انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة الزمر

تفسير البغويالآيات 1–55

تفسير سورة الزمر آية آية، من تفسير البغوي.

بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ

تَنزِيلُ ٱلْكِتَٰبِ مِنَ ٱللَّهِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَكِيمِ ۝١ إِنَّآ أَنزَلْنَآ إِلَيْكَ ٱلْكِتَٰبَ بِٱلْحَقِّ فَٱعْبُدِ ٱللَّهَ مُخْلِصًا لَّهُ ٱلدِّينَ ۝٢ أَلَا لِلَّهِ ٱلدِّينُ ٱلْخَالِصُ وَٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُوا۟ مِن دُونِهِۦٓ أَوْلِيَآءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَىٰٓ إِنَّ ٱللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِى مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَهْدِى مَنْ هُوَ كَٰذِبٌ كَفَّارٌ ۝٣

{تَنزِيلُ ٱلْكِتَابِ مِنَ ٱللهِ}، أي: هذا تنزيل الكتاب من الله. وقيل: تنزيل الكتاب مبتدأ وخبره: {مِنَ ٱللهِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَكِيمِ}، أي: تنزيل الكتاب من الله لا من غيره.

{إِنَّآ أَنزَلْنَآ إِلَيْكَ ٱلْكِتَـٰبَ بِٱلْحَقِّ}، قال مقاتل: لم ينزله باطلاً لغير شيء، {فَٱعْبُدِ ٱللهَ مُخْلِصاً لَّهُ ٱلدِّينَ}، الطاعة.

{أَلاَ للهِ ٱلدِّينُ ٱلْخَالِصُ}، قال قتادة: شهادة أن لا إله إلا الله. وقيل: لا يستحق الدين الخالص إلا الله. وقيل: الدين الخالص من الشرك هو لله.

{وَٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِهِ}، أي: من دون الله، {أَوْلِيَآءَ}، يعني: الأصنام، {مَا نَعْبُدُهُمْ}، أي قالوا: ما نعبدهم، {إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللهِ زُلْفَىۤ}، وكذلك قرأ ابن مسعود، وابن عباس.

قال قتادة: وذلك أنهم إذا قيل لهم: مَنْ ربكم، ومَنْ خلَقكم، ومَنْ خلق السموات والأرض؟ قالوا: الله، فيقال لهم: فما معنى عبادتكم الأوثان؟ قالوا: ليقربونا إلى الله زلفى، أي: قربى، وهو اسمٌ أقيم في مقام المصدر، كأنه قال: إلا ليقربونا إلى الله تقريباً ويشفعوا لنا عند الله، {إِنَّ ٱللهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ}، يوم القيامة، {فِى مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ}، من أمر الدين، {إِنَّ ٱللهَ لاَ يَهْدِى مَنْ هُوَ كَـٰذِبٌ كَـفَّارٌ}، لا يرشد لدينه من كذب فقال: إن الآلهة تشفع. وكفى باتخاذ الآلهة دونه كذباً وكفراً.

لَّوْ أَرَادَ ٱللَّهُ أَن يَتَّخِذَ وَلَدًا لَّٱصْطَفَىٰ مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ سُبْحَٰنَهُۥ هُوَ ٱللَّهُ ٱلْوَٰحِدُ ٱلْقَهَّارُ ۝٤ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ بِٱلْحَقِّ يُكَوِّرُ ٱلَّيْلَ عَلَى ٱلنَّهَارِ وَيُكَوِّرُ ٱلنَّهَارَ عَلَى ٱلَّيْلِ وَسَخَّرَ ٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِى لِأَجَلٍ مُّسَمًّى أَلَا هُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْغَفَّٰرُ ۝٥ خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَٰحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَأَنزَلَ لَكُم مِّنَ ٱلْأَنْعَٰمِ ثَمَٰنِيَةَ أَزْوَٰجٍ يَخْلُقُكُمْ فِى بُطُونِ أُمَّهَٰتِكُمْ خَلْقًا مِّنۢ بَعْدِ خَلْقٍ فِى ظُلُمَٰتٍ ثَلَٰثٍ ذَٰلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ ٱلْمُلْكُ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّىٰ تُصْرَفُونَ ۝٦ إِن تَكْفُرُوا۟ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَنِىٌّ عَنكُمْ وَلَا يَرْضَىٰ لِعِبَادِهِ ٱلْكُفْرَ وَإِن تَشْكُرُوا۟ يَرْضَهُ لَكُمْ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّكُم مَّرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ إِنَّهُۥ عَلِيمٌۢ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ ۝٧ وَإِذَا مَسَّ ٱلْإِنسَٰنَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُۥ مُنِيبًا إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُۥ نِعْمَةً مِّنْهُ نَسِىَ مَا كَانَ يَدْعُوٓا۟ إِلَيْهِ مِن قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَندَادًا لِّيُضِلَّ عَن سَبِيلِهِۦ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا إِنَّكَ مِنْ أَصْحَٰبِ ٱلنَّارِ ۝٨ أَمَّنْ هُوَ قَٰنِتٌ ءَانَآءَ ٱلَّيْلِ سَاجِدًا وَقَآئِمًا يَحْذَرُ ٱلْـَٔاخِرَةَ وَيَرْجُوا۟ رَحْمَةَ رَبِّهِۦ قُلْ هَلْ يَسْتَوِى ٱلَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَٱلَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُو۟لُوا۟ ٱلْأَلْبَٰبِ ۝٩

{لَّوْ أَرَادَ ٱللهُ أَن يَتَّخِذَ وَلَداً لاَّصْطَفَىٰ}, لاختار، {مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ}، يعني: الملائكة، كما قال:

{ لَوْ أَرَدْنَآ أَن نَّتَّخِذَ لَهْواً لاَّتَّخَذْنَاهُ مِن لَّدُنَّآ }[الأنبياء: 17]، ثم نزّه نفسه فقال: {سُبْحَـٰنَهُ}، تنزيهاً له عن ذلك، وعمّا لا يليق بطهارته، {هُوَ ٱللهُ ٱلْوَٰحِدُ ٱلْقَهَّارُ}.

{خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ بِٱلْحَقِّ يُكَوِّرُ ٱلَّيْـلَ عَلَى ٱلنَّهَـارِ وَيُكَوِّرُ ٱلنَّـهَارَ عَلَى ٱلَّيْلِ}، قال قتادة: يغشي هذا هذا، كما قال:

{ يُغْشِى ٱلَّيْلَ ٱلنَّهَارَ }[الأعراف:54] وقيل: يدخل أحدهما على الآخر كما قال: { يُولِجُ ٱلَّيْلَ فِى ٱلنَّهَارِ وَيُولِجُ ٱلنَّهَارَ فِى ٱلَّيْلِ }[الحج: 61].

وقال الحسن، والكلبي: ينقص من الليل فيزيد في النهار، وينقص من النهار فيزيد في الليل، فما نقص من الليل دخل في النهار، وما نقص من النهار دخل في الليل، ومنتهى النقصان تسع ساعات، ومنتهى الزيادة خمس عشرة ساعة، وأصل التكوير اللّف والجمع، ومنه: كوّر العمامة. {وَسَخَّـرَ ٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ كُـلٌّ يَجْرِى لأَجَـلٍ مُّسَـمًّى أَلا هُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْغَفَّارُ}.

{خَلَقَكُمْ مِّن نَّفْسٍ وَٰحِدَةٍ}، يعني: آدم، {ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا}، يعني حواء، {وَأَنزَلَ لَكُم مِّنَ ٱلأَنْعَـٰمِ}، معنى الإِنزال هاهنا: الإِحداث والإِنشاء، كقوله تعالى:

{ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَٰرِى سَوْءَٰتِكُمْ }[الأعراف: 26].

وقيل: إنه أنزل الماء الذي هو سبب نبات القطن الذي يكون منه اللباس، وسبب النبات الذي تبقى به الأنعام.

وقيل: {وَأَنزَلَ لَكُم مِّنَ ٱلأَنْعَـٰمِ} جعلها لكم نزلاً ورزقاً. {ثَمَانِيَةَ أَزْوَٰجٍ}، أصناف، تفسيرها في سورة الأنعام. {يَخْلُقُكُمْ فِى بُطُونِ أُمَّهَـٰتِكُـمْ خَلْقاً مِّن بَعْدِ خَلْقٍ}، نطفة ثم علقة ثم مضغة، كما قال الله تعالى:

{ وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَاراً }[نوح: 14]، {فِى ظُلُمَـٰتٍ ثَلَـٰثٍ}، قال ابن عباس: ظلمة البطن، وظلمة الرحم، وظلمة المشيمة، {ذَلِكُمُ ٱللهُ}، الذي خلق هذه الأشياء، {رَبُّكُمْ لَهُ ٱلْمُلْكُ لاۤ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ فَأَنَّىٰ تُصْرَفُونَ}، عن طريق الحق بعد هذا البيان.

