انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة ق

التحرير والتنويرالآيات 17–37

تفسير سورة ق آية آية، من التحرير والتنوير.

إِذْ يَتَلَقَّى ٱلْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ ٱلْيَمِينِ وَعَنِ ٱلشِّمَالِ قَعِيدٌ ۝١٧ مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ ۝١٨

يتعلق {إذْ} بقوله

{ أقرب }[ق: 16] لأن اسم التفضيل يعمل في الظرف وإن كان لا يعمل في الفاعل ولا في المفعول به واللغة تتوسع في الظروف والمجرورات ما لا تتوسع في غيرها، وهذه قاعدة مشهورة ثابتة والكلام تخلص للموعظة والتهديد بالجزاء يوم البعث والجزاء من إحصاء الأعمال خيرها وشرها المعلومة من آيات كثيرة في القرآن. وهذا التخلص بكلمة {إذ} الدالة على الزمان من ألطف التخلص.

وتعريف {المُتَلَقِّيان} تعريف العهد إذا كانت الآية نزلت بعد آيات ذُكر فيها الحفظة، أو تعريفُ الجنس، والتثنية فيها للإشارة إلى أن هذا الجنس مقسم اثنين اثنين.

والتلقّي: أخذ الشيء من يد معطيه. استعير لتسجيل الأقوال والأعمال حين صدورها من الناس. وحذف مفعول {يتلقى} لدلالة قوله: {ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد}. والتقدير: إذ تحصى أقوالهم وأعمالهم. فيؤخذ من الآية أن لكل إنسان ملَكيْن يحصيان أعماله وأن أحدهما يكون من جهة يمينه والآخر من جهة شماله. وورد في السنة بأسانيد مقبولة: أن الذي يَكون عن اليمين يكتب الحسنات والذي عن الشمال يكتب السيئات وورد أنهما يلازمان الإنسان من وقت تكليفه إلى أن يموت.

وقوله: {عن اليمين وعن الشمال قعيد} يجوز أن يكون {قعيد} بدلاً من {المتلقِّيان} بدل بعض، و{عن اليمين} متعلق بــ {قعيد}، وقدم على متعلَّقه للاهتمام بما دل عليه من الإحاطة بجانبيه وللرعاية على الفاصلة. ويجوز أن يكون {عن اليمين} خبراً مقدماً، و {قعيد} مبتدأ وتكون الجملة بياناً لجملة {يتلقى المتلقيان}.

وعطف قوله: {وعن الشمال} على جملة {يتلقى} وليس عطفاً على قوله: {عن اليمين} لأنه ليس المعنى على أن القعيد قعيد في الجهتين، بل كل من الجهتين قعيد مستقل بها. والتقدير: عن اليمين قعيد، وعن الشمال قعيد آخر. والتعريف في {اليمين} و {الشمال} تعريف العهد أو اللام عوض عن المضاف إليه، أي عن يمين الإنسان وعن شماله.

والقعيد: المُقَاعد مثل الجَليس للمجالس، والأكيل للمؤاكل، والشَّرِيب للمشارب، والخليطِ للمخالط. والغالب في فعيل أن يكون إما بمعنى فاعل، وإما بمعنى مفعول، فلمّا كان في المفاعلة معنى الفاعل والمفعول معاً، جاز مجيء فعيل منه بأحد الاعتبارين تعويلاً على القرينة، ولذلك قالوا لامرأة الرجل قعيدته. والقعيد مستعار للملازم الذي لا ينفك عنه كمَا أطلقوا القعيد على الحافظ لأنه يلازم الشيء الموكل بحفظه.

وجملة {ما يلفظ من قول} الخ مبينة لجملة {يتلقى المتلقيان} فلذلك فصلت. و {ما} نافية وضمير {يلفظ} عائد للإنسان.

واللفظ: النطق بكلمةٍ دالة على معنى، ولو جزء معنى، بخلاف القول فهو الكلام المفيد معنى.

و {مِن} زائدة في مفعول الفعل المنفي للتنصيص على الاستغراق. والاستثناء في قوله: {إلاّ لديه رقيب عتيد} استثناء من أحوال عامة، أي ما يقول قولاً في حالة إلا في حالة وجود رقيب عتيد لديه.

والأظهر أن هذا العموم مراد به الخصوص بقرينة قوله: {إلا لديه رقيب عتيد} لأن المراقبة هنا تتعلق بما في الأقوال من خير أو شرّ ليكون عليه الجزاء فلا يَكتب الحفظة إلاّ ما يتعلق به صلاح الإنسان أو فساده إذ لا حكمة في كتابة ذلك وإنما يكتب ما يترتب عليه الجزاء وكذلك قال ابن عباس وعكرمة. وقال الحسن: يكتبان كل ما صدر من العبد، قال مجاهد وأبو الجوزاء: حتى أنينه في مرضه. وروي مثله عن مالك بن أنس. وإنما خص القولُ بالذكر لأن المقصود ابتداء من هذا التحذير المشركون وإنما كانوا يؤاخذون بأقوالهم الدالة على الشرك أو على تكذيب النبي صلى الله عليه وسلم أو أذاه ولا يؤاخذون على أعمالهم إذ ليسوا مكلفين بالأعمال في حال إشراكهم.

وأما الأعمال التي هي من أثر الشرك كالتطواف بالصنم، أو من أثر أذى النبي عليه الصلاة والسلام كإلقاء سلا الجزور عليه في صلاته، ونحو ذلك، فهم مؤاخذون به في ضمن أقوالهم على أن تلك الأفعال لا تخلو من مصاحبة أقوال مؤاخذ عليها بمقدار ما صاحبها.

ولأن من الأقوال السيئة ما له أثر شديد في الإضلال كالدعاء إلى عبادة الأصنام، ونهي الناس عن اتباع الحق، وترويج الباطل بإلقاء الشُبَه، وتغرير الأغرار، ونحو ذلك، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم

وهل يَكُبّ الناسَ في النار على وجوههم إلا حصائدُ ألسنتهم، على أنه من المعلوم بدلالة الاقتضاء أن المؤاخذة على الأعمال أولى من المؤاخذة على الأقوال وتلك الدلالة كافية في تذكير المؤمنين.

وجملة {إلاّ لديه رقيب عتيد} في موضع الحال، وضمير {لديه} عائد إلى

{ الإنسان }[ق: 16]، والمعنى: لدى لفظه بقوله.

