انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة فصلت

تفسير الطبريالآيات 23–44

تفسير سورة فصلت آية آية، من تفسير الطبري.

استمع إلى تفسير سورة فصلت

الخلاصة من تفسير الطبري · 4 مقاطع · 37:45

  1. 1 الآيات 9–24في هذه الصفحة 10:42
  2. 2 الآيات 25–46في هذه الصفحة 16:54

التفسير الصوتي لسورة فصلت كاملًا (4 مقاطع)

وَذَٰلِكُمْ ظَنُّكُمُ ٱلَّذِى ظَنَنتُم بِرَبِّكُمْ أَرْدَىٰكُمْ فَأَصْبَحْتُم مِّنَ ٱلْخَٰسِرِينَ ۝٢٣

يقول تعالى ذكره: وهذا الذي كان منكم في الدنيا من ظنكم أن الله لا يعلم كثيراً مما تعملون من قبائح أعمالكم ومساويها، هو ظنكم الذي ظننتم بربكم في الدنيا أرداكم، يعني أهلككم. يقال منه: أردى فلاناً كذا وكذا: إذا أهلكه، ورَدِيَ هو: إذا هلك، فهو يردى ردًى ومنه قول الأعشى:

أفِي الطَّوْفِ خِفْتِ عَليَّ الرَّدَىوكَمْ مِنْ رَدٍ أهْلَهُ لَمْ يَرِمْ

يعني: وكم من هالك أهله لم يرم. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السديّ، قوله: {أرْدَاكُمْ} قال: أهلككم.

حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، قال: تلا الحسن: {وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُم بِرَبِّكُمْ أرْدَاكُمْ} فقال: إنما عمل الناس على قدر ظنونهم بربهم فأما المؤمن فأحسن بالله الظن، فأحسن العمل وأما الكافر والمنافق، فأساءا الظنّ فأساءا العمل، قال ربكم:

{ وَما كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلا أبْصَارُكُمْ }}... حتى بلغ: الخاسرين. قال معمر: وحدثني رجل: أنه يؤمر برجل إلى النار، فيلتفت فيقول: يا ربّ ما كان هذا ظني بك، قال: وما كان ظنك بي؟ قال: كان ظني أن تغفر لي ولا تعذّبني، قال: فإني عند ظنك بي.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قال: الظنّ ظنان، فظنّ منج، وظنّ مُرْدٍ قالَ:

{ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهمْ }قالَ { إنّي ظَنَنْتُ أنّى مُلاقٍ حِسابِيَهْ }}، وهذا الظنّ المنجى ظناً يقيناً، وقال ها هنا: {وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُم بِرَبِّكُمْ أرْدَاكُمْ} هذا ظنّ مُرْدٍ.

وقوله:

{ وَقالَ الكافِرُونَ إنْ نَظُنُّ إلاَّ ظَنًّا وَما نَحْنُ بمُسْتَيْقِنِينَ }وذُكر لنا أن نبيّ الله صلى الله عليه وسلم كان يقول ويروي ذلك عن ربه:عَبْدِي عِنْدَ ظَنِّهِ بِي، وأنا مَعَهُ إذَا دَعانِي». وموضع قوله: {ذَلِكُمْ} رفع بقوله ظنكم. وإذا كان ذلك كذلك، كان قوله: {أرْدَاكُمْ} في موضع نصب بمعنى: مردياً لكم. وقد يُحتمل أن يكون في موضع رفع بالاستئناف، بمعنى: مردٍ لكم، كما قال: تِلكَ آياتُ الكِتابِ الحَكِيمِ هُدًى وَرَحْمَةً في قراءة من قرأه بالرفع. فمعنى الكلام: هذا الظنّ الذي ظننتم بربكم من أنه لا يعلم كثيراً مما تعملون هو الذي أهلككم، لأنكم من أجل هذا الظنّ اجترأتم على محارم الله فقدمتم عليها، وركبتم ما نهاكم الله عنه، فأهلككم ذلك وأرداكم {فأَصْبَحْتُمْ مِنْ الخاسِرِينَ} يقول: فأصبحتم اليوم من الهالكين، قد غبتم ببيعكم منازلكم من الجنة بمنازل أهل الجنة من النار.

فَإِن يَصْبِرُوا۟ فَٱلنَّارُ مَثْوًى لَّهُمْ وَإِن يَسْتَعْتِبُوا۟ فَمَا هُم مِّنَ ٱلْمُعْتَبِينَ ۝٢٤

يقول تعالى ذكره: فإن يصبر هؤلاء الذين يحشرون إلى النار على النار، فالنار مسكن لهم ومنزل، {وإنْ يَسْتَعْتِبُوا} يقول: وإن يسألوا العُتبى، وهي الرجعة لهم إلى الذي يحبون بتخفيف العذاب عنهم {فَمَا هُمْ مِنَ المُعْتَبِينَ} يقول: فليسوا بالقوم الذين يرجع بهم إلى الجنة، فيخفف عنهم ما هم فيه من العذاب، وذلك كقوله جلّ ثناؤه مخبراً عنهم:

{ قالُوا رَبَّنا غَلَبَتْ عَلَيْنا شقْوَتَنا }}... إلى قوله { وَلا تُكَلِّمُونِ }وكقولهم لخزنة جهنم: { ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْما مِنَ العَذابِ }}... إلى قوله: { وَما دعاءُ الكافرَينَ إلاَّ فِي ضَلالِ }}.

وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَآءَ فَزَيَّنُوا۟ لَهُم مَّا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَحَقَّ عَلَيْهِمُ ٱلْقَوْلُ فِىٓ أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِم مِّنَ ٱلْجِنِّ وَٱلْإِنسِ إِنَّهُمْ كَانُوا۟ خَٰسِرِينَ ۝٢٥

يعني تعالى ذكره بقوله: {وَقَيَّضْنا لَهُمْ قُرَناءَ} وبعثنا لهم نُظراء من الشياطين، فجعلناهم لهم قرناء قرنَّاهم بهم يزيِّنون لهم قبائح أعمالهم، فزينوا لهم ذلك. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السديّ {وَقَيَّضْنا لَهُمْ قُرَناءَ} قال: الشيطان.

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعاً عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قوله: {وَقَيَّضْنا لَهُمْ قُرَناءَ} قال: شياطين.

وقوله: {فَزَيَّنُوا لَهُمْ ما بَينَ أيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ} يقول: فزين لهؤلاء الكفار قرناؤهم من الشياطين ما بين أيديهم من أمر الدنيا. فحسنوا ذلك لهم وحبَّبوه إليهم حتى آثروه على أمر الآخرة {وَما خَلْفَهُمْ} يقول: وحسَّنوا لهم أيضا ما بعد مماتهم بأن دعوهم إلى التكذيب بالمعاد، وأن من هلك منهم، فلن يُبعث، وأن لا ثواب ولا عقاب حتى صدّقوهم على ذلك، وسهل عليهم فعل كلّ ما يشتهونه، وركوب كلّ ما يلتذونه من الفواحش باستحسانهم ذلك لأنفسهم. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السديّ {فَزَيَّنُوا لَهُمْ ما بَينَ أيْدِيهِمْ} من أمر الدنيا {وَما خَلْفَهُمْ} من أمر الآخرة.

وقوله: {وَحَقَّ عَلَيْهِمُ القَوْلُ} يقول تعالى ذكره: ووجب لهم العذاب بركوبهم ما ركبوا مما زين لهم قرناؤهم وهم من الشياطين، كما:

حدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السديّ {وَحَقَّ عَلَيْهِمُ القَوْلُ} قال: العذاب.