{إِن تَكْفُرُواْ فَإِنَّ ٱللهَ غَنِىٌّ عَنكُمْ وَلاَ يَرْضَىٰ لِعِبَادِهِ ٱلْكُفْرَ}، قال ابن عباس والسدي: لا يرضى لعباده المؤمنين الكفر، وهم الذين قال الله تعالى:

{ إِنَّ عِبَادِى لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَـٰنٌ }[الحجر: 42]، فيكون عاماً في اللفظ خاصاً في المعنى، كقوله تعالى: { عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ ٱللهِ }[الإنسان:6]، يريد بعض العباد، وأجراه قوم على العموم، وقالوا: لا يرضى لأحد من عباده الكفر، ومعنى الآية: لا يرضى لعباده أن يكفروا به. يروى ذلك عن قتادة، وهو قول السلف، قالوا: كفر الكافر غير مرضيّ لله عزّ وجلّ، وإن كان بإرادته، {وَإِن تَشْكُرُواْ}، تؤمنوا بربكم وتطيعوه، {يَرْضَهُ لَكُمْ}، فيثيبكم عليه. قرأ أبو عمرو: "يرضهْ لكم" ساكنة الهاء، ويختلسها أهل المدينة وعاصم وحمزة، والباقون بالإِشباع، {وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّكُمْ مَّرْجِعُكُـمْ فَيُنَبِّئُكُـمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ}.

{وَإِذَا مَسَّ ٱلإِنسَـٰنَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيباً إِلَيْهِ} راجعاً إليه مستغيثاً به، {ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِّنْهُ}، أعطاه نعمة منه، {نَسِىَ}، ترك، {مَا كَانَ يَدْعُوۤ إِلَيْهِ مِن قَبْلُ}، أي: نسيَ الضرَ الذي كان يدعو الله إلى كشفه، {وَجَعَلَ للهِ أَندَاداً}، يعني: الأوثان، {لِّيُضِلَّ عَن سَبيلهِ}، ليزل عن دين الله.

{قُلْ}، لهذا الكافر: {تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلاً}، في الدنيا إلى أجلك، {إِنَّكَ مِنْ أَصْحَـٰبِ ٱلنَّارِ}، قيل: نزلت في عتبة ابن ربيعة، وقال مقاتل: نزلت في أبي حذيفة بن المغيرة المخزومي، وقيل: عام في كل كافر.

{أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ}، قرأ ابن كثير ونافع وحمزة: "أمَنْ" بتخفيف الميم، وقرأ الآخرون بتشديدها، فمن شدد فله وجهان:

أحدهما: أن تكون الميم في "أم" صلة، فيكون معنى الكلام استفهاماً وجوابه محذوفاً، مجازه: أَمَنْ هو قانتٌ كمَنْ هو غيرُ قانتٍ؟ كقوله:

{ { أَفَمَن شَرَحَ ٱللهُ صَدْرَهُ لِلإِسْلَـٰمِ }[الزمر: 22]، يعني كمن لم يشرح صدره.

والوجه الآخر: أنه عطف على الاستفهام، مجازه: الذي جعل لله أنداداً خيرٌ أمّن هو قانت؟

ومن قرأ بالتخفيف فهو ألف استفهام دخلت على مَنْ، معناه: أهذا كالذي جعل لله أنداداً؟

وقيل: الألف في {أمن} بمعنى حرف النداء، تقديره: يا من هو قانت، والعرب تنادي بالألف كما تنادي بالياء، فتقول: أبني فلان ويا بني فلان، فيكون معنى الآية: قلْ تمتعْ بكفرك قليلاً إنك من أصحاب النار، يامَنْ هو قانتٌ {ءَانَآءَ ٱلَّيْلِ}، إنك من أهل الجنة. قاله ابن عباس.

وفي رواية عطاء: نزلت في أبي بكر الصديق.

وقال الضحاك: نزلت في أبي بكر وعمر رضي الله عنهما.

وعن ابن عمر أنها نزلت في عثمان.

وعن الكلبي أنها نزلت في ابن مسعود وعمّار وسلمان.

والقانت: المقيم على الطاعة. قال ابن عمر: "القنوت" قراءة القرآن وطول القيام، و"آناء الليل": ساعاته، {سَـٰجِداً وَقَآئِماً}، يعني: في الصلاة، {يَحْذَرُ ٱلأَخِرَةَ}، يخاف الآخرة، {وَيَرْجُواْ رَحْمَةَ رَبِّهِ}، يعني: كمن لا يفعل شيئاً من ذلك، {قُلْ هَلْ يَسْتَوِى ٱلَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَٱلَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ}، قيل: "الذين يعلمون" عمّار، و"الذين لا يعلمون" أبو حذيفة المخزومي، {إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُواْ ٱلأَلْبَـٰبِ}.

قُلْ يَٰعِبَادِ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ رَبَّكُمْ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا۟ فِى هَٰذِهِ ٱلدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَأَرْضُ ٱللَّهِ وَٰسِعَةٌ إِنَّمَا يُوَفَّى ٱلصَّٰبِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ ۝١٠

{قُلْ يٰعِبَادِ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ رَبَّكُمْ}، بطاعته واجتناب معصيته، {لِلَّذِينَ أَحْسَنُواْ فِى هَـٰذِهِ ٱلدُّنْيَا}، أي: آمنوا وأحسنوا العمل، {حسنة}، يعني: الجنة، قاله مقاتل. وقال السدي: في هذه الدنيا حسنة يعني": الصحة والعافية، {وَأَرْضُ ٱللهِ وَاسِعَةٌ}، قال ابن عباس: يعني ارتحلوا من مكة. وفيه حث على الهجرة من البلد الذي يظهر فيه المعاصي.

وقيل: نزلت في مهاجري الحبشة.

وقال سعيد بن جبير: من أُمِر بالمعاصي فليهرب {إِنَّمَا يُوَفَّى ٱلصَّـٰبِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ}، الذين صبروا على دينهم فلم يتركوه للأذى.

وقيل: نزلت في جعفر بن أبي طالب وأصحابه، حيث لم يتركوا دينهم لمّا اشتد بهم البلاء، وصبروا وهاجروا.

قال علي رضي الله عنه: كل مطيع يكال له كيلاً ويوزن له وزناً إلاّ الصابرين، فإنه يحثي لهم حثياً.

ويُروى:

يؤتى بأهل البلاء فلا ينصب لهم الميزان ولا ينشر لهم ديوان، ويصبُّ عليهم الأجر صباً بغير حساب، قال الله تعالى {إِنَّمَا يُوَفَّى ٱلصَّـٰبِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ}، حتى يتمنى أهل العافية في الدنيا أن أجسادهم تقرض بالمقاريض مما يذهب به أهل البلاء من الفضل.

قُلْ إِنِّىٓ أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ ٱللَّهَ مُخْلِصًا لَّهُ ٱلدِّينَ ۝١١ وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ ٱلْمُسْلِمِينَ ۝١٢ قُلْ إِنِّىٓ أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّى عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ۝١٣ قُلِ ٱللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَّهُۥ دِينِى ۝١٤ فَٱعْبُدُوا۟ مَا شِئْتُم مِّن دُونِهِۦ قُلْ إِنَّ ٱلْخَٰسِرِينَ ٱلَّذِينَ خَسِرُوٓا۟ أَنفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ ٱلْقِيَٰمَةِ أَلَا ذَٰلِكَ هُوَ ٱلْخُسْرَانُ ٱلْمُبِينُ ۝١٥ لَهُم مِّن فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِّنَ ٱلنَّارِ وَمِن تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ ذَٰلِكَ يُخَوِّفُ ٱللَّهُ بِهِۦ عِبَادَهُۥ يَٰعِبَادِ فَٱتَّقُونِ ۝١٦ وَٱلَّذِينَ ٱجْتَنَبُوا۟ ٱلطَّٰغُوتَ أَن يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوٓا۟ إِلَى ٱللَّهِ لَهُمُ ٱلْبُشْرَىٰ فَبَشِّرْ عِبَادِ ۝١٧ ٱلَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ ٱلْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُۥٓ أُو۟لَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ هَدَىٰهُمُ ٱللَّهُ وَأُو۟لَٰٓئِكَ هُمْ أُو۟لُوا۟ ٱلْأَلْبَٰبِ ۝١٨ أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ ٱلْعَذَابِ أَفَأَنتَ تُنقِذُ مَن فِى ٱلنَّارِ ۝١٩ لَٰكِنِ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوْا۟ رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ مِّن فَوْقِهَا غُرَفٌ مَّبْنِيَّةٌ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَٰرُ وَعْدَ ٱللَّهِ لَا يُخْلِفُ ٱللَّهُ ٱلْمِيعَادَ ۝٢٠

{قُلْ إِنِّىۤ أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ ٱللهَ مُخْلِصاً لَّهُ ٱلدِّينَ}، مخلصاً له التوحيد لا أشرك به شيئاً.