و {عتيد} فعيل من عتَد بمعنى هَيّأ، والتاء مبدلة من الدال الأول إذ أصله عديد، أي مُعَدّ كما في قوله تعالى:

{ وأعتدَتْ لهن مُتَّكأ }[يوسف: 31]. وعندي أن {عتيد} هنا صفة مشبهة من قولهم (عَتُد) بضم التاء إذا جَسم وضَخم كناية عن كونه شديدا وبهذا يحصل اختلاف بينه وبين قوله الآتي { هذا ما لديّ عتيد }[ق: 23] ويحصل محسّن الجناس التام بين الكلمتين. وقد تواطأ المفسرون على تفسير التلقّي في قوله: {المتلّقيان} بأنه تلّقي الأعمال لأجل كتبها في الصحائف لإحضارها للحساب وكان تفسيراً حائماً حول جعل المفعول المحذوف لفعل {يتلقّى} ما دل عليه قوله بعده {ما يلفِظ من قول إلا لديه رقيب عتيد} بدلالته الظاهرة أو بدلالة الاقتضاء. فالتقدير عندهم: إذ يتلقى المتلقيان عَمل الإنسان وقوله، فتكون هذه الجملة على تقديرهم منفصلة عن جملة { وجاءت سكرة الموت بالحق }[ق: 19] كما سنبينه.

ولفخر الدين معنى دقيق فبعد أن أجمل تفسير الآية بما يساير تفسير الجمهور قال: «ويحتمل أن يقال التلقّي الاستقبال، يقال: فلان تلقى الركب، وعلى هذا الوجه يكون معناه: وقت ما يتلقاه المتلقّيان يكون عن يمينه وعن شماله قعيد، فالمتلقيان على هذا الوجه هما الملكان اللذان يأخذان روحه من مَلَك الموت أحدهما يأخذ أرواح الصالحين وينقلها إلى السرور. والآخر يأخذ أرواح الطالحين وينقلها إلى الويل والثبور إلى يوم النشور، أي وقت تلقيهما وسؤالهما أنه من أي القبيلَيْن يكون عند الرجل قعيد عن اليمين وقعيد عن الشمال ملكان ينزلان، وعنده ملكان آخران كاتبان لأعماله، ويؤيد ما ذكرناه قوله تعالى:

{ سائق وشهيد }[ق: 21]. فالشهيد هو القعيد والسائق هو المتلقي يتلقى روحه من ملَك الموت فيسوقه إلى منزله وقت الإعادة، وهذا أعرف الوجهين وأقربهما إلى الفهم» اهــ.

وكأنه ينحو به منحى قوله تعالى:

{ فلولا إذا بلغت الحلقوم وأنتم حينئذٍ تنظرون ونحن أقرب إليه منكم }[الواقعة: 83 ـــ 85]. ولا نوقف في سداد هذا التفسير إلا على ثبوت وجود ملكين يتسلمان روح الميت من يد ملَك الموت عند قبضها ويجعلانها في المقر المناسب لحالها. والمظنون بفخر الدين أنه اطلع على ذلك، وقد يؤيده ما ذكره القرطبي في «التذكرة» عن «مسند الطيالسي» عن البراء. وعن كتاب «النسائي» عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إذا حُضر الميت المؤمن أتته ملائكة الرحمة بحريرة بيضاء يقولون: اخرجي راضية مرضيا عنك إلى رَوْح وريحان وربّ راضٍ غير غضبان، فإذا قبضه الملَك لم يدعوها في يده طرفة فتخرج كأطيب ريح المسك فتعرج بها الملائكة حتى يأتوا به باب السماء. وساق الحديث إلا أن في الحديث ملائكة جمعاً وفي الآية {المتلقيان} تثنية.

وعلى هذا الوجه يكون مفعول {يتلقى} ما دل عليه قوله بعده {وجاءت سكرة الموت}. والتقدير: إذ يتلقى المتلقّيان روح الإنسان. ويكون التعريف في قوله: {عن اليمين وعن الشمال} عوضاً عن المضاف إليه أي عن يمينها وعن شمالها قعيد، وهو على التوزيع، أي عن يمين أحدهما وعن شمال الآخر. ويكون {قعيد} مستعملاً في معنى: قعيدان فإن فعيلا بمعنى فاعل قد يعامل معاملة فعيل بمعنى مفعول، كقول الأزرق بن طرفة:

رماني بأمر كنت منه ووالدي بريئاً ومن أجل الطّويّ رماني

والاقتصار على {ما يلفظ من قول} حينئذٍ ظاهر لأن الإنسان في تلك الحالة لا تصدر منه أفعال لعجزه فلا يصدر منه في الغالب إلا أقوال من تضجّر أو أنين أو شهادة بالتوحيد، أو ضدها، ومن ذلك الوصايا والإقرارات.

وَجَآءَتْ سَكْرَةُ ٱلْمَوْتِ بِٱلْحَقِّ ذَٰلِكَ مَا كُنتَ مِنْهُ تَحِيدُ ۝١٩

عطف على جملة

{ ونحن أقرب إليه من حبل الوريد }[ق: 16] لاشتراكهما في التنبيه على الجزاء على الأعمال. فهذا تنقل في مراحل الأمور العارضة للإنسان التي تسلمه من حال إلى آخر حتى يقع في الجزاء على أعماله التي قد أحصاها الحفيظان.

وإنما خولف التعبير في المعطوف بصيغة الماضي دون صيغة المضارع التي صيغ بها المعطوف عليه لأنه لقربه صار بمنزلة ما حصل قصدا لإدخال الروع في نفوس المشركين كما استفيد من قوله: {ذلك ما كنت منه تحيد} نظير قوله تعالى:

{ قل إن الموت الذي تفرون منه فإنه ملاقيكم }[الجمعة: 8].

ويأتي على ما اختاره الفخر في تفسير

{ إذ يتلقى المتلقّيان }[ق: 17] الآية أن تكون جملة {وجاءت سكرة الموت} الخ في موضع الحال. والتقدير: وقد جاءت سكرة الموت بالحق حينئذٍ.

والمجيء مجاز في الحصول والاعتراء وفي هذه الاستعارة تهويل لحالة احتضار الإنسان وشعوره بأنه مفارق الحياة التي ألِفها وتعلق بها قلبه.

والسَّكرة: اسم لما يعتري الإنسان من ألم أو اختلال في المزاج يحجب من إدراك العقل فيختل الإدراك ويعتري العقل غيبوبة. وهي مشتق من السَّكر بفتح فسكون وهو الغلق لأنه يغلق العقل ومنه جاء وصف السكران.

والباء في قوله: {بالحق} للملابسة، وهي إما حال من {سكرة الموت} أي متصفة بأنها حق، والحق: الذي حقّ وثبَت فلا يتخلّف، أي السكرة التي لا طمع في امتداد الحياة بعدها، وإما حال من {الموت}، أي ملتبساً بأنه الحق، أي المفروض المكتوب على الناس فهم محقوقون به، أو الذي هو الجِدّ ضد العبث كقوله تعالى:

{ خلق السماوات والأرض بالحق }[التغابن: 3] مع قوله: { وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما باطلاً }[ص: 27].

وقول {ذلك} إشارة إلى الموت بتنزيل قرب حصوله منزلة الحاصل المشاهد.

