انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة الزمر

تفسير الطبريالآيات 1–18

تفسير سورة الزمر آية آية، من تفسير الطبري.

استمع إلى تفسير سورة الزمر

الخلاصة من تفسير الطبري · 4 مقاطع · 54:36

  1. 1 الآيات 1–7في هذه الصفحة 7:26
  2. 2 الآيات 8–31في هذه الصفحة 16:33
  3. 3 الآيات 32–52 15:07
  4. 4 الآيات 53–75 15:30

بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ

تَنزِيلُ ٱلْكِتَٰبِ مِنَ ٱللَّهِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَكِيمِ ۝١ إِنَّآ أَنزَلْنَآ إِلَيْكَ ٱلْكِتَٰبَ بِٱلْحَقِّ فَٱعْبُدِ ٱللَّهَ مُخْلِصًا لَّهُ ٱلدِّينَ ۝٢

يقول تعالـى ذكره: {تَنْزِيـلُ الكِتابِ} الذي نزّلناه علـيك يا مـحمد {مِنَ اللّهِ العَزِيزِ} فـي انتقامه من أعدائه {الـحَكِيـمِ} فـي تدبـيره خـلقه، لا من غيره، فلا تكوننّ فـي شكّ من ذلك ورفع قوله: {تَنْزِيـلُ} بقوله: {مِنَ اللّهِ}. وتأويـل الكلام: من الله العزيز الـحكيـم تنزيـل الكتاب. وجائز رفعه بإضمار هذا، كما قـيـل: {سُورَةٌ أنْزَلْناها} غير أن الرفع فـي قوله: {تَنْزِيـلُ الكِتابِ} بـما بعده، أحسن من رفع سورة بـما بعدها، لأن تنزيـل، وإن كان فعلاً، فإنه إلـى الـمعرفة أقرب، إذ كان مضافـاً إلـى معرفة، فحسن رفعه بـما بعده، ولـيس ذلك بـالـحسن فـي «سُورَةٌ»، لأنه نكرة.

وقوله: {إنَّا أنْزَلْنا إلَـيْكَ الكِتابَ بـالـحَقّ} يقول تعالـى ذكره لنبـيه مـحمد صلى الله عليه وسلم: إنا أنزلنا إلـيك يا مـحمد الكتاب، يعنـي بـالكتاب: القرآن {بـالـحقّ} يعنـي بـالعدل يقول: أنزلنا إلـيك هذا القرآن يأمر بـالـحقّ والعدل، ومن ذلك الـحقّ والعدل أن تعبد الله مخـلِصاً له الدين، لأن الدين له لا للأوثان التـي لا تـملك ضرّاً ولا نفعاً. وبنـحو الذي قلنا فـي معنى قوله: {الكِتابَ} قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {إنَّا أنْزَلْنا إلَـيْكَ الكِتابَ بـالـحَقّ} يعنـي: القرآن.

وقوله: {فـاعْبُدِ اللّهِ مُخْـلِصاً لَهُ الدّينَ} يقول تعالـى ذكره: فـاخشع لله يا مـحمد بـالطاعة، وأخـلص له الألوهة، وأفرده بـالعبـادة، ولا تـجعل له فـي عبـادتك إياه شريكاً، كما فَعَلَتْ عَبَدة الأوثان. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يعقوب، عن حفص، عن شمر، قال: يؤتـي بـالرجل يوم القـيامة للـحساب وفـي صحيفته أمثال الـجبـال من الـحسنات، فـيقول ربّ العزّة جلّ وعزّ: صَلَّـيت يوم كذا وكذا، لـيقال: صلَّـى فلان أنا الله لا إله إلا أنا، لـي الدين الـخالص. صمتَ يوم كذا وكذا، لـيقال: صام فلان أنا الله لا آله إلا أنا لـي الدين الـخالص، تصدّقت يوم كذا وكذا، لـيقال: تصدّق فلان أنا الله لا إله إلا أنا لـي الدين الـخالص فما يزال يـمـحو شيئاً بعد شيء حتـى تبقـى صحيفته ما فـيها شيء، فـيقول ملكاه: يا فلان، ألغير الله كنت تعمل.

حدثنا مـحمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ، أما قوله: {مُخْـلِصاً لَهُ الدِّينَ} فـالتوحيد، والدين منصوب بوقوع مخـلصاً علـيه.

وقوله:

{ ألا لِلّهِ الدِّينُ الـخالِصُ }يقول تعالـى ذكره: ألا لله العبـادة والطاعة وحده لا شريك له، خالصة لا شرك لأحد معه فـيها، فلا ينبغي ذلك لأحد، لأن كل ما دونه ملكه، وعلـى الـمـملوك طاعة مالكه لا من لا يـملك منه شيئاً. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة

{ ألا لِلّهِ الدِّينُ الـخالِصُ }شهادة أن لا إله إلا الله.

وقوله:

{ وَالَّذِينَ اتَّـخَذُوا مِنْ دُونِهِ أوْلِـياءَ ما نَعْبُدُهُمْ إلاَّ لِـيُقَرّبُونا إلـى اللّهِ زُلْفَـى }يقول تعالـى ذكره: والذين اتـخذوا من دون الله أولـياء يَتَولَّونهم، ويعبدونهم من دون الله، يقولون لهم: ما نعبدكم أيها الآلهة إلا لتقربونا إلـى الله زُلْفَـى، قربة ومنزلة، وتشفعوا لنا عنده فـي حاجاتنا وهي فـيـما ذُكر فـي قراءة أبـيّ: «ما نَعْبُدُكُمْ»، وفـي قراءة عبد الله: «قالُوا ما نَعْبُدُهُمْ» وإنـما حسُن ذلك لأن الـحكاية إذا كانت بـالقول مضمراً كان أو ظاهراً، جعل الغائب أحياناً كالـمخاطب، ويترك أخرى كالغائب، وقد بـيَّنت ذلك فـي موضعه فـيـما مضى.

حدثنا مـحمد بن الـحسين، قال: ثنا أحمد بن الـمفضل، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ، قال: هي فـي قراءة عبد الله: «قالُوا ما نَعْبُدُهُمْ».

وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعاً عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، فـي قوله:

{ ما نَعْبُدُهُمْ إلاَّ لِـيُقَرّبُونا إلـى اللّهِ زُلْفَـى }قال: قريش تقوله للأوثان، ومن قَبْلَهم يقوله للـملائكة ولعيسى ابن مريـم ولعزَيز.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله:

{ وَالَّذِينَ اتَّـخَذُوا مِنْ دُونِهِ أوْلِـياءَ ما نَعْبُدُهُمْ إلاَّ لِـيُقَرِّبُونا إلـى اللّهِ زُلْفَـى }قالوا: ما نعبد هؤلاء إلا لـيقرّبونا، إلا لـيشفعُوا لنا عند الله.

حدثنا مـحمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ، فـي قوله:

{ ما نَعْبُدُهُمْ إلاَّ لِـيُقَرَبونا إلـى اللّهِ زُلْفَـى }قال: هي منزلة.

حدثنـي علـيّ، قال: ثنا أبو صالـح، قال: ثنا معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس، فـي قوله:

{ وَالِّذِينَ اتَّـخَذُوا مِنْ دُونِهِ أوْلِـياءَ ما نَعْبُدُهُمْ إلاَّ لِـيُقَرّبُونا إلـى اللّهِ زُلْفَـى }}.

