انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة محمد

تفسير الطبريالآيات 22–38

تفسير سورة محمد آية آية، من تفسير الطبري.

استمع إلى تفسير سورة محمد

الخلاصة من تفسير الطبري · 3 مقاطع · 27:24

  1. 1 الآيات 10–32في هذه الصفحة 16:43
  2. 2 الآيات 33–38في هذه الصفحة 4:41

التفسير الصوتي لسورة محمد كاملًا (3 مقاطع)

فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوٓا۟ أَرْحَامَكُمْ ۝٢٢ أُو۟لَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ لَعَنَهُمُ ٱللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَىٰٓ أَبْصَٰرَهُمْ ۝٢٣

يقول تعالى ذكره لهؤلاء الذين وصف أنهم إذا نزلت سورة محكمة، وذُكر فيها القتال نظروا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم نظر المغشيّ عليه { فَهَلْ عَسَيْتُمْ } أيها القوم، يقول: فلعلكم إن توليتم عن تنزيل الله جلّ ثناؤه، وفارقتم أحكام كتابه، وأدبرتم عن محمد صلى الله عليه وسلم وعما جاءكم به {أنْ تُفْسِدُوا فِي الأرْضِ } يقول: أن تعصوا الله في الأرض، فتكفروا به، وتسفكوا فيها الدماء { وَتُقَطِّعُوا أرْحامَكُمْ } وتعودوا لما كنتم عليه في جاهليتكم من التشتت والتفرّق بعد ما قد جمعكم الله بالإسلام، وألَّف به بين قلوبكم. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله:{ فَهَلْ عَسَيْتُمْ إنْ تَوَلَّيْتُمْ...} الآية. يقول: فهل عسيتم كيف رأيتم القوم حين تولوا عن كتاب الله، ألم يسفكوا الدم الحرام، وقطَّعوا الأرحام، وعَصَوا الرحمن.

حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة{ فَهَلْ عَسَيْتُمْ إنْ تَوَلَّيْتُمْ أنْ تُفْسِدُوا فِي الأرْضِ وَتُقَطِّعُوا أرْحامَكُمْ } قال: فعلوا.

حدثني محمد بن عبد الرحيم البرقي، قال: ثنا ابن أبي مريم، قال: أخبرنا محمد بن جعفر وسليمان بن بلال، قالا: ثنا معاوية بن أبي المزرّد المديني، عن سعيد بن يسار، عن أبي هريرة، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:

خَلَقَ اللَّهُ الخَلْقَ، فَلَمَّا فَرغ مِنْهُمْ تَعَلَّقَتِ الرَّحِمُ بِحَقْوِ الرَّحْمَنِ» فَقالَ مَهْ: فَقالَتْ: هَذَا مَقامُ العائِذِ بِكَ مِنَ القَطِيعَةِ، قالَ: أَفمَا تَرْضَيْنَ أنْ أقْطَعَ مَنْ قَطَعَكِ، وأصِلَ مَنْ وَصَلَكِ؟ قالَتْ: نَعَمْ، قالَ: فَذلكِ لَكِ

قال سليمان في حديثه: قال أبو هريرة: اقرأوا إن شئتم {فَهَلْ عَسَيْتُمْ إنْ تَوَلَّيْتُمْ أنْ تُفْسِدُوا فِي الأرْضِ وتُقَطِّعُوا أرْحامَكُمْ} وقد تأوّله بعضهم: فهل عسيتم إن توليتم أمور الناس أن تفسدوا في الأرض بمعنى الولاية، وأجمعت القرّاء غير نافعٍ على فتح السين من عَسَيتم، وكان نافع يكسرها «عَسِيتم».

والصواب عندنا قراءة ذلك بفتح السين لإجماع الحجة من القرّاء عليها، وأنه لم يسمع في الكلام: عَسِىَ أخوك يقوم، بكسر السين وفتح الياء ولو كان صواباً كسرها إذا اتصل بها مكنّى، جاءت بالكسر مع غير المكنّى، وفي إجماعهم على فتحها مع الاسم الظاهر، الدليل الواضح على أنها كذلك مع المكنّى، وإن التي تَلِي عسيتم مكسورة، وهي حرف جزاء، و«أن» التي مع تفسدوا في موضع نصيب بعسيتم.

وقوله:{ أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ} يقول تعالى ذكره: هؤلاء الذين يفعلون هذا، يعني الذين يفسدون ويقطعون الأرحام الذين لعنهم الله، فأبعدهم من رحمته { فأصمهم}، يقول: فسلبهم فَهْمَ ما يسمعون بآذانهم من مواعظ الله في تنزيله { وأعْمَى أبْصَارَهُمْ} يقول: وسلبهم عقولهم، فلا يتبيَّنون حُجج الله، ولا يتذكَّرون ما يرون من عبره وأدلته.

أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ ٱلْقُرْءَانَ أَمْ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقْفَالُهَآ ۝٢٤ إِنَّ ٱلَّذِينَ ٱرْتَدُّوا۟ عَلَىٰٓ أَدْبَٰرِهِم مِّنۢ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ ٱلْهُدَى ٱلشَّيْطَٰنُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَىٰ لَهُمْ ۝٢٥

يقول تعالى ذكره: أفلا يتدبر هؤلاء المنافقون مواعظ الله التي يعظهم بها في آي القرآن الذي أنزله على نبيه عليه الصلاة والسلام، ويتفكَّرون في حُججه التي بيَّنها لهم في تنزيله فيعلموا بها خطأ ما هم عليه مقيمون {أمْ عَلى قُلُوبٍ أقْفالُهَا} يقول: أم أقفل الله على قلوبهم فلا يعقلون ما أنزل الله في كتابه من المواعظ والعِبَر. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله:{ أفَلا يَتَدَبَّرُونَ القُرآنَ أمْ عَلى قُلُوبٍ أقْفالُهَا} إذا والله يجدون في القرآن زاجرا عن معصية الله، لو تدبره القوم فعقلوه، ولكنهم أخذوا بالمتشابه فهلكوا عند ذلك.

حدثنا إسماعيل بن حفص الأيلي، قال: ثنا الوليد بن مسلم، عن ثور بن يزيد، عن خالد بن مَعدان، قال: ما من آدميّ إلا وله أربع أعين: عينان في رأسه لدنياه، وما يصلحه من معيشته، وعينان في قلبه لدينه، وما وعد الله من الغيب، فإذا أراد الله بعبدٍ خيراً أبصرت عيناه اللتان في قلبه، وإذا أراد الله به غير ذلك طَمَس عليهما، فذلك قوله:{ أمْ عَلى قُلُوبٍ أقْفالُهَا}.

حدثنا ابن حُمَيد، قال: ثنا يحيى بن واضح، قال: ثنا ثور بن يزيد، قال: ثنا خالد بن معدان، قال: ما من الناس أحد إلا وله أربع أعين، عينان في وجهه لمعيشته، وعينان في قلبه، وما من أحد إلا وله شيطان متبطن فقار ظهره، عاطف عنقه على عنقه، فاغر فاه إلى ثمرة قلبه، فإذا أراد الله بعبدٍ خيراً أبصرت عيناه اللتان في قلبه ما وعد الله من الغيب، فعمل به، وهما غيب، فعمل بالغيب، وإذا أراد الله بعبد شرّاً تركه، ثم قرأ أمْ عَلى قُلُوبٍ أقْفالُهَا.

حدثنا ابن حُميد، قال: ثنا الحكم، قال: ثنا عمرو، عن ثور، عن خالد بن مَعَدان بنحوه، إلا أنه قال: ترك القلب على ما فيه.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، قال: ثنا حماد بن زيد، قال: ثنا هشام بن عروة، عن أبيه قال: تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوماً {أفَلا يَتَدَبَّرُونَ القُرْآن أمْ عَلى قُلُوبٍ أقْفالُها } فقال شاب من أهل اليمن: بل عليها أقفالها، حتى يكون الله عزّ وجلّ يفتحها أو يفرجها، فما زال الشاب في نفس عمر رضي الله عنه حتى ولي فاستعان به.

وقوله:{ إنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلى أدْبارِهِمْ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الهُدَى} يقول الله عزّ وجلّ إن الذين رجعوا القهقرى على أعقابهم كفارا بالله من بعد ما تبين لهم الحقّ وقصد السبيل، فعرفوا واضح الحجة، ثم آثروا الضلال على الهدى عناداً لأمر الله تعالى ذكره من بعد العلم. كما:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله:{ إنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلى أدْبارِهِمْ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الهُدَى} هم أعداء الله أهل الكتاب، يعرفون بعث محمد نبيّ الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه عندهم، ثم يكفرون به.

حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة {مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الهُدَى} إنهم يجدونه مكتوباً عندهم.

وقال آخرون: عنى بذلك أهل النفاق. ذكر من قال ذلك:

حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله { إنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا على أدْبارِهِمْ...} إلى قوله { فأَحْبَطَ أعمالَهُمْ } هم أهل النفاق.

حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله:{ إنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا على أدْبارِهِمْ...} إلى {إسْرَارَهُمْ} هم أهل النفاق. وهذه الصفة بصفة أهل النفاق عندنا، أشبه منها بصفة أهل الكتاب، وذلك أن الله عزّ وجلّ أخبر أن ردّتهم كانت بقيلهم

{ لِلَّذِينَ كَرِهُوا، ما نَزَّلَ اللَّهُ سَنُطِيعُكُم في بَعْضِ الأَمْرِ } ولو كانت من صفة أهل الكتاب، لكان في وصفهم بتكذيب محمد صلى الله عليه وسلم الكفاية من الخبر عنهم بأنهم إنما ارتدّوا من أجل قيلهم ما قالوا.

وقوله:{ الشَّيْطانُ سَوَّلَ لَهُمْ } يقول تعالى ذكره: الشيطان زين لهم ارتدادهم على أدبارهم، من بعد ما تبين لهم الهدى. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة { الشَّيْطانُ سَوَّلَ لَهُمْ وأمْلَى لَهُمْ } يقول: زين لهم.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة{ سَوَّلَ لَهُمْ } يقول: زين لهم.

وقوله: {وأمْلَى لَهُمْ} يقول: ومدّ الله لهم في آجالهم مُلاوة من الدهر، ومعنى الكلام: الشيطان سوّل لهم، والله أملى لهم.

واختلفت القرّاء في قراءة ذلك، فقرأته عامة قرّاء الحجاز والكوفة { وأمْلَى لَهُمْ} بفتح الألف منها بمعنى: وأملى الله لهم. وقرأ ذلك بعض أهل المدينة والبصرة «وأُمْلِيَ لَهُمْ» على وجه ما لم يسمّ فاعله. وقرأ مجاهد فيما ذُكر عنه «وأُمْلِي» بضم الألف وإرسال الياء على وجه الخبر من الله جلّ ثناؤه عن نفسه أنه يفعل ذلك بهم.

وأولى هذه القراءات بالصواب، التي عليها عامة قرّاء الحجاز والكوفة من فتح الألف في ذلك، لأنها القراءة المستفيضة في قَرَأةَ الأمصار، وإن كان يجمعها مذهب تتقارب معانيها فيه.

ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا۟ لِلَّذِينَ كَرِهُوا۟ مَا نَزَّلَ ٱللَّهُ سَنُطِيعُكُمْ فِى بَعْضِ ٱلْأَمْرِ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ ۝٢٦

يقول تعالى ذكره: أملى الله لهؤلاء المنافقين وتركهم، والشيطان سوّل لهم، فلم يوفقهم للهدى من أجل أنهم { قَالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا ما نَزَّلَ اللَّهُ} من الأمر بقتال أهل الشرك به من المنافقين:{ سَنُطِيعُكُمْ في بَعْضِ الأَمْرِ } الذي هو خلاف لأمر الله تبارك وتعالى، وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم. كما:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة { ذلكَ بأنَّهُمْ قالُوا للَّذِينَ كَرِهُوا ما نَزَّلَ اللَّهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الأمْرِ} فهؤلاء المنافقون { وَاللَّهُ يَعْلَمُ إسْرَارَهُمْ } يقول تعالى ذكره: والله يعلم إسرار هذين الحزبين المتظاهرين من أهل النفاق، على خلاف أمر الله وأمر رسوله، إذ يتسارّون فيما بينهم بالكفر بالله ومعصية الرسول، ولا يخفى عليه ذلك ولا غيره من الأمور كلها.

واختلفت القرّاء في قراءة ذلك، فقرأته عامة قرّاء أهل المدينة والبصرة «أسْرَارُهُمْ» بفتح الألف من أسرارهم على وجه جماع سرّ. وقرأ ذلك عامة قرّاء الكوفة {إسْرَارَهُمْ } بكسر الألف على أنه مصدر من أسررت إسراراً.

والصواب من القول في ذلك عندنا أنهما قراءتان معروفتان صحيحتا المعنى، فبأيتهما قرأ القارىء فمصيب.

فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمُ ٱلْمَلَٰٓئِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَٰرَهُمْ ۝٢٧ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمُ ٱتَّبَعُوا۟ مَآ أَسْخَطَ ٱللَّهَ وَكَرِهُوا۟ رِضْوَٰنَهُۥ فَأَحْبَطَ أَعْمَٰلَهُمْ ۝٢٨

يقول تعالى ذكره: والله يعلم إسرار هؤلاء المنافقين، فكيف لا يعلم حالهم إذا توفتهم الملائكة، وهم يضربون وجوههم وأدبارهم، يقول: فحالهم أيضاً لا يخفى عليه في ذلك الوقت ويعني بالأدبار: الأعجاز، وقد ذكرنا الرواية في ذلك فيما مضى قبل.

