بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ
تَنزِيلُ ٱلْكِتَٰبِ مِنَ ٱللَّهِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَكِيمِ ١ إِنَّآ أَنزَلْنَآ إِلَيْكَ ٱلْكِتَٰبَ بِٱلْحَقِّ فَٱعْبُدِ ٱللَّهَ مُخْلِصًا لَّهُ ٱلدِّينَ ٢ أَلَا لِلَّهِ ٱلدِّينُ ٱلْخَالِصُ وَٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُوا۟ مِن دُونِهِۦٓ أَوْلِيَآءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَىٰٓ إِنَّ ٱللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِى مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَهْدِى مَنْ هُوَ كَٰذِبٌ كَفَّارٌ ٣ لَّوْ أَرَادَ ٱللَّهُ أَن يَتَّخِذَ وَلَدًا لَّٱصْطَفَىٰ مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ سُبْحَٰنَهُۥ هُوَ ٱللَّهُ ٱلْوَٰحِدُ ٱلْقَهَّارُ ٤
يخبر تعالى أن تنزيل هذا الكتاب، وهو القرآن العظيم، من عنده تبارك وتعالى، فهو الحق الذي لا مرية فيه ولا شك؛ كما قال عز وجل:
{ وَإِنَّهُ لَتَنزِيلُ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ نَزَلَ بِهِ ٱلرُّوحُ ٱلأَمِينُ عَلَىٰ قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ ٱلْمُنْذِرِينَ بِلِسَانٍ عَرَبِىٍّ مُّبِينٍ }[الشعراء: 192 ــــ 195] وقال تبارك وتعالى: { وَإِنَّهُ لَكِتَـٰبٌ عَزِيزٌ لاَّ يَأْتِيهِ ٱلْبَـٰطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ }[فصلت:41 ــــ 42] وقال جل وعلا ها هنا: {تَنزِيلُ ٱلْكِتَـٰبِ مِنَ ٱللَّهِ ٱلْعَزِيزِ} أي: المنيع الجناب {الحكيم} أي: في أقواله وأفعاله، وشرعه وقدره، { إِنَّآ أَنزَلْنَآ إِلَيْكَ ٱلْكِتَـٰبَ بِٱلْحَقِّ فَٱعْبُدِ ٱللَّهَ مُخْلِصاً لَّهُ ٱلدِّينِ} أي: فاعبد الله وحده لا شريك له، وادع الخلق إلى ذلك، وأعلمهم أنه لا تصلح العبادة إلا له وحده، وأنه ليس له شريك ولا عديل ولا نديد، ولهذا قال تعالى: {أَلاَ لِلَّهِ ٱلدِّينُ ٱلْخَالِصُ} أي: لا يقبل من العمل إلا ما أخلص فيه العامل لله وحده لا شريك له.
وقال قتادة في قوله تبارك وتعالى: {أَلاَ لِلَّهِ ٱلدِّينُ ٱلْخَالِصُ}: شهادة أن لا إله إلا الله. ثم أخبر عز وجل عن عباد الأصنام من المشركين: أنهم يقولون: {مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَىۤ} أي: إنما يحملهم على عبادتهم لهم أنهم عمدوا إلى أصنام اتخذوها على صور الملائكة المقربين في زعمهم، فعبدوا تلك الصور؛ تنزيلاً لذلك منزلة عبادتهم الملائكة؛ ليشفعوا لهم عند الله تعالى في نصرهم ورزقهم وما ينوبهم من أمور الدنيا، فأما المعاد، فكانوا جاحدين له، كافرين به. قال قتادة والسدي ومالك عن زيد بن أسلم وابن زيد: {إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَىۤ} أي: ليشفعوا لنا ويقربونا عنده منزلة، ولهذا كانوا يقولون في تلبيتهم إذا حجوا في جاهليتهم: لبيك لا شريك لك، إلا شريكاً هو لك، تملكه وما ملك. وهذه الشبهة هي التي اعتمدها المشركون قديم الدهر وحديثه، وجاءتهم الرسل صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين بردّها، والنهي عنها، والدعوة إلى إفراد العبادة لله وحده لا شريك له، وأنّ هذا شيء اخترعه المشركون من عند أنفسهم، لم يأذن الله فيه، ولا رضي به، بل أبغضه ونهى عنه،
{ وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِى كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ وَٱجْتَنِبُواْ ٱلْطَّـٰغُوتَ }[النحل: 36] { وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلاَّ نُوحِىۤ إِلَيْهِ أَنَّهُ لاۤ إِلَـٰهَ إِلآ أَنَاْ فَٱعْبُدُونِ }[الأنبياء: 25] وأخبر أن الملائكة التي في السموات؛ من الملائكة المقربين وغيرهم، كلهم عبيد خاضعون لله، لا يشفعون عنده إلا بإذنه لمن ارتضى، وليسوا عنده كالأمراء عند ملوكهم يشفعون عندهم بغير إذنهم فيما أحبه الملوك وأبوه { فَلاَ تَضْرِبُواْ لِلَّهِ ٱلأَمْثَالَ } [النمل: 74] تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً.
وقوله عز وجل: {إِنَّ ٱللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ} أي: يوم القيامة {فِى مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ} أي: سيفصل بين الخلائق يوم معادهم، ويجزي كل عامل بعمله
{ وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَـٰئِكَةِ أَهَـٰؤُلاَءِ إِيَّاكُمْ كَانُواْ يَعْبُدُونَ قَالُواْ سُبْحَـٰنَكَ أَنتَ وَلِيُّنَا مِن دُونِهِمْ بَلْ كَانُواْ يَعْبُدُونَ ٱلْجِنَّ أَكْـثَرُهُم بِهِم مُّؤْمِنُونَ }[سبأ: 40 ــــ 41] وقوله عز وجل: {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِى مَنْ هُوَ كَـٰذِبٌ كَـفَّارٌ} أي: لا يرشد إلى الهداية من قصده الكذب والافتراء على الله تعالى، وقلبه كافر بآياته وحججه وبراهينه، ثم بين تعالى أنه لا ولد له كما يزعمه جهلة المشركين في الملائكة، والمعاندون من اليهود والنصارى في العزير وعيسى، فقال تبارك وتعالى: {لَّوْ أَرَادَ ٱللَّهُ أَن يَتَّخِذَ وَلَداً لاَّصْطَفَىٰ مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ} أي: لكان الأمر على خلاف ما يزعمون، وهذا شرط لا يلزم وقوعه ولا جوازه، بل هو محال، وإنما قصد تجهيلهم فيما ادعوه وزعموه؛ كما قال عز وجل: { لَوْ أَرَدْنَآ أَن نَّتَّخِذَ لَهْواً لاَّتَّخَذْنَـٰهُ مِن لَّدُنَّآ إِن كُنَّا فَـٰعِلِينَ }[الأنبياء: 17] { قُلْ إِن كَانَ لِلرَّحْمَـٰنِ وَلَدٌ فَأَنَاْ أَوَّلُ ٱلْعَـٰبِدِين }[الزخرف: 81] كل هذا من باب الشرط، ويجوز تعليق الشرط على المستحيل لمقصد المتكلم.
وقوله تعالى: {سُبْحَـٰنَهُ هُوَ ٱللَّهُ ٱلْوَٰحِدُ ٱلْقَهَّارُ} أي: تعالى وتنزه وتقدس عن أن يكون له ولد، فإنه الواحد الأحد الفرد الصمد، الذي كل شيء عبد لديه فقير إليه، وهو الغني عما سواه، الذي قد قهر الأشياء فدانت وذلت وخضعت، تبارك وتعالى عما يقول الظالمون والجاحدون علواً كبيراً.
خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ بِٱلْحَقِّ يُكَوِّرُ ٱلَّيْلَ عَلَى ٱلنَّهَارِ وَيُكَوِّرُ ٱلنَّهَارَ عَلَى ٱلَّيْلِ وَسَخَّرَ ٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِى لِأَجَلٍ مُّسَمًّى أَلَا هُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْغَفَّٰرُ ٥ خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَٰحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَأَنزَلَ لَكُم مِّنَ ٱلْأَنْعَٰمِ ثَمَٰنِيَةَ أَزْوَٰجٍ يَخْلُقُكُمْ فِى بُطُونِ أُمَّهَٰتِكُمْ خَلْقًا مِّنۢ بَعْدِ خَلْقٍ فِى ظُلُمَٰتٍ ثَلَٰثٍ ذَٰلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ ٱلْمُلْكُ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّىٰ تُصْرَفُونَ ٦
يخبر تعالى أنه الخالق لما في السموات والأرض وما بين ذلك من الأشياء، وبأنه مالك الملك، المتصرف فيه، يقلب ليله ونهاره {يُكَوِّرُ ٱلَّيْـلَ عَلَى ٱلنَّهَـارِ وَيُكَوِّرُ ٱلنَّـهَارَ عَلَى ٱلَّيْلِ} أي: سخرهما يجريان متعاقبين لا يفتران، كل منهما يطلب الآخر طلباً حثيثاً؛ كقوله تبارك وتعالى:
{ يُغْشِى ٱلَّيْلَ ٱلنَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا }[الأعراف: 54] هذا معنى ما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما ومجاهد وقتادة والسدي وغيرهم. وقوله عز وجل: {وَسَخَّرَ ٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِى لأَجَلٍ مُّسَمًّـى} أي: إلى مدة معلومة عند الله تعالى، ثم ينقضي يوم القيامة {أَلا هُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْغَفَّارُ} أي: مع عزته وعظمته وكبريائه هو غفار لمن عصاه، ثم تاب أو أناب إليه.
وقوله جلت عظمته: {خَلَقَكُمْ مِّن نَّفْسٍ وَٰحِدَةٍ} أي: خلقكم مع اختلاف أجناسكم وأصنافكم وألسنتكم وألوانكم من نفس واحدة، وهو آدم عليه الصلاة والسلام {ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا} وهي حواء عليها السلام؛ كقوله تعالى:
{ يَـٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُواْ رَبَّكُمُ ٱلَّذِى خَلَقَكُمْ مِّن نَّفْسٍ وَٰحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَآءً }[النساء: 1] وقوله تعالى: {وَأَنزَلَ لَكُمْ مِّنَ ٱلأَنْعَـٰمِ ثَمَـٰنِيَةَ أَزْوَٰجٍ} أي: خلق لكم من ظهور الأنعام ثمانية أزواج، وهي المذكورة في سورة الأنعام، ثمانية أزواج: من الضأن اثنين، ومن المعز اثنين، ومن الإبل اثنين، ومن البقر اثنين. وقوله عز وجل: {يَخْلُقُكُمْ فِى بُطُونِ أُمَّهَـٰتِكُـمْ} أي: قدركم في بطون أمهاتكم {خَلْقاً مِّن بَعْدِ خَلْقٍ} يكون أحدكم أولاً نطفة، ثم يكون علقة، ثم يكون مضغة، ثم يخلق فيكون لحماً وعظماً وعصباً وعروقاً، وينفخ فيه الروح فيصير خلقاً آخر، { فَتَبَارَكَ ٱللَّهُ أَحْسَنُ ٱلْخَـٰلِقِينَ }[المؤمنون: 14].
وقوله جل وعلا: {فِى ظُلُمَـٰتٍ ثَلَـٰثٍ} يعني: في ظلمة الرحم، وظلمة المشيمة التي هي كالغشاوة والوقاية على الولد، وظلمة البطن. كذا قال ابن عباس رضي الله عنهما ومجاهد وعكرمة وأبو مالك والضحاك وقتادة والسدي وابن زيد. وقوله جل جلاله: {ذٰلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُمْ} أي: هذا الذي خلق السموات والأرض وما بينهما، وخلقكم وخلق آباءكم، هو الرب، له الملك والتصرف في جميع ذلك {لآ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ} أي: الذي لا تنبغي العبادة إلا له وحده لا شريك له، {فَأَنَّىٰ تُصْرَفُونَ} أي: فكيف تعبدون معه غيره؟ أين يذهب بعقولكم؟
إِن تَكْفُرُوا۟ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَنِىٌّ عَنكُمْ وَلَا يَرْضَىٰ لِعِبَادِهِ ٱلْكُفْرَ وَإِن تَشْكُرُوا۟ يَرْضَهُ لَكُمْ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّكُم مَّرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ إِنَّهُۥ عَلِيمٌۢ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ ٧ وَإِذَا مَسَّ ٱلْإِنسَٰنَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُۥ مُنِيبًا إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُۥ نِعْمَةً مِّنْهُ نَسِىَ مَا كَانَ يَدْعُوٓا۟ إِلَيْهِ مِن قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَندَادًا لِّيُضِلَّ عَن سَبِيلِهِۦ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا إِنَّكَ مِنْ أَصْحَٰبِ ٱلنَّارِ ٨
يقول تبارك وتعالى مخبراً عن نفسه تبارك وتعالى: أنه الغني عما سواه من المخلوقات كما قال موسى عليه الصلاة والسلام:
{ إِن تَكْفُرُوۤاْ أَنتُمْ وَمَن فِى ٱلأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ ٱللَّهَ لَغَنِىٌّ حَمِيدٌ } [إبراهيم: 8] وفي صحيح مسلم:يا عبادي لو أن أولكم وآخركم، وإنسكم وجنكم، كانوا على أفجر قلب رجل منكم، ما نقص ذلك من ملكي شيئاً. وقوله تعالى: {وَلاَ يَرْضَىٰ لِعِبَادِهِ ٱلْكُفْرَ} أي: لا يحبه ولا يأمر به، {وَإِن تَشْكُرُواْ يَرْضَهُ لَكُمْ} أي: يحبه لكم، ويزدكم من فضله، {وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ} أي: لا تحمل نفس عن نفس شيئاً، بل كل مطالب بأمر نفسه، {ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّكُمْ مَّرْجِعُكُـمْ فَيُنَبِّئُكُـمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ} أي: فلا تخفى عليه خافية.
وقوله عز وجل: {وَإِذَا مَسَّ ٱلإِنسَـٰنَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيباً إِلَيْهِ} أي عند الحاجة يتضرع ويستغيث بالله وحده لا شريك له؛ كما قال تعالى:
{ وَإِذَا مَسَّكُمُ ٱلْضُّرُّ فِى ٱلْبَحْرِ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلاَ إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّـٰكُمْ إِلَى ٱلْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ ٱلإِنْسَـٰنُ كَفُورًا }[الإسراء: 67] ولهذا قال تبارك وتعالى: {ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِّنْهُ نَسِىَ مَا كَانَ يَدْعُوۤ إِلَيْهِ مِن قَبْلُ} أي: في حال الرفاهية ينسى ذلك الدعاء والتضرع؛ كما قال جل جلاله: { وَإِذَا مَسَّ ٱلإِنسَـٰنَ ٱلضُّرُّ دَعَانَا لِجَنبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَآئِمًا فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَن لَّمْ يَدْعُنَآ إِلَىٰ ضُرٍّ مَّسَّهُ }[يونس: 12].
وقوله تعالى: {وَجَعَلَ لِلَّهِ أَندَاداً لِّيُضِلَّ عَن سَبِيلِهِ} أي: في حال العافية يشرك بالله، ويجعل له أنداداً، {قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلاً إِنَّكَ مِنْ أَصْحَـٰبِ ٱلنَّارِ} أي: قل لمن هذه حالته وطريقته ومسلكه: تمتع بكفرك قليلاً. وهو تهديد شديد، ووعيد أكيد؛ كقوله تعالى:
{ قُلْ تَمَتَّعُواْ فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى ٱلنَّارِ }[إبراهيم: 30] وقوله تعالى: { نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلاً ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَىٰ عَذَابٍ غَلِيظٍ }[لقمان: 24].