وقوله:

{ وَلَوْ شاءَ الله ما أشْرَكُوا }يقول سبحانه: لو شئت لـجمعتهم علـى الهدى أجمعين.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد فـي قوله:

{ ما نَعْبُدُهُمْ إلاَّ لِـيُقَرِّبونا إلـى الله زُلْفَـى }قال: قالوا هم شفعاؤنا عند الله، وهم الذين يقرّبوننا إلـى الله زلفـي يوم القـيامة للأوثان، والزلفـى: القُرَب.

وقوله:

{ إنَّ اللّهَ يَحْكُمُ بَـيْنَهُمْ فِـيـما هُمْ فِـيهِ يَخْتَلِفُونَ }يقول تعالـى ذكره: إن الله يفصل بـين هؤلاء الأحزاب الذين اتـخذوا فـي الدنـيا من دون الله أولـياء يوم القـيامة، فـيـما هم فـيه يختلفون فـي الدنـيا من عبـادتهم ما كانوا يعبدون فـيها، بأن يُصْلِـيَهم جميعاً جهنـم، إلا من أخـلص الدين لله، فوحده، ولـم يشرك به شيئاً.

أَلَا لِلَّهِ ٱلدِّينُ ٱلْخَالِصُ وَٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُوا۟ مِن دُونِهِۦٓ أَوْلِيَآءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَىٰٓ إِنَّ ٱللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِى مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَهْدِى مَنْ هُوَ كَٰذِبٌ كَفَّارٌ ۝٣ لَّوْ أَرَادَ ٱللَّهُ أَن يَتَّخِذَ وَلَدًا لَّٱصْطَفَىٰ مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ سُبْحَٰنَهُۥ هُوَ ٱللَّهُ ٱلْوَٰحِدُ ٱلْقَهَّارُ ۝٤

يقول تعالـى ذكره: {إنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي} إلـى الـحقّ ودينه الإسلام، والإقرار بوحدانـيته، فـيوفقه له {مَنْ هُوَ كاذِبٌ} مفتر علـى الله، يتقوّل علـيه البـاطل، ويضيف إلـيه ما لـيس من صفته، ويزعم أن له ولداً افتراء علـيه، كفـار لنعمه، جحود لربوبـيته. وقوله: {لَوْ أرَادَ اللّهُ أنْ يَتَّـخِذَ وَلِداً} يقول تعالـى ذكره: لو شاء الله اتـخاذ ولد، ولا ينبغي له ذلك، لاصطفـى مـما يخـلق ما يشاء، يقول: لاختار من خـلقه ما يشاء. وقوله: {سُبْحانَهُ هُوَ اللّهُ الوَاحِدُ القَهَّارُ} يقول: تنزيها لله عن أن يكون له ولد، وعما أضاف إلـيه الـمشركون به من شركهم {هُوَ اللّهُ} يقول: هو الذي يَعْبده كلّ شيء، ولو كان له ولد لـم يكن له عبداً، يقول: فـالأشياء كلها له ملك، فأنى يكون له ولد، وهو الواحد الذي لا شريك له فـي مُلكه وسلطانه، والقهار لـخـلقه بقدرته، فكل شيء له متذلِّل، ومن سطوته خاشع.

خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ بِٱلْحَقِّ يُكَوِّرُ ٱلَّيْلَ عَلَى ٱلنَّهَارِ وَيُكَوِّرُ ٱلنَّهَارَ عَلَى ٱلَّيْلِ وَسَخَّرَ ٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِى لِأَجَلٍ مُّسَمًّى أَلَا هُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْغَفَّٰرُ ۝٥

يقول تعالـى ذكره واصفـاً نفسه بصفتها: {خَـلَقَ السَّمَوَاتِ والأرْضَ بـالـحَقّ يَكُوِّرُ اللَّـيْـلَ علـى النهارِ وَيُكَوّرُ النَّهارَ علـى اللَّـيْـلِ} يقول: يغشِّي هذا علـى هذا، وهذا علـى هذا، كما قال {يُولِـجُ اللَّـيْـلَ فِـي النَّهارِ وَيُولِـجُ النَّهارَ فِـي اللَّـيْـلِ} وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي علـيّ، قال: ثنا أبو صالـح، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس، قوله: {يُكَوّرُ اللَّـيْـلَ عَلـى النَّهارِ وَيُكَوّرُ النَّهارَ عَلـى اللَّـيْـلِ} يقول: يحمل اللـيـل علـى النهار.

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعاً عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد قوله: {يُكَوّرُ اللَّـيْـلَ علـى النَّهارِ} قال: يدهوره.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {يُكَوّرُ اللَّـيْـلَ علـى النَّهارِ وَيُكَوّرُ النَّهارَ علـى اللَّـيْـلِ} قال: يَغْشَي هذا هذا، ويَغْشَي هذا هذا.

حدثنا مـحمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ، قوله: {يُكَوّرُ اللَّـيْـلَ علـى النَّهارِ ويُكَوّرُ النَّهارَ علـى اللَّـيْـلِ} قال: يجيء بـالنهار ويذهب بـاللـيـل، ويجيء بـاللـيـل، ويذهب بـالنهار.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد فـي قوله: {يُكَوّرُ اللَّـيْـلَ علـى النَّهارِ ويُكَوّرُ النَّهارَ علـى اللَّـيْـلِ} حين يذهب بـاللـيـل ويكوّر النهار علـيه، ويذهب بـالنهار ويكوّر اللـيـل علـيه.

وقوله: {وَسَخَّرَ الشَّمْسَ والقَمَرَ} يقول تعالـى ذكره: وسخر الشمس والقمر لعبـاده، لـيعلـموا بذلك عدد السنـين والـحساب، ويعرفوا اللـيـل من النهار لـمصلـحة معاشهم {كُلّ يَجْرِي لأَجَلٍ مُسَمًّى} يقول: {كُلّ} ذلك يعنـي الشمس والقمر {يَجْرِي لأَجَلٍ مُسَمًّى} يعنـي إلـى قـيام الساعة، وذلك إلـى أن تكوّر الشمس، وتنكدر النـجوم. وقـيـل: معنى ذلك: أن لكل واحد منهما منازل، لا تعدوه ولا تقصر دونه {ألا هُوَ العَزِيزُ الغَفَّـارُ} يقول تعالـى ذكره: ألا إن الله الذي فعل هذه الأفعال وأنعم علـى خـلقه هذه النعم هو العزيز فـي انتقامه مـمن عاداه، الغفـار لذنوب عبـاده التائبـين إلـيه منها بعفوه لهم عنها.

خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَٰحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَأَنزَلَ لَكُم مِّنَ ٱلْأَنْعَٰمِ ثَمَٰنِيَةَ أَزْوَٰجٍ يَخْلُقُكُمْ فِى بُطُونِ أُمَّهَٰتِكُمْ خَلْقًا مِّنۢ بَعْدِ خَلْقٍ فِى ظُلُمَٰتٍ ثَلَٰثٍ ذَٰلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ ٱلْمُلْكُ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّىٰ تُصْرَفُونَ ۝٦

يقول تعالـى ذكره: {خَـلَقَكُمْ} أيها الناس {مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ} يعنـي من آدم {ثُمَّ جَعَلَ مِنْها زَوْجَها} يقول: ثم جعل من آدم زوجه حواء، وذلك أن الله خـلقها من ضِلَع من أضلاعه. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {خَـلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحدَةٍ} يعنـي آدم، ثم خـلق منها زوجها حواء، خـلقها من ضلع من أضلاعه.