{ { في أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الجِنّ والإنْسِ }}، يقول تعالى ذكره: وحقّ على هؤلاء الذين قيضنا لهم قُرَناء من الشياطين، فزيَّنوا لهم ما بين أيديهم وما خلفهم العذاب في أمم قد مضت قبلهم من ضربائهم، حقّ عليهم من عذابنا مثل الذي حَقّ على هؤلاء بعضهم من الجنّ وبعضهم من الإنس {إنَّهُمْ كانُوا خاسِرِينَ} يقول: إن تلك الأمم الذين حقّ عليهم عذابنا من الجنّ والإنس، كانوا مغبونين ببيعهم رضا الله ورحمته بسخطه وعذابه.

وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ لَا تَسْمَعُوا۟ لِهَٰذَا ٱلْقُرْءَانِ وَٱلْغَوْا۟ فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ ۝٢٦ فَلَنُذِيقَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ عَذَابًا شَدِيدًا وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَسْوَأَ ٱلَّذِى كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ ۝٢٧

يقول تعالى ذكره: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفروا} بالله ورسوله من مشركي قريش: {لا تَسْمَعُوا لِهَذا القُرآنِ وَالْغَوا فِيهِ} يقول: قالوا للذين يطيعونهم من أوليائهم من المشركين: لا تسمعوا لقارىء هذا القرآن إذا قرأه، ولا تصغوا له، ولا تتبعوا ما فيه فتعملوا به، كما:

حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفروا لا تَسْمَعُوا لِهَذا القُرآنِ وَالْغَوا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ} قال: هذا قول المشركين، قالوا: لا تتبعوا هذا القرآن والهوا عنه.

وقوله: {وَالْغَوْا فيه} يقول: الغطوا بالباطل من القول إذا سمعتم قارئه يقرؤه كَيْما لا تسمعوه، ولا تفهموا ما فيه. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام، عن عنبسة، عن محمد بن عبد الرحمن، عن القاسم بن أبي بزّة، عن مجاهد، في قول الله: {لا تَسْمَعُوا لِهَذا القُرآنِ وَالْغَوا فِيهِ قال: المكاء والتصفير، وتخليط من القول على رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قرأ، قريش تفعله.

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعاً عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: {وَالْغَوْا فِيهِ} قال: بالمكاء والتصفير والتخليط في المنطق على رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قرأ القرآن، قريش تفعله.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفروا لا تَسْمَعُوا لِهَذا القُرآنِ وَالْغَوا فِيهِ}: أي اجحدوا به وأنكروه وعادوه، قال: هذا قول مشركي العرب.

حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، قال: قال بعضهم في قوله: {وَالْغَوْا فِيهِ} قال: تحدثوا وصيحوا كيما لا تسمعوه.

وقوله: {لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ} يقول: لعلكم بفعلكم ذلك تصدون من أراد استماعه عن استماعه، فلا يسمعه، وإذا لم يسمعه ولم يفهمه لم يتبعه، فتغلبون بذلك من فعلكم محمداً. قال الله جلّ ثناؤه: {فَلَنُذِيقنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا} بالله من مشركي قريش الذين قالوا هذا القول عذاباً شديداً في الآخرة {وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ} يقول: ولنثيبنهم على فعلهم ذلك وغيره من أفعالهم بأقبح جزاء أعمالهم التي عملوها في الدنيا.

ذَٰلِكَ جَزَآءُ أَعْدَآءِ ٱللَّهِ ٱلنَّارُ لَهُمْ فِيهَا دَارُ ٱلْخُلْدِ جَزَآءًۢ بِمَا كَانُوا۟ بِـَٔايَٰتِنَا يَجْحَدُونَ ۝٢٨

يقول تعالى ذكره: هذا الجزاء الذي يجزى به هؤلاء الذين كفروا من مشركي قريش جزاء أعداء الله ثم ابتدأ جلّ ثناؤه الخبر عن صفة ذلك الجزاء، وما هو؟ فقال: هو النار، فالنار بيان عن الجزاء، وترجمة عنه، وهي مرفوعة بالردّ عليه ثم قال: {لَهُمْ فِيهَا دَارُ الخُلْدِ} يعني لهؤلاء المشركين بالله في النار دار الخلد يعني دار المكث واللبث، إلى غير نهاية ولا أمد والدار التي أخبر جلّ ثناؤه أنها لهم في النار هي النار، وحسن ذلك لاختلاف اللفظين، كما يقال: لك من بلدتك دار صالحة، ومن الكوفة دار كريمة، والدار: هي الكوفة والبلدة، فيحسن ذلك لاختلاف الألفاظ، وقد ذُكر لنا أنها في قراءة ابن مسعود: «ذَلِكَ جَزَاءُ أعْدَاءِ اللَّهِ النَّارُ دَارُ الخُلْدِ» ففي ذلك تصحيح ما قلنا من التأويل في ذلك، وذلك أنه ترجم بالدار عن النار.

وقوله: {جَزَاءً بِمَا كانُوا بآياتنا يَجْحَدُونَ} يقول: فعلنا هذا الذي فعلنا بهؤلاء من مجازاتنا إياهم النار على فعلهم جزاء منا بجحودهم في الدنيا بآياتنا التي احتججنا بها عليهم.

وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ رَبَّنَآ أَرِنَا ٱلَّذَيْنِ أَضَلَّانَا مِنَ ٱلْجِنِّ وَٱلْإِنسِ نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا لِيَكُونَا مِنَ ٱلْأَسْفَلِينَ ۝٢٩

يقول تعالى ذكره: وقال الذين كفروا بالله ورسوله يوم القيامة بعد ما أدخلوا جهنم: يا ربنا أرنا اللذين أضلاَّنا من خلقك من جنهم وإنسهم. وقيل: إن الذي هو من الجنّ إبليس، والذي هو من الإنس ابن آدم الذي قتل أخاه. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن ثابت الحداد، عن حبة العوفيّ، عن عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه في قوله: {أرِنا اللَّذَيْنِ أضَلاَّنا مِنَ الجِنّ والإنْسِ} قال: إبليس الأبالسة وابن آدم الذي قتل أخاه.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن سلمة، عن مالك بن حصين، عن أبيه، عن عليّ رضي الله عنه في قوله: {رَبَّنا أرِنا اللَّذَيْنِ أضَلاَّنا مِنَ الجِنّ والإنْسِ} قال: إبليس وابن آدم الذي قتل أخاه.

حدثنا ابن المثنى، قال: ثني وهب بن جرير، قال: ثنا شعبة، عن سلمة بن كهيل، عن أبي مالك وابن مالك، عن أبيه، عن عليّ رضي الله عنه {رَبَّنا أرِنا اللَّذَيْنِ أضَلاَّنا مِنَ الجِنّ والإنْسِ} قال: ابن آدم الذي قتل أخاه، وإبليس الأبالسة.

حدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السديّ، عن عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه، في قوله: {رَبَّنا أرِنا اللَّذَيْنِ أضَلاَّنا مِنَ الجِنّ والإنْسِ}... الآية، فإنهما ابن آدم القاتل، وإبليس الأبالسة. فأما ابن آدم فيدعو به كلّ صاحب كبيرة دخل النار من أجل الدعوة. وأما إبليس فيدعو به كلّ صاحب شرك، يدعوانهما في النار.

حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، قال: ثنا معمر، عن قتادة {رَبَّنا أرِنا اللَّذَيْنِ أضَلاَّنا مِنَ الجِنّ والإنْسِ} هو الشيطان، وابن آدم الذي قتل أخاه.