أَمَّنْ هُوَ قَٰنِتٌ ءَانَآءَ ٱلَّيْلِ سَاجِدًا وَقَآئِمًا يَحْذَرُ ٱلْـَٔاخِرَةَ وَيَرْجُوا۟ رَحْمَةَ رَبِّهِۦ قُلْ هَلْ يَسْتَوِى ٱلَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَٱلَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُو۟لُوا۟ ٱلْأَلْبَٰبِ ٩
يقول عز وجل أمَّنْ هذه صفته، كمن أشرك بالله وجعل له أنداداً؟ لا يستوون عند الله؛ كما قال تعالى:
{ لَيْسُواْ سَوَآءً مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ أُمَّةٌ قَآئِمَةٌ يَتْلُونَ ءَايَـٰتِ ٱللَّهِ ءَانَآءَ ٱلَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ }[آل عمران: 113] وقال تبارك وتعالى ههنا: {أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ ءَانَآءَ ٱلَّيْلِ سَـٰجِداً وَقَآئِماً} أي: في حال سجوده، وفي حال قيامه. ولهذا استدل بهذه الآية من ذهب إلى أن القنوت هو الخشوع في الصلاة، وليس هو القيام وحده؛ كما ذهب إليه آخرون. وقال الثوري عن فراس عن الشعبي عن مسروق عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال: القانت: المطيع لله عز وجل ولرسوله صلى الله عليه وسلم وقال ابن عباس رضي الله عنهما والحسن والسدي وابن زيد: آناء الليل: جوف الليل. وقال الثوري عن منصور: بلغنا أن ذلك بين المغرب والعشاء، وقال الحسن وقتادة: آناء الليل: أوله وأوسطه وآخره. وقوله تعالى: {يَحْذَرُ ٱلأَخِرَةَ وَيَرْجُواْ رَحْمَةَ رَبِّهِ} أي: في حال عبادته خائف راج، ولا بد في العبادة من هذا وهذا، وأن يكون الخوف في مدة الحياة هو الغالب ولهذا قال تعالى: {يَحْذَرُ ٱلأَخِرَةَ وَيَرْجُواْ رَحْمَةَ رَبِّهِ} فإذا كان عند الاحتضار، فليكن الرجاء هو الغالب عليه؛ كما قال الإمام عبد بن حميد في مسنده: حدثنا يحيى بن عبد الحميد، حدثنا جعفر بن سليمان، حدثنا ثابت عن أنس رضي الله عنه قال: دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم على رجل وهو في الموت فقال له:كيف تجدك؟فقال: أرجو وأخاف، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلملا يجتمعان في قلب عبد في مثل هذا الموطن إلا أعطاه الله عز وجل الذي يرجو، وأمنه الذي يخافه. رواه الترمذي والنسائي في "اليوم والليلة"، وابن ماجه، من حديث سيار بن حاتم عن جعفر بن سليمان به، وقال الترمذي: غريب، وقد رواه بعضهم عن ثابت عن أنس عن النبي مرسلاً.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا عمر بن شبَّة عن عبيدة النميري، حدثنا أيو خلف بن عبد الله بن عيسى الخراز، حدثنا يحيى البكاء أنه سمع ابن عمر رضي الله عنهما يقرأ: {أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ ءَانَآءَ ٱلَّيْلِ سَـٰجِداً وَقَآئِماً يَحْذَرُ ٱلأَخِرَةَ وَيَرْجُواْ رَحْمَةَ رَبِّهِ} قال ابن عمر: ذاك عثمان بن عفان رضي الله عنه. وإنما قال ابن عمر رضي الله عنهما ذلك؛ لكثرة صلاة أمير المؤمنين عثمان رضي الله عنه بالليل وقراءته، حتى إنه ربما قرأ القرآن في ركعة؛ كما روى ذلك أبو عبيدة عنه رضي الله تعالى عنه، وقال الشاعر:
ضَحَّوْا بِأَشْمَطَ عُنْوانُ السُّجودِ بهِيُقَطِّعُ اللَّيْلَ تَسْبِيحاً وقُرْآنا
وقال الإمام أحمد: كتب إليّ الربيع بن نافع: حدثنا الهيثم بن حميد عن زيد بن واقد عن سليمان بن موسى عن كثير بن مرة عن تميم الداري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلممن قرأ بمئة آية في ليلة، كتب له قنوت ليلةوكذا رواه النسائي في اليوم والليلة عن إبراهيم بن يعقوب عن عبد الله بن يوسف والربيع بن نافع، كلاهما عن الهيثم بن حميد به. وقوله تعالى: {قُلْ هَلْ يَسْتَوِى ٱلَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَٱلَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ} أي: هل يستوي هذا والذي قبله ممن جعل لله أنداداً ليضل عن سبيله {إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُواْ ٱلأَلْبَـٰبِ} أي: إنما يعلم الفرق بين هذا وهذا من له لب، وهو العقل، والله أعلم.
قُلْ يَٰعِبَادِ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ رَبَّكُمْ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا۟ فِى هَٰذِهِ ٱلدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَأَرْضُ ٱللَّهِ وَٰسِعَةٌ إِنَّمَا يُوَفَّى ٱلصَّٰبِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ ١٠ قُلْ إِنِّىٓ أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ ٱللَّهَ مُخْلِصًا لَّهُ ٱلدِّينَ ١١ وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ ٱلْمُسْلِمِينَ ١٢
يقول تعالى آمراً عباده المؤمنين بالاستمرار على طاعته وتقواه {قُلْ يٰعِبَادِ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ رَبَّكُمْ لِلَّذِينَ أَحْسَنُواْ فِى هَـٰذِهِ ٱلدُّنْيَا حَسَنَةٌ} أي: لمن أحسن العمل في هذه الدنيا حسنة في دنياهم وأخراهم، وقوله: {وَأَرْضُ ٱللَّهِ وَاسِعَةٌ} قال مجاهد: فهاجروا فيها، وجاهدوا، واعتزلوا الأوثان، وقال شريك عن منصور عن عطاء في قوله تبارك وتعالى: {وَأَرْضُ ٱللَّهِ وَاسِعَةٌ} قال: إذا دعيتم إلى معصية، فاهربوا، ثم قرأ:
{ أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ ٱللَّهِ وَٰسِعَةً فَتُهَـٰجِرُواْ فِيهَا } [النساء:97] وقوله تعالى: {إِنَّمَا يُوَفَّى ٱلصَّـٰبِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ} قال الأوزاعي: ليس يوزن لهم، ولا يكال لهم، إنما يغرف لهم غرفاً، وقال ابن جريج: بلغني أنه لا يحسب عليهم ثواب عملهم قط، ولكن يزادون على ذلك، وقال السدي: {إِنَّمَا يُوَفَّى ٱلصَّـٰبِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ} يعني: في الجنة. وقوله: { قُلْ إِنِّىۤ أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ ٱللَّهَ مُخْلِصاً لَّهُ ٱلدِّينَ} أي: إنما أمرت بإخلاص العبادة لله وحده لا شريك له، { وَأُمِرْتُ لأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ ٱلْمُسْلِمِينَ} قال السدي: يعني: من أمته صلى الله عليه وسلم
قُلْ إِنِّىٓ أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّى عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ١٣ قُلِ ٱللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَّهُۥ دِينِى ١٤ فَٱعْبُدُوا۟ مَا شِئْتُم مِّن دُونِهِۦ قُلْ إِنَّ ٱلْخَٰسِرِينَ ٱلَّذِينَ خَسِرُوٓا۟ أَنفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ ٱلْقِيَٰمَةِ أَلَا ذَٰلِكَ هُوَ ٱلْخُسْرَانُ ٱلْمُبِينُ ١٥ لَهُم مِّن فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِّنَ ٱلنَّارِ وَمِن تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ ذَٰلِكَ يُخَوِّفُ ٱللَّهُ بِهِۦ عِبَادَهُۥ يَٰعِبَادِ فَٱتَّقُونِ ١٦
يقول تعالى: قل يا محمد وأنت رسول الله: {إِنِّىۤ أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّى عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ} وهو يوم القيامة، وهذا شرط معناه التعريض بغيره بطريق الأولى والأحرى { قُلِ ٱللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصاً لَّهُ دِينِى فَٱعْبُدُواْ مَا شِئْتُمْ مِّن دُونِهِ} وهذا أيضاً تهديد وتَبرأ منهم {قُلْ إِنَّ ٱلْخَـٰسِرِينَ} أي: إنما الخاسرون كل الخسران {ٱلَّذِينَ خَسِرُوۤاْ أَنفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ} أي: تفارقوا، فلا التقاء لهم أبداً، وسواء ذهب أهلوهم إلى الجنة، وقد ذهبوا هم إلى النار، أو أن الجميع أسكنوا النار، ولكن لا اجتماع لهم ولا سرور {أَلاَ ذَلِكَ هُوَ ٱلْخُسْرَانُ ٱلْمُبِينُ} أي: هذا هو الخسران المبين الظاهر الواضح. ثم وصف حالهم في النار فقال: {لَهُمْ مِّن فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِّنَ ٱلنَّارِ وَمِن تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ} كما قال عز وجل:
{ لَهُم مِّن جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِن فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ وَكَذَٰلِكَ نَجْزِى ٱلظَّـٰلِمِينَ }[الأعراف: 41].