فإن قال قائل: وكيف قـيـل: خـلقكم من نفس واحدة ثم جعل منها زوجها؟ وإنـما خـلق ولد آدم من آدم وزوجته، ولا شك أن الوالدين قبل الولد، فإن فـي ذلك أقوالاً: أحدها أن يقال: قـيـل ذلك لأنه رُوي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم:

إنَّ اللّهَ لَـمَّا خَـلَقَ آدَمَ مَسَحَ ظَهْرَهُ، فأَخْرَج كُلَّ نَسَمَةٍ هِيَ كائِنَةٌ إلـى يَوْمِ القِـيامَةِ، ثُمَّ أسْكَنَهُ بَعْدَ ذلكَ الـجَنَّةَ، وَخَـلَقَ بَعْدَ ذلكَ حَوَّاءَ مِنْ ضِلْعٍ مِنْ أضْلاعِهِفهذا قول. والآخر: أن العرب ربـما أخبر الرجل منهم عن رجل بفعلـين، فـيردّ الأول منهما فـي الـمعنى بثم، إذا كان من خبر الـمتكلـم، كما يقال: قد بلغنـي ما كان منك الـيوم، ثم ما كان منك أمس أعجب، فذلك نسق من خبر الـمتكلـم. والوجه الآخر: أن يكون خـلقه الزوج مردوداً علـى واحدها، كأنه قـيـل: خـلقكم من نفس وحدها ثم جعل منها زوجها، فـيكون فـي واحدة معنى: خـلقها وحدها، كما قال الراجز:

أَعْدَدْتَهُ للْـخَصْمِ ذِي التَّعَدِّيكَوَّحْتَهُ مِنْكَ بِدُونِ الـجَهُدِ

بـمعنى: الذي إذا تعدى كوحته، ومعنى: كوّحته: غلبته.

والقول الذي يقوله أهل العلـم أولـى بـالصواب، وهو القول الأوّل الذي ذكرت أنه يقال: إن الله أخرج ذرّية آدم من صلبه قبل أن يخـلق حوّاء، وبذلك جاءت الرواية عن جماعة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، والقولان الآخران علـى مذاهب أهل العربـية.

وقوله: {وأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الأنْعامِ ثَمانِـيَةَ أزْوَاجٍ} يقول تعالـى ذكره: وجعل لكم من الأنعام ثمانـية أزواج من الإبل زوجين، ومن البقر زوجين، ومن الضأن اثنـين، ومن الـمعْز اثنـين، كما قال جلّ ثناؤه:

{ ثَمانِـيَةَ أزْوَاجٍ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَـيْن وَمِنَ الـمَعْزِ اثْنَـيْن }}، كما:

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعاً عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، قوله: {مِنَ الأنْعامِ ثَمانِـيَةَ أزْوَاجٍ} قال: من الإبل والبقر والضأن والـمعز.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {وأنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الأنْعامِ ثَمانِـيَةَ أزْوَاجٍ} من الإبل اثنـين، ومن البقر اثنـين، ومن الضأن اثنـين، ومن الـمعز اثنـين، من كلّ واحد زوج.

حُدثت عن الـحسين، قال: سمعت أبـا معاذ يقول: أخبرنا عبـيد، قال: سمعت الضحاك يقول فـي قوله: {وأنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الأنْعامِ ثَمانِـيَةَ أزْوَاجٍ} يعنـي من الـمعز اثنـين، ومن الضأن اثنـين، ومن البقر اثنـين، ومن الإبل اثنـين.

وقوله: {يَخْـلُقُكُمْ فِـي بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ خَـلْقاً مِنْ بَعْدِ خَـلْقٍ} يقول تعالـى ذكره: يبتدىء خـلقكم أيها الناس فـي بطون أمهاتكم خـلقاً من بعد خـلق، وذلك أنه يحدث فـيها نطفة، ثم يجعلها علقة، ثم مضغة، ثم عظاماً، ثم يكسو العظام لـحماً، ثم يُنشئه خـلقاً آخر، تبـارك الله وتعالـى، فذلك خـلقه إياه خـلقاً بعد خـلق، كما:

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفـيان، عن سماك، عن عكرمة {يَخْـلُقُكُمْ فِـي بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ خَـلْقاً مِنْ بَعْد خَـلْقٍ} قال: نطفة، ثم علقة، ثم مضغة.

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعاً عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، قوله: {خَـلْقاً مِنْ بَعْدِ خَـلْقٍ} قال: نطفة، ثم ما يتبعها حتـى تـمّ خـلقه.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {يَخْـلُقُكُمْ فِـي بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ خَـلْقاً مِنْ بَعْدِ خَـلْقٍ} نطفة، ثم علقة، ثم مضغة، ثم عظاماً، ثم لـحماً، ثم أنبت الشعر، أطوار الـخـلق.

حدثنا هناد بن السريّ، قال: ثنا أبو الأحوص، عن سماك، عن عكرمة فـي قوله: {يَخْـلُقُكُمْ فِـي بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ خَـلْقاً مِنْ بَعْدِ خَـلْقٍ} قال: يعنـي بخـلق بعد الـخـلق، علقة، ثم مضغة، ثم عظاماً.

حدثنا مـحمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ، فـي قوله: {يَخْـلُقُكُمْ فِـي بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ خَـلْقاً مِنْ بَعْدِ خَـلْقٍ} قال: يكونون نطفـاً، ثم يكونون علقاً، ثم يكونون مضغاً، ثم يكونون عظاماً، ثم ينفخ فـيهم الروح.

حُدثت عن الـحسين، قال: سمعت أبـا معاذ يقول: أخبرنا عبـيد، قال: سمعت الضحاك يقول فـي قوله: {فِـي بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ خَـلْقاً مِنْ بَعْدِ خَـلْقٍ} خـلق نطفة، ثم علقة، ثم مضغة.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: يخـلقكم فـي بطون أمهاتكم من بعد خـلقه إياكم فـي ظهر آدم، قالوا: فذلك هو الـخـلق من بعد الـخـلق. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد {يَخْـلُقُكُمْ فِـي بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ خَـلْقاً مِنْ بَعْدِ خَـلْقٍ} قال: خـلقاً فـي البطون من بعد الـخـلق الأوّل الذي خـلقهم فـي ظهر آدم.

وأولـى القولـين فـي ذلك بـالصواب، القول الذي قاله عكرمة ومـجاهد، ومن قال فـي ذلك مثل قولهما، لأن الله جلّ وعزّ أخبر أنه يخـلقنا خـلقاً من بعد خـلق فـي بطون أمهاتنا فـي ظلـمات ثلاث، ولـم يخبر أنه يخـلقنا فـي بطون أمهاتنا من بعد خـلقنا فـي ظهر آدم، وذلك نـحو قوله:

{ وَلَقَدْ خَـلَقْنا الإنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِن طِينٍ ثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَةً فِـي قَرَارٍ مَكِينٍ ثُمَّ خَـلَقْنا النُّطْفَةَ عَلَقَةً }}... الآية.