و {تحيد} تفرّ وتهرب، وهو مستعار للكراهية أو لتجنب أسباب الموت. والخطاب للمقصود من الإنسان وبالمقصود الأول منه وهم المشركون لأنهم أشدّ كراهية للموت لأن حياتهم مادية مَحضة فهم يريدون طول الحياة قال تعالى:

{ ومِن الذين أشركوا يَودّ أحدهم لو يُعَمَّر ألف سنة }[البقرة: 96] إذ لا أمل لهم في حياة أخرى ولا أمل لهم في تحصيل نعيمها، فأما المؤمنون فإن كراهتهم للموت المرتكزة في الجبلة بمقدار الإلف لا تبلغ بهم إلى حد الجزع منه. وفي الحديث من أحب لقاء الله أحبّ الله لقاءه، ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه، وتأويله بالمؤمن يحب لقاء الله للطمع في الثواب، وبالكافر يكره لقاء الله. وقد بينه النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إن المؤمن إذا حضرته الوفاة رأى ما أعد الله له من خير فأحب لقاء اللهأي والكافر بعكسه، وقد قال الله تعالى خطاباً لليهود { قل إن الموت الذي تَفِرُّون منه فإنه ملاقيكم }[الجمعة: 8].

وتقديم {منه} على {تحيد} للاهتمام بما منه الحياد، وللرعاية على الفاصلة.

وَنُفِخَ فِى ٱلصُّورِ ذَٰلِكَ يَوْمُ ٱلْوَعِيدِ ۝٢٠ وَجَآءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّعَهَا سَآئِقٌ وَشَهِيدٌ ۝٢١

عطف على

{ وجاءت سكرة الموت بالحق }[ق: 19] على تفسير الجمهور. فأما على تفسير الفخر فالجملة مستأنفة وصيغة المضيّ في قوله: {ونُفِخ} مستعملة في معنى المضارع، أي ينفخ في الصور فصيغ له المضي لتحقق وقوعه مثل قوله تعالى: { أتى أمر الله فلا تستعجلوه }[النحل: 1]، والمشار إليه بذلك في قوله: {ذلك يوم الوعيد} إذ أن ذلك الزمان الذي نفخ في الصور عنده هو يوم الوعيد.

والنفخ في الصور تقدم القول فيه عند قوله تعالى:

{ وله الملك يوم ينفخ في الصور }في سورة الأنعام (73).

وجملة {ذلك يوم الوعيد} معترضة. والإشارة في قوله: {ذلك يوم الوعيد} راجعة إلى النفع المأخوذ من فعل {ونُفخ في الصور}. والإخبار عن النفخ بأنه {يوم الوعيد} بتقدير مضاف، أي ذلك حلول يوم الوعيد. وإضافة {يوم} إلى {الوعيد} من إضافة الشيء إلى ما يقع فيه، أي يوم حصول الوعيد الذي كانوا تُوعِدوا به، والاقتصار على ذكر الوعيد لما علمت من أن المقصود الأول من هذه الآية هم المشركون. وفي الكلام اكتفاء، تقديره: ويوم الوعْد.

وعُطِفت جملة {جاءت كل نفس} على جملة {نُفخ في الصور}. والمراد بــ {كل نفس} كل نفس من المتحدث عنهم وهم المشركون، ويدل عليه أمور:

أحدها: السياق.

والثاني: قوله {معها سائق} لأن السائق يناسب إزجاء أهل الجرائم، وأما المهديون إلى الكرامة فإنما يهديهم قائد يسير أمامهم قال تعالى:

{ كأنما يساقون إلى الموت }[الأنفال: 6].

والثالث: قوله بعده

{ لقد كنت في غفلة من هذا }[ق: 22].

والرابع: قوله بعده

{ وقال قرينه هذا ما لدي عتيد }[ق: 23] الآية.

وجملة {معها سائق وشهيد} بدل اشتمال من جملة {جاءت كل نفس}. و {سائق} مرفوع بالظرف الذي هو {معها} على رأي من أجازه، أو مبتدأ خبره {معها}. ويجوز أن يكون جملة {معها سائق وشهيد} حَالا من {كلُّ نفس}. وعطف {وشهيد} على {سائق} يجوز أن يكون من عطف ذات على ذات فيكون المراد ملكان أحدهما يسوق النفس إلى المحشر والآخر يشهد عليها بما حوته صحائف أعمالها. ويجوز أن يكون من عطف الصفات مثل:

إلى الملك القرم وابن الهمام

فهو ملك واحد.

والسائق الذي يجعل غيره أمَامه يزجيه في السير ليكون بمرأى منه كيلا ينفلت وذلك من شأن المشي به إلى ما يسوء قال تعالى:

{ كأنما يساقون إلى الموت }[الأنفال: 6] وقال: { وسيق الذين كفروا إلى جهنم زمرا }[الزمر: 71]، وأما قوله: { وسيق الذين اتّقوا ربّهم إلى الجنّة زمرا }[الزمر: 73] فمشاكلة. وضِد السوق: القَودْ.

لَّقَدْ كُنتَ فِى غَفْلَةٍ مِّنْ هَٰذَا فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَآءَكَ فَبَصَرُكَ ٱلْيَوْمَ حَدِيدٌ ۝٢٢

مقول قول محذوف دل عليه تعينه من الخطاب، أي يقال هذا الكلام لكل نفس من نفوس المشركين فهو خطاب التهكم التوبيخي للنفس الكافرة لأن المؤمن لم يكن في غفلة عن الحشر والجزاء.

وجملة القول ومقوله في موضع الحال من

{ كل نفس }[ق: 21] أو موقع الصفة، وعلامات الخطاب في كلمات {كُنتَ} و {عنكَ} و {غطاءكَ} و {بصركَ} مفتوحة لتأويل النفس بالشخص أو بالإنسان ثم غُلب فيه التذكير على التأنيث. وهذا الكلام صادر من جانب الله تعالى وهو شروع في ذكر الحساب.

والغفلة: الذهول عما شأنه أن يُعلم وأطلقت هنا على الإنكار والجحد على سبيل التهكم، ورشَّح ذلك قولُه {فكشفنا عنك غطاءك} بمعنى: بيّنا لك الدليل بالحس فهو أيضاً تهكّم. وأوثر قوله: {في غفلة} على أن يقال غافلاً للدلالة على تمكن الغفلة منه ولذلك استتبع تمثيلَها بالغطاء.

وكشف الغطاء تمثيل لحصول اليقين بالشيء بعد إنكار وقوعه، أي كشفنا عنك الغطاء الذي كان يحجب عنك وقوع هذا اليوم بما فيه، وأسند الكشف إلى الله تعالى لأنه الذي أظهر لها أسباب حصول اليقين بشواهد عَيْن اليقين. وأضيف (غطاء) إلى ضمير الإنسان المخاطب للدلالة على اختصاصه به وأنه مما يعرف به.

