انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة فصلت

تفسير الطبريالآيات 45–54

تفسير سورة فصلت آية آية، من تفسير الطبري.

استمع إلى تفسير سورة فصلت

الخلاصة من تفسير الطبري · 4 مقاطع · 37:45

  1. 1 الآيات 25–46في هذه الصفحة 16:54
  2. 2 الآيات 47–54في هذه الصفحة 6:24

التفسير الصوتي لسورة فصلت كاملًا (4 مقاطع)

وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا مُوسَى ٱلْكِتَٰبَ فَٱخْتُلِفَ فِيهِ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ لَقُضِىَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَفِى شَكٍّ مِّنْهُ مُرِيبٍ ۝٤٥

يقول تعالى ذكره: {وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى} الكِتابَ يا محمد، يعني التوراة، كما آتيناك الفرقان، {فاخْتُلِفَ فِيهِ} يقول: فاختلف في العمل بما فيه الذين أوتوه من اليهود {وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنِهُمْ} يقول: ولولا ما سبق من قضاء الله وحكمه فيهم أنه أخر عذابهم إلى يوم القيامة {لقضي بينهم} يقول: لعجل الفصل بينهم فيما اختلفوا فيه بإهلاكه المبطلين منهم، كما:

حدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السديّ، في قوله: {وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ} قال: أخروا إلى يوم القيامة.

وقوله: {وإنَّهُمْ لَفِي شَكِّ مِنْهُ مُرِيبٍ} يقول: وإن الفريق المبطل منهم لفي شكّ مما قالوا فيه {مُريب} يقول: يريبهم قولهم فيه ما قالوا، لأنهم قالوا بغير ثبت، وإنما قالوه ظنًّا.

مَّنْ عَمِلَ صَٰلِحًا فَلِنَفْسِهِۦ وَمَنْ أَسَآءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّٰمٍ لِّلْعَبِيدِ ۝٤٦

يقول تعالى ذكره: من عمل بطاعة الله في هذه الدنيا، فأتمر لأمره، وانتهى عما نهاه عنه {فَلِنَفْسِهِ} يقول: فلنفسه عمل ذلك الصالح من العمل، لأنه يجازى عليه جزاءه، فيستوجب في المعاد من الله الجنة، والنجاة من النار، {وَمَنْ أساءَ فَعَلَيْها} يقول: ومن عمل بمعاصي الله فيها، فعلى نفسه جنى، لأنه أكسبها بذلك سخط الله، والعقاب الأليم {وَما رَبُّكَ بِظَلاَّمٍ للْعَبيدِ} يقول تعالى ذكره: وما ربك يا محمد بحامل عقوبة ذنب مذنب على غير مكتسبه، بل لا يعاقب أحداً إلا على جرمه الذي اكتسبه في الدنيا، أو على سبب استحقه به منه، والله أعلم.

إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ ٱلسَّاعَةِ وَمَا تَخْرُجُ مِن ثَمَرَٰتٍ مِّنْ أَكْمَامِهَا وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنثَىٰ وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِۦ وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ أَيْنَ شُرَكَآءِى قَالُوٓا۟ ءَاذَنَّٰكَ مَا مِنَّا مِن شَهِيدٍ ۝٤٧

يقول تعالى ذكره: إلى الله يردّ العالمون به علم الساعة، فإنه لا يعلم ما قيامها غيره {وَما تَخْرُجُ مِنْ ثَمَرَاتٍ مِنْ أكمَامِها} يقول: وما تظهر من ثمرة شجرة من أكمامها التي هي متغيبة فيها، فتخرج منها بارزة{ وَما تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى} يقول: وما تحمل من أنثى من حمل حين تحمله، ولا تضع ولدها إلا بعلم من الله، لا يخفى عليه شيء من ذلك. وبنحو الذي قلنا في معنى قوله: {وَما تَخْرُجُ مِنْ ثَمَرَاتٍ مِنْ أكمامها} قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعاً، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله: {مِنْ أكمَامِها} قال: حين تطلعُ.

حدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السديّ{ وَما تَخْرُجُ مِنْ ثَمَرة مِنْ أكمَامِها} قال: من طلعها والأكمام جمع كُمة، وهو كل ظرف لماء أو غيره، والعرب تدعو قشر الكفرَّاة كُمًّا.

