انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة الزمر

التحرير والتنويرالآيات 7–12

تفسير سورة الزمر آية آية، من التحرير والتنوير.

إِن تَكْفُرُوا۟ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَنِىٌّ عَنكُمْ وَلَا يَرْضَىٰ لِعِبَادِهِ ٱلْكُفْرَ وَإِن تَشْكُرُوا۟ يَرْضَهُ لَكُمْ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّكُم مَّرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ إِنَّهُۥ عَلِيمٌۢ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ ۝٧

{ إِن تَكْفُرُواْ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَنِىٌّ عَنكُمْ وَلاَ يَرْضَىٰ لِعِبَادِهِ ٱلْكُفْرَ وَإِن تَشْكُرُواْ يَرْضَهُ لَكُمْ}.

أتبع إنكار انصرافهم عن توحيد الله بعد ما ظهر على ثبوته من الأدلة، بأن أُعلموا بأن كفرهم إن أصرّوا عليه لا يضر الله وإنما يضر أنفسهم. وهذا شروع في الإِنذار والتهديد للكافرين ومقابلتِه بالترغيب والبشارة للمؤمنين فالجملة مستأنفة واقعة موقع النتيجة لما سبق من إثبات توحيد الله بالإِلٰهية.

فجملة {إن تَكْفُرُوا} مبينة لإِنكار انصرافهم عن التوحيد، أي إن كفرتم بعد هذا الزمن فاعلموا أن الله غنيّ عنكم. ومعناه: غنيّ عن إقراركم له بالوحدانية، أي غير مفتقر له. وهذا كناية عن كون طلب التوحيد منهم لنفعهم ودفع الضر عنهم لا لنفع الله، وتذكيرهم بهذا ليُقبلوا على النظر من أدلة التوحيد. والخبر مستعمل كناية في تنبيه المخاطب على الخطأ من فعله.

وقوله: {ولاَ يَرْضىٰ لِعِبَادِهِ الكُفْرَ} اعتراض بين الشرطين لقصد الاحتراس من أن يتوهم السامعون أن الله لا يكترث بكفرهم ولا يعبأ به فيتوهموا أنه والشكرَ سواء عنده، ليتأكد بذلك معنى استعمال الخبر في تنبيه المخاطب على الخطأ. وبهذا تعيّن أن يكون المراد من قوله: {لِعِبَادِهِ} العباد الذين وجّه الخطاب إليهم في قوله: {إن تكفروا فإنَّ الله غنيٌّ عنكم}، وذلك جريٌ على أصل استعمال اللغة لفظ العباد، كقوله:

{ ويوم نحشرهم وما يعبدون من دون الله فيقول أأنتم أضللتم عبادي هؤلاء أم هم ضلوا السبيل }[ الفرقان: 17]. الآية؛ وإن كان الغالب في القرآن في لفظ العباد المضاف إلى اسم الله تعالى أو ضميره أن يطلق على خصوص المؤمنين والمقرَّبين، وقرينة السياق ظاهرة هنا ظهوراً دون ظهورها في قوله: { أأنتم أضللتم عبادي هؤلاء } [الفرقان: 17].

والرضى حقيقته: حالة نفسانية تعقُب حصولَ ملائم مع ابتهاج به، وهو على التحقيق فيه معنى ليس في معنى الإِرادة لما فيه من الاستحسان والابتهاج ويعبر عنه بترك الاعتراض، ولهذا يقابل الرضى بالسخط، وتقابل الإِرادة بالإِكراه، والرضى آئل إلى معنى المحبة. والرضى يترتب عليه نفاسة المرضيّ عند الراضي وتفضيله واختياره، فإذا أُسند الرضى إلى الله تعالى تعيّن أن يكون المقصود لازم معناه الحقيقي لأن الله منزّه عن الانفعالات، كشأن إسناد الأفعال والصفات الدالة في اللغة على الانفعالات مثل: الرحمن والرؤوف، وإسناد الغضب والفرح والمحبة، فيؤوَّل الرضى بلازمه من الكرامة والعناية والإِثابة إن عدي إلى الناس، ومن النفاسة والفضل إن عدّي إلى أسماء المعاني. وقد فسره صاحب «الكشاف» بالاختيار في قوله تعالى:

{ ورضيت لكم الإسلام ديناً } في سورة [العقود: 3].

وفعل الرضى يُعدّى في الغالب بحرف (عن)، فتدخل على اسم عَين لكن باعتبار معنى فيها هو موجب الرضى. وقد يعدّى بالباء فيدخل غالباً على اسم معنى نحو: رضيت بحكم فلان، ويدخل على اسم ذات باعتبار معنى يدل عليه تمييز بعده نحو: رضيت بالله ربًّا، أو نحوه مثل:

{ أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة }[التوبة: 38]، أو قرينة مقام كقول قريش في وضع الحجر الأسود: هذا محمد قد رضينا به، أي رضينا به حَكَماً إذ هم قد اتفقوا على تحكيم أول داخل.

ويعدّى بنفسه، ولعله يراعى فيه التضمين، أو الحذفُ والإِيصال، فيدخل غالباً على اسم معنى نحو: رضيت بحكم فلان بمعنى: أحببت حكمه. وفي هذه الحالة قد يُعدّى إلى مفعول ثان بواسطة لام الجر نحو:

{ ورضيت لكم الإِسلام ديناً }[المائدة: 3]، أي رضيته لأجلكم وأحببته لكم، أي لأجلكم، أي لمنفعتكم وفائدتكم. وفي هذا التركيب مبالغة في التنويه بالشيء المرضي لدى السامع حتى كأن المتكلم يرضاه لأجل السامع.

فإذا كان قوله: {لِعبَادِه} عامّاً غير مخصوص وهو من صيغ العموم ثار في الآية إشكال بين المتكلمين في تعلُّق إرادة الله تعالى بأفعال العباد إذ من الضروريّ أن من عباد الله كثيراً كافرين، وقد أخبر الله تعالى أنه لا يرضى لعباده الكفر، وثبت بالدليل أن كل واقع هو مراد الله تعالى إذ لا يقع في مُلكه إلا ما يريد فأنتج ذلك بطريقة الشكل الثالث أن يقال: كفر الكافر مرادٌ لله تعالى لقوله تعالى:

{ ولو شاء ربك ما فعلوه }[الأنعام: 112] ولا شيء من الكفر بمرضي لله تعالى لقوله: {ولا يرضى لعباده الكُفر}، ينتج القياس بعض ما أراده اللَّه ليس بمرضي له. فتعين أن تكون الإِرادة والرضى حقيقتين مختلفتين وأن يكون لفظاهما غير مترادفين، ولهذا قال الشيخ أبو الحسن الأشعري إن الإِرادة غير الرضى، والرضى غير الإِرادة والمشيئة، فالإِرادة والمشيئة بمعنى واحد والرضى والمحبة والاختيار بمعنى واحد، وهذا حمل لهذه الألفاظ القرآنية على معان يمكن معها الجمع بين الآيات قال التفتزاني: وهذا مذهب أهل التحقيق.