{وَأُمِرْتُ لأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ ٱلْمُسْلِمِينَ}، من هذه الأمة.

{قُلْ إِنِّىۤ أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّى}، وعبدت غيره، {عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ}، وهذا حين دعي إلى دين آبائه.

{قُلِ ٱللهَ أَعْبُدُ مُخْلِصاً لَّهُ دِينِى * فَٱعْبُدُواْ مَا شِئْتُمْ مِّن دُونِهِ}، أمر توبيخ وتهديد، كقوله:

{ ٱعْمَلُواْ مَا شِئْتُمْ }[فصلت: 40]، {قُلْ إِنَّ ٱلْخَـٰسِرِينَ ٱلَّذِينَ خَسِرُوۤاْ أَنفُسَهُم وَأَهْلِيهِمْ}، أزواجهم وخدمهم، {يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ}, قال ابن عباس: وذلك أن الله جعل لكل إنسان منزلاً في الجنة وأهلاً، فمن عمل بطاعة الله كان ذلك المنزل والأهل له، ومن عمل بمعصية الله دخل النار، وكان ذلك المنزل والأهل لغيره ممن عمل بطاعة الله. وقيل: خُسران النفس بدخول النار، وخُسران الأهل بأن يفرق بينه وبين أهله، {أَلاَ ذَلِكَ هُوَ ٱلْخُسْرَانُ ٱلْمُبِينُ}.

{لَهُمْ مِّن فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِّنَ ٱلنَّارِ}، أطباق سرادقات من النار ودخانها، {وَمِن تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ}، فراش ومهاد من نار إلى أن ينتهي إلى القعر، وسُمي الأسفل ظُلَلاً لأنها ظلل لمن تحتهم نظيرها قوله عزّ وجلّ:

{ لَهُم مِّن جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِن فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ } [الأعراف: 41].

{ذَٰلِكَ يُخَوِّفُ ٱللهُ بِهِ عِبَادَهُ يٰعِبَادِ فَٱتَّقُونِ}.

{وَٱلَّذِينَ ٱجْتَنَبُواْ ٱلطَّـٰغُوتَ}، الأوثان، {أَن يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوۤاْ إِلَى ٱللهِ}، رجعوا إلى عبادة الله، {لَهُمُ ٱلْبُشْرَىٰ}، في الدنيا والجنة في العقبى، {فَبَشِّرْ عِبَادِ * ٱلَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ ٱلْقَوْلَ}، القرآن، {فَيَـتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ}, قال السدي: أحسن ما يؤمرون به فيعملون به. وقيل: هو أن الله تعالى ذكر في القرآن الانتصار من الظالم وذكر العفو، والعفو أحسنُ الأمرين. وقيل: ذكر العزائم والرخص فيتبعون الأحسن وهو العزائم. وقيل: يستمعون القرآن وغير القرآن فيتبعون القرآن.

وقال عطاء عن ابن عباس: آمن أبو بكر بالنبي صلى الله عليه وسلم فجاءه عثمان، وعبد الرحمن بن عوف، وطلحة، والزبير، وسعد بن أبي وقاص، وسعيد بن زيد، فسألوه فأخبرهم بإيمانه فآمنوا، فنزلت فيهم: {فَبَشِّرْ عِبَادِ * ٱلَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ ٱلْقَوْلَ فَيَـتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ}، وكله حسن. {أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ هَدَاهُمُ ٱللهُ وَأُوْلَـٰئِكَ هُمْ أُوْلُواْ ٱلأَلْبَـٰبِ}.

وقال ابن زيد: نزلت {وَٱلَّذِينَ ٱجْتَنَبُواْ ٱلطَّـٰغُوتَ} الآيتان، في ثلاثة نفر كانوا في الجاهلية يقولون: لا إله إلا الله، زيد بن عمرو بن نفيل، وأبو ذر الغفاري، وسلمان الفارسي. والأحسن: قولُ لا إله إلا الله.

{أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ ٱلْعَذَابِ}، قال ابن عباس رضي الله عنهما: من سبق في علم الله أنه من أهل النار. وقيل: كلمة العذاب قوله: {لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ} وقيل: قوله: "هؤلاء في النار ولا أبالي". {أَفَأَنتَ تُنقِذُ مَن فِى ٱلنَّارِ}، أي: لا تقدر عليه. قال ابن عباس: يريد أبا لهب وولده.

{لَـٰكِنِ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْ رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ مِّن فَوْقِهَا غُرَفٌ مَّبْنِيَّةٌ}، أي: منازل في الجنة رفيعة، وفوقها منازل أرفع منها، {تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَـٰرُ وَعْدَ ٱللهِ لاَ يُخْلِفُ ٱللهُ ٱلْمِيعَادَ}، أي: وعدهم الله تلك الغرف والمنازل وعداً لا يخلفه.

أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد ابن عبد الله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثني عبد العزيز بن عبد الله، حدثني مالك عن صفوان بن سليم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

«إن أهل الجنة يتراءون أهل الغرف من فوقهم كما تتراءون الكوكب الدري الغابر في الأفق من المشرق والمغرب لتفاضل ما بينهم»، قالوا: يا رسول الله تلك منازل الأنبياء لا يبلغها غيرهم، قال:«بلى والذي نفسي بيده، رجال آمنوا بالله وصدقوا المرسلين»

أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ أَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَسَلَكَهُۥ يَنَٰبِيعَ فِى ٱلْأَرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِۦ زَرْعًا مُّخْتَلِفًا أَلْوَٰنُهُۥ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَىٰهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَجْعَلُهُۥ حُطَٰمًا إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَذِكْرَىٰ لِأُو۟لِى ٱلْأَلْبَٰبِ ۝٢١ أَفَمَن شَرَحَ ٱللَّهُ صَدْرَهُۥ لِلْإِسْلَٰمِ فَهُوَ عَلَىٰ نُورٍ مِّن رَّبِّهِۦ فَوَيْلٌ لِّلْقَٰسِيَةِ قُلُوبُهُم مِّن ذِكْرِ ٱللَّهِ أُو۟لَٰٓئِكَ فِى ضَلَٰلٍ مُّبِينٍ ۝٢٢

قوله عزّ وجلّ: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللهَ أَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَسَلَكَهُ}، أدخل ذلك الماء، {يَنَابِيعَ}، عيوناً وركاياً، {فِى ٱلأَرْضِ}، قال الشعبي: كل ماء في الأرض فمن السماء نزل، {ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ}، أي: بالماء {زَرْعاً مُّخْتَلِفاً أَلْوَانُهُ}، أحمر وأصفر وأخضر، {ثُمَّ يَهِـيجُ}، ييبس، {فَـتَرَاهُ}، بعد خضرته ونضرته، {مُصْفَـرّاً ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَـٰماً}، فتاتاً متكسراً، {إِنَّ فِى ذَلِكَ لَذِكْرَىٰ لأُوْلِى ٱلأَلْبَـٰبِ}.

قوله عزّ وجلّ: {أَفَمَن شَرَحَ ٱللهُ صَدْرَهُ لِلإِسْلَـٰمِ}، وسَّعه لقبول الحق، {فَهُوَ عَلَىٰ نُورٍ مِّن رَّبِّهِ}، ليس كمن أقسى الله قلبه.

أخبرنا أبو سعيد أحمد بن إبراهيم الشريحي، أخبرنا أبو إسحاق أحمد بن محمد بن إبراهيم الثعلبي، أخبرنا ابن فنجويه، حدثنا عبد الله بن محمد بن شيبة، حدثنا أبو جعفر محمد بن الحسن بن يزيد الموصلي ببغداد، حدثنا أبو فروة واسمه يزيد بن محمد، حدثني أبي عن أبيه، حدثنا زيد بن أبي أنيسة، عن عمرو بن مرة، عن عبد الله بن الحارث، عن عبد الله بن مسعود قال:

تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم: {أَفَمَن شَرَحَ ٱللهُ صَدْرَهُ لِلإِسْلَـٰمِ فَهُوَ عَلَىٰ نُورٍ مِّن رَّبِّهِ} قلنا: يا رسول الله كيف انشراح صدره؟ قال: "إذا دخل النور القلب انشرح وانفسح"، قلنا: يا رسول الله وما علامة ذلك؟ قال: "الإنابة إلى دار الخلود، والتجافي عن دار الغرور، والتأهب للموت قبل نزول الموت".