وحدة البصر: قوة نفاذه في المَرئي، وحدّة كل شيء قوةُ مفعوله، ومنه حدة الذهن، والكلام يتضمن تشبيه حصول اليقين برؤية المرئي ببصر قوي، وتقييده بقوله: {اليوم} تعريض بالتوبيخ، أي ليس حالك اليوم كحالك قبل اليوم إذ كنت في الدنيا منكراً للبعث.

والمعنى: فقد شاهدتَ البعث والحشر والجزاء، فإنهم كانوا ينكرون ذلك كله، قالوا

{ أإذا متنا وكنّا تراباً وعظاماً أئنا لمدينون }[الصافات: 53] وقالوا: { وما نحن بمعذبين }[الصافات: 59] فقد رأى العذاب ببصره.

وَقَالَ قَرِينُهُۥ هَٰذَا مَا لَدَىَّ عَتِيدٌ ۝٢٣

الواو واو الحال والجملة حال من تاء الخطاب في قوله:

{ لقد كنت في غفلة من هذا }[ق: 22] أيْ يوبخ عند مشاهدة العذاب بكلمة {لقد كنتَ في غفلة من هذا}، في حال قول قرينه {هذا ما لدي عتيد}.

وهاء الغائب في قوله: {قرينه} عائدة إلى

{ كل نفس }[ق: 21] أو إلى الإنسان.

وقرين فَعيل بمعنى مفعول، أي مقرون إلى غيره. وكأنَّ فعلَ قَرَنَ مشتق من القَرَن بالتحريك وهو الحبل وكانوا يقرنون البعير بمثله لوضع الهودج، فاستعير القرين للملازم. وهذا ليس بالتفات إذ ليس هو تغيير ضمير ولكنه تعيين أسلوب الكلام وأعيد عليه ضمير الغائب المفرد باعتبار معنى {نفس} أي شخص، أو غلب التذكير على التأنيث.

واسم الإشارة في قوله: {هذا ما لديّ} الخ، يفسره قوله: {ما لدي عتيد}.

و {مَا} في قوله: {مَا لدي} موصولة بدل من اسم الإشارة. و{لدي} صلة، و{عتيد} خبر عن اسم الإشارة.

واختلف المفسرون في المراد بالقرين في هذه الآية على ثلاثة أقوال: فقال قتادة والحسن والضحاك وابن زيد ومجاهد في أحد قوليه هو المَلَك الموكل بالإنسان الذي يسوقه إلى المحشر (أي هو السائق الشهيد). وهذا يقتضي أن يكون القرين في قوله الآتي

{ قال قرينه ربنا ما أطغيته }[ق: 27] بمعنى غير معنى القرين في قوله: {وقال قرينه هذا ما لدي عتيد}.

وعن مجاهد أيضاً: أن القرين شيطان الكافر الذي كان يزين له الكفر في الدنيا أي الذي ورد في قوله تعالى:

{ وقيّضنا لهم قرناء فزينوا لهم ما بين أيديهم وما خلفهم }[فصلت: 25]. وعن ابن زيد أيضاً: أن قرينه صاحبه من الإنس، أي الذي كان قرينَه في الدنيا.

وعلى الاختلاف في المراد بالقرين يختلف تفسير قوله: {هذا ما لدي عتيد} فإن كان القرين الملَكَ كانت الإشارة بقوله {هذا} إلى العذاب الموكَّل به ذلك المَلكُ؛ وإن كان القرين شيطاناً أو إنساناً كانت الإشارة محتمِلة لأن تعود إلى العذاب كما في الوجه الأول، أو أن تعود إلى معاد ضمير الغيبة في قوله: {قرينه} وهو نفس الكافِر، أي هذا الذي معي، فيكون {لديَّ} بمعنى: معي، إذ لا يخلو أحد من صاحبٍ يأنس بمحادثته والمراد به قرين الشرك المماثل.

وقد ذكر الله من كان قريناً للمؤمن من المشركين واختلاف حاليهما يوم الجزاء بقوله

{ قال قائل منهم إني كان لي قرين يقول أئِنّك لمن المصدقين }الآية في سورة الصافات (51، 52). وقول القرين {هذا ما لدي عتيد} مستعمل في التلهف والتحسر والإشفاق، لأنه لما رأى ما به العذاب علم أنه قد هُيّىء له، أو لمَّا رأى ما قدم إليه قرينه علم أنه لاحِق على أثره كقصة الثورين الأبيض والأحمر اللذين استعان الأسد بالأحمر منهما على أكل الثور الأبيض ثم جاء الأسد بعد يوم ليأكل الثور الأحمر فَعَلا الأحمر ربوة "وصاح ألا إنما أكلت يومَ أكل الثور الأبيض".

وتقدم معنى {عَتيد} عند قوله تعالى:

{ إلا لديه رقيب عتيد }[ق: 18]، وهو هنا متعيّن للمعنى الذي فسر عليه المفسرون، أي مُعَدٌّ ومهيَّأ.

أَلْقِيَا فِى جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ ۝٢٤ مَّنَّاعٍ لِّلْخَيْرِ مُعْتَدٍ مُّرِيبٍ ۝٢٥

انتقال من خطاب النفس إلى خطاب الملكين الموكليْن السائق والشهيد. والكلام مقول قول محذوف. والجملة استئناف ابتدائي انتقال من خطاب فريق إلى خطاب فريق آخر، وصيغة المثنى في قوله: {ألْقِيا} تجوز أن تكون مستعملة في أصلِها فيكون الخطاب للسائق والشهيد. ويجوز أن تكون مستعملة في خطاب الواحد وهو الملك الموكّل بجهنّم وخُوطب بصيغةِ المثنّى جريْا على طريقة مستعملة في الخطاب جرت على ألسنتهم لأنهم يكثر فيهم أن يرافق السائرَ رفيقان، وهي طريقة مشهورة، كما قال امرؤ القيس:

قفا نبك من ذكرَى حبيب ومنزل

وقولهم: يا خليلَيَّ، ويا صاحبَيّ. والمبرد يرى أن تثنية الفاعل نُزلت منزلة تثنية الفعل لاتحادهما كأنه قيل: ألْقِ ألْقِ للتأكيد. وهذا أمر بأن يُعم الإلقاءُ في جهنم كلّ كفار عنيد، فيعلم منه كلُّ حاضر في الحشر من هؤلاء أنه مَدفوع به إلى جهنم.

والكفَّار: القوي الكفر، أي الشرك.

والعنيد: القوي العناد، أي المكابرة والمدافعة للحق وهو يعلم أنه مبطل.

والمنَّاع: الكثير المنع، أي صد الناس عن الخير، والخير هو الإيمان، كانوا يمنعون أبناءهم وذويهم من اتباع الإيمان ومن هؤلاء الوليدُ بن المغيرة كان يقول لبني أخيه «من دخل منكم في الإسلام لا أنفعه بشيء ما عِشت». ويحتمل أن يراد به أيضاً منع الفقراء من المال لأن الخير يطلق على المال وكان أهل الجاهلية يمنعون الفقراء ويعطون المال لأكابرهم تقرباً وتلطفاً.