وينبني عليها القول في تعلق الصفات الإِلٰهية بأفعال العباد فيكون قولُه تعالى: {ولاَ يَرْضَى لعباده الكفر} راجعاً إلى خطاب التكاليف الشرعية، وقولُه:

{ ولو شاء ربك ما فعلوه } [الأنعام: 112] راجعاً إلى تعلق الإِرادة بالإِيجاد والخلق. ويتركب من مجموعهما ومجموع نظائر كل منهما الاعتقاد بأن للعباد كسباً في أفعالهم الاختيارية وأن الله تتعلق إرادته بخلق تلك الأفعال الاختيارية عند توجه كسب العبد نحوها، فالله خالق لأفعال العبد غير مكتسب لها. والعبدُ مكتسب غير خالق، فإن الكسب عند الأشعري هو الاستطاعة المفسرة عنده بسلامة أسباب الفعل وآلاته، وهي واسطة بين القدرة والجَبر، أي هي دون تعلق القدرة وفوق تسخير الجبر جمعاً بين الأدلة الدينية الناطقة بمعنى: أن الله على كل شيء قدير، وأنه خالق كل شيء، وبين دلالة الضرورة على الفرق بين حركة المرتعش وحركة الماشي، وجمعاً بين أدلة عموم القدرة وبين توجيه الشريعة خطابها للعباد بالأمر بالإِيمان والأعمال الصالحة، والنهي عن الكفر والسيئات وترتيب الثواب والعقاب.

وأما الذين رأوا الاتحاد بين معاني الإِرادة والمشيئة والرضى وهو قول كثير من أصحاب الأشعري وجميع الماتريدية فسلكوا في تأويل الآية محمل لفظ {لِعِبَادِهِ} على العام المخصوص، أي لعباده المؤمنين واستأنسوا لهذا المحمل بأنه الجاري على غالب استعمال القرآن في لفظة (العباد) لاسم الله، أو ضميره كقوله:

{ عيناً يشرب بها عباد اللَّه }[الإنسان: 6]، قالوا: فمن كفر فقد أراد الله كفره ومن آمن فقد أراد الله إيمانه، والتزم كلا الفريقين الأشاعرةِ والماتريدية أصلَه في تعلق إرادة الله وقدرته بأفعال العباد الاختيارية المسمّى بالكسب، ولم يختلفا إلا في نسبة الأفعال للعباد: أهي حقيقية أم مجازية، وقد عدّ الخلاف في تشبيه الأفعال بين الفريقين لفظياً.

ومن العجيب تهويل الزمخشري بهذا القول إذ يقول: «ولقد تمحل بعض الغواة ليثبت لله ما نفاه عن ذاته من الرضى بالكفر فقال: هذا من العام الذي أريد به الخاص الخ»، فكان آخر كلامه ردّاً لأوله وهل يعدّ التأويل تضليلاً أم هل يعد العام المخصوص بالدليل من النادر القليل.

وأما المعتزلة فهم بمعزل عن ذلك كله لأنهم يثبتون القدرة للعباد على أفعالهم وأن أفعال العباد غير مقدورة لله تعالى ويحملون ما ورد في الكتاب من نسبة أفعال من أفعال العباد إلى الله أو إلى قدرته أنه على معنى أنه خالق أُصولها وأسبابها، ويحملون ما ورد من نفي ذلك كما في قوله: {ولا يرضى لعباده الكفر} على حقيقته ولذلك أوردوا هذه الآية للاحتجاج بها. وقد أوردها إمام الحرمين في «الإِرشاد» في فصل حَشر فيه ما استَدلّ به المعتزلة من ظواهر الكتاب.

وقوله: {وإن تَشْكُروا يَرْضَهُ لكم} عطف على جملة {إن تَكْفُرُوا} والمعنى: وإن تشكروا بعد هذه الموعظة فتُقْلِعوا عن الكفر وتشكروا الله بالاعتراف له بالوحدانية والتنزيه يرض لكم الشكر، أي يجازيكم بلوازم الرضى. والشكرُ يتقوّم من اعتقاد وقول وعمل جزاءً على نعمة حاصلة للشاكر من المشكور. والضمير المنصوب في قوله: {يَرْضَهُ} عائد إلى الشكر المتصيّد من فعل {إن تشكروا}.

{لَكُمْ وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أخرى}.

كأنّ موقع هذه الآية أنه لما ذكر قبلها أن في المخاطبين كافراً وشاكراً وهم في بلد واحد بينهم وشائج القرابة والولاء، فربما تحرج المؤمنون من أن يمسَّهم إثم من جراء كفر أقربائهم وأوليائهم، أو أنهم خَشُوا أن يصيب الله الكافرين بعذاب في الدنيا فيلحق منه القاطنين معهم بمكة فأنبأهم الله بأن كفر أولئك لا ينقص إيمان هؤلاء وأراد اطمئنانهم على أنفسهم.

وأصل الوزر، بكسر الواو: الثقل، وأطلق على الإِثم لأنه يلحق صاحبه تعبٌ كتعب حامل الثقل. ويقال: وَزَر بمعنى حمل الوِزر، بمعنى كسب الإِثم. وتأنيث {وَازِرَةٌ} و {أُخْرَىٰ} باعتبار إرادة معنى النفس في قوله:

{ واتقوا يوماً لا تجزي نفس عن نفس شيئاً }[البقرة: 48].

والمعنى: لا تحمل نفس وزر نفس أخرى، أي لا تغني نفس عن نفس شيئاً من إثمها، فلا تطمع نفس بإعانة ذويها وأقربائها، وكذلك لا تخشى نفس صالحة أن تؤاخذ بتبعة نفس أخرى من ذويها أو قرابتها. وفي هذا تعريض بالمتاركة وقطع اللجاج مع المشركين وأن قصارى المؤمنين أن يرشدوا الضُّلاّل لا أن يلجئوهم إلى الإِيمان، كما تقدم في آخر سورة الأنعام.

{ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّكُمْ مَّرْجِعُكُـمْ فَيُنَبِّئُكُـمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصدور}.

{ثمّ} للترتيبين الرتبي والتراخي، أي وأعظم من كون الله غنياً عنكم أنه أعدّ لكم الجزاء على كفركم وسترجعون إليه، وتقدم نظيرها في آخر سورة الأنعام.

وإنما جاء في آية [الأنعام: 164]

{ بما كنتم فيه تختلفون } لأنها وقعت إِثر آيات كثيرة تضمّنت الاختلاف بين أحوال المؤمنين وأحوال المشركين ولم يجيء مثل ذلك هنا، فلذلك قيل هنا: {بما كنتم تعملونَ}، أي من كُفْر من كَفر وشُكر مَن شَكر.

والإِنباء: مستعمل مجازاً في الإِظهار الحاصل به العلم، ويجوز أن يكون مستعملاً في حقيقة الإِخبار بأن يعلن لهم بواسطة الملائكة أعمالهم، والمعنى: أنه يظهر لكم الحق لا مرية فيه أو يخبركم به مباشرة، وتقدم بيانه في آخر الأنعام، وفيه تعريض بالوعد والوعيد.

وجملة {إنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ} تعليل لجملة {ينبئكم بما كنتم تعملون} لأن العليم بذات الصدور لا يغادر شيئاً إلا علمه فإذا أنبأ بأعمالهم كان إنباؤه كاملاً.

وذات: صاحبة، مؤنث (ذُو) بمعنى صاحب صفة لمحذوف تقديره الأعمال، أي بالأعمال صاحبة الصدور، أي المستقرة في النوايا فعبر بــــ {الصُّدُورِ} عما يحلّ بها، والصدور مراد بها القلوب المعبر بها عما به الإِدراك والعَزم، وتقدم في قوله:

{ ولكن اللَّه سلم إنه عليم بذات الصدور } في سورة [الأنفال: 43].