وقوله: {فـي ظُلُـماتٍ ثَلاثٍ} يعنـي: فـي ظلـمة البطْن، وظلـمة الرّحمِ، وظُلـمة الـمَشِيَـمة. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا هناد بن السريّ، قال: ثنا أبو الأحوص، عن سماك، عن عكرمة {فِـي ظُلُـماتٍ ثَلاثٍ} قال: الظلـمات الثلاث: البطن، والرحم، والـمَشيـمة.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفـيان، عن سماك، عن عكرمة {فِـي ظُلُـماتٍ ثَلاثٍ} قال: البطن، والـمشيـمة، والرحم.

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه عن ابن عبـاس {فِـي ظُلُـماتٍ ثَلاثٍ} قال: يعنـي بـالظلـمات الثلاث: بطن أمه، والرحم، والـمَشِيـمة.

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعاً عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، قوله: {فِـي ظُلُـماتٍ ثَلاثٍ} قال: البطن، والرحم والـمَشِيـمة.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {فِـي ظُلُـماتٍ ثَلاثٍ} الـمَشِيـمة، والرحم، والبطن.

حدثنا مـحمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ {فِـي ظُلُـماتٍ ثَلاثٍ} قال: ظلـمة الـمشيـمة، وظلـمة الرحم، وظلـمة البطن.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله: {فِـي ظُلُـماتٍ ثَلاثٍ} قال: الـمشيـمة فـي الرحم، والرحم فـي البطن.

حُدثت عن الـحسين، قال: سمعت أبـا معاذ يقول: ثنا عبـيد، قال: سمعت الضحاك يقول، فـي قوله: {فِـي ظُلُـماتٍ ثَلاثٍ}: الرحم، والـمشيـمة، والبطن، والـمشيـمة التـي تكون علـى الولد إذا خرج، وهي من الدواب السَّلـي.

وقوله: {ذَلِكُمُ اللّهُ رَبُّكُمْ} يقول تعالـى ذكره: هذا الذي فعل هذه الأفعال أيها الناس هو ربكم، لا من لا يجلب لنفسه نفعاً، ولا يدفع عنها ضرّاً، ولا يسوق إلـيكم خيراً، ولا يدفع عنكم سوءً من أوثانكم وآلهتكم.

وقوله: {لَهُ الـمُلْكُ} يقول جلّ وعزّ: لربكم أيها الناس الذي صفته ما وصف لكم، وقُدرته ما بـين لكم الـمُلك، مُلك الدنـيا والآخرة وسلطانهما لا لغيره فأما ملوك الدنـيا فإنـما يـملك أحدهما شيئاً دون شيء، فإنـما له خاص من الـمُلك. وأما الـمُلك التام الذي هو الـمُلك بـالإطلاق فلله الواحد القهار.

وقوله: {لا إلَهَ إلاَّ هُوَ فَأنَّـي تُصْرَفُونَ} يقول تعالـى ذكره: لا ينبغي أن يكون معبود سواه، ولا تصلـح العبـادة إلا له {فأنَّى تُصْرَفُونَ} يقول تعالـى ذكره: فأنى تصرفون أيها الناس فتذهبون عن عبـادة ربكم، الذي هذه الصفة صفته، إلـى عبـادة من لا ضر عنده لكم ولا نفع. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {فأنَّى تُصْرَفُونَ} قال: كقوله:

{ تُؤْفَكُونَ }}.

حدثنا مـحمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسبـاط، عن السدي {فَأنَّى تُصْرَفُونَ} قال للـمشركين: أنى تصرف عقولكم عن هذا؟

إِن تَكْفُرُوا۟ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَنِىٌّ عَنكُمْ وَلَا يَرْضَىٰ لِعِبَادِهِ ٱلْكُفْرَ وَإِن تَشْكُرُوا۟ يَرْضَهُ لَكُمْ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّكُم مَّرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ إِنَّهُۥ عَلِيمٌۢ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ ۝٧

اختلف أهل التأويـل فـي تأويـل قوله: {إنْ تَكْفُرُوا فإنَّ اللّهَ غَنـيٌّ عَنْكُمْ وَلا يَرْضَى لعِبـادِهِ الكُفْرَ} فقال بعضهم: ذلك لـخاص من الناس، ومعناه: إن تكفروا أيها الـمشركون بـالله، فإن الله غنـي عنكم، ولا يرضى لعبـاده الـمؤمنـين الذين أخـلصهم لعبـادته وطاعته الكفر. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي علـي قال: ثنا أبو صالـح، قال: ثنـي معاوية، عن علـي، عن ابن عبـاس، قوله: {إنْ تَكْفُرُوا فإنَّ اللّهَ غَنِـيٌ عَنْكُمْ وَلا يَرْضَى لِعِبـادِهِ الكُفْرَ} يعنـي الكفـار الذين لـم يرد الله أن يطهر قلوبهم، فـيقولوا: لا إله إلا الله، ثم قال: {وَلا يَرْضَى لِعِبـادِهِ الكُفْرَ} وهم عبـاده الـمخـلصون الذين قال فـيهم:

{ إنَّ عِبـادِي لَـيْسَ لَكَ عَلَـيْهمْ سُلْطانٌ }فألزمهم شهادة أن لا إله إلا الله وحَبَّبها إلـيهم.

حدثنا مـحمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسبـاط، عن السدي {وَلا يَرْضَى لِعِبـادِهِ الكُفْرَ} قال: لا يرضى لعبـاده الـمؤمنـين أن يكفروا.

وقال آخرون: بل ذلك عام لـجميع الناس، ومعناه: أيها الناس إن تكفروا، فإن الله غنـي عنكم، ولا يرضى لكم أن تكفروا به.

والصواب من القول فـي ذلك ما قال الله جلّ وعزّ: إن تكفروا بـالله أيها الكفـار به، فإن غنـيّ عن إيـمانكم وعبـادتكم إياه، ولا يرضى لعبـاده الكفر، بـمعنى: ولا يرضى لعبـاده أن يكفروا به، كما يقال: لست أحب الظلـم، وإن أحببت أن يظلـم فلان فلاناً فـيعاقب.

وقوله: {وَإنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ} يقول: وإن تؤمنوا بربكم وتطيعوه يرض شكركم له، وذلك هو إيـمانهم به وطاعتهم إياه، فكنى عن الشكر ولـم يُذْكر، وإنـما ذكر الفعل الدالّ علـيه، وذلك نظير قوله:

{ الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النَّاسُ إنَّ النَّاسُ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فـاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُم إِيـماناً }بـمعنى: فزادهم قول الناس لهم ذلك إيـماناً. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا مـحمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ {وَإنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ} قال: إن تطيعوا يرضه لكم.

وقوله: {وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} يقول: لا تأثم آثمة إثم آثمة أخرى غيرها، ولا تؤاخذ إلا بإثم نفسها، يُعْلِـم عزّ وجلّ عبـاده أن علـى كلّ نفس ما جنت، وأنها لا تؤاخذ بذنب غيرها. ذكر من قال ذلك:

حدثنا مـحمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ {وَلا تَزرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} قال: لا يؤخذ أحد بذنب أحد.