وقوله:{ ذَلكَ بأنَّهُمْ اتَّبَعُوا ما أسْخَطَ اللَّهَ} يقول تعالى ذكره: تفعل الملائكة هذا الذي وصفت بهؤلاء المنافقين من أجل أنهم اتبعوا ما أسخط الله، فأغضبه عليهم من طاعة الشيطان {وكَرِهُوا رِضْوَانَهُ} يقول: وكرهوا ما يرضيه عنهم من قتال الكفار به، بعد ما افترضه عليهم.

وقوله:{ فأَحْبَطَ أعمالَهُمْ } يقول: فأبطل الله ثواب أعمالهم وأذهبه، لأنها عملت في غير رضاه ولا محبته، فبطلت، ولم تنفع عاملها.

أَمْ حَسِبَ ٱلَّذِينَ فِى قُلُوبِهِم مَّرَضٌ أَن لَّن يُخْرِجَ ٱللَّهُ أَضْغَٰنَهُمْ ۝٢٩ وَلَوْ نَشَآءُ لَأَرَيْنَٰكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُم بِسِيمَٰهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِى لَحْنِ ٱلْقَوْلِ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَٰلَكُمْ ۝٣٠

يقول تعالى ذكره: أحسب هؤلاء المنافقون الذين في قلوبهم شكّ في دينهم، وضعف في يقينهم، فهم حيارَى في معرفة الحقّ أن لن يُخرج الله ما في قلوبهم من الأضغان على المؤمنين، فيبديه لهم ويظهره، حتى يعرفوا نفاقهم، وحيرتهم في دينهم { وَلَوْ نَشاءُ لأَرَيْناكَهُمْ } يقول تعالى ذكره: ولو نشاء يا محمد لعرّفناك هؤلاء المنافقين حتى تعرفهم من قول القائل: سأريك ما أصنع، بمعنى سأعلمك.

وقوله:{ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيماهُمْ } يقول: فلتعرفنهم بعلامات النفاق الظاهرة منهم في فحوى كلامهم، وظاهر أفعالهم، ثم إن الله تعالى ذكره عرّفه إياهم. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله:{ أمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أنْ لَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ أضْغانَهُمْ...} إلى آخر الآية، قال: هم أهل النفاق، وقد عرّفه إياهم في براءة، فقال:

{ وَلا تُصَلِّ عَلى أحَدٍ مِنْهُمْ ماتَ أبَداً وَلا تَقُمْ على قَبْرِهِ }، وقال: { قُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعي أبَداً وَلَنْ تُقاتِلُوا مَعي عَدُوًّا }

حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله:{ أمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ...} الآية، هم أهل النفاق {فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيماهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْن القَوْلِ } فعرّفه الله إياهم في سورة براءة، فقال:

{ وَلا تُصَلّ عَلى أحَدٍ مِنْهُمْ ماتَ أبَداً }، وقال { قُلْ لَهُمْ لَنْ تَنْفُرُوا مَعيَ أبَداً وَلَنْ تُقاتِلُوا مَعي عَدُوّاً }

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: {أمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أنْ لَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ أضْغانَهُمْ} قال: هؤلاء المنافقون، قال: والذي أسروا من النفاق هو الكفر.

قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله:{ وَلَوْ نَشاءُ لأَرَيْناكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسيماهُمْ } قال: هؤلاء المنافقون، قال: وقد أراه الله إياهم، وأمر بهم أن يخرجوا من المسجد، قال: فأبَوا إلا أن تَمَسَّكُوا بلا إله إلا الله فلما أبوا إلا أن تمسكوا بلا إله إلا الله حُقِنت دماؤهم، ونكحوا ونوكحوا بها.

وقوله:{ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ القَوْلِ } يقول: ولتعرفنّ هؤلاء المنافقين في معنى قولهم ونحوه.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله:{ فِي لَحْنِ القَوْلِ } قال قولهم:{ واللَّهُ يَعْلَمُ أعمالَكُمْ } لا يخفى عليه العامل منكم بطاعته، والمخالف ذلك، وهو مجازي جميعكم عليها.

وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّىٰ نَعْلَمَ ٱلْمُجَٰهِدِينَ مِنكُمْ وَٱلصَّٰبِرِينَ وَنَبْلُوَا۟ أَخْبَارَكُمْ ۝٣١ إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ وَصَدُّوا۟ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ وَشَآقُّوا۟ ٱلرَّسُولَ مِنۢ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ ٱلْهُدَىٰ لَن يَضُرُّوا۟ ٱللَّهَ شَيْـًٔا وَسَيُحْبِطُ أَعْمَٰلَهُمْ ۝٣٢

يقول تعالى ذكره لأهل الإيمان به من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم { وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ} أيها المؤمنون بالقتل، وجهاد أعداء الله { حتى نَعْلَمَ المُجاهِدِينَ مِنْكُمْ} يقول: حتى يعلم حزبي وأوليائي أهل الجهاد في الله منكم، وأهل الصبر على قتال أعدائه، فيظهر ذلك لهم، ويعرف ذوو البصائر منكم في دينه من ذوي الشكّ والحَيرة فيه وأهل الإيمان من أهل النفاق ونبلو أخباركم، فنعرف الصادق منكم من الكاذب. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:

حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله:{ حتى نَعْلَمَ المُجاهِدينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ}، وقوله:

{ وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنْ الخَوْف والجُوعِ }ونحو هذا قال: أخبر الله سبحانه المؤمنين أن الدنيا دار بلاء، وأنه مبتليهم فيها، وأمرهم بالصبر، وبشَّرهم فقال: وَبَشِّر الصَّابِرِينَ، ثم أخبرهم أنه هكذا فعل بأنبيائه، وصفوته لتطيب أنفسهم، فقال: مَسَّتْهُمُ البأْساءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا، فالبأساء: الفقر، والضرّاء: السقم، وزُلزلوا بالفتن وأذى الناس إياهم.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله:{ وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حتى نَعْلَمَ المُجاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ} قال: نختبركم، البلوى: الاختبار. وقرأ

{ الم أحَسِبَ النَّاسُ أنْ يُتْرَكُوا أنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ }قال: لا يختبرون { وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ... } الآية.

واختلفت القرّاء في قراءة قوله:{ وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حتى نَعْلَمَ المُجاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أخْبارَكُمْ}، فقرأ ذلك عامة قرّاء الأمصار بالنون «نبلو» و«نعلم»، ونبلو على وجه الخبر من الله جلّ جلاله عن نفسه، سوى عاصم فإنه قرأ جميع ذلك بالياء والنون هي القراءة عندنا لإجماع الحجة من القرّاء عليها، وإن كان للأخرى وجه صحيح.

وقوله:{ إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ } يقول تعالى ذكره: إن الذين جحدوا توحيد الله، وصدّوا الناس عن دينه الذي ابتعث به رسله {وَشاقُّوا الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الهُدَى} يقول: وخالفوا رسوله محمداً صلى الله عليه وسلم، فحاربوه وآذَوه من بعد ما علموا أنه نبيّ مبعوث، ورسول مرسل، وعرفوا الطريق الواضح بمعرفته، وأنه لله رسول.

وقوله:{ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئاً} لأن الله بالغ أمره، وناصر رسوله، ومُظهره على من عاداه وخالفه { وسَيُحْبِطُ أعمالَهُمْ} يقول: وسيذهب أعمالهم التي عملوها في الدنيا فلا ينفعهم بها في الدنيا ولا الآخرة، ويبطلها إلا مما يضرّهم.

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ أَطِيعُوا۟ ٱللَّهَ وَأَطِيعُوا۟ ٱلرَّسُولَ وَلَا تُبْطِلُوٓا۟ أَعْمَٰلَكُمْ ۝٣٣ إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ وَصَدُّوا۟ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ ثُمَّ مَاتُوا۟ وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَن يَغْفِرَ ٱللَّهُ لَهُمْ ۝٣٤

يقول تعالى ذكره:{ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا} بالله ورسوله { أطِيعُوا اللَّهَ وأطِيعُوا الرَّسُولَ } في أمرهما ونهيهما { وَلا تَبْطِلُوا أعمالَكُمْ} يقول: ولا تبطلوا بمعصيتكم إياهما، وكفركم بربكم ثواب أعمالكم فإن الكفر بالله يحبط السالف من العمل الصالح. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا أطِيعُوا الله وأطِيعُوا الرَّسُولَ وَلا تُبْطِلُوا أعمالَكُمْ....} الآية، من استطاع منكم أن لا يبطل عملاً صالحاً عمله بعمل سيىء فليفعل، ولا قوّة إلا بالله، فإن الخير ينسخ الشرّ، وإن الشرّ ينسخ الخير، وإن ملاك الأعمال خواتيمها.