وَإِذَا مَسَّ ٱلْإِنسَٰنَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُۥ مُنِيبًا إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُۥ نِعْمَةً مِّنْهُ نَسِىَ مَا كَانَ يَدْعُوٓا۟ إِلَيْهِ مِن قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَندَادًا لِّيُضِلَّ عَن سَبِيلِهِۦ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا إِنَّكَ مِنْ أَصْحَٰبِ ٱلنَّارِ ۝٨

{وَإِذَا مَسَّ ٱلإِنسَـٰنَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيباً إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِّنْهُ نَسِىَ مَا كَانَ يَدْعُوۤ إِلَيْهِ مِن قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَندَاداً لِّيُضِلَّ عَن سَبِيلِهِ}

هذا مثال لتقلب المشركين بين إشراكهم مع الله غيره في العبادة، وبين إظهار احتياجهم إليه، فذلك عنوان على مبلغ كفرهم وأقصاه. والجملة معطوفة على جملة

{ ذٰلِكُم الله رَبُّكُمْ لَهُ المُلْكُ }[ الزمر: 6] الآية لاشتراك الجملتين في الدلالة على أن الله منفرد بالتصرف مستوجب للشكر، وعلى أن الكفر به قبيح، وتَتَضمن الاستدلال على وحدانية إلٰهية بدليل من أحوال المشركين به فإنهم إذا مسهم الضر لجأوا إليه وحده، وإذا أصابتهم نعمة أعرضوا عن شكره وجعلوا له شركاء.

فالتعريف في {الإنْسَانَ} تعريف الجنس ولكن عمومه هنا عموم عرفي لفريق من الإِنسان وهم أهل الشرك خاصة لأن قوله: {وجَعَلَ لله أندَاداً} لا يتفق مع حال المؤمنين.

والقول بأن المراد: انسان معيّن وأنه عتبة بن ربيعة، أو أبو جهل، خروج عن مهيع الكلام، وإنما هذان وأمثالهما من جملة هذا الجنس. وذكر الإِنسان إظهار في مقام الإِضمار لأن المقصود به المخاطبون بقوله:

{ خلقكم من نفس واحدة } [الزمر: 6] إلى قوله: { فَيُنَبِئكم بما كُنتمُ تَعْمَلُون }[الزمر: 7]، فكان مقتضى الظاهر أن يقال: وإذا مسكم الضر دعوتم ربكم الخ، فعدل إلى الإِظهار لما في معنى الإِنسان من مراعاة ما في الإِنسانية من التقلب والاضطراب إلا من عصمه الله بالتوفيق كقوله تعالى: { ويقول الإنسان أإذا ما مت لسوف أخرج حياً }[مريم: 66]، وقوله: { أيحسب الإنسان أن لن نجمع عظامه }[القيامة: 3] وغير ذلك ولأن في اسم الإِنسان مناسبة مع النسيان الآتي في قوله: {نسي ما كان يدعو إليه من قبل}. وتقدم نظير لهذه الآية في قوله: { وإذا مس الناس ضر دعوا ربهم منيبين إليه } في سورة [الروم: 33].

والتخويل: الإِعطاء والتمليك دون قصد عوض. وعينُه واو لا محالة. وهو مشتق من الخَوَل بفتحتين وهو اسم للعبيد والخدم، ولا التفات إلى فعل خال بمعنى: افتخر، فتلك مادة أخرى غير ما اشتق منه فعل خَوَّل.

والنسيان: ذهول الحافظة عن الأمر المعلوم سابقاً.

ومَا صْدَق {ما} في قوله: {مَا كَانَ يَدْعُوا إلَيْهِ مِن قَبْلُ} هو الضر، أي نسي الضر الذي كان يدعو الله إليه، أي إلى كشفه عنه، ومفعول {يَدْعُوا} محذوف دل عليه قوله: {دَعَا رَبَّهُ}، وضمير {إلَيْهِ} عائد إلى {ما}، أي نسي الضر الذي كان يدعو الله إليه، أي إلى كشفه. ويجوز أن يكون {ما} صادقاً على الدعاء كما تدل عليه الصلة ويكون الضمير المجرور بــــ (إلى) عائداً إلى {رَبَّهُ}، أي نسي الدعاء، وضُمّن الدعاء معنى الابتهال والتضرع فعُدي بحرف (إلى). وعائد الصلة محذوف دل عليه فعل الصلة تفادياً من تكرر الضمائر. والمعنى: نسي عبادة الله والابتهال إليه.

والأنداد: جمع نِدّ بكسر النون، وهو الكفء، أي وزاد على نسيان ربه فجعل له شركاء.

واللام في قوله: {لّيُضِلَّ عن سبيلِهِ} لام العاقبة، أي لام التعليل المجازي لأن الإِضلال لما كان نتيجة الجعل جاز تعليل الجعل به كأنه هو العلة للجاعل. والمعنى: وجعل لله أنداداً فَضل عن سبيل الله.

وقرأ الجمهور {لّيُضِلَّ} بضم الياء، أي ليضل الناس بعد أن أضل نفسه إذ لا يضل الناس إلا ضَالّ. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو ويعقوب بفتح الياء، أي ليَضل هو، أي الجاعل وهو إذا ضلّ أضل الناس.

{قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلاً إِنَّكَ مِنْ أَصْحَـٰبِ النار}.

استئناف بياني لأن ذكر حالة الإِنسان الكافر المعرض عن شكر ربه يثير وصفها سؤال السامع عن عاقبة هذا الكافر، أي قل يا محمد للإِنسان الذي جعل لله أنداداً، أي قل لكل واحد من ذلك الجنس، أو روعي في الإِفراد لفظُ الإِنسان. والتقدير: قل تمتعوا بكفركم قليلاً إنكم من أصحاب النار. وعلى مثل هذين الاعتبارين جاء إفراد كاف الخطاب بعد الخبر عن الإِنسان في قوله تعالى:

{ يقول الإنسان يومئذ أين المفر كلا لا وزر إلى ربك يومئذ المستقر } في سورة [القيامة:10 - 12].

والتمتع: الانتفاع الموقّت، وقد تقدم عند قوله تعالى:

{ ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين } في سورة[الأعراف: 24].

والباء في {بِكُفْرِكَ} ظرفية أو للملابسة وليست لتعدية فعل التمتع. ومتعلِّق التمتع محذوف دل عليه سياق التهديد. والتقدير: تمتع بالسلامة من العذاب في زمن كفرك أو متكسباً بكفرك تمتعاً قليلاً فأنت آئل إلى العذاب لأنك من أصحاب النار.

ووصف التمتع بالقليل لأن مدة الحياة الدنيا قليل بالنسبة إلى العذاب في الآخرة، وهذا كقوله تعالى:

{ فما متاع الحياة الدنيا في الآخرة إلا قليل }[التوبة: 38]. وصيغة الأمر في قوله: {تَمَتَّعْ} مستعملة في الإِمهال المراد منه الإِنذار والوعيد.