وقال تعالى:
{ يَوْمَ يَغْشَـٰهُمُ ٱلْعَذَابُ مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ وَيِقُولُ ذُوقُواْ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ }[العنكبوت: 55] وقوله جل جلاله: {ذَٰلِكَ يُخَوِّفُ ٱللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ} أي: إنما يقص خبر هذا الكائن لا محالة؛ ليخوف به عباده؛ لينزجروا عن المحارم والمآثم. وقوله تعالى: {يٰعِبَادِ فَٱتَّقُونِ} أي: اخشوا بأسي وسطوتي وعذابي ونقمتي.
وَٱلَّذِينَ ٱجْتَنَبُوا۟ ٱلطَّٰغُوتَ أَن يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوٓا۟ إِلَى ٱللَّهِ لَهُمُ ٱلْبُشْرَىٰ فَبَشِّرْ عِبَادِ ١٧ ٱلَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ ٱلْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُۥٓ أُو۟لَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ هَدَىٰهُمُ ٱللَّهُ وَأُو۟لَٰٓئِكَ هُمْ أُو۟لُوا۟ ٱلْأَلْبَٰبِ ١٨
قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه {وَٱلَّذِينَ ٱجْتَنَبُواْ ٱلطَّـٰغُوتَ أَن يَعْبُدُوهَا} نزلت في زيد بن عمرو بن نفيل وأبي ذر وسلمان الفارسي رضي الله تعالى عنهم، والصحيح أنها شاملة لهم ولغيرهم ممن اجتنب عبادة الأوثان، وأناب إلى عبادة الرحمن، فهؤلاء هم الذين لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة. ثم قال عز وجل: { فَبَشِّرْ عِبَادِ ٱلَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ ٱلْقَوْلَ فَيَـتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ} أي: يفهمونه ويعملون بما فيه؛ كقوله تبارك وتعالى لموسى عليه الصلاة والسلام حين آتاه التوراة:
{ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُواْ بِأَحْسَنِهَا }[الأعراف: 145]. {أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ هَدَاهُمُ ٱللَّهُ} أي: المتصفون بهذه الصفة هم الذين هداهم الله في الدنيا والآخرة، {وَأُوْلَـٰئِكَ هُمْ أُوْلُو ٱلأَلْبَـٰبِ} أي: ذوو العقول الصحيحة، والفطر المستقيمة.
أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ ٱلْعَذَابِ أَفَأَنتَ تُنقِذُ مَن فِى ٱلنَّارِ ١٩ لَٰكِنِ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوْا۟ رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ مِّن فَوْقِهَا غُرَفٌ مَّبْنِيَّةٌ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَٰرُ وَعْدَ ٱللَّهِ لَا يُخْلِفُ ٱللَّهُ ٱلْمِيعَادَ ٢٠
يقول تعالى: أفمن كتب الله أنه شقي، تقدر تنقذه مما هو فيه من الضلال والهلاك؟ أي: لا يهديه أحد من بعد الله؛ لأنه من يضلل الله، فلا هادي له، ومن يهده، فلا مضل له. ثم أخبر عز وجل عن عباده السعداء: أن لهم غرفاً في الجنة، وهي القصور، أي: الشاهقة {مِّن فَوْقِهَا غُرَفٌ مَّبْنِيَّةٌ} طباق فوق طباق مبنيات محكمات مزخرفات عاليات. قال عبد الله ابن الإمام أحمد: حدثنا عباد بن يعقوب الأسدي، حدثنا محمد بن فضيل عن عبد الرحمن بن إسحاق عن النعمان بن سعد عن علي رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم
إن في الجنة لغرفاً يرى بطونها من ظهورها، وظهورها من بطونهافقال أعرابي: لمن هي يا رسول الله؟ قال صلى الله عليه وسلملمن أطاب الكلام، وأطعم الطعام، وصلى بالليل والناس نيامورواه الترمذي من حديث عبد الرحمن بن إسحاق، وقال: حسن غريب. وقد تكلم بعض أهل العلم فيه من قبل حفظه. وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر عن يحيى بن أبي كثير عن ابن معانق أو أبي معانق عن أبي مالك الأشعري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلمإن في الجنة لغرفاً يرى ظاهرها من باطنها، وباطنها من ظاهرها، أعدها الله تعالى لمن أطعم الطعام، وألان الكلام، وتابع الصيام، وصلى والناس نيامتفرد به أحمد من حديث عبد الله بن معانق الأشعري عن أبي مالك الأشعري رضي الله عنه به. وقال الإمام أحمد: حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا يعقوب بن عبد الرحمن عن أبي حازم عن سهل بن سعد رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:إن أهل الجنة ليتراءون الغرفة في الجنة كما تراءون الكوكب في أفق السماءقال: فحدثت بذلك النعمان بن أبي عياش، فقال: سمعت أبا سعيد الخدري رضي الله عنه يقول:كما تراءون الكوكب الذي في الأفق الشرقي أو الغربيأخرجاه في الصحيحين من حديث أبي حازم، وأخرجاه أيضاً في الصحيحين من حديث مالك عن صفوان بن سليم عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم وقال الإمام أحمد: حدثنا فزارة، أخبرني فليح عن هلال بن علي عن عطاء بن يسار عن أبي هريرة رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:إن أهل الجنة ليتراءون في الجنة أهل الغرف كما تراءون الكوكب الدري الغارب في الأفق الطالع؛ في تفاضل أهل الدرجاتفقالوا: يا رسول الله أولئك النبيون؟ فقال صلى الله عليه وسلمبلى والذي نفسي بيده أقوام آمنوا بالله، وصدقوا الرسلورراه الترمذي عن سويد عن ابن المبارك عن فليح به، وقال: حسن صحيح. وقال الإمام أحمد: حدثنا أبو النضر وأبو كامل قالا: حدثنا زهير، حدثنا سعد الطائي، حدثنا أبو المدله مولى أم المؤمنين رضي الله عنهما: أنه سمع أبا هريرة رضي الله عنه يقول: قلنا: يا رسول الله إنا إذا رأيناك، رقت قلوبنا، وكنا من أهل الآخرة، فإذا فارقناك، أعجبتنا الدنيا، وشممنا النساء والأولاد، قال صلى الله عليه وسلملو أنكم تكونون على كل حال على الحال التي أنتم عليها عندي، لصافحتكم الملائكة بأكفهم، ولزارتكم في بيوتكم، ولو لم تذنبوا، لجاء الله عز وجل بقوم يذنبون كي يغفر لهمقلنا: يا رسول الله حدثنا عن الجنة ما بناؤها؟ قال صلى الله عليه وسلملبنة ذهب، ولبنة فضة، وملاطها المسك الأذفر، وحصباؤها اللؤلؤ والياقوت، وترابها الزعفران، من يدخلها ينعم ولا يبأس، ويخلد ولا يموت، لا تبلى ثيابه، ولا يفنى شبابه، ثلاث لا ترد دعوتهم: الإمام العادل، والصائم حتى يفطر، ودعوة المظلوم؛ تحمل على الغمام، وتفتح لها أبواب السموات، ويقول الرب تبارك وتعالى: وعزتي لأنصرنك ولو بعد حينوروى الترمذي وابن ماجه بعضه من حديث سعد أبي مجاهد الطائي، وكان ثقة، عن أبي المدله، وكان ثقة، به. وقوله تعالى: {تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَـٰرُ} أي: تسلك الأنهار من خلال ذلك كما يشاؤون وأين أرادوا {وَعْدَ ٱللَّهِ} أي: هذا الذي ذكرناه وعد وَعَدَه الله عباده المؤمنين، {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُخْلِفُ ٱلْمِيعَادَ}.
أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ أَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَسَلَكَهُۥ يَنَٰبِيعَ فِى ٱلْأَرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِۦ زَرْعًا مُّخْتَلِفًا أَلْوَٰنُهُۥ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَىٰهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَجْعَلُهُۥ حُطَٰمًا إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَذِكْرَىٰ لِأُو۟لِى ٱلْأَلْبَٰبِ ٢١ أَفَمَن شَرَحَ ٱللَّهُ صَدْرَهُۥ لِلْإِسْلَٰمِ فَهُوَ عَلَىٰ نُورٍ مِّن رَّبِّهِۦ فَوَيْلٌ لِّلْقَٰسِيَةِ قُلُوبُهُم مِّن ذِكْرِ ٱللَّهِ أُو۟لَٰٓئِكَ فِى ضَلَٰلٍ مُّبِينٍ ٢٢
يخبر تعالى: أن أصل الماء في الأرض من السماء؛ كما قال عز وجل:
{ وَأَنزَلْنَا مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً طَهُوراً }[الفرقان: 48] فإذا أنزل الماء من السماء، كمن في الأرض، ثم يصرفه تعالى في أجزاء الأرض كما يشاء، وينبعه عيوناً ما بين صغار وكبار بحسب الحاجة إليها، ولهذا قال تبارك وتعالى: {فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِى ٱلأَرْضِ} قال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين، حدثنا عمرو بن علي، حدثنا أبو قتيبة عتبة بن اليقظان عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ أَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِى ٱلأَرْضِ} قال: ليس في الأرض ماء إلا نزل من السماء، ولكن عروق في الأرض تغيره، فذلك قوله تعالى: {فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِى ٱلأَرْضِ} فمن سره أن يعود الملح عذباً، فليصعده، وكذا قال سعيد بن جبير وعامر الشعبي: إن كل ماء في الأرض فأصله من السماء، وقال سعيد بن جبير: أصله من الثلج، يعني: أن الثلج يتراكم على الجبال، فيسكن في قرارها، فتنبع العيون من أسافلها. وقوله تعالى: {ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً مُّخْتَلِفاً أَلْوَانُهُ} أي: ثم يخرج بالماء النازل من السماء، والنابع من الأرض، زرعاً مختلفاً ألوانه، أي: أشكاله وطعومه وروائحه ومنافعه {ثُمَّ يَهِـيجُ} أي: بعد نضارته وشبابه يكتهل، فتراه مصفراً قد خالطه اليبس، {ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَـٰماً} أي: ثم يعود يابساً يتحطم، {إِنَّ فِى ذَلِكَ لَذِكْرَىٰ لأُوْلِى ٱلأَلْبَـٰبِ} أي: الذين يتذكرون بهذا، فيعتبرون إلى أن الدنيا هكذا، تكون خضرة نضرة حسناء، ثم تعود عجوزاً شوهاء، والشاب يعود شيخاً هرماً كبيراً ضعيفاً، وبعد ذلك كله الموت، فالسعيد من كان حاله بعده إلى خير، وكثيراً ما يضرب الله تعالى مثل الحياة الدنيا بما ينزل الله من السماء من ماء، وينبت به زرعاً وثماراً، ثم يكون بعد ذلك حطاماً؛ كما قال تعالى: { وَٱضْرِبْ لَهُم مَّثَلَ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا كَمَآءٍ أَنْزَلْنَـٰهُ مِنَ ٱلسَّمَاءِ فَٱخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ ٱلأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ ٱلرِّياحُ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ مُّقْتَدِرًا }[الكهف: 45] وقوله تبارك وتعالى: {أَفَمَن شَرَحَ ٱللَّهُ صَدْرَهُ لِلإِسْلَـٰمِ فَهُوَ عَلَىٰ نُورٍ مِّن رَّبِّهِ} أي: هل يستوي هذا ومن هو قاسي القلب، بعيد من الحق؟ كقوله عز وجل: { أَوَمَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَـٰهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِى ٱلنَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي ٱلظُّلُمَـٰتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا }[الأنعام: 122] ولهذا قال تعالى: {فَوَيْلٌ لِّلْقَـٰسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِّن ذِكْرِ ٱللَّهِ} أي: فلا تلين عند ذكره، ولا تخشع ولا تعي ولا تفهم {أُوْلَـٰئِكَ فِى ضَلَـٰلٍ مُّبِينٍ}.
ٱللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ ٱلْحَدِيثِ كِتَٰبًا مُّتَشَٰبِهًا مَّثَانِىَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ ٱلَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَىٰ ذِكْرِ ٱللَّهِ ذَٰلِكَ هُدَى ٱللَّهِ يَهْدِى بِهِۦ مَن يَشَآءُ وَمَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُۥ مِنْ هَادٍ ٢٣
هذا مدح من الله عز وجل لكتابه القرآن العظيم، المنزل على رسوله الكريم. قال الله تعالى: {ٱللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ ٱلْحَدِيثِ كِتَـٰباً مُّتَشَـٰبِهاً مَّثَانِيَ} قال مجاهد: يعني: القرآن كله متشابه مثاني، وقال قتادة: الآية تشبه الآية، والحرف يشبه الحرف. وقال الضحاك: مثاني: ترديد القول؛ ليفهموا عن ربهم تبارك وتعالى. وقال عكرمة والحسن: ثنى الله فيه القضاء. زاد الحسن: تكون السورة فيها آية، وفي السورة الأخرى آية تشبهها، وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: مثاني: مردد، ردد موسى في القرآن، وصالح وهود، والأنبياء عليهم الصلاة والسلام في أمكنة كثيرة. وقال سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما: مثاني، قال: القرآن يشبه بعضه بعضاً، ويرد بعضه على بعض، وقال بعض العلماء، ويروى عن سفيان بن عيينة: معنى قوله تعالى: {مُّتَشَـٰبِهاً مَّثَانِيَ} أنّ سياقات القرآن تارة تكون في معنى واحد، فهذا من المتشابه، وتارة تكون بذكر الشيء وضده؛ كذكر المؤمنين ثم الكافرين، وكصفة الجنة ثم صفة النار، وما أشبه هذا، فهذا من المثاني؛ كقوله تعالى:
{ إِنَّ ٱلأَبْرَارَ لَفِى نَعِيمٍ وَإِنَّ ٱلْفُجَّارَ لَفِى جَحِيمٍ }[الانفطار: 13 ــــ 14] وكقوله عز وجل: { كَلآ إِنَّ كِتَـٰبَ ٱلْفُجَّارِ لَفِى سِجِّينٍ }[المطففين: 7] ــــ إلى أن قال ــــ { كَلاَّ إِنَّ كِتَـٰبَ ٱلأَبْرَارِ لَفِى عِلِّيِّينَ }[المطففين: 18] {هَـٰذَا ذِكْرٌ وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَـئَابٍ} ــــ إلى أن قال ــــ {هَـٰذَا وَإِنَّ لِلطَّـٰغِينَ لَشَرَّ مَـئَابٍ} ونحو هذا من السياقات، فهذا كله من المثاني، أي: في معنيين اثنين. وأما إذا كان السياق كله في معنى واحد يشبه بعضه بعضاً، فهو المتشابه، وليس هذا من المتشابه المذكور في قوله تعالى: { مِنْهُ آيَـٰتٌ مُّحْكَمَـٰتٌ هُنَّ أُمُّ ٱلْكِتَـٰبِ وَأُخَرُ مُتَشَـٰبِهَـٰتٌ }[آل عمران: 7] ذاك معنى آخر. وقوله تعالى: {تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ ٱلَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَىٰ ذِكْرِ ٱللَّهِ} أي: هذه صفة الأبرار، عند سماع كلام الجبار، المهيمن العزيز الغفار؛ لما يفهمون منه من الوعد والوعيد، والتخويف والتهديد، تقشعر منه جلودهم من الخشية والخوف، {ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَىٰ ذِكْرِ ٱللَّهِ} لما يرجون ويؤملون من رحمته ولطفه، فهم مخالفون لغيرهم من الفجار من وجوه: (أحدها) أن سماع هؤلاء هو تلاوة الآيات، وسماع أولئك نغمات الأبيات من أصوات القينات (الثاني) أنهم إذا تليت عليهم آيات الرحمن، خروا سجداً وبكياً، بأدب وخشية ورجاء، ومحبة وفهم وعلم؛ كما قال تبارك وتعالى: { إِنَّمَا ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ ٱللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ ءَايَـٰتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَـٰناً وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ٱلَّذِينَ يُقِيمُونَ ٱلصَّلَوٰةَ وَمِمَّا رَزَقْنَـٰهُمْ يُنفِقُونَ أُوْلـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُؤْمِنُونَ حَقّاً لَّهُمْ دَرَجَـٰتٌ عِندَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ }[الأنفال: 2 ــــ 4] وقال تعالى: { وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُواْ بِـآيَـٰتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّواْ عَلَيْهَا صُمّاً وَعُمْيَاناً }[الفرقان:73] أي: لم يكونوا عند سماعها متشاغلين لاهين عنها، بل مصغين إليها، فاهمين بصيرين بمعانيها، فلهذا إنما يعملون بها ويسجدون عندها عن بصيرة، لا عن جهل ومتابعة لغيرهم.