واختلفت القرّاء في قراءة قوله:{ مِنْ ثَمَرَاتٍ} فقرأت ذلك قرّاء المدينة: {مِنْ ثَمَرَاتٍ} على الجماع، وقرأت قرّاء الكوفة «مِنْ ثَمَرَةٍ» على لفظ الواحدة، وبأيّ القراءتين قرىء ذلك فهو عندنا صواب لتقارب معنييهما مع شهرتهما في القراءة.

وقوله: {وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ أيْنَ شُرَكائي} يقول تعالى ذكره: ويوم ينادي الله هؤلاء المشركين به في الدنيا الأوثان والأصنام: أين شركائي الذين كنتم تشركونهم في عبادتكم إياي؟ { قالُوا آذَنّاكَ} يقول: أعلمناك {ما مِنَّا مِنْ شَهِيد} يقول: قال هؤلاء المشركون لربهم يومئذٍ: ما منا من شهيد يشهد أن لك شريكاً. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:

حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله:{ آذَنَّاكَ} يقول: أعلمناك.

حدثني محمد، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثنا أسباط، عن السديّ، في قوله: {آذَنَّاكَ ما مِنَّا مِنْ شَهِيدٍ} قالوا: أطعناك ما منا من شهيد على أن لك شريكاً.

وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُوا۟ يَدْعُونَ مِن قَبْلُ وَظَنُّوا۟ مَا لَهُم مِّن مَّحِيصٍ ۝٤٨ لَّا يَسْـَٔمُ ٱلْإِنسَٰنُ مِن دُعَآءِ ٱلْخَيْرِ وَإِن مَّسَّهُ ٱلشَّرُّ فَيَـُٔوسٌ قَنُوطٌ ۝٤٩

يقول تعالى ذكره: وضلّ عن هؤلاء المشركين يوم القيامة آلهتهم التي كانوا يعبدونها في الدنيا، فأخذ بها طريق غير طريقهم، فلم تنفعهم، ولم تدفع عنهم شيئاً من عذاب الله الذي حلّ بهم.

وقوله:{ وَظَنُّوا ما لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ } يقول: وأيقنوا حينئذٍ ما لهم من ملجأ: أي ليس لهم ملجأ يلجأون إليه من عذاب الله. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السديّ {وَظَنُّوا ما لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ}: استيقنوا أنه ليس لهم ملجأ.

واختلف أهل العربية في المعنى الذي من أجله أبطل عمل الظنّ في هذا الموضع، فقال بعض أهل البصرة: فعل ذلك، لأن معنى قوله: { وَظَنُّوا}: استيقنوا. قال: و{ما} ههنا حرف وليس باسم، والفعل لا يعمل في مثل هذا، فلذلك جعل الفعل ملغًى. وقال بعضهم: ليس يلغى الفعل وهو عامل في المعنى إلا لعلة. قال: والعلة أنه حكاية، فإذا وقع على ما لم يعمل فيه كان حكايةً وتمنياً، وإذا عمل فهو على أصله.

وقوله: {لاَ يَسأَمُ الإنْسانُ مِنْ دُعاءِ الخَيرِ} يقول تعالى ذكره: لا يملّ الكافر بالله من دعاء الخير، يعني من دعائه بالخير، ومسألته إياه ربَّه. والخير في هذا الموضع: المال وصحة الجسم، يقول: لا يملّ من طلب ذلك {وَإنْ مَسَّهُ الشَّرُّ} يقول: وإن ناله ضرّ في نفسه من سُقم أو جهد في معيشته، أو احتباس من رزقه {فَيَئُوسٌ قَنُوطٌ} يقول: فإنه ذو يأس من روح الله وفرجه، قنوط من رحمته، ومن أن يكشف ذلك الشرّ النازل به عنه. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السديّ {لا يَسأَمُ الإنْسانُ مِنْ دُعاءِ الخَيْرِ } يقول: الكافر{وَإنْ مَسَّهُ الشَّرُّ فَيَؤسٌ قَنُوطٌ}: قانط من الخير.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله:{ لا يَسأَمُ الإنْسانُ } قال: لا يملّ. وذُكر أن ذلك في قراءة عبد الله: «لا يَسأَمُ الإنْسانُ مِنْ دُعاءٍ بالخَيْرِ».