وقوله: {نَجْعَلْهُما تحْتَ أقْدامِنا لِيَكُونا مِنَ الأسْفَلِينَ} يقول: نجعل هذين اللذين أضلانا تحت أقدامنا، لأن أبواب جهنم بعضها أسفل من بعض، وكلّ ما سفل منها فهو أشدّ على أهله، وعذاب أهله أغلظ، ولذلك سأل هؤلاء الكفار ربهم أن يريهم اللذين أضلاهم ليجعلوهما أسفل منهم ليكونا في أشدّ العذاب في الدرك الأسفل من النار.

إِنَّ ٱلَّذِينَ قَالُوا۟ رَبُّنَا ٱللَّهُ ثُمَّ ٱسْتَقَٰمُوا۟ تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ ٱلْمَلَٰٓئِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا۟ وَلَا تَحْزَنُوا۟ وَأَبْشِرُوا۟ بِٱلْجَنَّةِ ٱلَّتِى كُنتُمْ تُوعَدُونَ ۝٣٠

يقول تعالى ذكره: {إنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنا اللَّهُ} وحده لا شريك له، وبرئوا من الآلهة والأنداد، {ثُمَّ اسْتَقامُوا} على توحيد الله، ولم يخلطوا توحيد الله بشرك غيره به، وانتهوا إلى طاعته فيما أمر ونهى.

وبنحو الذي قلنا في ذلك جاء الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقاله أهل التأويل على اختلاف منهم، في معنى قوله: {ثُمَّ اسْتَقامُوا}. ذكر الخبر بذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

حدثنا عمرو بن عليّ، قال: ثنا سالم بن قتيبة أبو قتيبة، قال: ثنا سهيل بن أبي حزم القطعي، عن ثابت البنانيّ، عن أنس بن مالك، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ: {إنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا} قال:

قد قالها الناس، ثم كفر أكثرهم، فمن مات عليها فهو ممن استقام».

وقال بعضهم: معناه: ولم يشركوا به شيئاً، ولكن تموا على التوحيد. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن أبي إسحاق، عن عامر بن سعد، عن سعيد بن عمران، قال: قد قرأت عند أبي بكر الصدّيق رضي الله عنه هذه الآية: {إنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا} قال: هم الذين لم يشركوا بالله شيئاً.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن سفيان بإسناده، عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه، مثله.

قال ثنا جرير بن عبد الحميد، وعبد الله بن إدريس، عن الشيباني، عن أبي بكر بن أبي موسى، عن الأسود بن هلال، عن أبي بكر رضي الله عنه أنه قال لأصحابه {إنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا} قال: قالوا: ربنا الله ثم عملوا بها، قال: لقد حملتموها على غير المحمل {إنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا} الذين لم يعدلوها بشرك ولا غيره.

حدثنا أبو كريب وأبو السائب قالا: ثنا ابن إدريس، قال: أخبرنا الشيباني، عن أبي بكر بن أبي موسى، عن الأسود بن هلال المحاربي، قال: قال: أبو بكر: ما تقولون في هذه الآية: {إنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا} قال: فقالوا: ربنا الله ثم استقاموا من ذنب، قال. فقال أبو بكر: لقد حملتم على غير المحمل، قالوا: ربنا الله ثم استقاموا فلم يلتفتوا إلى إله غيره.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام، عن عنبسة، عن ليث، عن مجاهد {إنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا} قال: أي على: لا إله إلا الله.

قال: ثنا حكام عن عمرو، عن منصور، عن مجاهد {إنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا} قال: أسلموا ثم لم يشركوا به حتى لحقوا به.

قال: ثنا جرير، عن منصور، عن مجاهد، قوله {إنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا} قال هم الذين قالوا ربنا الله لم يشركوا به حتى لقوه.

قال: ثنا حكام، قال: ثنا عمرو، عن منصور، عن جامع بن شداد، عن الأسود بن هلال مثل ذلك.

حدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السديّ {إنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا} قال: تموا على ذلك.

حدثني سعد بن عبد الله بن عبد الحكم، قال: ثنا حفص بن عمر، قال: ثنا الحكم بن أبان، عن عكرمة قوله: {إنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا} قال: استقاموا على شهادة أن لا إله إلا الله.

وقال آخرون: معنى ذلك: ثم استقاموا على طاعته. ذكر من قال ذلك:

حدثنا أحمد بن منيع، قال: ثنا عبد الله بن المبارك، قال: ثنا يونس بن يزيد عن الزهري، قال: تلا عمر رضي الله عنه على المنبر: {إنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا} قال: استقاموا والله بطاعته، ولم يروغوا روغان الثعلب.

حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: {إنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا} قال استقاموا على طاعة الله. وكان الحسن إذا تلاها قال: اللهمّ فأنت ربنا فارزقنا الاستقامة.

حدثني عليّ، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله: {إنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا} يقول: على أداء فرائضه.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: {إنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا} قال: على عبادة الله وعلى طاعته.

وقوله: {تَتَنزَّلُ عَلَيْهِمُ المَلائِكَةُ} يقول: تتهبط عليهم الملائكة عند نزول الموت بهم. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام، عن عنبسة، عن محمد بن عبد الرحمن، عن القاسم بن أبي بزّة، عن مجاهد، في قوله: {تَتَنزَّلُ عَلَيْهِمُ المَلائِكَةُ أنْ لاَ تَخافُوا وَلا تَحْزَنُوا} قال: عند الموت.

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعاً عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.

حدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السديّ {تَتَنزَّلُ عَلَيْهِمُ المَلائِكَةُ} قال: عند الموت.

وقوله: {أنْ لاَ تَخافُوا وَلا تَحْزَنُوا} يقول: تتنزل عليهم الملائكة بأن لا تخافوا ولا تحزنوا فإن في موضع نصب إذا كان ذلك معناه.

وقد ذُكر عن عبد الله أنه كان يقرأ ذلك «تَتَنزَّلُ عَلَيْهِمُ المَلائِكَةُ أنْ لاَ تَخافُوا وَلا تَحْزَنُوا» بمعنى: تتنزّل عليهم قائلة: لا تخافوا، ولا تحزنوا. وعنى بقوله: {لا تَخافُوا} ما تقدمون عليه من بعد مماتكم {وَلا تَحْزَنُوا} على ما تخلفونه وراءكم. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السديّ {أنْ لاَ تَخافُوا وَلا تَحْزَنُوا} قال لا تخافوا ما أمامكم، ولا تحزنوا على ما بعدكم.

حدثني يونس، قال: أخبرنا يحيى بن حسان، عن مسلم بن خالد، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: {تَتَنزَّلُ عَلَيْهِمُ المَلائِكَةُ أنْ لاَ تَخافُوا وَلا تَحْزَنُوا} قال: لا تخافوا ما تقدمون عليه من أمر الآخرة، ولا تحزنوا على ما خلفتم من دنياكم من أهل وولد، فإنا نخلفكم في ذلك كله.

وقيل: إن ذلك في الآخرة. ذكر من قال ذلك:

حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله: {تَتَنزَّلُ عَلَيْهِمُ المَلائِكَةُ أنْ لاَ تَخافُوا وَلا تَحْزَنُوا وأبْشِرُوا بالجَنَّةِ} فذلك في الآخرة.

وقوله: {وأبْشِرُوا بالجَنَّةِ التي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ} يقول: وسرّوا بأن لكم في الآخرة الجنة التي كنتم توعدونها في الدنيا على إيمانكم بالله، واستقامتكم على طاعته، كما:

حدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السديّ {وأبْشِرُوا بالجَنَّةِ التي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ} في الدنيا.