(الثالث) أنهم يلزمون الأدب عند سماعها؛ كما كان الصحابة رضي الله عنهم عند سماعهم كلام الله تعالى من تلاوة رسول الله صلى الله عليه وسلم تقشعر جلودهم، ثم تلين مع قلوبهم إلى ذكر الله. ولم يكونوا يتصارخون، ولا يتكلفون بما ليس فيهم، بل عندهم من الثبات والسكون والأدب والخشية ما لا يلحقهم أحد في ذلك، ولهذا فازوا بالمدح من الرب الأعلى في الدنيا والآخرة. قال عبد الرزاق: حدثنا معمر قال: تلا قتادة رحمه الله: {تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ ٱلَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَىٰ ذِكْرِ ٱللَّهِ} قال: هذا نعت أولياء الله، نعتهم الله عز وجل بأن تقشعر جلودهم، وتبكي أعينهم، وتطمئن قلوبهم إلى ذكر الله، ولم ينعتهم بذهاب عقولهم، والغشيان عليهم، إنما هذا في أهل البدع، وهذا من الشيطان.
وقال السدي: {ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَىٰ ذِكْرِ ٱللَّهِ} أي: إلى وعد الله، وقوله: {ذٰلِكَ هُدَى ٱللَّهِ يَهْدِى بِهِ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ} أي: هذه صفة من هداه الله، ومن كان على خلاف ذلك، فهو ممن أضله الله، {وَمَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ}.
أَفَمَن يَتَّقِى بِوَجْهِهِۦ سُوٓءَ ٱلْعَذَابِ يَوْمَ ٱلْقِيَٰمَةِ وَقِيلَ لِلظَّٰلِمِينَ ذُوقُوا۟ مَا كُنتُمْ تَكْسِبُونَ ٢٤ كَذَّبَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَأَتَىٰهُمُ ٱلْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ ٢٥ فَأَذَاقَهُمُ ٱللَّهُ ٱلْخِزْىَ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَلَعَذَابُ ٱلْـَٔاخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا۟ يَعْلَمُونَ ٢٦
يقول تعالى: {أَفَمَن يَتَّقِى بِوَجْهِهِ سُوۤءَ ٱلْعَذَابِ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ} ويفزع، فيقال له ولأمثاله من الظالمين: {ذُوقُواْ مَا كُنتُمْ تَكْسِبُونَ} كمن يأتي آمناً يوم القيامة؛ كما قال عز وجل:
{ أَفَمَن يَمْشِى مُكِبّاً عَلَىٰ وَجْهِهِ أَهْدَىٰ أَمَّن يَمْشِى سَوِيّاً عَلَى صِرَٰطٍ مُّسْتَقِيمٍ }[الملك:22] وقال جل وعلا: { يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِى ٱلنَّارِ عَلَىٰ وُجُوهِهِمْ ذُوقُواْ مَسَّ سَقَرَ }[القمر: 48] وقال تبارك وتعالى: { أَفَمَن يُلْقَىٰ فِى ٱلنَّارِ خَيْرٌ أَم مَّن يَأْتِىۤ ءَامِناً يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ }[فصلت: 40]؟ واكتفى في هذه الآية بأحد القسمين عن الآخر؛ كقول الشاعر:
فما أَدري إذا يَمَّمْتُ أرضاًأُريدُ الخَيْرَ أَيُّهما يَليني
يعني: الخير أو الشر. وقوله جلت عظمته: { كَذَّبَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَأَتَـٰهُمُ ٱلْعَـذَابُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَشْعُرُونَ} يعني: القرون الماضية المكذبة للرسل، أهلكهم الله بذنوبهم، وما كان لهم من الله من واق، وقوله جل وعلا: {فَأَذَاقَهُمُ ٱللَّهُ ٱلْخِزْىَ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا} أي: بما أنزل بهم من العذاب والنكال، وتشفي المؤمنين بهم، فليحذر المخاطبون من ذلك؛ فإنهم قد كذبوا أشرف الرسل، وخاتم الأنبياء صلى الله عليه وسلم والذي أعده الله جل جلاله لهم في الآخرة من العذاب الشديد أعظم مما أصابهم في الدنيا، ولهذا قال عز وجل: {وَلَعَذَابُ ٱلأَخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ}.
وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِى هَٰذَا ٱلْقُرْءَانِ مِن كُلِّ مَثَلٍ لَّعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ ٢٧ قُرْءَانًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِى عِوَجٍ لَّعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ ٢٨ ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلًا رَّجُلًا فِيهِ شُرَكَآءُ مُتَشَٰكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِّرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ٢٩ إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ ٣٠ ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَٰمَةِ عِندَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ ٣١
يقول تعالى: {وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَـٰذَا ٱلْقُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ} أي: بينا للناس فيه بضرب الأمثال، {لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ} فإن المثل يقرب المعنى إلى الأذهان؛ كما قال تبارك وتعالى:
{ ضَرَبَ لَكُمْ مَّثَلاً مِّنْ أَنفُسِكُمْ }[الروم: 28] أي: تعلمونه من أنفسكم، وقال عز وجل: { وَتِلْكَ ٱلأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَآ إِلاَّ ٱلْعَـٰلِمُونَ }[العنكبوت: 43] وقوله جل وعلا: {قُرْءَاناً عَرَبِيّاً غَيْرَ ذِى عِوَجٍ} أي: هو قرآن بلسان عربي مبين، لا اعوجاج فيه، ولا انحراف ولا لبس، بل هو بيان ووضوح وبرهان، وإنما جعله الله تعالى كذلك، وأنزله بذلك {لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ} أي: يحذرون ما فيه من الوعيد، ويعملون بما فيه من الوعد. ثم قال: {ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً رَّجُلاً فِيهِ شُرَكَآءُ مُتَشَـٰكِسُونَ} أي: يتنازعون في ذلك العبد المشترك بينهم، {وَرَجُلاً سَلَماً} أي: سالماً {لِرَجُلٍ} أي: خالصاً، لا يملكه أحد غيره {هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلاً} أي: لا يستوي هذا وهذا، كذلك لا يستوي المشرك الذي يعبد آلهة مع الله، والمؤمن المخلص الذي لا يعبد إلا الله وحده لا شريك له؟ فأين هذا من هذا، قال ابن عباس رضي الله عنهما ومجاهد وغير واحد: هذه الآية ضربت مثلاً للمشرك والمخلص، ولما كان هذا المثل ظاهراً بيناً جلياً، قال: {ٱلْحَمْدُ للَّهِ} أي: على إقامة الحجة عليهم، {بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ} أي: فلهذا يشركون بالله. وقوله تبارك وتعالى: { إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَّيِّتُونَ} هذه الآية من الآيات التي استشهد بها الصديق رضي الله عنه عند موت الرسول صلى الله عليه وسلم حتى تحقق الناس موته، مع قوله عز وجل: { وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ ٱلرُّسُلُ أَفإِيْن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ ٱنقَلَبْتُمْ عَلَىٰ أَعْقَـٰبِكُمْ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ ٱللَّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِى ٱللَّهُ ٱلشَّـٰكِرِينَ }[آل عمران: 144] ومعنى هذه الآية: أنكم ستنقلون من هذه الدار لا محالة، وستجتمعون عند الله تعالى في الدار الآخرة، وتختصمون فيما أنتم فيه في الدنيا من التوحيد والشرك بين يدي الله عز وجل، فيفصل بينكم، ويفتح بالحق، وهو الفتاح العليم، فينجي المؤمنين المخلصين الموحدين، ويعذب الكافرين الجاحدين المشركين المكذبين. ثم إن هذه الآية وإن كان سياقها في المؤمنين والكافرين، وذكر الخصومة بينهم في الدار الآخرة، فإنها شاملة لكل المتنازعين في الدنيا؛ فإنه تعاد عليهم الخصومة في الدار الآخرة.