وقوله: {ثُمَّ إلـى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَـيُنَبِّئُكُمْ بِـمَا كُنْتُـمْ تَعْمَلُونَ} يقول تعالـى ذكره: ثم بعد اجتراحكم فـي الدنـيا ما اجترحتـم من صالـح وسيىء، وإيـمان وكفر أيها الناس، إلـى ربكم مصيركم من بعد وفـاتكم، {فـينبئكم} يقول: فـيخبركم بـما كنتـم فـي الدنـيا تعملونه من خير وشرّ، فـيجازيكم علـى كلّ ذلك جزاءكم، الـمـحسن منكم بإحسانه، والـمسيء بـما يستـحقه يقول عزّ وجلّ لعبـاده: فـاتقوا أن تلقوا ربكم وقد عملتـم فـي الدنـيا بـما لا يرضاه منكم تهلكوا، فإنه لا يخفـى علـيه عمل عامل منكم.

وقوله: {إنَّهُ عَلِـيـمٌ بذاتِ الصُّدُورِ} يقول تعالـى ذكره: إن الله لا يخفـى علـيه ما أضمرته صدوركم أيها الناس مـما لا تُدركه أعينكم، فكيف بـما أدركته العيون ورأته الأبصار. وإنـما يعنـي جلّ وعزّ بذلك الـخبر عن أنه لا يخفـى علـيه شيء، وأنه مُـحصٍ علـى عبـاده أعمالهم، لـيجازيهم بها كي يتقوه فـي سرّ أمورهم وعلانـيتها.

وَإِذَا مَسَّ ٱلْإِنسَٰنَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُۥ مُنِيبًا إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُۥ نِعْمَةً مِّنْهُ نَسِىَ مَا كَانَ يَدْعُوٓا۟ إِلَيْهِ مِن قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَندَادًا لِّيُضِلَّ عَن سَبِيلِهِۦ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا إِنَّكَ مِنْ أَصْحَٰبِ ٱلنَّارِ ۝٨

يقول تعالـى ذكره: وإذا مسّ الإنسان بلاء فـي جسده من مرض، أو عاهة، أو شدّة فـي معيشته، وجهد وضيق {دَعا رَبَّهُ} يقول: استغاث بربه الذي خـلقه من شدّة ذلك، ورغب إلـيه في كشف ما نزل به من شدّة ذلك. وقوله: {مُنِـيبـاً إلَـيْهِ} يقول: تائبـاً إلـيه مـما كان من قبل ذلك علـيه من الكفر به، وإشراك الآلهة والأوثان به فـي عبـادته، راجعاً إلـى طاعته. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {وَإذَا مَسَّ الإنْسانَ ضُرٌّ} قال: الوجع والبلاء والشدّة {دَعا رَبَّهُ مُنِيباً إلَيْهِ} قال: مستغيثاً به.

وقوله: {ثُمَّ إذَا خَوَّلَهُ نَعْمَةً مِنْهُ} يقول تعالى ذكره: ثم إذا منحه ربه نعمة منه، يعني عافية، فكشف عنه ضرّه، وأبدله بـالسقم صحة، وبالشدة رخاء. والعرب تقول لكلّ من أعطى غيره من مال أو غيره: قد خوّله ومنه قول أبي النجْم العِجْلِيّ:

أعْطَى فَلْم يَبْخَلْ ولَمْ يُبَخَّلِكُومَ الذُّرَا مِنْ خَوَلِ المُخَوَّلِ

وحدثت عن أبـي عُبـيدة معمر بن الـمثنى أنه قال: سمعت أبـا عمرو يقول فـي بـيت زُهَيْر:

هُنالِكَ إنْ يُسْتَـخْوَلُوا الـمَالَ يُخْوِلواوإنْ يُسْأَلُوا يُعْطوا وَإنْ يَـيْسِرُوا يُغْلوا

قال معمر: قال يونس: إنـما سمعناه:

هُنالكَ إنْ يُسْتَـخْبَلُوا الـمَالَ يُخْبِلوا

قال: وهي بـمعناها. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا مـحمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ {ثُمَّ إذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ}: إذا أصابته عافـية أو خير.

وقوله: {نَسِيَ ما كانَ يَدْعُو إلَـيْهِ مِنْ قَبْلُ} يقول: ترك دعاءه الذي كان يدعو إلـى الله من قبل أن يكشف ما كان به من ضرّ {وَجَعَلِ لِلّهِ أنْدَاداً} يعنـي: شركاء. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا مـحمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ {نَسِيَ} يقول: ترك، هذا فـي الكافر خاصة.

ولـ«ما» التـي فـي قوله: {نَسِيَ ما كانَ} وجهان: أحدهما: أن يكون بـمعنى الذي، ويكون معنى الكلام حينئذٍ: ترك الذي كان يدعوه فـي حال الضرّ الذي كان به، يعنـي به الله تعالـى ذكره، فتكون «ما» موضوعة عند ذلك موضع «مَنْ» كما قـيـل:

{ وَلا أنْتُـمْ عابِدُونَ ما أعْبُدُ }يعنـي به الله، وكما قـيـل: { فـانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ }}. والثانـي: أن يكون بـمعنى الـمصدر علـى ما ذكرت. وإذا كانت بـمعنى الـمصدر، كان فـي الهاء التـي فـي قوله: {إلَـيْهِ} وجهان: أحدهما: أن يكون من ذكر ما. والآخر: من ذكر الربّ.

وقوله: {وَجَعَلَ لِلّهِ أنْدَاداً} يقول: وجعل لله أمثالاً وأشبـاها.

ثم اختلف أهل التأويـل فـي الـمعنى الذي جعلوها فـيه له أنداداً، قال بعضهم: جعلوها له أنداداً فـي طاعتهم إياه فـي معاصي الله. ذكر من قال ذلك:

حدثنا مـحمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ {وَجَعَلَ لِلّهِ أنْدَاداً} قال: الأنداد من الرجال: يطيعونهم فـي معاصي الله.

وقال آخرون: عنى بذلك أنه عبد الأوثان، فجعلها لله أنداداً فـي عبـادتهم إياها.

وأولـى القولـين فـي ذلك بـالصواب قول من قال: عَنَى به أنه أطاع الشيطان فـي عبـادة الأوثان، فجعل له الأوثان أنداداً، لأن ذلك فـي سياق عتاب الله إياهم له علـى عبـادتها.

وقوله: {لِـيُضِلَّ عَنْ سَبِـيـلِهِ} يقول: لـيزيـل من أراد أن يوحد الله ويؤمن به عن توحيده، والإقرار به، والدخول فـي الإسلام. وقوله: {قُلْ تَـمَتَّعْ بكُفْرِكَ قَلِـيلاً} يقول تعالـى ذكره لنبـيه مـحمد صلى الله عليه وسلم: قل يا مـحمد لفـاعل ذلك: تـمتع بكفرك بـالله قلـيلاً إلـى أن تستوفَـي أجلك، فتأتـيك منـيتك {إنَّكَ مِنْ أصحَابِ النَّارِ}: أي إنك من أهل النار الـماكثـين فـيها.