قوله عزّ وجلّ: {فَوَيْلٌ لِّلْقَـٰسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِّن ذِكْرِ ٱللهِ أُوْلَـٰئِكَ فِى ضَلَـٰلٍ مُّبِينٍ}، قال مالك بن دينار: ما ضُرِبَ عبد بعقوبة أعظم من قسوة قلب، وما غضب الله عزّ وجلّ على قوم إلا نَزَعَ منهم الرحمة.

ٱللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ ٱلْحَدِيثِ كِتَٰبًا مُّتَشَٰبِهًا مَّثَانِىَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ ٱلَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَىٰ ذِكْرِ ٱللَّهِ ذَٰلِكَ هُدَى ٱللَّهِ يَهْدِى بِهِۦ مَن يَشَآءُ وَمَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُۥ مِنْ هَادٍ ۝٢٣

قوله عزّ وجلّ: {ٱللهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ ٱلْحَدِيثِ كِتَـٰباً مُّتَشَـٰبِهاً}، يشبه بعضه بعضاً في الحسن، ويصدق بعضه بعضاً ليس فيه تناقض ولا اختلاف. {مَّثَانِيَ}، يُثنّى فيه ذكر الوعد والوعيد، والأمر والنهي، والأخبار والأحكام، {تَقْشَعِرُّ}، تضطرب وتشمئز، {مِنْهُ جُلُودُ ٱلَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ}، والاقشعرار تغير في جلد الإِنسان عند الوجل والخوف، وقيل: المراد من الجلود والقلوب، أي: قلوب الذين يخشون ربهم، {ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَىٰ ذِكْرِ ٱللهِ}، أي: لذكر الله، أي: إذا ذكرت آيات العذاب اقشعرت جلود الخائفين لله، وإذا ذكرت آيات الرحمة لانت وسكنت قلوبهم، كما قال الله تعالى:

{ أَلاَ بِذِكْرِ ٱللهِ تَطْمَئِنُّ ٱلْقُلُوبُ }[الرعد: 28].

وحقيقة المعنى: أن قلوبهم تقشعر عند الخوف، وتلين عند الرجاء.

أخبرنا أبو سعيد الشريحي، أخبرنا أبو إسحاق الثعلبي، أخبرني الحسين بن محمد، حدثنا موسى بن محمد بن علي، حدثنا محمد بن عبدوس بن كامل، حدثنا يحيى بن عبد الحميد الحماني، حدثنا عبد العزيز بن محمد عن يزيد بن الهاد، عن محمد بن إبراهيم التيمي، عن أم كلثوم بنت العباس، عن العباس بن عبد المطلب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

إذا اقشعَر جلد العبد من خشية الله تحاتت عنه ذنوبُه كما يتحاتَّ عن الشجرة اليابسة ورقُها».

أخبرنا أبو سعيد الشريحي، أخبرنا أبو إسحاق الثعلبي، أخبرني الحسين بن محمد، حدثنا أحمد بن جعفر ابن حمدان، حدثنا موسى بن إسحاق الأنصاري، حدثنا محمد بن معاوية، حدثنا الليث بن سعد، حدثنا يزيد بن عبد الله بن الهاد بهذا الإِسناد، وقال:

إذا اقشعرّ جلد العبد من خشية الله حرّمه الله على النار».

قال قتادة: هذا نعت أولياء الله نعتهم الله بأن تقشعر جلودهم وتطمئن قلوبهم بذكر الله، ولم ينعتهم بذهاب عقولهم والغشيان عليهم، إنما ذلك في أهل البدع، وهو من الشيطان.

أخبرنا أبو سعيد الشريحي، أخبرنا أبو إسحاق الثعلبي، أخبرنا الحسين بن محمد بن فنجويه، حدثنا ابن شيبة، حدثنا حمدان بن داود، حدثنا سلمة بن شيبة، حدثنا خلف بن سلمة، حدثنا هشيم عن حصين عن عبد الله بن عروة بن الزبير قال: قلت لجدتي أسماء بنت أبي بكر: كيف كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعلون إذا قُرئ عليهم القرآن؟ قالت: كانوا كما نعتهم الله عزّ وجلّ تدمع أعينهم وتقشعر جلودهم، قال فقلت لها: إنّ ناساً اليوم إذا قرئ عليهم القرآن خرّ أحدهم مغشياً عليه، فقالت: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم.

وبه عن سليمان بن سلمة حدثنا يحيى بن يحيى، حدثنا سعيد بن عبد الرحمن الجمحي أن ابن عمر: مرّ برجل من أهل العراق ساقطاً فقال: ما بال هذا؟ قالوا: إنه إذا قُرئ عليه القرآن أو سمع ذكر الله سقط، قال ابن عمر: إنّا لنخشى الله وما نسقط!

وقال ابن عمر: إن الشيطان ليدخل في جوف أحدهم، ما كان هذا صنيع أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم.

وذُكر عند ابن سيرين: الذين يصرعون إذ قرئ عليهم القرآن، فقال: بيننا وبينهم أن يقعد أحدهم على ظهر بيت باسطاً رجليه ثم يُقرأ عليه القرآن من أوله إلى آخره، فإن رمى بنفسه فهو صادق.

{ذَلِكَ}، يعني: أحسن الحديث، {هُدَى ٱللهِ يَهْدِى بِهِ مَن يَشَآءُ وَمَن يُضْلِلِ ٱللهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ}.

أَفَمَن يَتَّقِى بِوَجْهِهِۦ سُوٓءَ ٱلْعَذَابِ يَوْمَ ٱلْقِيَٰمَةِ وَقِيلَ لِلظَّٰلِمِينَ ذُوقُوا۟ مَا كُنتُمْ تَكْسِبُونَ ۝٢٤ كَذَّبَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَأَتَىٰهُمُ ٱلْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ ۝٢٥ فَأَذَاقَهُمُ ٱللَّهُ ٱلْخِزْىَ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَلَعَذَابُ ٱلْـَٔاخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا۟ يَعْلَمُونَ ۝٢٦ وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِى هَٰذَا ٱلْقُرْءَانِ مِن كُلِّ مَثَلٍ لَّعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ ۝٢٧ قُرْءَانًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِى عِوَجٍ لَّعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ ۝٢٨

{أَفَمَن يَتَّقِى بِوَجْهِهِ سُوۤءَ ٱلْعَذَابِ}, أي: شدته، {يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ}، قال مجاهد: يُجَر على وجهه في النار. وقال عطاء: يُرمى به في النار منكوساً فأول شيء منه تمسه النار وجهه. قال مقاتل: هو أن الكافر يُرمى به في النار مغلولة يداه إلى عنقه، وفي عنقه صخرة مثل جبل عظيم من الكبريت، فتشتعل النار في الحجر، وهو معلق في عنقه فخرّ ووهجها على وجهه لا يطيق دفعها عن وجهه، للأغلال التي في عنقه ويده.

ومجاز الآية: أفمن يتقي بوجهه سوء العذاب كمن هو آمن من العذاب؟

{وَقِيلَ}، يعني: تقول الخزنة، {لِلظَّـالِمِينَ ذُوقُواْ مَا كُنتُمْ تَكْسِبُونَ}، أي: وباله.

{كَذَّبَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ}، من قبل كفار مكة كذبوا الرسل، {فَأَتَـٰهُمُ ٱلْعَـذَابُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَشْعُرُونَ}، يعني: هم آمنون غافلون من العذاب.

{فَأَذَاقَهُمُ ٱللهُ ٱلْخِزْىَ}، العذاب والهوان، {فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَلَعَذَابُ ٱلأَخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ}.

{وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِى هَـٰذَا ٱلْقُرْءَانِ مِن كُلِّ مَثَلٍ لَّعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ}، يتعظون.

{قُرْءَاناً عَرَبِيّاً}، نصب على الحال، {غَيْرَ ذِى عِوَجٍ}، قال ابن عباس: غير مختلف. قال مجاهد: غير ذي لَبْس. قال السدي: غير مخلوق. ويروى ذلك عن مالك بن أنس، وحكي عن سفيان بن عيينة عن سبعين من التابعين أن القرآن ليس بخالق ولا مخلوق. {لَّعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ}، الكفر والتكذيب به.

ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلًا رَّجُلًا فِيهِ شُرَكَآءُ مُتَشَٰكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِّرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ۝٢٩ إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ ۝٣٠ ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَٰمَةِ عِندَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ ۝٣١

{ضَرَبَ ٱللهُ مَثَلاً رَّجُلاً}، قال الكسائي: نصب رجلاً لأنه تفسير للمثل، {فِيهِ شُرَكَآءُ مُتَشَـٰكِسُونَ}، متنازِعون مختلفون سيئة أخلاقهم، يقال: رجل شَكِسٌ شَرِسٌ، إذا كان سيءَ الخلق، مخالفاً للناس لا يرضى بالإِنصاف، {وَرَجُلاً سَلَماً لِّرَجُلٍ}، قرأ أهل مكة والبصرة: "سالماً" بالألف أي: خالصاً له لا شريك ولا منازع له فيه، وقرأ الآخرون: "سلَماً" بفتح اللام من غير ألف، وهو الذي لا ينازع فيه، من قولهم: هو لك سلم، أي: مسلم، لا منازع لك فيه. {هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلاً}، هذا مثل ضربه الله عزّ وجلّ للكافر الذي يعبد آلهة شتى، والمؤمن الذي لا يعبد إلا الله الواحد، وهذا استفهام إنكارأي: لا يستويان، ثم قال: {ٱلْحَمْدُ للهِ} أي: لله الحمد كله دون غيره من المعبودين. {بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ}، ما يصيرون إليه. والمراد بالأكثر الكل.

{إِنَّكَ مَيِّتٌ}، أي: ستموت، {وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ}. أي: سيموتون، قال الفراء والكسائي: الميِّتُ - بالتشديد - من لم يمت وسيموت، الميْتُ - بالتخفيف - من فارقه الروح، ولذلك لم يخفف هاهنا.

{ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ عِندَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ}، قال ابن عباس: يعني: المحق والمبطل، والظالم والمظلوم.

أخبرنا أبو سعيد الشريحي، أخبرنا أبو إسحاق الثعلبي، أخبرنا ابن فنجويه، حدثنا ابن مالك، حدثنا ابن حنبل، حدثني أبي، حدثنا ابن نمير، حدثنا محمد يعني ابن عمرو عن يحيى بن عبدالرحمن بن حاطب، عن عبدالله بن الزبير،

عن الزبير بن العوام قال: لما نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم {ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ عِندَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ} قال الزبير: يا رسول الله أيكرر علينا ما كان بيننا في الدنيا مع خواص الذنوب؟ قال: "نعم ليكررن عليكم حتى يؤدى إلى كل ذي حق حقه" قال الزبير: والله إن الأمر لشديد.

وقال ابن عمر: عشنا برهة من الدهر وكنا نرى أن هذه الآية أنزلت فينا وفي أهل الكتابين {ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ عِندَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونََ}، قلنا: كيف نختصم وديننا وكتابنا واحد؟ حتى رأيت بعضنا يضرب وجوه بعض بالسيف، فعرفت أنها نزلت فينا.

وعن أبي سعيد الخدري في هذه الآية قال: كنا نقول ربنا واحد وديننا واحد ونبينا واحد فما هذه الخصومة؟ فلما كان يوم صفين وشد بعضنا على بعض بالسيوف قلنا: نعم هو هذا.

وعن إبراهيم قال: لما نزلت: {ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ عِندَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ} قالوا: كيف نختصم ونحن إخوان؟ فلما قتل عثمان قالوا: هذه خصومتنا؟

أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أخبرنا أبو محمد عبدالرحمن بن أبي شريح، أخبرنا أبو القاسم عبدالله بن محمد بن عبد العزيز البغوي، حدثنا علي بن الجعد، حدثنا ابن أبي ذئب، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

من كانت لأخيه عنده مظلمة من عرض أو مال فليتحلله اليوم قبل أن يؤخذ منه يوم لا دينار ولا درهم، فإن كان له عمل صالح أخذ منه بقدر مظلمته، وإن لم يكن له أخذ من سيئاته فجعلت عليه».

أخبرنا أبو عبد الله محمد بن الفضل الخرقي، أخبرنا أبو الحسن الطيسفوني، أخبرنا عبدالله بن عمر الجوهري، حدثنا أحمد بن علي الكشميهني، حدثنا علي بن حجر، حدثنا إسماعيل بن جعفر، عن العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:

"أتدرون من المفلس"؟ قالوا: المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع، قال: "إن المفلس من أمتي من يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة، وقد كان شتم هذا، وقذف هذا، وأكل مال هذا، وسفك دم هذا، وضرب هذا، فيقضى هذا من حسناته وهذا من حسناته، قال: فإن فنيت حسناته قبل أن يقضي ما عليه أُخذ من خطاياهم فطُرحتْ عليه ثم طرح في النار"

فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَذَبَ عَلَى ٱللَّهِ وَكَذَّبَ بِٱلصِّدْقِ إِذْ جَآءَهُۥٓ أَلَيْسَ فِى جَهَنَّمَ مَثْوًى لِّلْكَٰفِرِينَ ۝٣٢ وَٱلَّذِى جَآءَ بِٱلصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِۦٓ أُو۟لَٰٓئِكَ هُمُ ٱلْمُتَّقُونَ ۝٣٣ لَهُم مَّا يَشَآءُونَ عِندَ رَبِّهِمْ ذَٰلِكَ جَزَآءُ ٱلْمُحْسِنِينَ ۝٣٤ لِيُكَفِّرَ ٱللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ ٱلَّذِى عَمِلُوا۟ وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ ٱلَّذِى كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ ۝٣٥ أَلَيْسَ ٱللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُۥ وَيُخَوِّفُونَكَ بِٱلَّذِينَ مِن دُونِهِۦ وَمَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُۥ مِنْ هَادٍ ۝٣٦ وَمَن يَهْدِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُۥ مِن مُّضِلٍّ أَلَيْسَ ٱللَّهُ بِعَزِيزٍ ذِى ٱنتِقَامٍ ۝٣٧ وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ قُلْ أَفَرَءَيْتُم مَّا تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ إِنْ أَرَادَنِىَ ٱللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَٰشِفَٰتُ ضُرِّهِۦٓ أَوْ أَرَادَنِى بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَٰتُ رَحْمَتِهِۦ قُلْ حَسْبِىَ ٱللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ ٱلْمُتَوَكِّلُونَ ۝٣٨ قُلْ يَٰقَوْمِ ٱعْمَلُوا۟ عَلَىٰ مَكَانَتِكُمْ إِنِّى عَٰمِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ ۝٣٩ مَن يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُّقِيمٌ ۝٤٠ إِنَّآ أَنزَلْنَا عَلَيْكَ ٱلْكِتَٰبَ لِلنَّاسِ بِٱلْحَقِّ فَمَنِ ٱهْتَدَىٰ فَلِنَفْسِهِۦ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَآ أَنتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ ۝٤١ ٱللَّهُ يَتَوَفَّى ٱلْأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَٱلَّتِى لَمْ تَمُتْ فِى مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ ٱلَّتِى قَضَىٰ عَلَيْهَا ٱلْمَوْتَ وَيُرْسِلُ ٱلْأُخْرَىٰٓ إِلَىٰٓ أَجَلٍ مُّسَمًّى إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَٰتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ۝٤٢

قوله عزّ وجلّ: {فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَذَبَ علَى ٱللهِ}، فزعم أن له ولداً وشريكاً، {وَكَذَّبَ بِٱلصِّدْقِ}، بالقرآن {إِذْ جَآءَهُ أَلَيْسَ فِى جَهَنَّمَ مَثْوىً}، منزلٌ ومقام، {لِّلْكَـٰفِرِينَ}، استفهام بمعنى التقرير.