وقوله: {إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ ماتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ } يقول تعالى ذكره: إن الذين أنكروا توحيد الله، وصدّوا من أراد الإيمان بالله وبرسوله عن ذلك، ففتنوهم عنه، وحالوا بينهم وبين ما أرادوا من ذلك، ثم ماتوا وهم كفار: يقول: ثم ماتوا وهم على ذلك من كفرهم {فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ } يقول: فلن يعفو الله عما صنع من ذلك، ولكنه يعاقبه عليه، ويفضحه به على رؤوس الأشهاد.

فَلَا تَهِنُوا۟ وَتَدْعُوٓا۟ إِلَى ٱلسَّلْمِ وَأَنتُمُ ٱلْأَعْلَوْنَ وَٱللَّهُ مَعَكُمْ وَلَن يَتِرَكُمْ أَعْمَٰلَكُمْ ۝٣٥

يقول تعالى ذكره: فلا تضعفوا أيها المؤمنون بالله عن جهاد المشركين وتجبُنوا عن قتالهم. كما:

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن قال: ثنا ورقاء جميعاً، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد {فَلا تَهِنُوا} قال: لا تضعفوا.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله:{ فَلا تَهِنُوا} لا تضعف أنت.

وقوله:{ وَتَدْعُوا إلى السَّلْمِ وأنْتُمُ الأعْلَوْنَ} يقول: لا تضعفوا عنهم وتدعوهم إلى الصلح والمسالمة، وأنتم القاهرون لهم والعالون عليهم {وَاللَّهُ مَعَكُمْ } يقول: والله معكم بالنصر لكم عليهم.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل، غير أنهم اختلفوا في معنى قوله:{ وأنْتُمُ الأَعْلَوْنَ} فقال بعضهم: معناه: وأنتم أولى بالله منهم. وقال بعضهم: مثل الذي قلنا فيه. ذكر من قال ذلك، وقال معنى قوله: {وأنْتُمُ الأعْلَوْنَ} أنتم أولى بالله منهم.

حدثني أحمد بن المقدام، قال: ثنا المعتمر، قال: سمعت أبي يحدّث، عن قتادة، في قوله:{ فَلا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إلى السَّلْمِ } قال: أي لا تكونوا أولى الطائفتين تصرع.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {فَلا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إلى السَّلَمِ} قال: لا تكونوا أولى الطائفتين صرعت لصاحبتها، ودعتها إلى الموادعة، وأنتم أولى بالله منهم والله معكم.

حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة { فَلا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إلى السَّلَمِ } قال: لا تكونوا أولى الطائفتين صرعت إلى صاحبتها {وأنْتُمُ الأعْلَوْنَ} قال: يقول: وأنتم أولى بالله منهم ذكر من قال معنى قوله:{ وأنْتُمُ الأعْلَوْنَ}: أنتم الغالبون الأعزّ منهم.

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعاً، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله:{ وأنْتُمُ الأعْلَوْنَ } قال: الغالبون مثل يوم أُحد، تكون عليهم الدائرة.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله { فَلا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إلى السَّلَمِ وأنُتمُ الأَعْلَوْنَ} قال: هذا منسوخ، قال: نسخه القتال والجهاد، يقول: لا تضعف أنت وتدعوهم أنت إلى السلم وأنت الأعلى، قال: وهذا حين كانت العهود والهدنة فيما بينه وبين المشركين قبل أن يكون القتال، يقول: لا تهن فتضعف، فيرى أنك تدعوه إلى السلم وأنت فوقه، وأعزّ منه {وأنْتُمُ الأَعْلَوْنَ } أنتم أعزّ منهم، ثم جاء القتال بعد فنسخ هذا أجمع، فأمره بجهادهم والغلظة عليهم. وقد قيل: عنى بقوله:{ وأنْتُمُ الأَعْلَوْنَ } وأنتم الغالبون آخر الأمر، وإن غلبوكم في بعض الأوقات، وقهروكم في بعض الحروب.

وقوله:{ فَلا تَهِنُوا} جزم بالنهي، وفي قوله {وَتَدْعُوا} وجهان: أحدهما الجزم على العطف على تهنوا، فيكون معنى الكلام: فلا تهنوا ولا تدعوا إلى السلم، والآخر النصب على الصرف.

وقوله:{ وَلَنْ يَتِرَكُمْ أعمالَكُمْ } يقول: ولن يظلمكم أجور أعمالكم فينقصكم ثوابها، من قولهم: وترت الرجل إذا قتلت له قتيلاً، فأخذت له مالاً غصباً. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله يقول:{ وَلَنْ يَتِرَكُمْ أعمالَكُمْ} يقول: لن يظلمكم أجور أعمالكم.