والمعتدي: الظالم الذي يعتدي على المسلمين بالأذى وعلى الرسول صلى الله عليه وسلم بالتكذيب والقول الباطل.

والمريب الذي أراب غيره، أي جعله مرتاباً، أي شاكّا، أي بما يلْقُونه إلى الناس من صنوف المغالطة ليشككوهم في صدق الرسول صلى الله عليه وسلم وصحة الإيمان والتوحيد. وبين لفظي

{ عتيد }[ق: 18] و {عنيد} الجناس المصحف.

ٱلَّذِى جَعَلَ مَعَ ٱللَّهِ إِلَٰهًا ءَاخَرَ فَأَلْقِيَاهُ فِى ٱلْعَذَابِ ٱلشَّدِيدِ ۝٢٦

يجوز أن يكون اسم الموصول بدلاً من {كَفَّار عنيد} فإن المعرفة تبدل من النكرة كقوله تعالى:

{ وإنك لتهْدِي إلى صراط مستقيم صراطِ الله }[الشورى: 52، 53]، على أن الموصول هنا تعريفه لفظي مجرد لأن معنى الصلة غير مخصوص بمعيّن، وأن قوله: {فألقياه} تفريع على { ألقِيا في جهنم كلّ كفار عنيد }[ق: 24] ومصبّ التفريع المتعلِّق وهو {في العذاب الشديد}، أي في أشد عذاب جهنم تفريعاً على الأمر بإلقائه في جهنم تفريع بيان، وإعادة فعل {ألقيا} للتأكيد مع تفريع متعلق الفعل المؤكد. وهذا من بديع النظم، ونظيره قوله تعالى: { كذبت قبلهم قوم نوح فكذبوا عبدَنا وقالوا مجنون وازدجر }[القمر: 9] ففرع على قوله: {كذّبت} إلخ قوله: {فكذّبوا عبدنا وقالوا مجنون وازدجر}. ومنه قوله تعالى: { لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا ويحبّون أن يُحمدوا بما لم يفعلوا فلا تحسبنّهم بمفازة من العذاب }[آل عمران: 188]، فالمقصود بالتفريع هو قوله: {بمفازة من العذاب} وإعادة {تحسبنهم} تفيد التأكيد، وعليه فـــ {الذي جعل مع الله إلاها آخر}: الكفّار المضاف إليه { كلّ }[ق: 24] فهو صادق على جماعة الكفّارين فضمير النصب في {ألقيناه} بمنزلة ضمير جمع، أي فألقياهم.

ويجوز أن يكون اسم الموصول مبتدأ على استئناف الكلام ويضمّن الموصول معنى الشرط فيكون في وجود الفاء في خبره لأجل ما فيه من معنى الشرط وهذا كثير. والمقصود منه هنا تأكيد العموم الذي في قوله: {كل كفّار عنيد}.

قَالَ قَرِينُهُۥ رَبَّنَا مَآ أَطْغَيْتُهُۥ وَلَٰكِن كَانَ فِى ضَلَٰلٍۭ بَعِيدٍ ۝٢٧

حكاية قول القرين بالأسلوب المتبع في حكاية المُقاولات في القرآن وهو أسلوب الفصل دون عطف فعل القول على شيء، وهو الأسلوب الذي ذكرناه في قوله تعالى:

{ قالوا أتجعلُ فيها من يُفسد فيها }الآية في سورة البقرة (30)، تشعر بأن في المقام كلاماً مطوياً هو كلام صاحب القرين طوي للإيجاز، ودليله ما تضمنه قول القرين من نفي أن يكون هو أطغى صاحبه إذ قال {ربَّنا ما أطغيته ولكن كان في ضلال بعيد}. وقد حكي ذلك في سورة ص صريحاً بقوله: { هذا فوج مقتحم معكم لاَ مَرْحبا بهم إنهم صالوا النار قالوا بل أنتم لا مرحبا بكم أنتم قدمتموه لنا فبئس القرار قالوا ربنا من قَدّم لنا هذا فزِده عذاباً ضعفاً في النار }[ص: 59 ـــ 61]. وتقدير المطوي هنا: أن الكَفَّار العَنيد لما قدم إلى النار أراد التنصل من كُفره وعناده وألقى تبعته على قرينه الذي كان يزيّن له الكفر فقال: هذا القرينُ أطغاني، فقال قرينه {ربنا ما أطغيته ولكن كان في ضلال بعيد}. فالقرين هذا هو القرين الذي تقدم ذكره في قوله: { وقال قرينه هذا ما لدي عتيد }[ق: 23].

والطغيان: تجاوز الحدّ في التعاظم والظلم والكفر، وفعله يائي وواوي، يقال: طَغِيَ يطغَى كرضِيَ، وطغَا يطغُو كدعا. فمعنى {ما أطغيته} ما جعلته طاغياً، أي ما أمرته بالطغيان ولا زينته له. والاستدراك ناشىء عن شدة المقارنة بينه وبين قرينه لا سيما إذا كان المراد بالقرين شيطانه المقيَّض له فإنه قرن به من وقت إدراكه، فالاستدراك لدفع توهم أن المقارنة بينهما تقتضي أن يكون ما به من الطغيان بتلقين القرين فهو ينفي ذلك عن نفسه، ولذلك أتبع الاستدراك بجملة {كان في ضلال بعيد} فأخبَر القرين بأن صاحبه ضالُّ من قبلُ فلم يكن اقترانه معه في التقييض أو في الصحبة بزائد إياه إضلالاً، وهذا نظير ما حكاه الله عن الفريقين في قوله:

{ إذ تبرأ الذين اتُّبعوا من الذين اتَّبعُوا }[البقرة: 166]. وفعل {كان} لإفادة أن الضلال ثابت له بالأصالة ملازم لتكوينه.

والبعيد: مستعار للبالغ في قوة النوع حدًّا لا يَبلغ إليه إدراك العاقِل بسهولة كما لا يبلغ سيرُ السائر إلى المكان البعيد إلا بمشقةٍ أو بعيد الزمان، أي قديم أصيل فيكون تأكيدا لمفاد فعل {كان}، وقد تقدم عند قوله تعالى:

{ ومن يشرك بالله فقد ضلّ ضلالاً بعيداً }في سورة النساء (116).

والمعنى: أنَّ تمكُّن الضلال منه يدل على أنه ليس فيه بتابع لما يمليه غيره عليه لأن شأن التابع في شيء أن لا يكون مكيناً فيه مثل علم المقلد وعلم النظَّار.

قَالَ لَا تَخْتَصِمُوا۟ لَدَىَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُم بِٱلْوَعِيدِ ۝٢٨ مَا يُبَدَّلُ ٱلْقَوْلُ لَدَىَّ وَمَآ أَنَا۠ بِظَلَّٰمٍ لِّلْعَبِيدِ ۝٢٩

هذا حكاية كلام يصدر يومئذٍ من جانب الله تعالى للفريقين الذي اتَّبعوا والذين اتُّبعوا، فالضمير عائد على غير مذكور في الكلام يدل عليه قوله:

{ فكشفنا عنكَ غطاءك }[ق: 22].