{وَٱلَّذِى جَآءَ بِٱلصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ}. قال ابن عباس: "والذي جاء بالصدق" يعني رسول الله صلى الله عليه وسلم جاء بلا إله إلا الله "وصدَّق به" الرسول أيضاً بلَّغه إلى الخلق. وقال السدي: "والذي جاء بالصدق" جبريل جاء بالقرآن، "وصدق به" محمد صلى الله عليه وسلم تلقاه بالقبول. وقال الكلبي وأبو العالية: "والذي جاء بالصدق" رسول الله صلى الله عليه وسلم، "وصدّق به" أبو بكر رضي الله عنه. وقال قتادة ومقاتل: "والذي جاء بالصدق" رسول الله صلى الله عليه وسلم، "وصدّق به" هم المؤمنون، لقوله عزّ وجلّ: {أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُتَّقُونَ}. وقال عطاء: "والذي جاء بالصدق" الأنبياء "وصدّق به" الأتباع، وحينئذ يكون الذي بمعنى: الذين، كقوله تعالى:

{ مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ ٱلَّذِى ٱسْتَوْقَدَ نَاراً }[البقرة: 17]، ثم قال: { ذَهَبَ ٱللهُ بِنُورِهِمْ }[البقرة: 17]. وقال الحسن: هم المؤمنون صدقوا به في الدنيا وجاؤوا به في الآخرة. وفي قراءة عبد الله بن مسعود: والذين جاؤوا بالصدق وصدقوا به. {أُولَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُتَّقُونَ}.

{لَهُم مَّا يَشَآءُونَ عِندَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ جَزَآءُ ٱلْمُحْسِنِينَ * لِيُكَـفِّرَ ٱللهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ ٱلَّذِى عَمِلُواْ}، يسترها عليهم بالمغفرة، {وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ ٱلَّذِي كَانُواْ يَعْمَلُونَ}، قال مقاتل: يجزيهم بالمحاسن من أعمالهم ولا يجزيهم بالمساوئ.

قوله عزّ وجلّ: {أَلَيْسَ ٱللهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ}؟ يعني: محمداً صلى الله عليه وسلم، وقرأ أبو جعفر وحمزة والكسائي، "عباده" بالجمع يعني: الأنبياء عليهم السلام، قصدهم قومهم بالسوء كما قال:

{ وَهَمَّتْ كُـلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأخُذُوهُ }[غافر: 5]، فكفاهم الله شر من عاداهم، {وَيُخَوِّفُونَكَ بِٱلَّذِينَ مِن دُونِهِ}، وذلك أنهم خوّفوا النبي صلى الله عليه وسلم معرَّة الأوثان. وقالوا: لتكفنّ عن شتم آلهتنا أو ليصيبنك منهم خبل أو جنون، {وَمَن يُضْلِلِ ٱللهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَـادٍ}.

{وَمَن يَهْدِ ٱللهُ فَمَا لَهُ مِن مُّضِلٍّ أَلَيْسَ ٱللهُ بِعَزِيزٍ ذِى ٱنتِقَامٍ}، منيع في ملكه، منتقم من أعدائه.

{وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ لَيَقُولُنَّ ٱللهُ قُلْ أَفَرَءَيْتُم مَّا تَدْعُونَ من دونِ ٱللهِ إنْ أَرَادَنِىَ ٱللهُ بِضُرٍّ}، بشدة وبلاء، {هَلْ هُنَّ كَـٰشِفَـٰتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِى بِرَحْمَةٍ}، بنعمة وبركة، {هَلْ هُنَّ مُمْسِكَـٰتُ رَحْمَتِهِ}، قرأ أهل البصرة: "كاشفاتٌ" و"ممسكاتٌ" بالتنوين، "ضرَّه" "ورحمتَه" بنصب الراء والتاء، وقرأ الآخرون بلا تنوين وجر الراء والتاء على الإضافة، قال مقاتل: فسألهم النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك فسكتوا، فقال الله تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم: {قُلْ حَسْبِىَ ٱللهُ}، ثقتي به واعتمادي عليه، {عَلَيْهِ يَتَوَكَّـلُ ٱلْمُتَوَكِّلُونَ}، يثق به الواثقون.

{قُلْ يٰقَوْمِ ٱعْمَلُواْ عَلَىٰ مَكَانَتِكُـمْ إِنِّى عَـٰمِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ * مَن يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُّقِيمٌ}، أي: ينزل عليه عذاب دائم.

{إِنَّآ أَنزَلْنَا عَلَيْكَ ٱلْكِتَـٰبَ لِلنَّـاسِ بِٱلْحَقِّ فَـمَنِ ٱهْتَـدَىٰ فَلِنَفْسِهِ وَمَن ضَـلَّ فَإنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا}، وبال ضلالته عليه، {وَمَآ أَنتَ عَلَيْهِم بِوَكِـيلٍ}، بحفيظ ورقيب لم توكل بهم ولا تؤاخذ بهم.

قوله عزّ وجلّ: {ٱللهُ يَتَوَفَّى ٱلأَنفُسَ}، أي: الأرواح، {حِينَ مِوْتِـهَا}، فيقبضها عند فناء أكلها وانقضاء أجلها، وقوله: {حِينَ مِوْتِـهَا} يريد موت أجسادها. {وَٱلَّتِى لَمْ تَمُتْ}، يريد يتوفى الأنفس التي لم تمت، {فِى مَنَامِـهَا}، والتي تتوفى عند النوم هي النفس التي يكون بها العقل والتمييز، ولكل إنسان نفسان: إحداهما نفس الحياة وهي التي تفارقه عند الموت فتزول بزوالها النفس، والأخرى نفس التمييز وهي التي تفارقه إذا نام، وهو بعد النوم يتنفس. {فَيُمْسِكُ ٱلَّتِى قَضَىٰ عَلَيْهَا ٱلْمَوْتَ}، فلا يردها إلى الجسد.

قرأ حمزة والكسائي "قُضِيَ" بضم القاف وكسر الضاد وفتح الياء، "الموتُ" رفع على ما لم يُسم فاعلهُ، وقرأ الآخرون بفتح القاف والضاد، "الموتَ" نصب لقوله عزّ وجلّ: {ٱللهُ يَتَوَفَّى ٱلأَنفُسَ}. {وَيُرْسِلُ ٱلأُخْرَىٰ}، ويرد الأخرى وهي التي لم يقضِ عليها الموت إلى الجسد، {إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى}، إلى أن يأتي وقت موته.

ويقال: للإِنسان نفس وروح، فعند النوم تخرج النفس وتبقي الروح. وعن علي قال: تخرج الروح عند النوم ويبقى شعاعه في الجسد، فبذلك يرى الرؤيا، فإذا انتبه من النوم عاد الروح إلى جسده بأسرع من لحظة. ويقال: إن أرواح الأحياء والأموات تلتقي في المنام فتتعارف ما شاء الله، فإذا أرادت الرجوع إلى أجسادها أمسك الله أرواح الأموات عنده، وأرسل أرواح الأحياء حتى ترجع إلى أجسادها إلى انقضاء مدة حياتها.

أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا أحمد بن يونس، حدثنا زهير، حدثنا عبد الله بن عمر حدثني سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبيه، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

إذا أوى أحدكم إلى فراشه فلينفض فراشه بداخلة إزاره فإنه لا يدري ما خلفه عليه، ثم يقول: باسمك ربي وضعت جنبي وبك أرفعه، إن أمسكت نفسي فارحمها، وإن أرسلتها فاحفظها بما تحفظ به عبادك الصالحين».

{إِنَّ فِى ذَلِكَ لأَيَـٰتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ}، لدلالات على قدرته حيث لم يغلط في إمساك ما يمسك من الأرواح، وإرسال ما يرسل منها.

قال مقاتل: لعلامات لقوم يتفكرون في أمر البعث، يعني: إنَّ توفي نفس النائم وإرسالها بعد التوفي دليل على البعث.

أَمِ ٱتَّخَذُوا۟ مِن دُونِ ٱللَّهِ شُفَعَآءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا۟ لَا يَمْلِكُونَ شَيْـًٔا وَلَا يَعْقِلُونَ ۝٤٣ قُل لِّلَّهِ ٱلشَّفَٰعَةُ جَمِيعًا لَّهُۥ مُلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ۝٤٤ وَإِذَا ذُكِرَ ٱللَّهُ وَحْدَهُ ٱشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ ٱلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِٱلْـَٔاخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ ٱلَّذِينَ مِن دُونِهِۦٓ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ ۝٤٥ قُلِ ٱللَّهُمَّ فَاطِرَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ عَٰلِمَ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَٰدَةِ أَنتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِى مَا كَانُوا۟ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ۝٤٦

{أَمِ ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِ ٱللهِ شُفَعَآءَ قُلْ}، يا محمد، {أَوَلَوْ كَـانُواْ}، وإن كانوا يعني الآلهة، {لاَ يَمْلِكُونَ شَيْئاً}، من الشفاعة، {وَلاَ يَعْقِلُونَ}، أنكم تعبدونهم. وجواب هذا محذوف تقديره: وإن كانوا بهذه الصفة تتخذونهم.