وجملة {إنَّكَ من أصْحٰببِ النَّارِ} بيان للمقصود من جملة {تَمَتَّع بِكُفْرِكَ قَلِيلاً} وهو الإِنذار بالمصير إلى النار بعد مدة الحياة. و {من} للتبعيض لأن المشركين بعض الأمم والطوائف المحكوم عليها بالخلود في النار.

وأصحاب النار: هم الذين لا يفارقونها فإن الصحبة تشعر بالملازمة، فأصحاب النار: المخلّدون فيها.

أَمَّنْ هُوَ قَٰنِتٌ ءَانَآءَ ٱلَّيْلِ سَاجِدًا وَقَآئِمًا يَحْذَرُ ٱلْـَٔاخِرَةَ وَيَرْجُوا۟ رَحْمَةَ رَبِّهِۦ قُلْ هَلْ يَسْتَوِى ٱلَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَٱلَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُو۟لُوا۟ ٱلْأَلْبَٰبِ ۝٩

{أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ ءَانَآءَ ٱلَّيْلِ سَـٰجِداً وَقَآئِماً يَحْذَرُ ٱلآخِرَةَ وَيَرْجُواْ رَحْمَةَ رَبِّهِ} قرأ نافع وابن كثير وحمزة وَحْدَهم {أَمَنْ} بتخفيف الميم على أن الهمزة دخلت على (مَن) الموصولة فيجوز أن تكون الهمزة همزة استفهام و (مَن) مبتدأ والخبر محذوف دل عليه الكلام قبله من ذكر الكافر في قوله: {وجعَلَ لله أندَاداً} إلى قوله:

{ من أصحَابِ النَّارِ }[الزمر: 8]. والاستفهام إنكاري والقرينة على إرادة الإِنكار تعقيبه بقوله: {قُلْ هل يسْتَوي الذين يعلمُونَ والذين لا يعلَمُونَ} لظهور أن {هل} فيه للاستفهام الإِنكاري وبقرينة صلة الموصول. تقديره: أَمَن هو قانت أفضل أم من هو كافر؟ والاستفهام حينئذٍ تقريري ويقدر له معادل محذوف دل عليه قوله عقبه: {قُلْ هل يسْتَوي الذين يعلمُونَ والذين لا يعلَمُونَ}.

وجعل الفراء الهمزة للنداء و {من هو قانت}: النبي صلى الله عليه وسلم، ناداه الله بالأوصاف العظيمة الأربعة لأنها أوصاف له ونداء لمن هم من أصحاب هذه الأوصاف، يعني المؤمنين أن يقولوا: {هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون}، وعليه فإفراد (قل) مراعاة للفظ (مَن) المنادَى.

وقرأ الجمهور {أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ} بتشديد ميم (مَن) على أنه لفظ مركب من كلمتين (أم) و (مَن) فأدغمت ميم (أم) في ميم (مَن). وفي معناه وجهان:

أحدهما: أن تكون (أم) معادلة لهمزة استفهام محذوفة مع جملتها دلت عليها (أم) لاقتضائها معادلاً. ودل عليها تعقيبه بــــ {هل يسْتَوي الذين يعلمُونَ والذين لا يعلَمُونَ} لأن التسوية لا تكون إلا بين شيئين. فالتقدير: أهذا الجاعل لله أنداداً الكافر خير أمَّنْ هو قانت، والاستفهام حقيقي والمقصود لاَزمه، وهو التنبيه على الخطأ عند التأمل.

والوجه الثاني: أن تكون (أم) منقطعة لمجرد الإِضراب الانتقالي. و (أم) تقتضي استفهاماً مقدراً بعدها. ومعنى الكلام: دع تهديدهم بعذاب النار وانتقِل بهم إلى هذا السؤال: الذي هو قانت، وقائم، ويحذر الله ويرجو رحمته. والمعنى: أذلك الإِنسان الذي جعل لله أنداداً هو قانت الخ، والاستفهام مستعمل في التهكم لظهور أنه لا تتلاقَى تلك الصفاتُ الأربعُ مع صفة جعله لله أنداداً.

والقانت: العابد. وقد تقدم عند قوله تعالى:

{ وقوموا للَّه قانتين } في سورة [البقرة: 238].

والآناء: جمع أَنىً مثل أمعاء ومَعىً، وأقفاء وقفىً، والأنى: الساعة، ويقال أيضاً: إنَي بكسر الهمزة، كما تقدم في قوله:

{ غير ناظرين إِناه } في سورة [الأحزاب: 53]. وانتصب {ءَانَاءَ} على الظرف لــــ {قَانِتٌ}، وتخصيص الليل بقنوتهم لأن العبادة بالليل أعون على تمحض القلب لذكر الله، وأبعد عن مداخلة الرياء وأدل على إيثار عبادة الله على حظ النفس من الراحة والنوم، فإن الليل أدعى إلى طلب الراحة فإذا آثر المرء العبادة فيه استنار قلبه بحب التقرب إلى الله قال تعالى: { إنّ ناشئة الليل هي أشدُ وطئاً وأقوم قِيلا }[المزمل: 6]، فلا جرم كان تخصيص الليل بالذكر دالاً على أن هذا القانت لا يخلو من السجود والقيام آناءَ النهار بدلالة فحوى الخطاب قال تعالى: { إن لك في النهار سبحاً }[المزمل: 7]، وبذلك يتم انطباق هذه الصلة على حال النبي صلى الله عليه وسلم.

وقوله: {ساجِداً وقائماً} حالان مُبينان لــــ {قَانِتٌ} ومؤكدان لمعناه. وجملة {يحذَرُ الآخِرَةَ ويرجوا رحمة ربه} حالان، فالحال الأول والثاني لوصف عمَله الظاهر والجملتان اللتان هما ثالث ورابع لوصف عمل قلبه وهو أنه بين الخوف من سيئاته وفلتاته وبين الرجاء لرحمة ربه أن يثيبه على حسناته. وفي هذا تمام المقابلة بين حال المؤمنين الجارية على وفق حال نبيئهم صلى الله عليه وسلم وحال أهل الشرك الذين لا يدعون الله إلا في نادر الأوقات، وهي أوقات الاضطرار، ثم يشركون به بعد ذلك، فلا اهتمام لهم إلا بعاجل الدنيا لا يحذرون الآخرة ولا يرجون ثوابها.

والرجاء والخوف من مقامات السالكين، أي أوصافهم الثابتة التي لا تتحول. والرجاء: انتظار ما فيه نعيم وملاءمة للنفس. والخوف: انتظار ما هو مكروه للنفس. والمراد هنا: الملاءمة الأخروية لقوله: {يَحْذَرُ الآخِرَةَ}، أي يحذر عقاب الآخرة فتعين أن الرجاء أيضاً المأمولُ في الآخرة. وللخوف مزيته من زجر النفس عما لا يرضي الله، وللرجاء مزيته من حثها على ما يرضي الله وكلاهما أنيس السالكين.

وإنما ينشأ الرجاء على وجود أسبابه لأن المرء لا يرجو إلا ما يظنه حاصلاً ولا يظن المرء أمراً إلا إذا لاحت له دلائله ولوازمه، لأن الظن ليس بمغالطة والمرء لا يغالط نفسه، فالرجاء يتبع السعي لتحصيل المرجو قال الله تعالى:

{ ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن فأولئك كان سعيهم مشكوراً }[الإسراء: 19] فإن ترقُّب المرء المنفعة من غير أسبابها فذلك الترقب يسمى غروراً.

