآءُ وَيَقَدِرُ}، أي: يُوسِّع على من يشاء ويُضيقُ على من يشاء.

{وَفَرِحُواْ بِٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا}، يعني: مشركي مكة أَشِروا وَبَطروا، والفرح: لذة في القلب بِنَيْل المشتهى، وفيه دليل على أن الفرح بالدنيا حرام.

{وَمَا ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَا فِى ٱلأَخِرَةِ إِلاَّ مَتَـٰعٌ} أي: قليل ذاهب. قال الكلبي: كمثل السُكرجةِ والقَصعة والقدَحِ والقِدرِ ينتفع بها ثم تذهب.

{وَيَقُولُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ}، من أهل مكة، {لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِّن رَّبِّهِ قُلْ إِنَّ ٱللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِىۤ إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ} أي: يهدي إليه من يشاء بالإِنابة. وقيلَ: يرشدُ إلى دينه من رجع إليه بقلبه.

{ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ}، في محل النصب، بدلاٌ من قوله: "من أَنَابَ"، {وَتَطْمَئِنُّ}، تسكن، {قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ ٱللَّهِ}، قال مقاتل: بالقرآن، والسُّكون يكون باليقين، والاضطراب يكون بالشك، {أَلاَ بِذِكْرِ ٱللَّهِ تَطْمَئِنُّ ٱلْقُلُوبُ}، تسكن قلوب المؤمنين ويستقر فيها اليقين.

قال ابن عباس: هذا في الحَلِفِ، يقول: إذا حلف المسلم بالله على شيءٍ تسكن قلوبُ المؤمنينَ إليه.

فإن قيل: أليس قد قال الله تعالى:

{ { إِنَّمَا ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ ٱللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ } } [الأنفال: 2]، فكيف تكونُ الطمأنينةُ والوَجَل في حالةٍ واحدةٍ؟.

قيل: الوَجَل عند ذكر الوعيد والعقاب، والطمأنينة عند ذكر الوعد والثواب، فالقلوب توجل إذا ذكرت عدل الله وشدة حسابه، وتطمئنُّ إذا ذكرت فضل الله وثوابه وكرمه.

ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّٰلِحَٰتِ طُوبَىٰ لَهُمْ وَحُسْنُ مَـَٔابٍ ۝٢٩

{ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَاتِ}، ابتداءٌ، {طُوبَىٰ لَهُمْ} خبرُه.

واختلفوا في تفسير {طُوبَىٰ}.

رُوي عن ابن عباس رضي الله عنهما: فَرَحٌ لهم وقُرّةُ عين.

وقال عكرمة: نِعْمَ مالهم.

وقال قتادة: حسنى لهم.

وقال معمرٌ عن قتادة: هذه كلمة عربية، يقول الرجل للرجل: طوبى لك أي أصبت خيراً.

وقال إبراهيم: خير لهم وكرامة.

قال الفراء: أصله من الطيب والواو فيه لضمة الطاءِ، وفيه لغتان، تقول العربُ: طوباك وطوبى لك أي لهم الطيب.

{وحُسْنُ مَآبٍ} أي: حسن المنقلب.

وقال سعيد بن جبير عن ابن عباس: طوبى اسم الجنة بالحبشية.

وقال الربيع: هو البستان بلغة الهند.

ورُوي عن أبي أمامة وأبي هريرة وأبي الدرداء قالوا: طوبى شجرة في الجنة تُظِلُّ الجنانَ كلها. وقال عبيد بن عمير. هي شجرة في جنة عدن أصلها في دار النبي صلى الله عليه وسلم، وفي كل دار وغرفةٍ غصن منها لم يخلق الله لوناً ولا زهرةً إلا وفيها منها إلا السواد، ولم يخلق الله تعالى فاكهةً ولا ثمرة إلا وفيها منها، تنبع من أصلها عينان: الكافور والسلسبيل.

وقال مقاتل: كل ورقة منها تُظِلُّ أمة عليها مَلَكٌ يُسبِّح الله عز وجل بأنواع التسبيح.

وروي عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه

أن رجلاً سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم ما طوبى؟ قال: "شجرةٌ في الجنة ظلها مسيرة مائة سنة، ثيابُ أهل الجنة تخرجُ من أكمامِهَا".

وعن معاوية بن قُرَّة عن أبيه يرفعُه:

طوبى شجرةٌ غرسها الله تعالى بيده، ونفخَ فيها من رُوحه، تنبت الحُلِي والحُلَل وإن أغصانها لَتُرى من وراء سُور الجنة «.

أخبرنا محمد بن عبدالله بن أبي توبة، أخبرنا محمد بن أحمد بن الحارث، أخبرنا محمد بن يعقوب الكسائي، أخبرنا عبدالله بن محمود، أنبأنا إبراهيم بن عبدالله الخلال، حدثنا عبدالله بن المبارك عن إسماعيل بن أبي خالد، عن زيادٍ مولى بني مخزوم، أنه سمع أبا هريرة رضي الله عنه يقول: إنَّ في الجنة لشجرةً يسير الراكبُ في ظلِّها مائة سنةٍ لا يقطعها، اقرؤوا إن شئتم:

{ { وَظِلٍ مَمْدُودٍ } } [الواقعة: 30] فبلغ ذلك كعباً فقال: صدق والذي أنزل التوراة على موسى عليه السلام والقرآن على محمد صلى الله عليه وسلم، لو أنّ رجلاً ركب حقة أو جذعة ثم دار بأصل تلك الشجرة ما بلغها حتى يسقط هَرِماً، إن الله تعالى غرسَها بيده ونفخ فيها من رُوحه، وإن أفنانها لن وراءِ سور الجنة، ما في الجنة نهر إلا وهو يخرج من أصل تلك الشجرة.

وبهذا الإِسناد عن عبدالله بن المبارك عن معمر عن الأشعث بن عبدالله عن شهر بن حوشب عن أبي هريرة قال: في الجنة شجرة يقال لها طوبى، يقول الله عزّ وجلّ لها: تفتَّقِي لعبدي عما شاء فتنفتق له عن فرس بسرجه ولجامِه وهيئتهِ كما شاء، يفتق له عن الرَّاحلة بَرحلهَا وزِمَامِها وهيئتها كما شاء وعن الثياب.

الجمعة، 23 أكتوبر 2026 12 جمادى الأولى 1448 هـ