نَحْنُ أَوْلِيَآؤُكُمْ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَفِى ٱلْـَٔاخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِىٓ أَنفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ ۝٣١ نُزُلًا مِّنْ غَفُورٍ رَّحِيمٍ ۝٣٢

يقول تعالى ذكره مخبراً عن قيل ملائكته التي تتنزل على هؤلاء المؤمنين الذين استقاموا على طاعته عند موتهم: {نَحْنُ أوْلَياؤكُمْ} أيها القوم {فِي الحَياةِ الدُّنْيا} كنا نتولاكم فيها وذكر أنهم الحفظة الذين كانوا يكتبون أعمالهم. ذكر من قال ذلك:

حدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السديّ {نَحْنُ أوْلِياؤكُمْ فِي الحَياةِ الدُّنْيا} نحن الحفظة الذين كنا معكم في الدنيا، ونحن أولياؤكم في الآخرة.

وقوله: {وفِي الآخِرَةِ} يقول: وفي الآخرة أيضا نحن أولياؤكم، كما كنا لكم في الدنيا أولياء. {وَلَكُمْ فِيها ما تَشْتَهِي أنْفُسُكُمْ} يقول: ولكم في الآخرة عند الله ما تشتهي أنفسكم من اللذّات والشهوات. وقوله: {وَلَكُمْ فِيها ما تدَّعُونَ} يقول: ولكم في الآخرة ما تدّعون. وقوله: {نُزُلاً مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ} يقول: أعطاكم ذلك ربكم نزلاً لكم من ربّ غفور لذنوبكم، رحيم بكم أن يعاقبكم بعد توبتكم ونصب نُزُلاً على المصدر من معنى قوله: {وَلَكُمْ فِيها ما تَشْتَهِي أنْفُسُكُمْ ولَكُمْ فِيها ما تَدَّعُونَ} لأن في ذلك تأويل أنزلكم ربكم بما تشتهون من النعيم نُزُلاً.

وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَآ إِلَى ٱللَّهِ وَعَمِلَ صَٰلِحًا وَقَالَ إِنَّنِى مِنَ ٱلْمُسْلِمِينَ ۝٣٣ وَلَا تَسْتَوِى ٱلْحَسَنَةُ وَلَا ٱلسَّيِّئَةُ ٱدْفَعْ بِٱلَّتِى هِىَ أَحْسَنُ فَإِذَا ٱلَّذِى بَيْنَكَ وَبَيْنَهُۥ عَدَٰوَةٌ كَأَنَّهُۥ وَلِىٌّ حَمِيمٌ ۝٣٤

يقول تعالى ذكره: ومن أحسن أيها الناس قولاً ممن قال ربنا الله ثم استقام على الإيمان به، والانتهاء إلى أمره ونهيه، ودعا عباد الله إلى ما قال وعمل به من ذلك. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، قال: تلا الحسن: {وَمَنْ أَحْسَن قَوْلاً مِمَّنْ دَعا إلى اللَّهِ وَعمِلَ صَالِحاً وَقالَ إنَّنِي مِنَ المُسْلِمِينَ} قال: هذا حبيب الله، هذا وليّ الله، هذا صفوة الله، هذا خيرة الله، هذا أحبّ الخلق إلى الله، أجاب الله في دعوته، ودعا الناس إلى ما أجاب الله فيه من دعوته، وعمل صالحاً في إجابته، وقال: إنني من المسلمين، فهذا خليفة الله.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {وَمَنْ أَحْسَن قَوْلاً مِمَّنْ دَعا إلى اللَّهِ...} الآية، قال: هذا عبد صدّق قولَه عملهُ، ومولجُه مخرجُه، وسرَّه علانيته، وشاهده مغيبه، وإن المنافق عبد خالف قولَه عملُه، ومولجَه مخرجُه، وسرَّه علانيته، وشاهده مغيبه.

واختلف أهل العلم في الذي أريد بهذه الصفة من الناس، فقال بعضهم: عُنِي بها نبيّ الله صلى الله عليه وسلم. ذكر من قال ذلك:

حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السديّ {وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعا إلى اللَّهِ} قال: محمد صلى الله عليه وسلم حين دعا إلى الإسلام.

حدثني يونس قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: {وَمَنْ أَحْسَن قَوْلاً مِمَّنْ دَعا إلى اللَّهِ وَعمِلَ صَالِحاً وَقالَ إنَّنِي مِنَ المُسْلِمِينَ} قال: هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وقال آخرون: عُنى به المؤذّن. ذكر من قال ذلك:

حدثني داود بن سليمان بن يزيد المكتب البصري، قال: ثنا عمرو بن جرير البجلي، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم، في قول الله: {وَمَنْ أَحْسَن قَوْلاً مِمَّنْ دَعا إلى اللَّهِ} قال: المؤذّن {وَعمِلَ صَالِحاً} قال: الصلاة ما بين الأذان إلى الإقامة.

وقوله: {وَقالَ إنَّنِي مِنَ المُسْلِمِينَ} يقول: وقال: إنني ممن خضع لله بالطاعة، وذلّ له بالعبودة، وخشع له بالإيمان بوحدانيته.

وقوله: {وَلا تَسْتَوِي الحَسَنَةَ وَلا السَّيِّئَةُ} يقول تعالى ذكره: ولا تستوي حسنة الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا، فأحسنوا في قولهم، وإجابتهم ربهم إلى ما دعاهم إليه من طاعته، ودعوا عباد الله إلى مثل الذي أجابوا ربهم إليه، وسيئة الذين قالوا:

{ لا تَسْمَعُوا لَهَذا القُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ }فكذلك لا تستوي عند الله أحوالهم ومنازلهم، ولكنها تختلف كما وصف جلّ ثناؤه أنه خالف بينهما، وقال جلّ ثناؤه: {وَلا تَسْتَوِي الحَسَنَةَ وَلا السَّيِّئَة} ُفكرّر لا، والمعنى: لا تستوي الحسنة ولا السيئة، لأن كلّ ما كان غير مساوٍ شيئاً، فالشيء الذي هو له غير مساو غير مساويه، كما أن كلّ ما كان مساوياً لشيء فالآخر الذي هو له مساو، مساوٍ له، فيقال: فلان مساو فلاناً، وفلان له مساو، فكذلك فلان ليس مساوياً لفلان، ولا فلان مساوياً له، فلذلك كرّرت لا مع السيئة، ولو لم تكن مكرّرة معها كان الكلام صحيحاً. وقد كان بعض نحويي البصرة يقول: يجوز أن يقال: الثانية زائدة يريد: لا يستوي عبد الله وزيد، فزيدت لا توكيداً، كما قال: { لَئِلاَّ يَعْلَمَ أهْلُ الكِتابِ ألاَّ يَقْدِرُونَ }}: أي لأن يعلم، وكما قال: لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ القِيامَةِ وَلا أُقْسِمُ بالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ. وقد كان بعضهم ينكر قوله هذا في: { لَئِلاَّ يَعْلَمَ أهْلَ الكِتابِ }}، وفي قوله: { لا أُقْسِمُ }فيقول: لا الثانية في قوله: { لَئِلاَّ يَعْلَمَ أهْلَ الكِتابِ }أن لا يقدرون ردّت إلى موضعها، لأن النفي إنما لحق يقدرون لا العلم، كما يقال: لا أظنّ زيداً لا يقوم، بمعنى: أظنّ زيداً لا يقوم قال: وربما استوثقوا فجاؤوا به أوّلاً وآخراً، وربما اكتفوا بالأوّل من الثاني. وحُكي سماعاً من العرب: ما كأني أعرفها: أي كأني لاأعرفها. قال: وأما «لا» في قوله { لا أُقْسِمُ }فإنما هو جواب، والقسم بعدها مستأنف، ولا يكون حرف الجحد مبتدأ صلة.