وَلَئِنْ أَذَقْنَٰهُ رَحْمَةً مِّنَّا مِنۢ بَعْدِ ضَرَّآءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هَٰذَا لِى وَمَآ أَظُنُّ ٱلسَّاعَةَ قَآئِمَةً وَلَئِن رُّجِعْتُ إِلَىٰ رَبِّىٓ إِنَّ لِى عِندَهُۥ لَلْحُسْنَىٰ فَلَنُنَبِّئَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ بِمَا عَمِلُوا۟ وَلَنُذِيقَنَّهُم مِّنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ ۝٥٠

يقول تعالى ذكره: ولئن نحن كشفنا عن هذا الكافر ما أصابه من سقم في نفسه وضرّ، وشدّة في معيشته وجهد، رحمة منا، فوهبنا له العافية في نفسه بعد السقم، ورزقناه مالاً، فوسَّعنا عليه في معيشته من بعد الجهد والضرّ {لَيَقُولَنَّ هَذَا لي} عند الله، لأن الله راضٍ عني برضاه عملي، وما أنا عليه مقيم، كما:

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن قال: ثنا ورقاء جميعاً، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد {لَيَقُولَنَّ هَذَا لي}: أي بعملي، وأنا محقوق بهذا {وَما أظُنُّ السَّاعَةَ قائمَةً} يقول: وما أحسب القيامة قائمة يوم تقوم { وَلَئِنَ رُّجِعْتُ إلى رَبيّ} يقول: وإن قامت أيضاً القيامة، ورددت إلى الله حياً بعد مماتي {إنَّ لي عِنْدَهُ لَلْحُسْنَى} يقول: إن لي عنده غنىً ومالاً. كما:

حدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السديّ، في قوله: {إنَّ لي عِنْدَهُ لَلْحُسْنَى} يقول: غنى{ فَلَنُنَبِّئَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِما عَمِلُوا} يقول تعالى ذكره: فلنخبرنّ هؤلاء الكفار بالله، المتمنين عليه الأباطيل يوم يرجعون إليه بما عملوا في الدنيا من المعاصي، واجترحوا من السيئات، ثم لنجازينّ جميعهم على ذلك جزاءهم {وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ} وذلك العذاب الغليظ تخليدهم في نار جهنم، لا يموتون فيها ولا يحيون.

وَإِذَآ أَنْعَمْنَا عَلَى ٱلْإِنسَٰنِ أَعْرَضَ وَنَـَٔا بِجَانِبِهِۦ وَإِذَا مَسَّهُ ٱلشَّرُّ فَذُو دُعَآءٍ عَرِيضٍ ۝٥١

يقول تعالى ذكره: وإذا نحن أنعمنا على الكافر، فكشفنا ما به من ضرّ، ورزقناه غنىً وسعةً، ووهبنا له صحة جسم وعافية، أعرض عما دعوناه إليه من طاعته، وصدّ عنه{ وَنأَى بجانِبِهِ } يقول: وبعد من إجابتنا إلى ما دعوناه إليه، ويعني بجانبه بناحيته. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السديّ، في قوله: {أعْرَضَ وَنأَى بِجانِبِهِ } يقول: أعرض: صدّ بوجهه، ونأى بجانبه: يقول: تباعد.

وقوله:{ وَإذَا مَسَّه الشَّرُّ فَذُو دُعاءٍ عَرِيضٍ } يعني بالعريض: الكثير. كما:

حدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السديّ{ فَذُو دُعاءٍ عَرِيضٍ } يقول: كثير، وذلك قول الناس: أطال فلان الدعاء: إذا أكثر، وكذلك أعرض دعاءه.

قُلْ أَرَءَيْتُمْ إِن كَانَ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُم بِهِۦ مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِى شِقَاقٍۭ بَعِيدٍ ۝٥٢

يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم {قُلْ} يا محمد للمكذّبين بما جئتهم به من عند ربِّك من هذا القرآن {أرَأَيْتُمْ} أيها القوم {إنْ كانَ} هذا الذي تكذّبون به {مِنْ عِنْدِ اللّهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ} ألستم فِي فِراقٍ للحق وبعدٍ من الصواب، فجعل مكان التفريق الخبر، فقال:{ مَنْ أضَلُّ مِمَّنْ هُوَ في شِقاقٍ بَعَيدٍ} إذا كان مفهوماً معناه.

وقوله: {مَنْ أضَلُّ مِمَّنْ هُوَ في شِقاقٍ بَعَيدٍ} يقول: قل لهم من أشدّ ذهاباً عن قصد السبيل، وأسلك لغير طريق الصواب، ممن هو في فراقٍ لأمر الله وخوفٍ له، بعيد من الرشاد.

سَنُرِيهِمْ ءَايَٰتِنَا فِى ٱلْـَٔافَاقِ وَفِىٓ أَنفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ ٱلْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُۥ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ شَهِيدٌ ۝٥٣

يقول تعالى ذكره: سنُري هؤلاء المكذّبين، ما أنزلنا على محمد عبدنا من الذكر، آياتنا في الآفاق.