{قُل للهِ ٱلشَّفَـٰعَةُ جَمِيعاً}، قال مجاهد: لا يشفع أحد إلاّ بإذنه، {لَّهُ مُلْكُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ * وَإِذَا ذُكِرَ ٱللهُ وَحْدَهُ ٱشْمَأَزَّتْ}، نفرت، وقال ابن عباس ومجاهد ومقاتل: انقبضت عن التوحيد. وقال قتادة: استكبرت. وأصل الاشمئزاز النفور والاستكبار, {قُلُوبُ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱلأَخِرَةِ}.

{وَإِذَا ذُكِرَ ٱلَّذِينَ مِن دُونِهِ}, يعني: الأصنام, {إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ}, يفرحون، قال مجاهد ومقاتل: وذلك حين قرأ النبي صلى الله عليه وسلم سورة والنجم فألقى الشيطان في أمنيته: تلك الغرانيق العلى، ففرح به الكفار.

{قُلِ ٱللَّهُمَّ فَاطِرَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ عَالِمَ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَـٰدَةِ أَنتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِى مَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ}, أخبرنا الإمام أبو علي الحسين بن محمد القاضي، أخبرنا أبو نعيم الإسفرايني، أخبرنا أبو عوانة، حدثنا السلمي، حدثنا النصر بن محمد، حدثنا عكرمة بن عمار، أخبرنا يحيى بن أبي كثير،

حدثنا أبو سلمة قال: سألت عائشة رضي الله عنها بِمَ كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفتتح الصلاة من الليل؟ قالت: كان يقول: "اللهمَّ ربَّ جبريل وميكائيل وإسرافيل، فاطرَ السموات والأرض عالم الغيب والشهادة أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم"

وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا۟ مَا فِى ٱلْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُۥ مَعَهُۥ لَٱفْتَدَوْا۟ بِهِۦ مِن سُوٓءِ ٱلْعَذَابِ يَوْمَ ٱلْقِيَٰمَةِ وَبَدَا لَهُم مِّنَ ٱللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا۟ يَحْتَسِبُونَ ۝٤٧ وَبَدَا لَهُمْ سَيِّـَٔاتُ مَا كَسَبُوا۟ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُوا۟ بِهِۦ يَسْتَهْزِءُونَ ۝٤٨ فَإِذَا مَسَّ ٱلْإِنسَٰنَ ضُرٌّ دَعَانَا ثُمَّ إِذَا خَوَّلْنَٰهُ نِعْمَةً مِّنَّا قَالَ إِنَّمَآ أُوتِيتُهُۥ عَلَىٰ عِلْمٍۭ بَلْ هِىَ فِتْنَةٌ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ۝٤٩ قَدْ قَالَهَا ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَمَآ أَغْنَىٰ عَنْهُم مَّا كَانُوا۟ يَكْسِبُونَ ۝٥٠

قوله عزّ وجلّ: {وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُواْ مَا فِى ٱلأَرْضِ جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ لاَفْتَدَوْاْ بِهِ مِن سُوۤءِ ٱلْعَذَابِ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ وَبَدَا لَهُمْ مِّنَ ٱللهِ مَا لَمْ يَكُونُواْ يَحْتَسِبُونَ}، قال مقاتل: ظهر لهم حين بعثوا ما لم يحتسبوا في الدنيا أنه نازل بهم في الآخرة. قال السدي: ظنوا أنها حسنات فبدت لهم سيئات، والمعنى: أنهم كانوا يتقربون إلى الله بعبادة الأصنام، فلما عوقبوا عليها بدَا لهم من الله ما لم يحتسبوا. ورُوي أن محمد بن المنكدر جزع عند الموت، فقيل له في ذلك فقال: أخشى أن يبدو لي ما لم أحتسب.

{وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَـسَبُواْ}، أي: مساوئ أعمالهم من الشرك والظلم بأولياء الله. {وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ}.

{فَإِذَا مَسَّ ٱلإِنسَـٰنَ ضُرٌّ}، شدة، {دَعَانَا ثُمَّ إِذَا خَوَّلْنَـٰهُ}، أعطيناه، {نِعْمَةً مِّنَّا قَالَ إِنَّمَآ أُوتِيتُهُ عَلَىٰ عِلْمٍ}، أي: على علم من الله أني له أهل. وقال مقاتل: على خير علمه الله عندي، وذَكر الكناية لأن المراد من النعمة الإنعام، {بَلْ هِىَ فِتْنَةٌ}، يعني: تلك النعمة فتنة استدراج من الله تعالى وامتحان وبلية. وقيل: بل كلمته التي قالها فتنة. {وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ}، أنه استدراج وامتحان.

{قَدْ قَالَهَا ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ}، قال مقاتل: يعني قارون فإنه قال:

{ إِنَّمَآ أُوتِيتُهُ عَلَىٰ عِلْمٍ عِندِىۤ }[القصص: 78] {فَمَآ أَغْنَىٰ عَنْهُم مَّا كَانُواْ يَكْسِبُونَ}، فما أغنى عنهم الكفر من العذاب شيئاً.

فَأَصَابَهُمْ سَيِّـَٔاتُ مَا كَسَبُوا۟ وَٱلَّذِينَ ظَلَمُوا۟ مِنْ هَٰٓؤُلَآءِ سَيُصِيبُهُمْ سَيِّـَٔاتُ مَا كَسَبُوا۟ وَمَا هُم بِمُعْجِزِينَ ۝٥١ أَوَلَمْ يَعْلَمُوٓا۟ أَنَّ ٱللَّهَ يَبْسُطُ ٱلرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ وَيَقْدِرُ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَٰتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ۝٥٢ قُلْ يَٰعِبَادِىَ ٱلَّذِينَ أَسْرَفُوا۟ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا۟ مِن رَّحْمَةِ ٱللَّهِ إِنَّ ٱللَّهَ يَغْفِرُ ٱلذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُۥ هُوَ ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ ۝٥٣

{فَأَصَـٰبَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُواْ}، أي: جزاؤها يعني العذاب. ثم أوعد كفار مكة فقال: {وَٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْ هَـٰؤُلاَءِ سَيُصِيبُهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُواْ وَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ}، بفائتين لأن مرجعهم إلى الله عزّ وجلّ.

{أَوَلَمْ يَعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللهَ يَبْسُطُ ٱلرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ} أي: يوسع الرزق لمن يشاء {وَيَقْدِرُ}، أي: يقتر على من يشاء، {إِنَّ فِى ذَلِكَ للأَيَـٰتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ}.

قوله عزّ وجلّ: {قُلْ يٰعِبَادِىَ ٱلَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُواْ مِن رَّحْمَةِ ٱللهِ}. روى سعيد بن جبير عن ابن عباس: أن ناساً من أهل الشرك كانوا قتلوا وأكثروا، وزنوا وأكثروا، فأتوا النبي صلى الله عليه وسلم وقالوا: إن الذي تدعو إليه لحسن لو تخبرنا أن لما عملنا كفارة، فنزلت هذه الآية.

وقال عطاء بن أبي رباح عن ابن عباس رضي الله عنهما: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى وحشي يدعوه إلى الإسلام، فأرسل إليه: كيف تدعوني إلى دينك وأنت تزعم أن من قتل أو أشرك أو زنى يلق آثاماً، يضاعف له العذاب، وأنا قد فعلت ذلك كله، فأنزل الله عزّ وجلّ:

{ إِلاَّ مَن تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ صَـٰلِحاً }[مريم: 60] فقال وحشي: هذا شرط شديد لعلّي لا أقدر عليه فهل غير ذلك؟ فأنزل الله تعالى: { إِنَّ ٱللهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ }[النساء: 48 و116]، فقال وحشي: أراني بعد في شبهة، فلا أدري يغفر لي أم لا؟ فأنزل الله تعالى: {قُلْ يٰعِبَادِىَ ٱلَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُواْ مِن رَّحْمَةِ ٱللهِ}، فقال وحشي: نعم هذا، فجاء وأسلم، فقال المسلمون: هذا له خاصة أم للمسلمين عامة؟ فقال: بل للمسلمين عامة.

ورُوي عن ابن عمر قال: نزلت هذه الآيات في عياش بن أبي ربيعة والوليد بن الوليد ونفر من المسلمين كانوا قد أسلموا ثم فتنوا وعذبوا، فافتتنوا فكنّا نقول: لا يقبل الله من هؤلاء صرفاً ولا عدلاً أبداً، وقوم أسلموا ثم تركوا دينهم لعذاب عذبوا فيه، فأنزل الله تعالى هذه الآيات، فكتبها عمر بن الخطاب بيده ثم بعث بها إلى عياش بن ربيعة والوليد بن الوليد وإلى أولئك النفر فأسلموا وهاجروا.