وإنما يكون الرجاء أو الخوف ظنّاً مع تردد في المظنون، أما المقطوع به فهو اليقين واليأس وكلاهما مذموم قال تعالى:

{ فلا يأمن مكر اللَّه إلا القوم الخاسرون }[الأعراف: 99]، وقال: { إنه لا ييأس من روح اللَّه إلا القوم الكافرون } [يوسف: 87].

وقد بسط ذلك حجة الإِسلام أبو حامد في كتاب الرجاء والخوف من كتاب «الإِحياء». ولله درّ أبي الحسن التهامي إذ يقول:

وإذا رجوتَ المستحيل فإنماتبني الرجاء على شَفير هارِ

وسئل الحسن البصري عن رجل يتمادى في المعاصي ويرجو فقال: هذا تمنَ وإنما الرجاء، قوله: {يحذر الآخرة ويرجوا رحمة ربه}.

وقال بعض المفسرين أريد بــــ {مَن هو قانِتٌ} أبو بكر، وقيل عمّار بن ياسر، وقيل صُهيب، وقيل: أبو ذرّ، وقيل ابن مسعود، وهي روايات ضعيفة ولا جرم أن هؤلاء المعدودين هم من أحقّ مَن تصدق عليه هذه الصلة فهي شاملة لهم ولكن محمل الموصول في الآية على تعميم كل من يصدق عليه معنى الصلة.

{قُلْ هَلْ يَسْتَوِى ٱلَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَٱلَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الألباب}.

استئناف بياني موقعه كموقع قوله:

{ قُلْ تمتَّع بكفرك قليلاً }[الزمر: 8] أثاره وصف المؤمن الطائع، والمعنى: أَعْلِمهم يا محمد بأن هذا المؤمن العالِم بحق ربه ليس سواء للكافر الجاهل بربه. وإعادة فعل {قل} هنا للاهتمام بهذا المقول ولاسْترعاء الأسماع إليه.

والاستفهام هنا مستعمل في الإِنكار. والمقصود: إثبات عدم المساواة بين الفريقين، وعدم المساواة يكنّى به عن التفضيل. والمراد: تفضيل الذين يعلمون على الذين لا يعلمون، كقوله تعالى:

{ لا يستوي القاعدون من المؤمنين غيرُ أولي الضرر والمجاهدون في سبيل اللَّه بأموالهم وأنفسهم فضل اللَّه المجاهدين }[النساء: 95] الآية، فيعرف المفضّل بالتصريح كما في آية { لا يستوي القاعدون }[النساء: 95] أو بالقرينة كما في قوله هنا: {هل يستوي الذين يعلمون} الخ لظهور أن العلم كمال ولتعقيبه بقوله: {إنما يتذكَّر أُولوا الألبابِ}. ولهذا كان نفي الاستواء في هذه الآية أبلغ من نفي المماثلة في قول النابغة:

يخبرك ذو عرضهم عني وعالمهموليس جاهل شيء مثلَ من عَلِما

وفعل {يَعْلَمُونَ} في الموضعين منزّل منزلة اللازم فلم يذكر له مفعول. والمعنى: الذين اتصفوا بصفة العلم، وليس المقصود الذين علموا شيئاً معيّناً حتى يكون من حذف المفعولين اختصاراً إذ ليس المعنى عليه، وقد دل على أن المراد الذين اتصفوا بصفة العلم قوله عقبه: {إنما يتذكر أولوا الألباب} أي أهل العقول، والعقل والعلم مترادفان، أي لا يستوي الذين لهم علم فهم يدركون حقائق الأشياء على ما هي عليه وتجري أعمالهم على حسب علمهم، مع الذين لا يعلمون فلا يدركون الأشياء على ما هي عليه بل تختلط عليهم الحقائق وتجري أعمالهم على غير انتظام، كحال الذين توهموا الحجارة آلهة ووضعوا الكفر موضع الشكر. فتعين أن المعنى: لا يستوي مَن هو قانت آناء الليل يحذر ربّه ويرجوه، ومَن جعل لله أنداداً ليضل عن سبيله. وإذ قد تقرر أن الذين جعلوا لله أنداداً هم الكفار بحكم قوله: {قُل تَمتَّع بِكُفرِكَ قَليلاً} ثبت أن الذين لا يستوون معهم هم المؤمنون، أي هم أفضل منهم، وإذ قد تقرر أن الكافرين من أصحاب النار فقد اقتضى أن المفضلين عليهم هم من أصحاب الجنة.

وعدل عن أن يقول: هل يستوي هذا وذاك، إلى التعبير بالموصول إدماجاً للثناء على فريق ولذم فريق بأن أهل الإِيمان أهل علم وأهل الشرك أهل جهالة فأغنت الجملة بما فيها من إدماج عن ذكر جملتين، فالذين يعلمون هم أهل الإِيمان، قال تعالى:

{ إنما يخشى اللَّه من عباده العلماء }[فاطر: 28] والذين لا يعلمون هم أهل الشرك الجاهلون، قال تعالى: { قل أفغير اللَّه تأمروني أعبد أيها الجاهلون } [الزمر: 64].

وفي ذلك إشارة إلى أن الإِيمان أخو العلم لأن كليهما نور ومعرفةٌ حقّ، وأن الكفر أخو الضلال لأنه والضلال ظلمة وأوهام باطلة.

هذا ووقوع فعل {يَسْتَوِي} في حيّز النفي يكسبه عموم النفي لجميع جهات الاستواء. وإذ قد كان نفي الاستواء كناية عن الفضل آل إلى إثبات الفضل للذين يعلمون على وجه العموم، فإنك ما تأملت مقاماً اقتحم فيه عالم وجاهل إلا وجدتَ للعالم فيه من السعادة ما لا تجده للجاهل ولنضرب لذلك مثلاً بمقامات ستةٍ هي جلّ وظائف الحياة الاجتماعية:

المقام الأول: الاهتداء إلى الشيء المقصود نواله بالعمل به وهو مقام العمل، فالعالم بالشيء يهتدي إلى طرقه فيبلغ المقصود بيُسْر وفي قرب ويعلم ما هو من العمل أولى بالإِقبال عنه، وغير العالم به يضل مسالكه ويضيع زمانه في طلبه؛ فإما أن يخيب في سعيه وإمّا أن يناله بعد أن تتقاذفه الأرزاء وتنتابه النوائب وتختلط عليه الحقائق فربما يتوهم أنه بلغ المقصود حتى إذا انتبه وجد نفسه في غير مراده، ومثله قوله تعالى:

{ والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئاً }[النور: 39]. ومن أجل هذا شاع تشبيه العلم بالنور والجهل بالظلمة.

المقام الثاني: ناشىء عن الأول وهو مقام السلام من نوائب الخطأ ومزلات المذلات، فالعالم يعصمه علمه من ذلك، والجاهل يريد السلامة فيقع في الهلكة، فإن الخطأ قد يوقع في الهلاك من حيث طلب الفوز ومثَله قوله تعالى:

{ فما ربحت تجارتهم }[البقرة: 16] إذ مثَّلهم بالتاجر خرج يطلب فوائد الربح من تجارته فآب بالخسران ولذلك يشبه سَعي الجاهل بخبط العشواء، ولذلك لم يزل أهل النصح يسهلون لطلبة العلم الوسائل التي تَقيهم الوقوع فيما لا طائل تحته من أعمالهم.