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعاً، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله: {وَلَنْ يَتِرَكُمْ أعمالَكُمْ} قال: لن ينقصكم.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {وَلَنْ يَتِرَكُمْ أعمالَكُمْ}: أي لن يظلمكم أعمالكم.

حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، مثله.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله:{ وَلَنْ يَتِرَكُمْ أعمالَكُمْ } قال: لن يظلمكم، أعمالكم ذلك يتركم.

حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله:{ وَلَنْ يَتِرَكُمْ أعمالَكُمْ} قال: لن يظلمكم أعمالكم.

إِنَّمَا ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَإِن تُؤْمِنُوا۟ وَتَتَّقُوا۟ يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ وَلَا يَسْـَٔلْكُمْ أَمْوَٰلَكُمْ ۝٣٦ إِن يَسْـَٔلْكُمُوهَا فَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُوا۟ وَيُخْرِجْ أَضْغَٰنَكُمْ ۝٣٧

يقول تعالى ذكره: حاضاً عباده المؤمنين على جهاد أعدائه، والنفقة في سبيله، وبذل مهجتهم في قتال أهل الكفر به: قاتلوا أيها المؤمنون أعداء الله وأعداءكم من أهل الكفر، ولا تدعكم الرغبة في الحياة إلى ترك قتالهم، فإنما الحياة الدنيا لعب ولهو، إلا ما كان منها لله من عمل في سبيله، وطلب رضاه. فأما ما عدا ذلك فإنما هو لعب ولهو، يضمحلّ فيذهب ويندرس فيمرّ، أو إثم يبقى على صاحبه عاره وخزيه { وَإنْ تُؤْمِنوا وَتَتَّقُوا يُؤْتِكُمْ أجُورَكُمْ} يقول: وإن تعملوا في هذه الدنيا التي ما كان فيها مما هو لها، فلعب ولهو، فتؤمنوا به وتتقوه بأداء فرائضه، واجتناب معاصيه، وهو الذي يبقى لكم منها، ولا يبطل بطول اللهو واللعب، ثم يؤتكم ربكم عليه أجوركم، فيعوّضكم منه ما هو خير لكم منه يوم فقركم، وحاجتكم إلى أعمالكم {وَلا يَسألْكُمْ أمْوَالَكُمْ} يقول: ولا يسألكم ربكم أموالكم، ولكنه يكلفكم توحيده، وخلع ما سواه من الأنداد، وإفراد الألوهة والطاعة له {إن يسألكموها}: يقول جلّ ثناؤه: إن يسألكم ربكم أموالكم فيحفكم يقول: فيجهدكم بالمسألة، ويلحّ عليكم بطلبها منكم فيلحف، تبخلوا: يقول: تبخلوا بها وتمنعوها إياه، ضناً منكم بها، ولكنه علم ذلك منكم، ومن ضيق أنفسكم فلم يسألكموها.

وقوله:{ ويُخْرِجْ أضْغانَكُمْ} يقول: ويخرج جلّ ثناؤه لو سألكم أموالكم بمسألته ذلك منكم أضغانكم قال: قد علم الله أن في مسألته المال خروج الأضغان.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله:{ فَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُوا} قال: الإحفاء: أن تأخذ كلّ شيء بيديك.

هَٰٓأَنتُمْ هَٰٓؤُلَآءِ تُدْعَوْنَ لِتُنفِقُوا۟ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ فَمِنكُم مَّن يَبْخَلُ وَمَن يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَن نَّفْسِهِۦ وَٱللَّهُ ٱلْغَنِىُّ وَأَنتُمُ ٱلْفُقَرَآءُ وَإِن تَتَوَلَّوْا۟ يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوٓا۟ أَمْثَٰلَكُم ۝٣٨

يقول تعالى ذكره للمؤمنين:{ ها أنْتُمْ} أيها الناس {هَؤُلاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ} يقول: تدعون إلى النفقة في جهاد أعداء الله ونُصرة دينه {فمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ} بالنفقة فيه، وأدخلت «ها» في موضعين، لأن العرب إذا أرادت التقريب جعلت المكنّى بين «ها» وبين «ذا»، فقالت: ها أنت ذا قائماً، لأن التقريب جواب الكلام، فربما أعادت «ها» مع «ذا»، وربما اجتزأت بالأولى، وقد حُذفت الثانية، ولا يقدّمون أنتم قبل «ها»، لأن «ها» جواب فلا تقرب بها بعد الكلمة.

وقال بعض نحويي البصرة: جعل التنبيه في موضعين للتوكيد.