وعدم عطف فعل {قال} على ما قبله لوقوعه في معرض المقاولة، والتعبير بصيغة الماضي لتحقق وقوعه فقد صارت المقاولة بين ثلاثةِ جوانب.

والاختصام: المخاصمة وهو مصدر بصيغة الافتعال التي الأصل فيها أنها لمطاوعة بعض الأفعال فاستعملت للتفاعل مثل: اجتوروا واعتوروا واختصموا.

والنهي عن المخاصمة بينهم يقتضي أن النفوس الكافرة ادعت أن قرناءها أطْغَوْها، وأن القرناء تنصلوا من ذلك وأن النفوس أعادت رَمي قرنائها بذلك فصار خصاماً فلذلك قال الله تعالى: {لا تختصموا لدى} وطوي ذكره لدلالة {لا تختصموا} عليه إيثارا لحق الإيجاز في الكلام. والنهي عن الاختصام بعد وقوعه بتأويل النهي عن الدوام عليه، أي كفوا عن الخصام.

ومعنى النهي أن الخصام في ذلك لا جدوى له لأن استواء الفريقين في الكفر كافٍ في مؤاخذة كليهما على السواء كما قال تعالى:

{ قالت أخراهم لأولاهم ربنا هؤلاء أضلونا فآتهم عذاباً ضعفاً من النار قال لكل ضعف ولكن لا تعلمون }[الأعراف: 38]، وذلك كناية عن أن حكم الله عليهم قد تقرر فلا يفيدهم التخاصم لإلقاء التبعة على أحد الفريقين.

ووجه استوائهما في العذاب أن الداعي إلى إضلاله قائم بما اشتهته نفسه من ترويج الباطل دون نظر في الدلائل الوزاعة عنه وأن متلقّي الباطل ممن دعاه إليه قائم بما اشتهته نفسه من الطاعة لأيمة الضلال فاستويا في الداعي وترتُّب أثره.

والواو في {وقد قدمت} واو الحال. والجملة حال من ضمير {تختصموا} وهي حال معللة للنهي عن الاختصام.

والمعنى: لا تطمعوا في أنّ تدافعكم في إلقاء التَبعة ينجيكم من العقاب بعد حال إنذاركم بالوعيد من وقت حياتكم فما اكترثتم بالوعيد فلا تلوموا إلا أنفسكم لأن من أنذر فقد أعذر.

فقوله: {وقد قدمت إليكم بالوعيد} كناية عن عدم الانتفاع بالخصام كون العقاب عدلاً من الله. والباء في {بالوعيد} مزيدة للتأكيد كقوله:

{ وامسحوا برؤوسكم }[المائدة: 6]. والمعنى: وقد قدمت إليكم الوعيد قبل اليوم.

والتقديم: جَعْل الشيء قدام غيره.

والمراد به هنا: كونه سابقاً على المؤاخذة بالشرك لأن الله توعدهم بواسطة الرسول صلى الله عليه وسلم. فالمعنى الأول المكنّى عنه بُيِّن بجملة {ما يبدل القول لدى}، أي لست مبطلاً ذلك الوعيد، وهو القول، إذ الوعيد من نوع القول، والتعريف للعهد، أي فما أوعدتكم واقع لا محالة لأن الله تعهد أن لا يغفر لمن يشرك به ويموت على ذلك. والمعنى الثاني المكنَّى عنه بُين بجملة {وما أنا بظلام للعبيد}، أي فلذلك قدمت إليكم الوعيد.

والمبالغة التي في وصف {ظلاّم} راجعة إلى تأكيد النفي. والمراد: لا أظلم شيئاً من الظلم، وليس المعنى: ما أنا بشديد الظلم كما قد يستفاد من توجُّه النفي إلى المقيّد يفيد أن يتوجه إلى القيد لأن ذلك أغلبي. والأكثر في نفي أمثلة المبالغة أن يقصد بالمبالغة مبالغة النفي، قال طرفة:

ولسْتُ بحَلاَّل التلاع مخافةولكن متى يسترفد القوم أرفِد

فإنه لا يريد نفي كثرة حلوله التلاع وإنما أراد كثرة النفي.

وذكر الشيخ في «دلائل الإعجاز» توجه نفي الشيْء المقيد إلى خصوص القيد كتوجّه الإثبات سواء، ولكن كلام التفتزاني في كتاب «المقاصد في أصول الدين» في مبحث رؤية الله تعالى أشار إلى استعمالين في ذلك، فالأكثرُ أن النفي يتوجه إلى القيد فيكون المنفي القيد، وقد يعتبر القيد قيداً للنفي وهذا هو التحقيق. على أني أرى أن عَدّ مثل صيغة المبالغة في عِداد القيود محل نظر فإن المعتبر من القيود هو ما كان لفظاً زائداً على اللفظ المنفي من صفة أو حال أو نحو ذلك، ألا ترى أنه لا يحسن أن يقال: لست ظَلاّماً، ولكن أظلم، ويحسن أن يقال لا آتيك محارباً ولكن مسالماً.

وقد أشار في «الكشاف» إلى أن إيثار وصف {ظَلاّم} هنا إيماء إلى أن المنفي لو كان غير منفي لكان ظلماً شديداً فيفهم منه أنه لو أخذ الجاني قبلَ أن يَعرَّف أن عمله جناية لكانت مؤاخذته بها ظلماً شديداً. ولعل صاحب «الكشاف» يرمي إلى مذهبه من استواء السيئات، والتعبير بالعبيد دون التعبير بالناس ونحوه لزيادة تقرير معنى الظلم في نفوس الأمة، أي لا أظلم ولو كان المظلوم عبدي فإذا كان الله الذي خلق العباد قد جعل مؤاخذة من لم يسبق له تشريع ظلماً فما بالك بمؤاخذة الناس بعضهم بعضاً بالتبعات دون تقدّم إليهم بالنهي من قبل، ولذلك يقال: لا عقوبة إلا على عمل فيه قانون سابق قبل فعله.

يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ ٱمْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِن مَّزِيدٍ ۝٣٠

ظرف متعلق بــ

{ قال لا تختصموا لدي }[ق: 28]. والتقدير: قال لهم في ذلك القول يوم يقول قولاً آخر لجهنم {هل امتلأت}. ومناسبته تعليقه به أن هذا القول لجهنم مقصود به ترويع المدفوعين إلى جهنم أن لا يطمعوا في أن كثرتهم يضيق بها سعة جهنم فيطمع بعضهم أن يكون ممن لا يوجد له مكان فيها، فحكاه الله في القرآن عبرة لمن يسمعه من المشركين وتعليماً لأهل القرآن المؤمنين ولذلك استوت قراءة {يقول} بالياء، وهي لنافع وأبي بكر عن عاصم جريا على مقتضى ظاهر ما سبقه من قوله: {قال لا تختصموا لدى}. وقراءة الباقين بالنون على الالتفات بل هو التفات تابع لتبديل طريق الإخبار من الحديث عن غائب إلى خطاب حاضر.