واختلف أهل التأويل في معنى الآيات التي وعد الله هؤلاء القوم أن يريهم، فقال بعضهم: عنى بالآيات في الآفاق وقائع النبيّ صلى الله عليه وسلم بنواحي بلد المشركين من أهل مكة وأطرافها، وبقوله: {وفِي أنْفُسِهِمْ} فتح مكة. ذكر من قال ذلك:

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا ابن يمان، عن سفيان، عن عمرو بن دينار، عن عمرو بن أبي قيس، عن المنهال، في قوله: {سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الآفاقِ} قال: ظهور محمد صلى الله عليه وسلم على الناس.

حدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السديّ {سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الآفاقِ} يقول: ما نفتح لك يا محمد من الآفاق {وفِي أنْفُسِهِمْ} في أهل مكة، يقول: نفتح لك مكة.

وقال آخرون: بل عنى بذلك أن يريهم نجوم الليل وقمره، وشمس النهار، وذلك ما وعدهم أنه يريهم في الآفاق. وقالوا: عنى بالآفاق: آفاق السماء، وبقوله: {وفِي أنْفُسِهِمْ} سبيل الغائط والبول. ذكر من قال ذلك:

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله:{ سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الآفاقِ وفِي أنْفُسِهِمْ } قال: آفاق السموات: نجومها وشمسها وقمرها اللاتي يجرين، وآيات في أنفسهم أيضاً.

وأولى القولين في ذلك بالصواب القول الأوّل، وهو ما قاله السديّ، وذلك أن الله عزّ وجلّ وعد نبيه صلى الله عليه وسلم أن يُري هؤلاء المشركين الذين كانوا به مكذّبين آيات في الآفاق، وغير معقول أن يكون تهدّدهم بأن يريهم ما هم راؤوه، بل الواجب أن يكون ذلك وعداً منه لهم أن يريهم ما لم يكونوا رأوه قبل من ظهور نبيّ الله صلى الله عليه وسلم على أطراف بلدهم وعلى بلدهم، فأما النجوم والشمس والقمر، فقد كانوا يرونها كثيراً قبل وبعد ولا وجه لتهدّدهم بأنه يريهم ذلك.

وقوله: {حتى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أنَّهُ الحَقُّ} يقول جلّ ثناؤه: أري هؤلاء المشركين وقائعنا بأطرافهم وبهم حتى يعلموا حقيقة ما أنزلنا إلى محمد، وأوحينا إليه من الوعد له بأنا مظهرو ما بعثناه به من الدين على الأديان كلها، ولو كره المشركون.

وقوله: {أوَ لَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أنَّهُ على كُلّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} يقول تعالى ذكره: أَوَ لم يكف بربك يا محمد أنه شاهد على كل شيء مما يفعله خلقه، لا يعزب عنه علم شيء منه، وهو مجازيهم على أعمالهم، المحسن بالإحسان، والمسيء جزاءه.

وفي قوله: {أنَّهُ} وجهان: أحدهما: أن يكون في موضع خفض على وجه تكرير الباء، فيكون معنى الكلام حينئذٍ: أَوَ لم يكف بربك بأنه على كلّ شيء شهيد؟ والآخر: أن يكون في موضع رفع رفعاً، بقوله: يكف، فيكون معنى الكلام: أَوَ لم يكف بربك شهادته على كل شيء.

أَلَآ إِنَّهُمْ فِى مِرْيَةٍ مِّن لِّقَآءِ رَبِّهِمْ أَلَآ إِنَّهُۥ بِكُلِّ شَىْءٍ مُّحِيطٌۢ ۝٥٤

يقول تعالى ذكره: ألا إن هؤلاء المكذّبين بآيات الله في شكّ من لقاء ربهم، يعني أنهم في شكّ من البعث بعد الممات، ومعادهم إلى ربهم، كما:

حدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السديّ {ألا إنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقاءِ رَبِّهِمْ} يقول: في شكّ.

وقوله:{ ألا إنَّهُ بِكُلّ شَيْءٍ مُحِيطٌ} يقول تعالى ذكره: ألا أن الله بكل شيء مما خلق محيط علماً بجميعه، وقُدرةً عليه، لا يعزب عنه علم شيء منه أراده فيفوته، ولكن المقتدر عليه العالم بمكانه.

الثلاثاء، 27 أكتوبر 2026 16 جمادى الأولى 1448 هـ