وقوله:{ وَمَنْ يَبْخَلْ فإنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ } يقول تعالى ذكره: ومن يبخل بالنفقة في سبيل الله، فإنما يبخل عن بخل نفسه، لأن نفسه لو كانت جواداً لم تبخل بالنفقة في سبيل الله، ولكن كانت تجود بها { وَاللَّهُ الغَنِيّ وأنْتُمُ الفُقَرَاءُ} يقول تعالى ذكره: ولا حاجة لله أيها الناس إلى أموالكم ولا نفقاتكم، لأنه الغنيّ عن خلقه والخلق الفقراء إليه، وأنتم من خلقه، فأنتم الفقراء إليه، وإنما حضكم على النفقة في سبيله، ليُكسبكم بذلك الجزيل من ثوابه. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: {ها أنْتُمْ هَؤُلاءِ تُدْعَوْنَ لَتُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ وَمَنْ يَبْخَلْ فإنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ وَاللَّهُ الغَنِيُّ وأنْتُمُ الفُقَرَاءُ} قال: ليس بالله تعالى ذكره إليكم حاجة وأنتم أحوج إليه.

وقوله تعالى ذكره:{ وَإنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ } يقول تعالى ذكره: وإن تتولوا أيها الناس عن هذا الدين الذي جاءكم به محمد صلى الله عليه وسلم، فترتدّوا راجعين عنه {يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ} يقول: يهلككم ثم يجيء بقوم آخرين غيركم بدلاً منكم يصدّقون به، ويعملون بشرائعه { ثُمَّ لا يكُونُوا أمْثالَكُمْ } يقول: ثم لا يبخلوا بما أُمروا به من النفقة في سبيل الله، ولا يضيعون شيئا من حدود دينهم، ولكنهم يقومون بذلك كله على ما يُؤمرون به. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة { وَإنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ } يقول: إن توليتم عن كتابي وطاعتي أستبدل قوماً غيركم. قادر والله ربنا على ذلك على أن يهلكهم، ويأتي من بعدهم من هو خير منهم.

حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة { وَإنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ } قال: إن تولوا عن طاعة الله.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله:{ وَإنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ}.

وذُكر أنه عنى بقوله:{ يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيرَكُمْ}: العجم من عجم فارس. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن بَزِيع البغدادي أبو سعيد، قال: ثنا إسحاق بن منصور، عن مسلم بن خالد، عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة، قال: لما نزلت {وَإنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يكُونُوا أمْثالَكُمْ} كان سَلْمان إلى جنب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا: يا رسول الله من هؤلاء القوم الذين إن تولينا استُبدِلوا بنا، قال: فضرب النبيّ صلى الله عليه وسلم على منكب سلمان، فقال:

مِنْ هَذَا وَقَوْمِهِ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ أنَّ الدّينَ تَعَلَّقَ بالثُّرَيَّا لَنالَتْهُ رِجالٌ مِنْ أهْل فارِسِ

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرني مسلم بن خالد، عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تلا هذه الآية {وَإنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ، ثُمَّ لا يكُونُوا أمْثالَكُمْ } قالُوا: يا رسول الله من هؤلاء الذين إن تولَّينا استبدلوا بنا، ثم لا يكونوا أمثالنا، فضرب على فخذ سلمان قال:

هَذَا وَقَوْمُهُ، وَلَوْ كانَ الدّينُ عِنْدَ الثُّرَيَّا لَتَناوَلَهُ رِجالٌ مِنَ الفُرْسِ

حدثنا أحمد بن الحسن الترمذيّ، قال: ثنا عبد الله بن الوليد العَدَني، قال: ثنا مسلم بن خالد، عن العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة، قال: نزلت هذه الآية وسلمان الفارسيّ إلى جنب رسول الله صلى الله عليه وسلم تحكّ ركبته ركبته {وَإنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أمْثالَكُم} قالوا: يا رسول الله ومن الذين إن تولينا استبدلوا بنا ثم لا يكونوا أمثالنا، قال: فضرب فخذ سلمان ثم قال: «هَذَا وَقَوْمُهُ».

وقال: مجاهد في ذلك ما حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثني الحارث قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد { يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيرَكُمْ } من شاء.

وقال آخرون: هم أهل اليمن. ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن عوف الطائيّ، قال: ثنا أبو المغيرة، قال: ثنا صفوان بن عمرو، قال: ثنا راشد بن سعد وعبد الرحمن بن جُبير وشريح بن عبيد، في قوله: {وَإنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يكُونُوا أمْثالَكُمْ } قال: أهل اليمن.

الأربعاء، 21 أكتوبر 2026 10 جمادى الأولى 1448 هـ