وروى مقاتل بن حيان عن نافع عن ابن عمر قال: كنّا معاشر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم نُرى أو نقول: ليس بشيء من حسناتنا إلاَّ وهي مقبولة حتى نزلت:

{ أَطِيعُواْ ٱللهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ وَلاَ تُبْطِلُوۤاْ أَعْمَالكُمْ }[محمد: 33]، فلما نزلت هذه الآية قلنا: ما هذا الذي يبطل أعمالنا؟ فقلنا الكبائر والفواحش، قال: فكنّا إذا رأينا من أصاب شيئاً منها قلنا قد هلك، فنزلت هذه الآية، فكففنا عن القول في ذلك، فكنّا إذا رأينا أحداً أصاب منها شيئاً خفنا عليه، وإن لم يصب منها شيئاً رجونا له. وأراد بالإسراف ارتكاب الكبائر.

وروي عن ابن مسعود أنه دخل المسجد فإذا قاص يقص وهو يذكر النار والأغلال، فقام على رأسه فقال: يا مذكر لم تقنّطُ الناسَ؟ ثم قرأ: {يٰعِبَادِىَ ٱلَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُواْ مِن رَّحْمَةِ ٱلله}.

أخبرنا أبو بكر بن أبي الهيثم الترابي، أخبرنا أبو محمد عبد الله بن أحمد الحموي، أخبرنا أبو إسحاق إبراهيم بن خزيم الشاشي، حدثنا عبدالله بن حميد، حدثنا حيان بن هلال وسليمان بن حرب وحجاج بن منهال قالوا: حدثنا حماد بن سلمة عن ثابت، عن شهر بن حوشب، عن أسماء بنت يزيد قالت: سمعتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يقول:

{يٰعِبَادِىَ ٱلَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُواْ مِن رَّحْمَةِ ٱللهِ إِنَّ ٱللهَ يَغْفِرُ ٱلذُّنُوبَ جَمِيعاً} ولا يبالي».

أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبدالله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل حدثنا محمد بن بشار، حدثنا محمد بن أبي عدي عن شعبة عن قتادة عن أبي الصِّدِّيق الناجي عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

كان في بني إسرائيل رجل قتل تسعةً وتسعين إنساناً، ثم خرج يسأل فأتى راهباً فسأله، فقال: هل لي من توبة؟ فقال: لا، فقتله فكمل به المائة، فقال له رجل: ائتِ قريةَ كذا وكذا، فأدركه الموت فَنأَى بصدره نحوها، فاختصمت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب، فأوحى الله تعالى إلى هذه أن تقربي وأوحى إلى هذه أن تباعدي، وقال: قيسوا ما بينهما فوُجِدَ إلى هذه أقرب بشبر فغفر له».

ورواه مسلم بن الحجاج عن محمد بن المثني العنبري عن معاذ بن هشام عن أبيه عن قتادة بهذا الإِسناد، وقال:

فَدُلّ على راهب فأتاه فقال إنّه قتل تسعة وتسعين نفساً فهل له من توبة؟ فقال له: لا فقتله وكمل به مائة، ثم سأل عن أعلم أهل الأرض فدل على رجل عالم، فقال له: قتلت مائة نفس فهل لي من توبة؟ فقال: نعم، ومن يحول بينه وبين التوبة؟ انطلق إلى أرض كذا وكذا فإن بها أناساً يعبدون الله فاعبدِ اللهَ معهم ولا ترجع إلى أرضك فإنها أرض سوء، فانطلق حتى إذا كان نصف الطريق أتاه الموت، فاختصمت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب، فأتاهم ملك في صورة آدمي فجعلوه بينهم، فقال: قيسوا ما بين الأرضين فإلى أيتهما كان أدنى فهو له، فقاسوا فوجدوه أدنى إلى الأرض التي أراد، فقبضته ملائكة الرحمة».

أخبرنا أبو الحسن السرخسي، أخبرنا زاهر بن أحمد، أخبرنا أبو إسحاق إبراهيم بن عبدالصمد الهاشمي، أخبرنا أبو مصعب، عن مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:

قال رجل - لم يعمل خيراً قط - لأهله إذا مات فحرِّقوه، ثم اذروا نصفه في البر ونصفه في البحر فوالله لئن قدر الله عليه ليعذبنه عذاباً لا يعذبه أحداً من العالمين، قال: فلما مات فعلوا ما أمرهم، فأمر الله البحر فجمع ما فيه وأمر البر فجمع ما فيه، ثم قال له: لِمَ فعلتَ هذا؟ قال: من خشيتك يا رب وأنت أعلم، فغفر له».

أخبرنا أبو بكر محمد بن عبدالله بن أبي توبة، أخبرنا أبو طاهر محمد بن أحمد بن الحارث، أخبرنا أبو الحسن محمد بن يعقوب الكسائي، أخبرنا عبدالله بن محمود، أخبرنا إبراهيم بن عبدالله الخلال، حدثنا عبدالله بن المبارك عن عكرمة بن عمار، حدثنا ضمضم بن جوسٍ قال: دخلت مسجد المدينة فناداني شيخ، فقال: يا يماني تعال، وما أعرفه، فقال: لا تقولن لرجل: والله لا يغفر الله لك أبداً، ولا يدخلك الله الجنة، قلت: ومن أنت يرحمك الله؟ قال: أبو هريرة، قال فقلت: إن هذه الكلمة يقولها أحدنا لبعض أهله إذا غضب أو لزوجته أو لخادمه، قال: فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:

إن رجلين كانا في بني إسرائيل متحابين أحدهما مجتهد في العبادة والآخر يقول كأنه مذنب، فجعل يقول: أقصِرْ أقصِرْ عمّا أنت فيه، قال فيقول خلِّني وربي، قال: حتى وجده يوماً على ذنب استعظمه، فقال: اقصر، فقال: خلني وربي أبُعثتَ عليَّ رقيباً؟ فقال: واللهِ لا يغفر اللهُ لك أبداً، ولا يدخلك الجنة أبداً. قال: فبعث الله إليهما ملَكاً فقبض أرواحهما فاجتمعا عنده، فقال للمذنب: ادخل الجنة برحمتي، وقال للآخر: أتستطيع أن تحظر على عبدي رحمتي؟ فقال: لا يا رب، فقال اذهبوا به إلى النار قال أبو هريرة: والذي نفسي بيده لتكلم بكلمة أوبقت دنياه وآخرته.

قوله عزّ وجلّ: {إِنَّ ٱللهَ يَغْفِرُ ٱلذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ}.

أخبرنا عبد الرحمن بن أبي بكر القَفَّال، أخبرنا أبو مسعود محمد ابن أحمد بن يونس الخطيب، حدثنا محمد بن يعقوب الأصم، حدثنا أبو قلابة، حدثنا أبو عاصم، حدثنا زكريا بن إسحاق عن عمرو بن دينار عن عطاء عن ابن عباس في قوله تعالى

{ إِلاَّ ٱللَّمَمَ }[النجم: 32] قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

"إن تغفرِ اللهمّ تغفرْ جمَّا وأيُّ عبدٍ لك إلا ألمّا"

وَأَنِيبُوٓا۟ إِلَىٰ رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا۟ لَهُۥ مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ ٱلْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنصَرُونَ ۝٥٤ وَٱتَّبِعُوٓا۟ أَحْسَنَ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ ٱلْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنتُمْ لَا تَشْعُرُونَ ۝٥٥

قوله عزّ وجلّ: {وَأَنِـيبُوۤاْ إِلَىٰ رَبِّكُمْ}، أقبلوا وارجعوا إليه بالطاعة، {وَأَسْلِمُواْ لَهُ}، أخلصوا له التوحيد، {مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ ٱلْعَذَابُ ثُمَّ لاَ تُنصَرُونَ}.

{وَٱتَّبِعُـوۤاْ أَحْسَنَ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُـمْ}، يعني: القرآن، والقرآن كله حسن، ومعنى الآية ما قاله الحسن: التزموا طاعته واجتنبوا معصيته، فإن القرآن ذكر القبيح لتجتنبه، وذكر الأَدْون لئلا ترغب فيه، وذكر الأحسن لتؤثره. قال السدي: "الأحسن" ما أمر الله به في الكتاب، {مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُـمُ ٱلْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنتُمْ لاَ تَشْعُرُونَ}.

الخميس، 22 أكتوبر 2026 11 جمادى الأولى 1448 هـ