وإنما عُنِي بقوله: {وَلا تَسْتَوِي الحَسَنَةَ وَلا السَّيِّئَةُ} ولا يستوي الإيمان بالله والعمل بطاعته والشرك به والعمل بمعصيته.

وقوله: {ادْفِعْ بالَّتِي هِيَ أحْسَنُ} يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: ادفع يا محمد بحلمك جهل من جهل عليك، وبعفوك عمن أساء إليك إساءة المسيء، وبصبرك عليهم مكروه ما تجد منهم، ويلقاك من قبلهم. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل على اختلاف منهم في تأويله. ذكر من قال ذلك:

حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله: {ادْفَعْ بالَّتِي هِيَ أحْسَنُ} قال: أمر الله المؤمنين بالصبر عند الغضب، والحلم والعفو عند الإساءة، فإذا فعلوا ذلك عصمهم الله من الشيطان، وخضع لهم عدوُّهم، كأنه وليّ حميم.

وقال آخرون: معنى ذلك: ادفع بالسلام على من أساء إليك إساءته. ذكر من قال ذلك:

حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا أبو عامر، قال: ثنا سفيان، عن طلحة بن عمرو، عن عطاء {ادْفَعْ بالَّتِي هِيَ أحْسَنُ} قال: بالسلام.

حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن عبد الكريم الجزري، عن مجاهد {ادْفَعْ بالَّتِي هِيَ أحْسَنُ} قال: السلام عليك إذا لقيته.

وقوله: {فإذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَوَاةٌ كأنَّهُ وَلِيُّ حَمِيمٌ} يقول تعالى ذكره: افعل هذا الذي أمرتك به يا محمد من دفع سيئة المسيء إليك بإحسانك الذي أمرتك به إليه، فيصير المسيء إليك الذي بينك وبينه عداوة، كأنه من ملاطفته إياك، وبرّه لك، وليّ لك من بني أعمامك، قريب النسب بك والحميم: هو القريب، كما:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد،، عن قتادة {كأنَّهُ وَلِيُّ حَمِيمٌ}: أي كأنه وليّ قريب.

وَمَا يُلَقَّىٰهَآ إِلَّا ٱلَّذِينَ صَبَرُوا۟ وَمَا يُلَقَّىٰهَآ إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ ۝٣٥ وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ ٱلشَّيْطَٰنِ نَزْغٌ فَٱسْتَعِذْ بِٱللَّهِ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ ۝٣٦

يقول تعالى ذكره: وما يُعطَى دفع السيئة بالحسنة إلا الذين صبروا لله على المكاره، والأمور الشاقة وقال: {وَما يُلَقَّاها} ولم يقل: وما يلقاه، لأن معنى الكلام: وما يلقى هذه الفعلة من دفع السيئة بالتي هي أحسن.

وقوله: {وَما يُلَقَّاها إلاَّ ذُو حَظّ عَظِيمٍ} يقول: وما يلقى هذه إلا ذو نصيب وجدّ له سابق في المبرات عظيم، كما:

حدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السديّ، في قوله: {وَما يُلَقَّاها إلاَّ ذُو حَظّ عَظِيمٍ}: ذو جدّ.

وقيل: إن ذلك الحظّ الذي أخبر الله جلّ ثناؤه في هذه الآية أنه لهؤلاء القوم هو الجنة. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {وَما يُلَقَّاها إلاَّ الَّذِينَ صَبرُوا...} الآية. والحظّ العظيم: الجنة. ذُكر لنا أن أبا بكر رضي الله عنه شتمه رجل ونبيّ الله صلى الله عليه وسلم شاهد، فعفا عنه ساعة، ثم إن أبا بكر جاش به الغضب، فردّ عليه، فقام النبيّ صلى الله عليه وسلم فاتبعه أبو بكر، فقال يا رسول الله شتمني الرجل، فعفوت وصفحت وأنت قاعد، فلما أخذت أنتصر قمت يا نبيّ الله، فقال نبيّ الله صلى الله عليه وسلم:

إنَّهُ كانَ يَرُدُّ عَنْكَ مَلَكٌ مِنَ المَلائِكَةَ، فَلَمَّا قَرُبْتَ تَنْتَصِرُ ذَهَبَ المَلَكُ وَجاءَ الشَّيْطانُ، فَوَالله ما كُنْتُ لأُجالِسَ الشَّيْطانَ يا أبا بَكْرٍ».

حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله: {وَما يُلَقَّاها إلاَّ الَّذِينَ صَبرُوا وَما يُلَقَّاها إلاَّ ذُو حَظّ عَظِيمٍ} يقول: الذين أعدّ الله لهم الجنة.

وقوله: {وَإمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ فاسْتَعِذْ باللَّهِ...} الآية، يقول تعالى ذكره: وإما يلقين الشيطان يا محمد في نفسك وسوسة من حديث النفس إرادة حملك على مجازاة المسيء بالإساءة، ودعائك إلى مساءته، فاستجر بالله واعتصم من خطواته، إن الله هو السميع لاستعاذتك منه واستجارتك به من نزغاته، ولغير ذلك من كلامك وكلام غيرك، العليم بما ألقى في نفسك من نزغاته، وحدَّثتك به نفسك ومما يذهب ذلك من قلبك، وغير ذلك من أمور وأمور خلقه، كما:

حدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السديّ {وَإمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ} قال: وسوسة وحديث النفس {فاسْتَعِذْ باللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ}.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد {وَإمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ} هذا الغضب.

وَمِنْ ءَايَٰتِهِ ٱلَّيْلُ وَٱلنَّهَارُ وَٱلشَّمْسُ وَٱلْقَمَرُ لَا تَسْجُدُوا۟ لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَٱسْجُدُوا۟ لِلَّهِ ٱلَّذِى خَلَقَهُنَّ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ ۝٣٧

يقول تعالى ذكره: ومن حجج الله تعالى على خلقه ودلالته على وحدانيته، وعظيم سلطانه، اختلاف الليل والنهار، ومعاقبة كلّ واحد منهما صاحبه، والشمس والقمر، لا الشمس تدرك القمر

{ وَلا اللَّيْلُ سابِقُ النَّهارِ وكُلُّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ }} لا تسجدوا أيها الناس للشمس ولا للقمر، فإنهما وإن جريا في الفلك بمنافعكم، فإنما يجريان به لكم بإجراء الله إياهما لكم طائعين له في جريهما ومسيرهما، لا بأنهما يقدران بأنفسهما على سير وجري دون إجراء الله إياهما وتسييرهما، أو يستطيعان لكم نفعاً أو ضرّاً، وإنما الله مسخرهما لكم لمنافعكم ومصالحكم، فله فاسجدوا، وإياه فاعبدوا دونهما، فإنه إن شاء طمس ضوءهما، فترككم حيارَى في ظلمة لا تهتدون سبيلاً، ولا تبصرون شيئاً. وقيل: {وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ} فجمع بالهاء والنون، لأن المراد من الكلام: واسجدوا لله الذي خلق اليل والنهار والشمس والقمر، وذلك جمع، وأنث كنايتهن، وإن كان من شأن العرب إذا جمعوا الذكر إلى الأنثى أن يخرجوا كنايتهما بلفظ كناية المذكر فيقولوا: أخواك وأختاك كلموني، ولا يقولوا: كلمني، لأن من شأنهم أن يؤنثوا أخبار الذكور من غير بني آدم في الجمع، فيقولوا: رأيت مع عمرو أثواباً فأخذتهنّ منه. وأعجبني خواتيم لزيد قبضتهنّ منه.