وقوله: {تَـمَتَّعْ بِكُفْرِكَ}: وعيد من الله وتهدُّدٌ.

أَمَّنْ هُوَ قَٰنِتٌ ءَانَآءَ ٱلَّيْلِ سَاجِدًا وَقَآئِمًا يَحْذَرُ ٱلْـَٔاخِرَةَ وَيَرْجُوا۟ رَحْمَةَ رَبِّهِۦ قُلْ هَلْ يَسْتَوِى ٱلَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَٱلَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُو۟لُوا۟ ٱلْأَلْبَٰبِ ۝٩

اختلفت القرّاء فـي قراءة قوله: {أمَّنْ} فقرأ ذلك بعض الـمكيـين وبعض الـمدنـيـين وعامة الكوفـيـين: «أمَنْ» بتـخفـيف الـميـم ولقراءتهم ذلك كذلك وجهان: أحدهما أن يكون الألف فـي «أمَّن» بـمعنى الدعاء، يراد بها: يا من هو قانت آناء اللـيـل، والعرب تنادي بـالألف كما تنادي بـيا، فتقول: أزيد أقبِلْ، ويا زيد أَقبِلْ ومنه قول أوس بن حجر:

أَبَنِـي لُبَـيْنَى لَسْتُـمُ بِـيَدٍإلاَّ يَدٌ لَـيْسَتْ لَهَا عَضُدُ

وإذا وجهت الألف إلـى النداء كان معنى الكلام: قل تـمتع أيها الكافر بكفرك قلـيلاً، إنك من أصحاب النار، ويا من هو قانت آناء اللـيـل ساجداً وقائماً إنك من أهل الـجنة، ويكون فـي النار عمى للفريق الكافر عند الله من الـجزاء فـي الآخرة، الكفـاية عن بـيان ما للفريق الـمؤمن، إذ كان معلوماً اختلاف أحوالهما فـي الدنـيا، ومعقولاً أن أحدهما إذا كان من أصحاب النار لكفره بربه أن الآخر من أصحاب الـجنة، فحذف الـخبر عما له، اكتفـاء بفهم السامع الـمراد منه من ذكره، إذ كان قد دلّ علـى الـمـحذوف بـالـمذكور. والثانـي: أن تكون الألف التـي فـي قوله: «أمَنْ» ألف استفهام، فـيكون معنى الكلام: أهذا كالذي جعل لله أنداداً لـيضلّ عن سبـيـله، ثم اكتفـى بـما قد سبق من خبر الله عن فريق الكفر به من أعدائه، إذ كان مفهوماً الـمراد بـالكلام، كما قال الشاعر:

فَأُقْسِمُ لَوْ شَيْءٌ أتانا رَسُولُهُسِوَاكَ وَلَكِنْ لَـمْ نَـجِدْ لَكَ مَدْفَعا

فحذف لدفعناه وهو مراد فـي الكلام إذ كان مفهوماً عند السامع مراده. وقرأ ذلك بعض قرّاء الـمدينة والبصرة وبعض أهل الكوفة: {أمَّنْ} بتشديد الـميـم، بـمعنى: أم من هو؟ ويقولون: إنـما هي {أمَّنْ} استفهام اعترض فـي الكلام بعد كلام قد مضى، فجاء بأم فعلـى هذا التأويـل يجب أن يكون جواب الاستفهام متروكاً من أجل أنه قد جرى الـخبر عن فريق الكفر، وما أعدّ له فـي الآخرة، ثم أتبع الـخبر عن فريق الإيـمان، فعلـم بذلك الـمراد، فـاستغنـي بـمعرفة السامع بـمعناه من ذكره، إذ كان معقولاً أن معناه: هذا أفضل أم هذا؟.

والقول فـي ذلك عندنا أنهما قراءتان قرأ بكل واحدة علـماء من القرّاء مع صحة كلّ واحدة منهما فـي التأويـل والإعراب، فبأيتهما قرأ القارىء فمصيب.

وقد ذكرنا اختلاف الـمختلفـين، والصواب من القول عندنا فـيـما مضى قبل فـي معنى القانت، بـما أغنى عن إعادته فـي هذا الـموضع غير أنا نذكر بعض أقوال أهل التأويـل فـي ذلك فـي هذا الـموضع، لـيعلـم الناظر فـي الكتاب اتفـاق معنى ذلك فـي هذا الـموضع وغيره، فكان بعضهم يقول: هو فـي هذا الـموضع قراءة القارىء قائماً فـي الصلاة. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن الـمثنى، قال: ثنا يحيى، عن عبـيد الله، أنه قال: أخبرنـي نافع، عن ابن عمر، أنه كان إذا سُئل عن القنوت، قال: لا أعلـم القنوت إلا قراءة القرآن وطول القـيام، وقرأ: {أمَّنْ هُوَ قانِتٌ آناءَ اللَّـيْـلِ ساجِداً وقائماً}.

وقال آخرون: هو الطاعة. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس، قوله: {أَمَّنْ هُوْ قانِتٌ} يعنـي بـالقنوت: الطاعة، وذلك أنه قال:

{ ثُمَّ إذَا دَعاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الأرْضِ إذَا أنْتُـمْ تَـخْرُجُونَ }}... إلـى { كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ }قال: مطيعون.

حدثنا مـحمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ، فـي قوله: {أَمَّنْ هُو قانِتٌ آناءَ اللَّـيْـلِ ساجِداً وَقائماً} قال: القانت: الـمطيع.

وقوله: {آناءَ اللَّـيْـلِ} يعنـي: ساعات اللـيـل، كما:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {أَمَّنْ هُوَ قانتٌ آناءَ اللَّـيْـلِ} أوّله، وأوسطه، وآخره.

حدثنا مـحمد بن الـحسين، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ {آناءَ اللَّـيْـلِ} قال: ساعات اللـيـل.

وقد مضى بـياننا عن معنى الآناء بشواهده، وحكاية أقوال أهل التأويـل فـيها بـما أغنى عن إعادته فـي هذا الـموضع.

وقوله: {ساجِداً وَقائماً} يقول: يقنت ساجداً أحياناً، وأحياناً قائماً، يعنـي: يطيع والقنوت عندنا الطاعة، ولذلك نصب قوله: {ساجِداً وَقائماً} لأن معناه: أمَّن هو يقنت آناء اللـيـل ساجدا طوراً، وقائماً طوراً، فهما حال من قانت. وقوله: {يَحْذَرُ الآخِرَةَ} يقول: يحذر عذابَ الآخرة، كما:

حدثنا علـيّ بن الـحسن الأزديّ. قال: ثنا يحيى بن الـيـمان، عن أشعث، عن جعفر، عن سعيد بن جُبَـير، عن ابن عبـاس، فـي قوله: {يَحْذَرُ الآخِرَةَ} قال: يحذر عقاب الآخرة، ويرجو رحمة ربه، يقول: ويرجو أن يرحمه الله فـيدخـله الـجنة.