والقول الأول حقيقي وهو كلام يصدر من جانب الله بمحض خلقه دون واسطة. فلذلك أسند إلى الله كما يقال القرآن كلام الله.

والاستفهام في {هل امتلأت} مستعمل في تنبيه أهل العذاب إلى هذا السؤال على وجه التعريض.

وأما القول لجهنم فيجوز أن يكون حقيقة بأن يخلق الله في أصوات لهيبها أصواتاً ذات حروف يلتئم منها كلام، ويجوز أن يكون مجازاً عن دلالة حالها على أنها تسع ما يلقى فيها من أهل العذاب بأن يكشف باطنها للمعروضين عليها حتى يروا سعتها كقول الراجز:

امتلا الحوض وقال: قطني

والاستفهام في {هل من مزيد} مستعمل للتشويق والتمنّي.

وفيه دلالة على أن الموجودات مشوقة إلى الإيفاء بما خلقت له كما قال الشيطان

{ قال فبما أغويتني لأقعُدَنّ لهم صراطك المستقيم }[الأعراف: 16]. وفيه دلالة على إظهار الامتثال لما خلقها الله لأجله، ولأنها لا تتلكّأ ولا تتعلل في أدائه على أكمل حال في بابه.

والمزيد: مصدر ميمي، وهو الزيادة مثل المجيد والحَمِيد. ويجوز أن يكون اسم مفعول من زاد، أي هل من جماعة آخرين يُلقون فيَّ.

وَأُزْلِفَتِ ٱلْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ ۝٣١ هَٰذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ ۝٣٢ مَّنْ خَشِىَ ٱلرَّحْمَٰنَ بِٱلْغَيْبِ وَجَآءَ بِقَلْبٍ مُّنِيبٍ ۝٣٣ ٱدْخُلُوهَا بِسَلَٰمٍ ذَٰلِكَ يَوْمُ ٱلْخُلُودِ ۝٣٤ لَهُم مَّا يَشَآءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ ۝٣٥

عطف {وأزلفت} على {يقول لجهنم}. فالتقدير: يوم أزلفت الجنة للمتقين وهو رجوع إلى مقابل حالةِ الضالّين يومَ يُنفخ في الصور، فهذه الجملة متصلة في المعنى بجملة

{ وجاءت كل نفس معها سائق وشهيد }[ق: 21] ولو اعتبرت معطوفة عليها لصح ذلك إلا أن عطفها على جملة { يوم يقول لجهنم هل امتلات }[ق: 30] غنية عن ذلك ولا سيما مع طول الكلام.

والإزلاف: التقريب مشتق من الزَلَف بالتحريك وهو القربة، وقياس فعله أنه كفَرِح كما دل عليه المصدر ولم يُرو في كلامهم، أي جعلت الجنة قريباً من المتقين، أي ادْنُوا منها.

والجنة موجودة من قبل وُرود المتَّقين إليها فإزلافها قد يكون بحشرهم للحساب بمقربة منها كرامة لهم عن كلفة المسير إليها، وقد يكون عبارة عن تيسير وصولهم إليها بوسائل غير معروفة في عادة أهل الدنيا.

وقوله: {غير بعيد} يرجح الاحتمال الأول، أي غير بعيد منهم وإلاّ صار تأكيداً لفظياً لــ {أُزلفت} كما يقال: عاجل غير آجل، وقوله:

{ وأضل فرعون قومه وما هدى }[طه: 79] والتأسيس أرجح من احتمال التأكيد.

وانتصب {غير بعيد} على الظرفية باعتبار أنه وصف لظرف مكان محذوف. والتقدير: مكاناً غير بعيد، أي عن المتقين. وهذا الظرف حال من {الجنة}. وتجريد {بعيد} من علامة التأنيث: إما على اعتبار {غير بعيد} وصفاً لمكانٍ، وإمّا جَريٌ على الاستعمال الغالب في وصف (بَعيد وقريب) إذا أريد البعد والقرب بالجهة دون النسب أن يُجرَّدَا من علامة التأنيث كما قاله الفرّاء أو لأن تأنيث اسم الجنة غير حقيقي كما قال الزجاج، وإما لأنه جاء على زنة المصدر مثل الزئير والصَّليل، كما قال الزمخشري، ومثله قوله تعالى:

{ إن رحمة الله قريب من المحسنين }[الأعراف: 56].

وجملة {هذا ما توعدون} معترضة، فلك أن تجعلها وحدها معترضة وما بعدها متصلاً بما قبلها فتكون معترضة بين البدل والمبدل منه وهما {للمتقين} و{لكل أواب}، وتجعل {لكل أواب} بدلاً من {للمتقين}، وتكرير الحرف الذي جُرّ به المبدَل منه لقصد التأكيد كقوله تعالى:

{ قال الذين استكبروا للذين استضعفوا }[سبأ: 32] لمن آمن منهم الآية وقوله: { ولأبَوَيْه لكلّ واحد منهما السدس }[النساء: 11]. واسم الإشارة المذكر مراعى فيه مجموع ما هو مشاهد عندهم من الخيرات.

والأوّاب: الكثير الأوب، أي الرجوع إلى الله، أي إلى امتثال أمره ونهيه.

والحفيظ: الكثير الحفظ لوصايا الله وحدوده. والمعنى: أنه محافظ على الطاعة فإذا صدرت منه فلتة أعقبها بالتوبة.

و {من خشي الرحمٰن بالغيب} بدل من {كل أوّاب}. والخشية: الخوف. وأطلقت الخشية على أثرها وهو الطاعة.

والباء في {بالغيب} بمعنى (في) الظرفية لتنزيل الحال منزلة المكان، أي الحالة الغائبة وهي حالة عدم اطِّلاع أحد عليه، فإن الخشية في تلك الحالة تدل على صدق الطاعة لله بحيث لا يرجو ثناء أحد ولا عقاب أحد فيتعلق المجرور بالتاء بفعل {خشي}. ولك أن تبقي الباء على بعض معانيها الغالبة وهي الملابسة ونحوها ويكون {الغيب} مصدراً والمجرور حالاً من ضمير {خشي}.

ومعنى {وجاء بقلب منيب} أنه حضر يوم الحشر مصاحباً قلبَه المنيب إلى الله، أي مات موصوفاً بالإنابة ولم يُبطل عمله الصالح في آخر عمره، وهذا كقوله حكاية عن إبراهيم

{ يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم }[الشعراء: 88، 89].