وقوله: {إنْ كُنْتُمْ إيَّاهُ تَعْبُدُونَ} يقول: إن كنتم تعبدون الله، وتذلون له بالطاعة وإن من طاعته أن تخلصوا له العبادة، ولا تشركوا في طاعتكم إياه وعبادتكموه شيئاً سواه، فإن العبادة لا تصلح لغيره ولا تنبغي لشيء سواه.

فَإِنِ ٱسْتَكْبَرُوا۟ فَٱلَّذِينَ عِندَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُۥ بِٱلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ وَهُمْ لَا يَسْـَٔمُونَ ۝٣٨

يقول تعالى ذكره: فإن استكبر يا محمد هؤلاء الذين أنت بين أظهرهم من مشركي قريش، وتعظموا عن أن يسجدوا الله الذي خلقهم وخلق الشمس والقمر، فإن الملائكة الذين عند ربك لا يستكبرون عن ذلك، ولا يتعظمون عنه، بل يسبحون له، ويصلون ليلاً ونهاراً، {وهم لا يسأمون} يقول: وهم لا يفترون عن عبادتهم، ولا يملون الصلاة له. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: {فإنِ اسْتَكْبَرُوا فالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ باللَّيْلِ والنَّهارِ} قال: يعني محمداً، يقول: عبادي ملائكة صافون يسبحون ولا يستكبرون.

وَمِنْ ءَايَٰتِهِۦٓ أَنَّكَ تَرَى ٱلْأَرْضَ خَٰشِعَةً فَإِذَآ أَنزَلْنَا عَلَيْهَا ٱلْمَآءَ ٱهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ ٱلَّذِىٓ أَحْيَاهَا لَمُحْىِ ٱلْمَوْتَىٰٓ إِنَّهُۥ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ ۝٣٩

يقول تعالى ذكره: ومن حجج الله أيضاً وأدلته على قدرته على نشر الموتى من بعد بلاها، وإعادتها لهيئتها كما كانت من بعد فنائها أنك يا محمد ترى الأرض دارسة غبراء، لا نبات بها ولا زرع، كما:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {وَمِنْ آياتِهِ أنَّكَ تَرَى الأرْضَ خاشِعَةً}: أي غبراء متهشمة.

حدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السدي {وَمِنْ آياتِهِ أنَّكَ تَرَى الأرْضَ خاشِعَةً} قال: يابسة متهشمة.

{فإذَا أنْزَلْنا عَلَيْها المَاءَ اهْتَزَّتْ} يقول تعالى ذكره: فإذا أنزلنا من السماء غيثاً على هذه الأرض الخاشعة اهتزت بالنبات، يقول: تحرّكت به، كما:

حدثنا محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ورقاء، جميعاً عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: {اهتّزت} قال: بالنبات.

{وَرَبَتْ} يقول: انتفخت، كما:

حدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السديّ {وَرَبَتْ} انتفخت.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {فإذَا أنْزَلْنا عَلَيْها المَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ} يعرف الغيث في سحتها وربوها.

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعاً عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد {وَرَبَتْ} للنبات، قال: ارتفعت قبل أن تنبت.

وقوله: {إنَّ الَّذِي أحْياها لَمُحْيِ المَوْتَى} يقول تعالى ذكره: إن الذي أحيا هذه الأرض الدارسة فأخرج منها النبات، وجعلها تهتزّ بالزرع من بعد يبسها ودثورها بالمطر الذي أنزل عليها، القادر أن يحيي أموات بني آدم من بعد مماتهم بالماء الذي ينزل من السماء لإحيائهم. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السديّ، قال: كما يحيي الأرض بالمطر، كذلك يحيي الموتى بالماء يوم القيامة بين النفختين.

يعني بذلك تأويل قوله: {إنَّ الَّذِي أحْياها لَمُحْيِ المَوْتى}.

وقوله: {إنَّهُ على كُلّ شَيُءٍ قَدِيرٌ} يقول تعالى ذكره: إن ربك يا محمد على إحياء خلقه بعد مماتهم وعلى كل ما يشاء ذو قدرة لا يعجز شيء أراده، ولا يتعذّر عليه فعل شيء شاءه.

إِنَّ ٱلَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِىٓ ءَايَٰتِنَا لَا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَآ أَفَمَن يُلْقَىٰ فِى ٱلنَّارِ خَيْرٌ أَم مَّن يَأْتِىٓ ءَامِنًا يَوْمَ ٱلْقِيَٰمَةِ ٱعْمَلُوا۟ مَا شِئْتُمْ إِنَّهُۥ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ۝٤٠

يعني جلّ ثناؤه بقوله: {إنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آياتِنا} إن الذين يميلون عن الحقّ في حججنا وأدلتنا، ويعدلون عنها تكذيباً بها وجحوداً لها. وقد بيَّنت فيما مضى معنى اللحد بشواهده المغنية عن إعادتها في هذا الموضع.

وسنذكر بعض اختلاف المختلفين في المراد به من معناه في هذا الموضع. اختلف أهل التأويل في المراد به من معنى الإلحاد في هذا الموضع، فقال بعضهم: أريد به معارضة المشركين القرآن باللغط والصفير استهزاء به. ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى: وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعاً عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله: {إنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آياتِنا} قال: المُكَاء وما ذكر معه.

وقال بعضهم: أريد به الخبر عن كذبهم في آيات الله. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {إنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آياتِنا} قال: يكذّبون في آياتنا.

وقال آخرون: أريد به يعاندون. ذكر من قال ذلك:

حدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السديّ {إنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آياتِنا} قال: يشاقُّون: يعاندون.

وقال آخرون: أريد به الكفر والشرك. ذكر من قال ذلك:

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: {إنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آياتِنا لا يَخْفَوْنَ عَلَيْنا} قال: هؤلاء أهل الشرك وقال: الإلحاد: الكفر والشرك.

وقال آخرون: أريد به الخبر عن تبديلهم معاني كتاب الله. ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: {إنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آياتِنا لا يَخْفَوْنَ عَلَيْنا} قال: هو أن يوضع الكلام على غير موضعه.

وكلّ هذه الأقوال التي ذكرناها في تأويل ذلك قريبات المعاني، وذلك أن اللحد والإلحاد: هو الميل، وقد يكون ميلاً عن آيات الله، وعدولاً عنها بالتكذيب بها، ويكون بالاستهزاء مُكاء وتَصْدِية، ويكون مفارقة لها وعناداً، ويكون تحريفاً لها وتغييراً لمعانيها.

ولا قول أولى بالصحة في ذلك مما قلنا، وأن يعم الخبر عنهم بأنهم ألحدوا في آيات الله، كما عمّ ذلك ربنا تبارك وتعالى.

وقوله: {لا يَخْفَوْنَ عَلَيْنا} يقول تعالى ذكره: نحن بهم عالمون لا يخفون علينا، ونحن لهم بالمرصاد إذا وردوا علينا، وذلك تهديد من الله جلّ ثناؤه لهم بقوله: سيعلمون عند ورودهم علينا ماذا يلقون من أليم عذابنا، ثم أخبر جلّ ثناؤه عما هو فاعل بهم عند ورودهم عليه، فقال: {أفمَنْ يُلْقَى فِي النَّار خَيْر أمْ مَنْ يأْتِي آمِنا يَوْمَ القِيَامَةِ} يقول تعالى ذكره لهؤلاء الذين يُلحدون في آياتنا اليوم في الدنيا يوم القيامة عذاب النار، ثم قال الله: أفهذا الذي يلقى في النار خير، أم الذي يأتي يوم القيامة آمنا من عذاب الله لإيمانه بالله جلّ جلاله؟ هذا الكافر، إنه إن آمن بآيات الله، واتبع أمر الله ونهيه، أمَّنه يوم القيامة مما حذّره منه من عقابه إن ورد عليه يومئذ به كافراً.