وقوله: {قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَـمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَـمُونَ} يقول تعالـى ذكره: قل يا مـحمد لقومك: هل يستوي الذين يعلـمون ما لهم فـي طاعتهم لربهم من الثواب، وما علـيهم فـي معصيتهم إياه من التبعات، والذين لا يعلـمون ذلك، فهم يخبطون فـي عشواء، لا يجرجون بحسن أعمالهم خيراً، ولا يخافون بسيِّئها شراً؟ يقول: ما هذان بـمتساويـين. وقد رُوي عن أبـي جعفر مـحمد بن علـي فـي ذلك ما:

حدثنـي مـحمد بن خـلف، قال: ثنـي نصر بن مزاحم، قال: ثنا سفـيان الـجريري، عن سعيد بن أبـي مـجاهد، عن جابر، عن أبـي جعفر، رضوان الله علـيه {هَلْ يَسْتَوي الَّذِينَ يَعْلَـمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَـمُونَ} قال: نـحن الذين يعلـمون، وعدوُّنا الذين لا يعلـمون.

وقوله: {إنَّـمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الألْبـابِ} يقول تعالـى ذكره: إنـما يعتبر حجج الله، فـيتعظ، ويتفكر فـيها، ويتدبرها أهلُ العقول والـحجى، لا أهل الـجهل والنقص فـي العقول.

قُلْ يَٰعِبَادِ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ رَبَّكُمْ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا۟ فِى هَٰذِهِ ٱلدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَأَرْضُ ٱللَّهِ وَٰسِعَةٌ إِنَّمَا يُوَفَّى ٱلصَّٰبِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ ۝١٠

يقول تعالـى ذكره لنبـيه مـحمد صلى الله عليه وسلم: {قُلْ} يا مـحمد لعبـادي الذين آمنوا: {يا عِبـادِ الَّذِينَ آمَنُوا} بـالله، وصدقوا رسوله {اتَّقُوا رَبَّكُمْ} بطاعته واجتناب معاصيه {لِلَّذِينَ أحْسَنُوا فِـي هَذِهِ الدُّنـيْا حَسَنَةٌ}.

ثم اختلف أهل التأويـل فـي تأويـل ذلك، فقال بعضهم: معناه: للذين أطاعوا الله حسنة فـي هذه الدنـيا وقال «فـي» من صلة حسنة، وجعل معنى الـحسنة: الصحة والعافـية. ذكر من قال ذلك:

حدثنا مـحمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ {لِلَّذِينَ أحْسَنُوا فِـي هَذِهِ الدُّنـيْا حَسَنَةٌ} قال: العافـية والصحة.

وقال آخرون «فـي» من صلة أحسنوا، ومعنى الـحسنة: الـجنة.

وقوله: {وأرْضُ اللّهُ وَاسِعَةٌ} يقول تعالـى ذكره: وأرض الله فسيحة واسعة، فهاجروا من أرض الشرك إلـى دار الإسلام، كما:

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء جميعاً عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، قوله: {وأرْضُ اللّهِ وَاسعَةٌ} فهاجروا واعتزلوا الأوثان.

وقوله: {إنَّـمَا يُوَفَّـى الصَّابُرُونَ أجْرَهُمْ بغَيرِ حسابٍ} يقول تعالـى ذكره: إنـما يعطي الله أهل الصبر علـى ما لقوا فـيه فـي الدنـيا أجرهم فـي الآخرة بغير حساب يقول: ثوابهم بغير حساب. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {إنَّـما يُوَفَّـى الصَّابرُونَ أجْرَهُمْ بغَيْرِ حسابٍ} لا والله ما هنا كُم مِكيال ولا ميزان.

حدثنا مـحمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ {إنَّـما يُوَفَّـى الصَّابرُونَ أجْرَهُمْ بَغْيرِ حسابٍ} قال: فـي الـجنة.

قُلْ إِنِّىٓ أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ ٱللَّهَ مُخْلِصًا لَّهُ ٱلدِّينَ ۝١١ وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ ٱلْمُسْلِمِينَ ۝١٢ قُلْ إِنِّىٓ أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّى عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ۝١٣

يقول تعالـى ذكره لنبـيه مـحمد صلى الله عليه وسلم: قل يا مـحمد لـمشركي قومك: إن الله أمرنـي أن أعبده مُفْرِداً له الطاعة، دون كلّ ما تدعون من دونه من الآلهة والأنداد {وأُمِرْتُ لإِنْ أكُونَ أوَّلَ الـمُسْلَـمِينَ}: يقول: وأمرنـي ربـي جلّ ثناؤه بذلك، لأن أكون بفعل ذلك أوّل من أسلـم منكم، فخضع له بـالتوحيد، وأخـلص له العبـادة، وبرىء من كلّ ما دونه من الآلهة. وقوله تعالـى: {قُلْ إنّـي أخافُ إنْ عَصَيْتُ رَبِّـي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيـمٍ}: يقول تعالـى ذكره: قال يا مـحمد لهم إنـي أخاف إن عصيت ربـي فـيـما أمرنـي به من عبـادته، مخـلصاً له الطاعة، ومفرده بـالربوبـية. {عذابَ يومٍ عَظِيـمٍ}: يعنـي عذاب يوم القـيامة، ذلك هو الـيوم الذي يعظم هو له.

قُلِ ٱللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَّهُۥ دِينِى ۝١٤ فَٱعْبُدُوا۟ مَا شِئْتُم مِّن دُونِهِۦ قُلْ إِنَّ ٱلْخَٰسِرِينَ ٱلَّذِينَ خَسِرُوٓا۟ أَنفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ ٱلْقِيَٰمَةِ أَلَا ذَٰلِكَ هُوَ ٱلْخُسْرَانُ ٱلْمُبِينُ ۝١٥

يقول تعالـى ذكره لنبـيه مـحمد صلى الله عليه وسلم: قل يا مـحمد لـمشركي قومك: الله أعبد مخـلصاً، مفرداً له طاعتـي وعبـادتـي، لا أجعل له فـي ذلك شريكاً، ولكنـي أُفرده بـالألوهة، وأبرأ مـما سواه من الأنداد والآلهة، فـاعبدوا أنتـم أيها القوم ما شئتـم من الأوثان والأصنام، وغير ذلك مـما تعبدون من سائر خـلقه، فستعلـمون وبـال عاقبة عبـادتكم ذلك إذا لقـيتـم ربكم.

وقوله: {قُلْ إنَّ الـخاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهُمْ} يقول تعالـى ذكره: قل يا مـحمد لهم: إن الهالكين الذين غَبَنوا أنفسهم، وهلكت بعذاب الله أهلوهم مع أنفسهم، فلـم يكن لهم إذ دخـلوا النار فـيها أهل، وقد كان لهم فـي الدنـيا أهلون. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي علـيّ، قال: ثنا أبو صالـح، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس، قوله: {قُلْ إنَّ الـخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهُمْ وأهْلِـيهِمْ يَوْمَ القِـيامَةِ} قال: هم الكفـار الذين خـلقهم الله للنار، وخـلق النار لهم، فزالت عنهم الدنـيا، وحرّمت علـيهم الـجنة، قال الله: {خَسرَ الدُّنْـيَا وَالآخِرَةَ}.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله: {قُلْ إنَّ الـخاسِرينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهُمْ وأهْلِـيهِمْ يَوْمَ القِـيامَةِ} قال: هؤلاء أهل النار، خسروا أنفسهم فـي الدنـيا، وخسروا الأهلـين، فلـم يجدوا فـي النار أهلاً، وقد كان لهم فـي الدنـيا أهل.