المقام الثالث: مقام أُنس الانكشاف فالعالم تتميز عنده المنافع والمضار وتنكشف له الحقائق فيكون مأنوساً بها واثقاً بصحة إدراكه وكلما انكشفت له حقيقة كان كمن لقي أنيساً بخلاف غير العالم بالأشياء فإنه في حيرة من أمره حين تختلط عليه المتشابهات فلا يدري ماذا يأخذ وماذا يدع، فإن اجتهد لنفسه خشِي الزلل وإن قلد خشِي زلل مقلَّده، وهذا المعنى يدخل تحت قوله تعالى:

{ كلما أضاء لهم مشوا فيه وإذا أظلم عليهم قاموا } [البقرة: 20].

المقام الرابع: مقام الغِنَى عن الناس بمقدار العلم والمعلومات فكلما ازداد عِلم العالم قوِيَ غناه عن الناس في دينه ودنياه.

المقام الخامس: الإلتذاذ بالمعرفة، وقد حصر فخر الدين الرازي اللذة في المعارف وهي لذة لا تقطعها الكثرة. وقد ضرب الله مثلاً بالظلّ إذ قال:

{ وما يستوي الأعمى والبصير ولا الظلمات ولا النور ولا الظِل ولا الحرُور }[فاطر: 19 ــــ 21] فإن الجلوس في الظل يلتذ به أهل البلاد الحارة.

المقام السادس: صدور الآثار النافعة في مدى العمر مما يكسب ثناء الناس في العاجل وثواب الله في الآجل، فإن العالم مصدر الارشاد والعلم دليل على الخير وقائد إليه قال الله تعالى:

{ إنما يخشى اللَّه من عباده العلماء }[فاطر: 28]. والعلم على مزاولته ثوابٌ جزيل، قال النبي صلى الله عليه وسلم ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم الملائكة وغشيتهم الرحمة وذكرهم الله فيمن عنده. وعلى بثه مثل ذلك، قال النبي صلى الله عليه وسلم إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، وعلم بثه في صدور الرجال، وولد صالح يدعو له بخير

. فهذا التفاوت بين العالم والجاهل في صوره التي ذكرناها مشمول لنفي الاستواء الذي في قوله تعالى: {قُل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمونَ} وتتشعب من هذه المقامات فروع جمّة وهي على كثرتها تنضوي تحت معنى هذه الآية.

وقوله: {إنَّما يتذكَّر أُولوا الألبابِ} واقع موقع التعليل لنفي الاستواء بين العالم وغيره المقصودِ منه تفضيل العالم والعلم، فإن كلمة (إنما) مركبة من حرفين (إنَّ) و (مَا) الكافّة أو النافية فكانت (إِن) فيه مفيدة لتعليل ما قبلها مغنية غَناء فاء التعليل إذ لا فرق بين (إنَّ) المفردة و (إنَّ) المركبة مع (ما)، بل أفادها التركيب زيادة تأكيد وهو نفي الحكم الذي أثبتته (إنَّ) عن غير من أثبتته له. وقد أخذ في تعليل ذلك جانبُ إثبات التذكر للعالِمين، ونفيه من غير العالمين، بطريق الحصر لأن جانب التذكر هو جانب العمل الديني وهو المقصد الأهم في الإِسلام لأن به تزكية النفس والسعادة الأبدية قال النبي صلى الله عليه وسلم

مَن يُرِد الله به خيراً يفقهْهُ في الدين

والألباب: العقول، وأولو الألباب: هم أهل العقول الصحيحة، وهم أهل العلم. فلما كان أهل العلم هم أهل التذكر دون غيرهم أفاد عدم استواء الذين يعلمون والذين لا يعلمون. فليس قوله: {إنَّما يتذكر أولوا الألباب} كلاماً مستقلاً.

قُلْ يَٰعِبَادِ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ رَبَّكُمْ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا۟ فِى هَٰذِهِ ٱلدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَأَرْضُ ٱللَّهِ وَٰسِعَةٌ إِنَّمَا يُوَفَّى ٱلصَّٰبِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ ۝١٠

لما أجري الثناء على المؤمنين بإقبالهم على عبادة الله في أشدّ الآناء وبشدة مراقبتهم إياه بالخوف والرجاء وبتمييزهم بصفة العلم والعقل والتذكر، بخلاف حال المشركين في ذلك كله، أُتبع ذلك بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالإِقبال على خطابهم للاستزادة من ثباتهم ورباطة جأشهم، والتقديرُ: قل للمؤمنين، بقرينة قوله: {ياعِبَادِ الذين ءَامنُوا} الخ.

وابتداء الكلام بالأمر بالقول للوجه الذي تقدم في نظيره آنفاً، وابتداء المقول بالنداء وبوصف العبودية المضاف إلى ضمير الله تعالى، كل ذلك يؤذن بالاهتمام بما سيقال وبأنه سيقال لهم عن ربهم، وهذا وضعٌ لهم في مقام المخاطبة من الله وهي درجة عظيمة. وحذفت ياء المتكلم المضاف إليها {عباد} وهو استعمال كثير في المنادَى المضاف إلى ياء المتكلم.

وقرأه العشرة {يَاعِبادِ} بدون ياء في الوصل والوقف كما في (إبراز المعاني) لأبي شامة وكما في «الدرة المضيئة» في القراءات الثلاث المتممة للعشر لعلي الضباع المصري، بخلاف قوله تعالى:

{ قل ياعبادي الذين أسرفوا على أنفسهم }[ الزمر: 53] الآتي في هذه السورة، فالمخالفة بينهما مجرد تفنن. وقد يوجه هذا التخالف بأن المخاطبين في هذه الآية هم عباد الله المتقون، فانتسابهم إلى الله مقرر فاستُغني عن إظهار ضمير الجلالة في إضافتهم إليه، بخلاف الآية الآتية، فليس في كلمة {يَاعِبَادِ} من هذه الآية إلاَّ وَجه واحد باتفاق العشرة ولذلك كتبها كتّاب المصحف بدون ياء بعد الدال.

وما وقع في «تفسير ابن عطية» من قوله: "وقرأ جمهور القراء {قل يا عباديَ} بفتح الياء. وقرأ أبو عمرو أيضاً وعاصم والأعشى وابن كثير {يا عِبَادِ} بغير ياء في الوصل" ا هــــ. سهو، وإنما اختلف القراء في الآية الآتية

{ قُل ياعِبَادي الذين أسرفوا على أنفسهم } في هذه السورة [53] فإنها ثبتت فيه ياء المتكلم فاختلفوا كما سنذكره.

والأمر بالتقوى مراد به الدوام على المأمور به لأنهم متّقون من قبلُ، وهو يشعر بأنهم قد نزل بهم من الأذى في الدين ما يخشى عليهم معه أن يُقصّروا في تقواهم. وهذا الأمر تمهيد لما سيوجه إليهم من أمرهم بالهجرة للسلامة من الأذى في دينهم، وهو ما عُرض به في قوله تعالى: {وأرْضُ الله واسِعَة}.