وقوله: {اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ} وهذا أيضاً وعيد لهم من الله خرج مخرج الأمر، وكذلك كان مجاهد يقول:

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن ابن أبي نجيح عن مجاهد {اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ} قال: هذا وعيد.

وقوله: {إنَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} يقول جلّ ثناؤه: إن الله أيها الناس بأعمالكم التي تعملونها ذو خبرة وعلم لا يخفى عليه منها، ولا من غيرها شيء.

إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ بِٱلذِّكْرِ لَمَّا جَآءَهُمْ وَإِنَّهُۥ لَكِتَٰبٌ عَزِيزٌ ۝٤١ لَّا يَأْتِيهِ ٱلْبَٰطِلُ مِنۢ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِۦ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ ۝٤٢

يقول تعالى ذكره: إن الذين جحدوا هذا القرآن وكذّبوا به لما جاءهم، وعنى بالذكر القرآن، كما:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بالذّكْرِ لَمَّا جاءَهُمْ} كفروا بالقرآن.

وقوله: {وَإنَّهُ لَكِتاب عَزِيزٌ} يقول تعالى ذكره: وإن هذا الذكر لكتاب عزيز بإعزاز الله إياه، وحفظه من كلّ من أراد له تبديلاً، أو تحريفاً، أو تغييراً، من إنسي وجني وشيطان مارد. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {وَإنَّهُ لَكِتابٌ عَزِيزٌ} يقول: أعزّه الله لأنه كلامه، وحفظه من الباطل.

حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السديّ {وَإنَّهُ لَكِتابٌ عَزِيزٌ} قال: عزيز من الشيطان.

وقوله: {لا يأتِيهِ الباطِلُ مِنْ بَينِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ} اختلف أهل التأويل في تأويله فقال بعضهم: معناه: لا يأتيه النكير من بين يديه ولا من خلفه. ذكر من قال ذلك:

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا ابن يمان، عن أشعث، عن جعفر، عن سعيد {لا يَأْتِيهِ الباطِلُ مِنْ بَيْنَ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ} قال: النكير من بين يديه ولا من خلفه.

وقال آخرون: معنى ذلك: لا يستطيع الشيطان أن ينقص منه حقاً، ولا يزيد فيه باطلاً، قالوا: والباطل هو الشيطان.

وقوله: {مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ} من قِبَل الحقّ {وَلا مِنْ خَلْفِهِ} من قِبلَ الباطل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {لا يَأْتِيهِ الباطِلُ مِنْ بَيْنَ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ} الباطل: إبليس لا يستطيع أن ينقص منه حقاً، ولا يزيد فيه باطلاً.

وقال آخرون: معناه: إن الباطل لا يطيق أن يزيد فيه شيئاً من الحروف ولا ينقص منه شيئاً منها. ذكر من قال ذلك:

حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السديّ {لا يَأْتِيهِ الباطِلُ مِنْ بَيْنَ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ} قال: الباطل: هو الشيطان لا يستطيع أن يزيد فيه حرفاً ولا ينقص.

وأولى الأقوال في ذلك عندنا بالصواب أن يقال: معناه: لا يستطيع ذو باطل بكيده تغييره بكيده، وتبديل شيء من معانيه عما هو به، وذلك هو الإتيان من بين يديه، ولا إلحاق ما ليس منه فيه، وذلك إتيانه من خلفه.

وقوله: {تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حِمِيدٍ} يقول تعالى ذكره: هو تنزيل من عندي ذي حكمة بتدبير عباده، وصرفهم فيما فيه مصالحهم، {حميد} يقول: محمود على نعمه عليهم بأياديه عندهم.

مَّا يُقَالُ لَكَ إِلَّا مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِن قَبْلِكَ إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ وَذُو عِقَابٍ أَلِيمٍ ۝٤٣

يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: ما يقول لك هؤلاء المشركون المكذّبون ما جئتهم به من عند ربك إلا ما قد قاله من قبلهم من الأمم الذين كانوا من قبلك، يقول له: فاصبر على ما نالك من أذى منهم، كما صبر أولو العزم من الرسل،

{ وَلا تَكُنْ كَصَاحِبِ الحُوتِ }}، وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {ما يُقالُ لَكَ إلاَّ ما قَدْ قِيلَ للرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ} يعزّي نبيه صلى الله عليه وسلم كما تسمعون، يقول:

{ كَذَلكَ ما أتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إلاَّ قالُوا ساحِرٌ أوْ مَجْنُونٌ }}.

حدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السديّ في قوله: {ما يُقالُ لَكَ إلاَّ ما قَدْ قِيلَ للرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ} قال: ما يقولون إلا ما قد قال المشركون للرسل من قبلك.

وقوله: {إنَّ رَبَّك لَذُو مَغْفِرَةٍ} يقول: إن ربك لذو مغفرة لذنوب التائبين إليه من ذنوبهم بالصفح عنهم {وَذُو عِقابٍ ألِيمٍ} يقول: وهو ذو عقاب مؤلم لمن أصر على كفره وذنوبه، فمات على الإصرار على ذلك قبل التوبة منه.

وَلَوْ جَعَلْنَٰهُ قُرْءَانًا أَعْجَمِيًّا لَّقَالُوا۟ لَوْلَا فُصِّلَتْ ءَايَٰتُهُۥٓ ءَا۬عْجَمِىٌّ وَعَرَبِىٌّ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ هُدًى وَشِفَآءٌ وَٱلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِىٓ ءَاذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُو۟لَٰٓئِكَ يُنَادَوْنَ مِن مَّكَانٍۭ بَعِيدٍ ۝٤٤

يقول تعالى ذكره: ولو جعلنا هذا القرآن الذي أنزلناه يا محمد أعجمياً لقال قومك من قريش: {لَوْلا فُصّلَتْ آياتُهُ} يعني: هلا بينت أدلته وما فيه من آية، فنفقهه ونعلم ما هو وما فيه، أأعجميّ، يعني أنهم كانوا يقولون إنكاراً له: أأعجمي هذا القرآن ولسان الذي أُنزل عليه عربيّ؟ وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير أنه قال في هذه الآية {لَوْلا فُصّلَتْ آياتُهُ أأعْجَمِيّ وَعَرَبِيّ} قال: لو كان هذا القرآن أعجمياً لقالوا: القرآن أعجميّ، ومحمد عربي.

حدثنا محمد بن المثنى، قال: ثني محمد بن أبي عديّ، عن داود بن أبي هند، عن جعفر بن أبي وحشية عن سعيد بن جبير في هذه الآية: {لَوْلا فُصّلَتْ آياتُهُ أأعْجَمِيّ وَعَرَبِيّ} قال: الرسول عربيّ، واللسان أعجمي.

حدثنا ابن المثنى، قال: ثني عبد الأعلى، قال: ثنا أبو داود عن سعيد بن جبير في قوله: {وَلَوْ جَعَلْناهُ قُرْآنا أعْجَمِيًّا لَقالُوا لَوْلا فُصّلَتْ آياتُهُ أأعْجَمِيّ وَعَرَبِيّ} قرآن أعجميّ ولسان عربيّ.

حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا عبد الأعلى، قال: ثنا داود، عن محمد بن أبي موسى، عن عبد الله بن مطيع بنحوه.

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثني الحارث قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعاً عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: {لَوْلا فُصّلَتْ آياتُهُ} فجعل عربياً، أعجمي الكلام وعربيّ الرجل.

حدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السديّ، في قوله: {وَلَوْ جَعَلْناهُ قُرْآنا أعْجَمِيًّا لَقالُوا لَوْلا فُصّلَتْ آياتُهُ} يقول: بُينت آياته، أأعجميّ وعربيّ، نحن قوم عرب مالنا وللعُجْمة.

وقد خالف هذا القول الذي ذكرناه عن هؤلاء آخرون، فقالوا: معنى ذلك {لَوْلا فُصّلَتْ آياتُهُ} بعضها عربيّ، وبعضها عجميّ. وهذا التأويل على تأويل من قرأ {أعْجَمِيّ} بترك الاستفهام فيه، وجعله خبراً من الله تعالى عن قيل المشركين ذلك، يعني: هلا فصّلت آياته، منها عجميّ تعرفه العجم، ومنها عربي تفقهه العرب. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يعقوب، عن جعفر، عن سعيد، قال: قالت قريش: لولا أنزل هذا القرآن أعجمياً وعربياً، فأنزل الله {وقَالُوا لَوْلا فُصّلَتْ آياتُهُ أعْجَمِيّ وَعَربِيّ، قُلْ هُوَ للَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفاءٌ} فأنزل الله بعد هذه الآية كل لسان، فيه

{ حِجارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ }قال: فارسية، أعربت: سنك وكَلَّ.

وقرأت قرّاء الأمصار: {أأعْجَمِيّ وَعَرَبِيّ} على وجه الاستفهام، وذُكر عن الحسن البصري أنه قرأ ذلك: أعجمي بهمزة واحدة على غير مذهب الاستفهام، على المعنى الذي ذكرناه عن جعفر بن أبي المغيرة، عن سعيد بن جبير.

والصواب من القراءة في ذلك عندنا القراءة التي عليها قرّاء الأمصار لإجماع الحجة عليها على مذهب الاستفهام.

وقوله: {قُلْ هُوَ للَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وشِفاءٌ} يقول تعالى ذكره: قل يا محمد لهم: هو، ويعني بقوله {هُوَ} القرآن {لِلَّذِينَ آمَنُوا} بالله ورسوله، وصدّقوا بما جاءهم به من عند ربهم {هُدًى} يعني بيان للحقّ {وَشِفاءٌ} يعني أنه شفاء من الجهل. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشفاءٌ} قال: جعله الله نوراً وبركة وشفاء للمؤمنين.

حدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السدي {قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشفاءٌ} قال: القرآن.

وقوله: {والَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى} يقول تعالى ذكره: والذين لا يؤمنون بالله ورسوله، وما جاءهم به من عند الله في آذانهم ثقل عن استماع هذا القرآن، وصمم لا يستمعونه ولكنهم يعرضون عنه، {وهو عليهم عمًى} يقول: وهذا القرآن على قلوب هؤلاء المكذّبين به عمًى عنه، فلا يبصرون حججه عليهم، وما فيه من مواعظه. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {والَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى} عموا وصموا عن القرآن، فلا ينتفعون به، ولا يرغبون فيه.

حدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السديّ {والَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ} قال: صمم {وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى} قال: عميت قلوبهم عنه.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: {وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى} قال: العمى: الكفر.

وقرأت قرّاء الأمصار: {وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى} بفتح الميم. وذُكر عن ابن عباس أنه قرأ: «وهو عليهم عَمٍ» بكسر الميم على وجه النعت للقرآن.

والصواب من القراءة في ذلك عندنا ما عليه قرّاء الأمصار.

وقوله: {أُولَئكَ يُنادَوْنَ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ} اختلف أهل التأويل في معناه، فقال بعضهم: معنى ذلك: تشبيه من الله جلّ ثناؤه، لعمى قلوبهم عن فهم ما أنزل في القرآن من حججه ومواعظه ببعيد، فهم سامع مع صوت من بعيد نودي، فلم يفهم ما نودي، كقول العرب للرجل القليل الفهم: إنك لُتنَادَى من بعيد، وكقولهم للفَهِم: إنك لتأخذ الأمور من قريب. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن ابن جريج، عن بعض أصحابه، عن مجاهد {أُولَئكَ يُنادَوْنَ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ} قال: بعيد من قلوبهم.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا سفيان، عن ابن جريج عن مجاهد، بنحوه.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: {أُولَئكَ يُنادَوْنَ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ} قال: ضيَّعوا أن يقبلوا الأمر من قريب، يتوبون ويؤمنون، فيقبل منهم، فأبوا.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: إنهم ينادون يوم القيامة من مكان بعيد منهم بأشنع أسمائهم. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا سفيان، عن أجلح، عن الضحاك بن مزاحم {أُولَئكَ يُنادَوْنَ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ} قال: ينادَى الرجل بأشنع اسمه.

واختلف أهل العربية في موضع تمام قوله:

{ إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بالذّكْر لَمَّا جاءَهُمْ }فقال بعضهم: تمامه: {أُولَئكَ يُنادَوْنَ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ} وجعل قائلوا هذا القول خبر { إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بالذّكْر } {أُولَئكَ يُنادَوْنَ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ} وقال بعض نحويي البصرة: ذلك ويجوز أن يكون على الأخبار التي في القرآن يستغنى بها، كما استغنت أشياء عن الخبر إذا طال الكلام، وعرف المعنى، نحو قوله: { وَلَوْ أنَّ قُرْآنا سُيِّرَتْ بِهِ الجِبالُ أوْ قُطِّعَتْ بِهِ الأرْضُ }وما أشبه ذلك.

قال: وحدثني شيخ أهل العلم، قال: سمعت عيسى بن عمر يسأل عمرو بن عبيد

{ إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بالذّكْر لَمَّا جاءَهُمْ }أين خبره؟ فقال عمرو: معناه في التفسير: إن الذين كفروا بالذكر لما جاءهم كفروا به { وإنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ }فقال عيسى: أجدت يا أبا عثمان.

وكان بعض نحويي الكوفة يقول: إن شئت جعلت جواب {إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بالذّكْر أُولَئكَ يُنادَوْنَ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ} وإن شئت كان جوابه في قوله:

{ وإنَّهُ لَكِتابٌ عَزيزٌ }}، فيكون جوابه معلوماً، فترك فيكون أعرب الوجهين وأشبهه بما جاء في القرآن.

وقال آخرون: بل ذلك مما انصرف عن الخبر عما ابتدىء به إلى الخبر عن الذي بعده من الذكر فعلى هذا القول ترك الخبر عن الذين كفروا بالذكر، وجعل الخبر عن الذكر فتمامه على هذا القول وإنه لكتاب عزيز فكان معنى الكلام عند قائل هذا القول: إن الذكر الذي كفر به هؤلاء المشركون لما جاءهم، وإنه لكتاب عزيز، وشبهه بقوله:

{ وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أزْوَاجاً يَتَربَّصْنَ بأنْفُسِهِنَّ }}.

وأولى الأقوال في ذلك عندي بالصواب أن يقال: هو مما ترك خبره اكتفاء بمعرفة السامعين بمعناه لما تطاول الكلام.

الثلاثاء، 27 أكتوبر 2026 16 جمادى الأولى 1448 هـ