قال ابن أبي حاتم رحمه الله: حدثنا محمد بن عبد الله بن يزيد المقري، حدثنا سفيان عن محمد بن عمرو عن أبي حاطب ــــ يعني: يحيى بن عبد الرحمن ــــ عن ابن الزبير رضي الله عنهما قال: لما نزلت: { ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ عِندَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ} قال الزبير رضي الله عنه: يا رسول الله أتكرر علينا الخصومة؟ قال صلى الله عليه وسلم
نعم قال رضي الله عنه: إن الأمر إذاً لشديد. وكذا رواه الإمام أحمد عن سفيان، وعنده زيادة: ولما نزلت: { ثُمَّ لَتُسْـئَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ ٱلنَّعِيمِ }[التكاثر: 8] قال الزبير رضي الله عنه: أي رسول الله أي نعيم نسأل عنه، وإنما نعيمنا الأسودان: التمر والماء؟ قال صلى الله عليه وسلم أما إن ذلك سيكونوقد روى هذه الزيادة الترمذي وابن ماجه من حديث سفيان به، وقال الترمذي: حسن. وقال أحمد أيضاً: حدثنا ابن نمير حدثنا محمد ــــ يعني: ابن عمرو ــــ عن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب عن عبد الله بن الزبير عن الزبير بن العوام رضي الله عنه قال: لما نزلت هذه السورة على رسول الله صلى الله عليه وسلم { إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَّيِّتُونَ ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ عِندَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ } قال الزبير رضي الله عنه: أي رسول الله أيكرر علينا ما كان بيننا في الدنيا مع خواص الذنوب؟ قال صلى الله عليه وسلمنعم، ليكررن عليكم، حتى يؤدى إلى كل ذي حق حقهقال الزبير رضي الله عنه: والله إن الأمر لشديد. ورواه الترمذي من حديث محمد بن عمرو به، وقال: حسن صحيح. وقال الإمام أحمد: حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا ابن لهيعة عن أبي عشّانة عن عقبة بن عامر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلمأول الخصمين يوم القيامة جارانتفرد به أحمد. وقال الإمام أحمد أيضاً: حدثنا حسن بن موسى، حدثنا ابن لهيعة، حدثنا دراج عن أبي الهيثم عن أبي سعيد رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلموالذي نفسي بيده إنه ليختصم حتى الشاتان فيما انتطحتاتفرد به أحمد رحمه الله. وفي المسند عن أبي ذر رضي الله عنه أنه قال: رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم شاتين تنتطحان، فقال:أتدري فيم تنتطحان يا أبا ذر؟قلت: لا، قال صلى الله عليه وسلمولكن الله يدري، وسيحكم بينهماوقال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا سهل بن بحر، حدثنا حيان بن أغلب، حدثنا أبي، حدثنا ثابت عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلميجاء بالإمام الخائن يوم القيامة، فتخاصمه الرعية، فيفلجون عليه فيقال له: سد ركناً من أركان جهنمثم قال: الأغلب بن تميم ليس بالحافظ. وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس رضي الله عنهما: { ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ عِندَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ} يقول: يخاصم الصادق الكاذب، والمظلوم الظالم، والمهتدي الضال، والضعيف المستكبر. وقد روى ابن منده في كتاب الروح عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: يختصم الناس يوم القيامة، حتى تختصم الروح مع الجسد، فتقول الروح للجسد: أنت فعلت، ويقول الجسد للروح: أنتِ أمرت، وأنت سولت، فيبعث الله ملكاً يفصل بينهما، فيقول لهما: إنّ مثلكما كمثل رجل مقعد بصير، والآخر ضرير، دخلا بستاناً، فقال المقعد للضرير: إني أرى ههنا ثماراً، ولكن لا أصل إليها، فقال له الضرير: اركبني فتناولها، فركبه فتناولها، فأيهما المعتدي؟ فيقولان: كلاهما، فيقول لهما الملك: فإنكما قد حكمتما على أنفسكما، يعني: أن الجسد للروح كالمطية، وهي راكبه. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا جعفر بن أحمد بن عوسجة، حدثنا ضرار، حدثنا أبو سلمة الخزاعي، منصور بن سلمة، حدثنا القمي ــــ يعني: يعقوب بن عبد الله ــــ عن جعفر بن المغيرة عن سعيد بن جبير عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: نزلت هذه الآية، وما نعلم في أي شيء نزلت: { ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ عِندَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ} قال: قلنا: من نخاصم؟ ليس بيننا وبين أهل الكتاب خصومة، فمن نخاصم؟ حتى وقعت الفتنة، فقال ابن عمر رضي الله عنهما: هذا الذي وعدنا ربنا عز وجل نختصم فيه، ورواه النسائي عن محمد بن عامر عن منصور بن سلمة به، وقال أبو العالية في قوله تبارك وتعالى: { ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ عِندَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ} قال: يعني: أهل القبلة، وقال ابن زيد: يعني: أهل الإسلام وأهل الكفر، وقد قدمنا أن الصحيح العموم، والله سبحانه وتعالى أعلم.
فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَذَبَ عَلَى ٱللَّهِ وَكَذَّبَ بِٱلصِّدْقِ إِذْ جَآءَهُۥٓ أَلَيْسَ فِى جَهَنَّمَ مَثْوًى لِّلْكَٰفِرِينَ ٣٢ وَٱلَّذِى جَآءَ بِٱلصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِۦٓ أُو۟لَٰٓئِكَ هُمُ ٱلْمُتَّقُونَ ٣٣ لَهُم مَّا يَشَآءُونَ عِندَ رَبِّهِمْ ذَٰلِكَ جَزَآءُ ٱلْمُحْسِنِينَ ٣٤ لِيُكَفِّرَ ٱللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ ٱلَّذِى عَمِلُوا۟ وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ ٱلَّذِى كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ ٣٥
يقول عز وجل مخاطباً المشركين الذين افتروا على الله، وجعلوا معه آلهة أخرى، وادعوا أن الملائكة بنات الله، وجعلوا لله ولداً، تعالى عن قولهم علواً كبيراً، ومع هذا، كذبوا بالحق إذ جاءهم على ألسنة رسل الله صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، ولهذا قال عز وجل: {فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَذَبَ علَى ٱللَّهِ وَكَذَّبَ بِٱلصِّدْقِ إِذْ جَآءَهُ} أي: لا أحد أظلم من هذا؛ لأنه جمع بين طرفي الباطل؛ كذب على الله، وكذب رسول الله صلى الله عليه وسلم، قالوا الباطل، وردوا الحق، ولهذا قال جلت عظمته متوعداً لهم: {أَلَيْسَ فِى جَهَنَّمَ مَثْوًى لِّلْكَـٰفِرِينَ} وهم الجاحدون المكذبون. ثم قال جل وعلا: {وَٱلَّذِى جَآءَ بِٱلصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ} قال مجاهد وقتادة والربيع بن أنس وابن زيد: الذي جاء بالصدق هو الرسول صلى الله عليه وسلم وقال السدي: هو جبريل عليه السلام {وَصَدَّقَ بِهِ} يعني: محمداً صلى الله عليه وسلم وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس رضي الله عنهما: {وَٱلَّذِى جَآءَ بِٱلصِّدْقِ} قال: من جاء بلا إله إلا الله {وَصَدَّقَ بِهِ} يعني: رسول الله صلى الله عليه وسلم وقرأ الربيع بن أنس: (والذين جاءوا بالصدق) يعني: الأنبياء، (وصدقوا به) يعني: الأتباع. وقال ليث بن أبي سليم عن مجاهد: {وَٱلَّذِى جَآءَ بِٱلصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ} قال: أصحاب القرآن المؤمنون يجيئون يوم القيامة، فيقولون: هذا ما أعطيتمونا، فعملنا فيه بما أمرتمونا. وهذا القول عن مجاهد يشمل كل المؤمنين؛ فإن المؤمنين يقولون الحق، ويعملون به، والرسول صلى الله عليه وسلم أولى الناس بالدخول في هذه الآية على هذا التفسير؛ فإنه جاء بالصدق، وصدق المرسلين، وآمن بما أنزل إليه من ربه، والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله. وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: {وَٱلَّذِى جَآءَ بِٱلصِّدْقِ} هو رسول الله صلى الله عليه وسلم {وَصَدَّقَ بِهِ} قال: المسلمون {أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُتَّقُونَ} قال ابن عباس رضي الله عنهما: اتقوا الشرك. {لَهُم مَّا يَشَآءُونَ عِندَ رَبِّهِمْ} يعني: في الجنة، مهما طلبوا وجدوا { ذَلِكَ جَزَآءُ ٱلْمُحْسِنِينَ لِيُكَـفِّرَ ٱللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ ٱلَّذِى عَمِلُواْ وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ ٱلَّذِى كَـانُواْ يَعْمَلُونَ } كما قال عز وجل في الآية الأخرى:
{ أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُواْ وَنَتَجَاوَزُ عَن سَيْئَـٰتِهِمْ فِىۤ أَصْحَـٰبِ ٱلْجَنَّةِ وَعْدَ ٱلصِّدْقِ ٱلَّذِى كَانُواْ يُوعَدُونَ }[الأحقاف: 16].
أَلَيْسَ ٱللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُۥ وَيُخَوِّفُونَكَ بِٱلَّذِينَ مِن دُونِهِۦ وَمَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُۥ مِنْ هَادٍ ٣٦ وَمَن يَهْدِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُۥ مِن مُّضِلٍّ أَلَيْسَ ٱللَّهُ بِعَزِيزٍ ذِى ٱنتِقَامٍ ٣٧ وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ قُلْ أَفَرَءَيْتُم مَّا تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ إِنْ أَرَادَنِىَ ٱللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَٰشِفَٰتُ ضُرِّهِۦٓ أَوْ أَرَادَنِى بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَٰتُ رَحْمَتِهِۦ قُلْ حَسْبِىَ ٱللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ ٱلْمُتَوَكِّلُونَ ٣٨ قُلْ يَٰقَوْمِ ٱعْمَلُوا۟ عَلَىٰ مَكَانَتِكُمْ إِنِّى عَٰمِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ ٣٩ مَن يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُّقِيمٌ ٤٠
يقول تعالى: {أَلَيْسَ ٱللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ} وقرأ بعضهم (عباده) يعني: أنه تعالى يكفي من عبده وتوكل عليه. وقال ابن أبي حاتم ههنا: حدثنا أبو عبيد الله ابن أخي ابن وهب: حدثنا عمي، حدثنا أبو هانىء عن أبي علي عمرو بن مالك الجنبي عن فضالة بن عبيد الأنصاري رضي عنه: أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:
أفلح من هدي إلى الإسلام، وكان عيشه كفافاً، وقنع بهورواه الترمذي والنسائي من حديث حيوة بن شريح عن أبي هانىء الخولاني به، وقال الترمذي: صحيح {وَيُخَوِّفُونَكَ بِٱلَّذِينَ مِن دُونِهِ} يعني: المشركين، يخوفون الرسول صلى الله عليه وسلم ويتوعدونه بأصنامهم وآلهتهم التي يدعونها من دون الله، جهلاً منهم وضلالاً، ولهذا قال عز وجل: { وَمَن يُضْـلِلِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَـادٍ وَمَن يَهْدِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُ مِن مُّضِلٍّ أَلَيْسَ ٱللَّهُ بِعَزِيزٍ ذِى ٱنتِقَامٍ } أي: منيع الجناب، لا يضام من استند إلى جنابه، ولجأ إلى بابه؛ فإنه العزيز الذي لا أعز منه، ولا أشد انتقاماً منه ممن كفر به، وأشرك وعاند رسوله صلى الله عليه وسلم وقوله تعالى: {وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ} يعني: المشركين، كانوا يعترفون بأن الله عز وجل هو الخالق للأشياء كلها، ومع هذا يعبدون معه غيره مما لا يملك لهم ضراً ولا نفعاً، ولهذا قال تبارك تعالى: {قُلْ أَفَرَأَيْتُم مَّا تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ إِنْ أَرَادَنِىَ ٱللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَـٰشِفَـٰتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِى بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَـٰتُ رَحْمَتِهِ} أي: لا تستطيع شيئاً من الأمر، وذكر ابن أبي حاتم ههنا حديث قيس بن الحجاج عن حنش الصنعاني عن ابن عباس رضي الله عنهما مرفوعاً:احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، تعرّف إلى الله في الرخاء، يعرفك في الشدة، إذا سألت، فاسأل الله، وإذا استعنت، فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يكتبه الله عليك، لم يضروك، ولو اجتمعوا على أن ينفعوك بشيء لم يكتبه الله لك، لم ينفعوك، جفت الصحف، ورفعت الأقلام، واعمل لله بالشكر في اليقين. واعلم أن في الصبر على ما تكره خيراً كثيراً، وأن النصر مع الصبر، وأن الفرج مع الكرب، وأن مع العسر يسراً{قُلْ حَسْبِىَ ٱللَّهُ} أي: الله كافيَّ {عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُتَوَكِّلُونَ} كما قال هود عليه الصلاة والسلام حين قال قومه: { إِن نَّقُولُ إِلاَّ ٱعْتَرَاكَ بَعْضُ ءَالِهَتِنَا بِسُوۤءٍ قَالَ إِنِّىۤ أُشْهِدُ ٱللَّهَ وَٱشْهَدُوۤاْ أَنِّى بَرِىۤءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ مِن دُونِهِ فَكِيدُونِى جَمِيعًا ثُمَّ لاَ تُنظِرُونِ إِنِّى تَوَكَّلْتُ عَلَى ٱللَّهِ رَبِّى وَرَبِّكُمْ مَّا مِن دَآبَّةٍ إِلاَّ هُوَ ءاخِذٌ بِنَاصِيَتِهَآ إِنَّ رَبِّى عَلَىٰ صِرَٰطٍ مُّسْتَقِيمٍ }[هود: 54 ــــ 56]. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن عصام الأنصاري، حدثنا عبد الله بن بكر السهمي، حدثنا محمد بن حاتم عن أبي المقدام مولى آل عثمان عن محمد بن كعب القرظي حدثنا ابن عباس رضي الله عنهما، رفع الحديث إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:من أحب أن يكون أقوى الناس، فليتوكل على الله تعالى، ومن أحب أن يكون أغنى الناس، فليكن بما في يد الله عز وجل أوثق منه بما في يديه، ومن أحب أن يكون أكرم الناس، فليتق الله عز وجل، وقوله تعالى: {قُلْ يَـٰقَوْمِ ٱعْمَلُواْ عَلَىٰ مَكَانَتِكُمْ} أي: على طريقتكم. وهذا تهديد ووعيد {إِنِّى عَامِلٌ} أي: على طريقتي ومنهجي {فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ} أي: ستعلمون غب ذلك ووباله {مَن يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ} أي: في الدنيا {وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُّقِيمٌ} أي: دائم مستمر، لا محيد عنه، وذلك يوم القيامة، أعاذنا الله منها.