حُدثت عن ابن أبـي زائدة، عن ابن جُرَيج، عن مـجاهد، قال: غبنوا أنفسهم وأهلـيهم، قال: يخسرون أهلـيهم، فلا يكون لهم أهل يرجعون إلـيهم، ويخسرون أنفسم، فـيهلكون فـي النار، فـيـموتون وهم أحياء فـيخسرونهما.

وقوله: {ألا ذلكَ هُو الـخُسْرانُ الـمُبِـينُ} يقول تعالـى ذكره: ألا إن خسران هؤلاء الـمشركين أنفسهم وأهلـيهم يوم القـيامة، وذلك هلاكها هو الـخسران الـمبـين، يقول تعالـى ذكره: هو الهلاك الذي يبـين لـمن عاينه وعلـمه أنه الـخسران.

لَهُم مِّن فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِّنَ ٱلنَّارِ وَمِن تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ ذَٰلِكَ يُخَوِّفُ ٱللَّهُ بِهِۦ عِبَادَهُۥ يَٰعِبَادِ فَٱتَّقُونِ ۝١٦ وَٱلَّذِينَ ٱجْتَنَبُوا۟ ٱلطَّٰغُوتَ أَن يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوٓا۟ إِلَى ٱللَّهِ لَهُمُ ٱلْبُشْرَىٰ فَبَشِّرْ عِبَادِ ۝١٧ ٱلَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ ٱلْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُۥٓ أُو۟لَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ هَدَىٰهُمُ ٱللَّهُ وَأُو۟لَٰٓئِكَ هُمْ أُو۟لُوا۟ ٱلْأَلْبَٰبِ ۝١٨

يقول تعالـى ذكره لهؤلاء الـخاسرين يوم القامة فـي جهنـم: {مِنْ فَوقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّار} وذلك كهيئة الظلل الـمبنـية من النار {وَمِنْ تَـحْتهمْ ظُلَلٌ} يقول: ومن تـحتهم من النار ما يعلوهم، حتـى يصير ما يعلوهم منها من تـحتهم ظللاً، وذلك نظير قوله جلّ ثناؤه لَهُمْ:

{ مِنْ جَهَنَـمَ مِهادٌ وَمِنْ فَوْقهِمْ غَواشٍ }يغشاهم مـما تـحتهم فـيها من الـمهاد.

وقوله: {ذلكَ يخَوِّفُ اللّهُ بِهِ عبـادَهُ يا عبـادِ فـاتَّقُونِ} يقول تعالـى ذكره: هذا الذي أخبرتكم أيها الناس به، مـما للـخاسرين يوم القـيامة من العذاب، تـخويف من ربكم لكم، يخوّفكم به لتـحذروه، فتـجتنبوا معاصيه، وتنـيبوا من كفركم إلـى الإيـمان به، وتصديق رسوله، واتبـاع أمره ونهيه، فتنـجوا من عذابه فـي الآخرة {فـاتَّقُونِ} يقول: فـاتقونـي بأداء فرائضي علـيكم، واجتناب معاصيَّ، لتنـجوا من عذابـي وسخطي.

وقوله: {وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ}: أي اجتنبوا عبـادة كلّ ما عُبد من دون الله من شيء. وقد بـيَّنا معنى الطاغوت فـيـما مضى قبل بشواهد ذلك، وذكرنا اختلاف أهل التأويـل فـيه بـما أغنى عن إعادته فـي هذا الـموضع، وذكرنا أنه فـي هذا الـموضع: الشيطان، وهو فـي هذا الـموضع وغيره بـمعنى واحد عندنا. ذكر من قال ما ذكرنا فـي هذا الـموضع:

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعاً عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، قوله: {وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ} قال: الشيطان.

حدثنا مـحمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ {وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أنْ يَعْبُدُوها} قال: الشيطان.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله: {وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أنْ يَعْبُدُوها} قال: الشيطان هو هاهنا واحد وهي جماعة.

والطاغوت علـى قول ابن زيد هذا واحد مؤنث، ولذلك قـيـل: أن يعبدوها. وقـيـل: إنـما أُنثث لأنها فـي معنى جماعة.

وقوله: {وأنابُوا إلـى اللّهِ} يقول: وتابوا إلـى الله ورجعوا إلـى الإقرار بتوحيده، والعمل بطاعته، والبراءة مـما سواه من الآلهة والأَنداد. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {وأنابُوا إلـى اللّهِ}: وأقبلوا إلـى الله.

حدثنا مـحمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ، قوله: {وأنابُوا إلـى اللّهِ} قال: أجابوا إلـيه.

وقوله: {لَهُمُ البُشْرَى} يقول: لهم البشرى فـي الدنـيا بـالـجنة فـي الآخرة{فَبَشِّرْ عِبـادِ الَّذِينَ يَسْتَـمِعُونَ القَوْلَ} يقول جلّ ثناؤه لنبـيه مـحمد صلى الله عليه وسلم: فبشر يا مـحمد عبـادي الذين يستـمعون القول من القائلـين، فـيتبعون أرشده وأهداه، وأدله علـى توحيد الله، والعمل بطاعته، ويتركون ما سوى ذلك من القول الذي لا يدل علـى رشاد، ولا يهدي إلـى سداد. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {فَـيَتَّبِعُونَ أحْسَنَهُ} وأحسنه طاعة الله.

حدثنا مـحمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ، فـي قوله: {فَـيَتَّبِعُونَ أحْسَنَهُ} قال: أحسن ما يؤمرون به فـيعملون به.

وقوله: {أُولَئِكَ الَّذِينَ هَداهُمُ اللّهُ} يقول تعالـى ذكره: الذين يستـمعون القول فـيتبعون أحسنه، الذين هداهم الله، يقول: وفقهم الله للرشاد وإصابة الصواب، لا الذين يُعْرِضون عن سماع الـحقّ، ويعبدون ما لا يضرّ، ولا ينفع. وقوله: {أُولَئِكَ هُمْ أُولُوا الألْبـابِ} يعنـي: أولو العقول والـحجا.

وذُكر أن هذه الآية نزلت فـي رهط معروفـين وحَّدوا الله، وبرئوا من عبـادة كل ما دون الله قبل أن يُبعث نبـيّ الله، فأنزل الله هذه الآية علـى نبـيه يـمدحهم. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله: {وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أنْ يَعْبُدُوها...} الآيتـين، حدثنـي أبـي أن هاتـين الآيتـين نزلتا فـي ثلاثة نفر كانوا فـي الـجاهلـية يقولون: لا إله إلا الله: زيد بن عمرو، وأبـي ذرّ الغفـاري، وسلـمان الفـارسيّ، نزل فـيهم: {وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أنْ يَعْبُدُوها} فـي جاهلـيتهم {وأنابُوا إلـى اللّهِ لَهُمُ البُشْرَى فَبَشِّرْ عِبـادِ الَّذِينَ يَسْتَـمِعُونَ القَوْلَ فَـيَتَّبِعُونَ أحْسَنَهُ} لا إله إلا الله، أولئك الذين هداهم الله بغير كتاب ولا نبـيّ {وأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الألْبـابِ}.

الأربعاء، 21 أكتوبر 2026 10 جمادى الأولى 1448 هـ