وفي استحضارهم بالموصول وصلته إيماء إلى أن تقَرر إيمانهم مما يقتضي التقوى والامتثال للمهاجرة. وجملة {للذين أحسنوا في هذه الدُّنيا حسنةٌ} وما عطف عليها استئناف بياني لأن إيراد الأمر بالتقوى للمتصفين بها يثير سؤال سائل عن المقصود من ذلك الأمر فأريد بيانه بقوله: {أرض الله واسعة}، ولكن جُعل قوله {للذين أحسنوا في هذه الدنيا حسنةٌ} تمهيداً له لقصد تعجيل التكفل لهم بموافقة الحسنى في هجرتهم. ويجوز أن تكون جملة {للذين أحسنوا في هذه الدنيا حسنةٌ} مسوقة مساق التعليل للأمر بالتقوى الواقع بعدها.

والمراد بالذين أحسنوا: الذين اتقوا الله وهم المؤمنون الموصوفون بما تقدم من قوله:

{ أمن هو قانت }[الزمر: 9] الآية، لأن تلك الخصال تدل على الإِحسان المفسر بقول النبي صلى الله عليه وسلم أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكنْ تراه فإنه يراك، فعدل عن التعبير بضمير الخطاب بأن يقال: لكم في الدنيا حسنة، إلى الإِتيان باسم الموصول الظاهر وهو {الذين أحسنوا} ليشمل المخاطبين وغيرهم ممن ثبتت له هذه الصلة. وذلك في معنى: اتقوا ربكم لتكونوا محسنين فإن للذين أحسنوا حسنة عظيمة فكونوا منهم. وتقديم المسند في {للذين أحسنوا في هذه الدنيا حسنةٌ} للاهتمام بالمحسَن إليهم وأنهم أحرياء بالإِحسان.

والمراد بالحسنة الحالة الحسنة، واستغني بالوصف عن الموصوف على حد قوله:

{ ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة }[البقرة: 201]. وقولِه في عكسه { وجزاء سيئة سيئة مثلها }[الشورى: 40]. وتوسيط قوله: {في هذه الدنيا} بين {للذين أحسنوا} وبين {حَسَنَةٌ} نظم مما اختص به القرآن في مواقع الكلم لإِكثار المعاني التي يسمح بها النظم، وهذا من طرق إعجاز القرآن. فيجوز أن يكون قوله: {في هذه الدُّنيا} حالاً من {حَسَنَةٌ} قدم على صاحب الحال للتنبيه من أول الكلام على أنها جزاؤهم في الدنيا، لقلة خطور ذلك في بالهم ضمن الله لهم تعجيل الجزاء الحسن في الدنيا قبل ثواب الآخرة على نحو ما أثنى على مَن يقول: {ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة}. وقد جاء في نظير هذه الجملة في سورة [النحل:30] قوله: { ولدار الآخرة خير }، أي خير من أمور الدنيا، ويكون الاقتصار على حسنة الدنيا في هذه الآية لأنها مسوقة لتثبيت المسلمين على ما يلاقونه من الأذى، ولأمرهم بالهجرة عن دار الشرك والفتنة في الدين، فأما ثواب الآخرة فأمر مقرر عندهم من قبل ومومىً إليه بقوله بعده: {إنما يوفَّى الصابِرُون أجرهم بغير حسابٍ} أي يوفون أجرهم في الآخرة. قال السدّي: الحسنة في الدنيا الصحة والعافية. ويجوز أن يكون قوله: «في الدنيا» متعلقاً بفعل {أحسنوا} على أنه ظرف لغوي، أي فعلوا الحسنات في الدنيا فيكون المقصود التنبيه على المبادرة بالحسنات في الحياة الدنيا قبل الفوات والتنبيه على عدم التقصير في ذلك.

وتنوين {حَسَنَةٌ} للتعظيم وهو بالنسبة لحسنة الآخرة للتعظيم الذاتي، وبالنسبة لحسنة الدنيا تعظيم وصفي، أي حسنة أعظم من المتعارف، وأيّاً ما كان فاسم الإِشارة في قوله: {في هذه الدنيا}لتمييز المشار إليه وإحضاره في الأذهان. وعليه فالمراد بــــ {حَسَنَةٌ} يحتمل حسنة الآخرة ويحتمل حسنة الدنيا، كما في قوله تعالى:

{ ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة } في سورة [البقرة: 201]. وقد تقدم نظير هذه الآية في سورة [النحل: 30] قولُه تعالى: { وقيل للذين اتقوا ماذا أنزل ربكم قالوا خيراً للذين أحسنوا في هذه الدنيا حسنة ولدار الآخرة خير }، فألْحِقْ بها ما قُرر هنا.

وعطف عليه {وأرضُ الله واسعةٌ} عطفَ المقصود على التوطئة. وهو خبر مستعمل في التعريض بالحث على الهجرة في الأرض فراراً بدينهم من الفتن بقرينة أن كون الأرض واسعةً أمر معلوم لا يتعلق الغرض بإفادته وإنما كني به عن لازم معناه، كما قال إياس بن قبيصة الطائي:

ألم تر أن الأرض رحْب فسيحةفَهَلْ تعجزنِّي بقعة من بقاعها

والوجه أن تكون جملة {وأرضُ الله واسِعةٌ} معترضة والواو اعتراضية لأن تلك الجملة جرت مجرى المثل.

والمعنى: إن الله وعدهم أن يلاقوا حسنة إذا هم هاجروا من ديار الشرك. وليس حسن العيش ولا ضده مقصوراً على مكان معين وقد وقع التصريح بما كني عنه هنا في قوله تعالى:

{ قالوا ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها }[النساء: 97].

والمراد: الإِيماء إلى الهجرة إلى الحَبَشَة. قال ابن عباس في قوله تعالى: {قُلْ يا عِبادِ الذين ءَامنُوا اتَّقوا ربَّكُم} يريد جعفرَ بن أبي طالب والذين خرجوا معه إلى الحبشة. ونكتة الكناية هنا إلقاء الإِشارة إليهم بلطف وتأنيس دون صريح الأمر لما في مفارقة الأوطان من الغمّ على النفس، وأما الآية التي في سورة النساء فإنها حكاية توبيخ الملائكة لمن لم يهاجروا.

وموقع جملة {إنما يُوفَّى الصَّابِرون أجرهم بغيرِ حسابٍ} موقع التذييل لجملة {للذين أحْسَنُوا} وما عطف عليها لأن مفارقة الوطن والتغرب والسفر مشاق لا يستطيعها إلا صابر، فذُيّل الأمر به بتعظيم أجر الصابرين ليكون إعلاماً للمخاطبين بأن أجرهم على ذلك عظيم لأنهم حينئذٍ من الصابرين الذين أجرهم بغير حساب.

والصبر: سكون النفس عند حلول الآلام والمصائب بأن لا تضجر ولا تضطرب لذلك، وتقدم عند قوله تعالى:

{ وبشر الصابرين } في سورة [البقرة: 155]. وصيغة العموم في قوله: {الصابرين} تشمل كل من صبر على مشقة في القيام بواجبات الدين وامتثال المأمورات واجتناب المنهيات، ومراتب هذا الصبر متفاوتة وبقدرها يتفاوت الأجر.

والتوفية: إعطاء الشيء وافياً، أي تاماً. والأجر: الثواب في الآخرة كما هو مصطلح القرآن.

وقوله: {بِغَيرِ حسابٍ} كناية عن الوفرة والتعظيم لأن الشيء الكثير لا يُتصدى لعدِّه، والشيء العظيم لا يحاط بمقداره فإن الإِحاطة بالمقدار ضرب من الحساب وذلك شأن ثواب الآخرة الذي لا يخطر على قلب بشر.

وفي ذكر التوفية وإضافة الأجر إلى ضميرهم تأنيس لهم بأنهم استحقوا ذلك لا منة عليهم فيه وإن كانت المنة لله على كل حال على نحو قوله تعالى:

{ لهم أجر غير ممنون } [الانشقاق: 25].

والحصر المستفاد من {إنما} منصبّ على القيد وهو {بِغيرِ حسابٍ} والمعنى: ما يوفي الصابرون أجرهم إلا بِغير حساب، وهو قصر قلب مبنيّ على قلب ظن الصَابرين أن أجر صبرهم بمقدار صبرهم، أي أن أجرهم لا يزيد على مقدار مشقة صبرهم.

والهجرة إلى الحبشة كانت سنة خمس قبل الهجرة إلى المدينة. وكان سببها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما رأى ما يصيب أصحابه من البلاء وأن عمه أبا طالب كان يمنع ابن أخيه من أضرار المشركين ولا يقدر أن يمنع أصحابه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم

لو خرجتم إلى أرض الحبشة فإن بها ملِكاً لا يُظلَم عنده أحد حتى يجعل الله لكم فرجاً مما أنتم فيه، فخرج معظم المسلمين مخافة الفتنة فخرج ثلاثة وثمانون رجلاً وتسع عشرة امرأة سوى أبنائهم الذين خرجوا بهم صغاراً. وقد كان أبو بكر الصديق استأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الهجرة فأذن له فخرج قاصداً بلاد الحبشة فلقيه ابن الدّغِنَة فَصدّه وجعَلَه في جواره.

ولما تعلقت إرادة الله تعالى بنشر الإِسلام في مكة بين العرب لحكمة اقتضت ذلك وعَذر بعض المؤمنين فيما لقُوه من الأذى في دينهم أذن لهم بالهجرة وكانت حكمته مقتضية بقاء رسوله صلى الله عليه وسلم بين ظهراني المشركين لبثّ دعوة الإِسلام لم يأذن له بالهجرة إلى موطن آخر حتى إذا تم مراد الله من توشج نواة الدين في تلك الأرض التي نشأ فيها رسوله صلى الله عليه وسلم وأصبح انتقال الرسول صلى الله عليه وسلم إلى بلد آخر أسعد بانتشار الإِسلام في الأرض أذن الله لرسوله صلى الله عليه وسلم بالهجرة إلى المدينة بعد أن هيّأ له بلطفه دخول أهلها في الإِسلام وكل ذلك جرى بقدَر وحكمة ولطف برسوله صلى الله عليه وسلم.

قُلْ إِنِّىٓ أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ ٱللَّهَ مُخْلِصًا لَّهُ ٱلدِّينَ ۝١١ وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ ٱلْمُسْلِمِينَ ۝١٢

بعد أن أمر الله رسوله صلى الله عليه وسلم بخطاب المسلمين بقوله:

{ قُل يا عِبادِ الذين آمنوا اتَّقُوا }[ الزمر: 10] أمر رسوله صلى الله عليه وسلم بعد ذلك أن يقول قولاً يتعين أنه مَقول لغير المسلمين.

نقل الفخر عن مقاتل: أن كفار قريش قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم ما يحملك على هذا الدين الذي أتيتنا به، ألا تنظر إلى ملة أبيك وجدك وسادات قومك يعبدون اللاّت والعُزّى، فأنزل الله: {قل إني أُمرتُ أن أعْبُدَ الله مُخلصاً له الدِّينَ}.

وحقاً فإن إخبار النبي صلى الله عليه وسلم بذلك إذا حمل على صريحه إنما يناسب توجيهه إلى المشركين الذي يبْتغون صرفه عن ذلك. ويجوز أن يكون موجهاً إلى المسلمين الذين أذن الله لهم بالهجرة إلى الحبشة على أنه توجيه لبقائه بمكة لا يهاجر معهم لأن الإِذن لهم بالهجرة للأمن على دينهم من الفتن، فلعلهم ترقبوا أن يهاجر الرسول صلى الله عليه وسلم معهم إلى الحبشة فآذنهم الرسول صلى الله عليه وسلم بأن الله أمره أن يعبد الله مخلصاً له الدين، أي أن يوحده في مكة فتكون الآية ناظرة إلى قوله تعالى:

{ فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين إنا كفيناك المستهزئين }[الحجر: 94 ــــ 95]، أي أن الله أمره بأن يقيم على التبليغ بمكة فإنه لو هاجر إلى الحبشة لانقطعت الدعوة وإنما كانت هجرتهم إلى الحبشة رخصة لهم إذ ضعفوا عن دفاع المشركين عن دينهم ولم يرخَّص ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم.

وقد جاء قريب من هذه الآية بعد ذكر أن حياة الرسول صلى الله عليه وسلم ومماته لله، أي فلا يَفرق من الموت في سبيل الدين وذلك قوله تعالى في سورة [الأنعام: 162 - 163]:

{ قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين }

فكان قوله: {لأنْ أكُونَ أوَّلَ المُسلمين} علة لــــ {أعبد الله مخلصاً له الدين}، فالتقدير: وأمِرت بذلك لأن أكون أول المسلمين، فمتعلِّق {أُمِرْتُ} محذوف لدلالة قوله: {أن أعبد الله مخلصاً له الدين} عليه. فــــ {أول} هنا مستعمل في مجازه فقط إذ ليس المقصود من الأولية مجرد السبق في الزمان فإن ذلك حصل فلا جدوى في الإِخبار به، وإنما المقصود أنه مأمور بأن يكون أقوى المسلمين إسلاماً بحيث أن ما يقوم به الرسول صلى الله عليه وسلم من أمور الإِسلام أعظم مما يقوم به كل مسلم كما قال: "إني لأتقاكم لله وأعلمكم به".

وعطف {وأمرت} الثاني على {أُمِرْتُ} الأول للتنويه بهذا الأمر الثاني ولأنه غَاير الأمر الأول بضميمة قيد التعليل فصار ذكر الأمر الأول لبيان المأمور، وذكرُ الأمر الثاني لبيان المأمور لأجله، ليشير إلى أنه أمر بأمرين عظيمين: أحدهما يشاركه فيه غيره وهو أن يعبد الله مخلصاً له الدين، والثاني يختص به وهو أن يعبده كذلك ليكون بعبادته أولَ المسلمين، أي أمره الله بأن يبلُغ الغاية القصوى في عبادة الله مخلصاً له الدين، فجعل وجوده متمحضاً للإِخلاص على أي حال كان كما قال في الآية الأخرى:

{ قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين } [الأنعام: 162، 163].

واعلم أنه لما كان الإِسلام هو دين الأنبياء في خاصتهم كما تقدم عند قوله تعالى

{ فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون } في سورة [البقرة: 132] ونظائرها كثيرة، كانت في هذه الآية دلالةٌ على أن محمداً صلى الله عليه وسلم أفضل الرسل لشمول لفظ المسلمين للرسل السابقين.
الخميس، 5 نوفمبر 2026 25 جمادى الأولى 1448 هـ