وإيثار اسمه {الرحمٰن} في قوله: {من خشي الرحمٰن} دون اسم الجلالة للإشارة إلى أن هذا المتقي يخشى الله وهو يعلم أنه رحمٰن، ولقصد التعريض بالمشركين الذين أنكروا اسمه الرحمٰن

{ وإذا قيل لهم اسجدوا للرحمٰن قالوا وما الرحمٰن }[الفرقان: 60].

والمعنى على الذين خَشُوا: خشي صاحب هذا الاسم، فأنتم لا حَظَّ لكم في الجنة لأنكم تنكرون أن الله رحمان بَلْهَ أن تخْشَوْه.

ووصفُ قلب بــ {مُّنِيب} على طريقة المجاز العقلي لأن القلب سبب الإنابة لأنه الباعث عليها.

وجملة {ادخلوها بسلام} من تمام مقول القول المحذوف. وهذا الإذن من كمال إكرام الضيف أنه إن دُعِي إلى الوليمة أو جيء به فإنه إذا بلغ المنزل قيل له: ادخل بسَلام.

والباء في {بسلام} للملابسة. والسلام: السلامة من كل أذى من تعب أو نصب، وهو دعاء. ويجوز أن يراد به أيضاً تسليم الملائكة عليهم حين دخولهم الجنة مثل قوله:

{ سلام قولاً من رب رحيم }[يس: 58].

ومحل هذه الجملة من التي قبلها الاستئناف البياني لأن ما قبلها يثير ترقب المخاطبين للإذن بإنجاز ما وعدوا به.

وجملة {ذلك يوم الخلود} يجوز أن تكون مما يقال للمتقين على حد قوله:

{ فادخلوها خالدين }[الزمر: 73]، والإشارة إلى اليوم الذي هم فيه. وكان اسم الإشارة للبعيد للتعظيم. ويجوز أن تكون الإشارة إلى اليوم المذكور في قوله: { يوم نقول لجهنم هل امتلات }[ق: 30] فإنه بعد أن ذكر ما يلاقيه أهل جهنم وأهل الجنة أعقبه بقوله: {ذلك يوم الخلود} ترهيباً وترغيباً، وعلى هذا الوجه الثاني تكون هذه الجملة معترضة اعتراضاً موجهاً إلى المتقين يوم القيامة أو إلى السامعين في الدنيا. وعلى كلا الوجهين فإضافة {يوم} إلى {الخلود} باعتبار أن أول أيام الخلود هي أيام ذات مقادير غير معتادة، أو باعتبار استعمال {يوم} بمعنى مطلق الزمان.

وبين كلمة {ادخلوها} وكلمة {الخلود} الجناس المقلوب الناقص، ثم إن جملة {لهم ما يشاءون فيها ولدينا مزيد} يجوز أن تكون من بقية ما يقال للمتقين ابتداء من قوله: {هذا ما توعدون لكل أوّاب حفيظ} فيكون ضمير الغيبة التفاتاً وأصله: لكم ما تشاؤون. ويجوز أن تكون مما خوطب به الفريقان في الدنيا وعلى الاحتمالين فهي مستأنفة استئنافاً بيانياً.

و {لدينا مزيد}، أي زيادة على ما يشاؤون مما لم يخطرُ ببالهم، وذلك زيادة في كرامتهم عند الله ووردت آثار متفاوتة القوة أن من المزيد مفاجأتهم بخيرات، وفيها دلالة على أن المفاجأة بالإنعام ضرب من التلطف والإكرام، وأيضاً فإن الأنعام يجيئهم في صور معجبة. والقول في {مزيد} هنا كالقول في نظيره السابق آنفاً.

وجاء ترتيب الآيات في منتهى الدقة فبدأت بذكر إكرامهم بقوله: {وأزلفت الجنة للمتقين}، ثم بذكر أن الجنة جزاؤهم الذي وعدوا به فهي حق لهم، ثم أوْمَأت إلى أن ذلك لأجل أعمالهم بقوله: {لكل أوّاب حفيظ مَن خشي الرحمٰن} الخ، ثم ذكرت المبالغة في إكرامهم بعد ذلك كله بقوله: {ادخلوها بسلام}، ثم طمْأنهم بأن ذلك نعيم خالد، وزِيد في إكرامهم بأن لهم ما يشاؤون ما لم يروه حين الدخول، وبأن الله عدهم بالمزيد من لدنه.

وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم مِّن قَرْنٍ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُم بَطْشًا فَنَقَّبُوا۟ فِى ٱلْبِلَٰدِ هَلْ مِن مَّحِيصٍ ۝٣٦ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَذِكْرَىٰ لِمَن كَانَ لَهُۥ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى ٱلسَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ ۝٣٧

انتقال من الاستدلال إلى التهديد وهو معطوف على ما قبله وهذا العطف انتقال إلى الموعظة بما حل بالأمم المكذبة بعد الاستدلال على إمكان البعث بقوله:

{ قد علمنا ما تنقص الأرض منهم }[ق: 4] وما فُرّع عليه من قوله: { أفَعَيِينَا بالخلق الأول }[ق: 15]. وفي هذا العطف الوعيد الذي أجمل في قوله: { كذبت قبلهم قوم نوح وأصحاب الرّس }[ق: 12] إلى قوله: { فحقّ وعيد }[ق: 14]. فالوعيد الذي حقّ عليهم هو الاستئصال في الدنيا وهو مضمون قوله: {وكم أهلكنا قبلهم من قرن هم أشد منهم بطشاً}.

والخبر الذي أفاده قوله: {وكم أهلكنا قبلهم} تعريض بالتهديد وتسلية للنبي صلى الله عليه وسلم. وضميرا {قبلهم} و {منهم} عائدان إلى معلوم من المقام غير مذكور في الكلام كما تقدم في قوله أول السورة من قوله:

{ بل عجبوا أن جاءهم منذر منهم } ويفسره قوله بعده { فقال الكافرون هذا شيء عجيب }[ق: 2]. وجرى على ذلك السَّنَن قوله: {كَذَّبت قبلهم قوم نوح} وقوله: { بل هم في لبس من خلق جديد }[ق: 15]، ونظائره في القرآن كثيرة.

و {كم} خبرية وجرّ تمييزها بــ {من} على الأصل.

والبطش: القوة على الغير. والتنقيب: مشتق من النقْب بسكون القاف بمعنى الثقب، فيكون بمعنى: خَرَقوا، واستعير لمعنى: ذللوا وأخضعوا، أي تصرفوا في الأرض بالحفر والغرس والبناء ونحت الجبال وإقامة السداد والحصون فيكون في معنى قوله:

{ وأثارُوا الأرض وعَمَرُوها }في سورة الروم (9).

وتعريف {البلاد} للجنس، أي في الأرض كقوله تعالى:

{ الذين طغوا في البلاد }[الفجر: 11].

والفاء في {فنقبوا} للتفريع عن {أشد منهم بطشاً}، أي ببطشهم وقوتهم نقبوا في البلاد.

والجملة معترضة بين جملة {وكم أهلكنا قبلهم} إلى آخره.

وجملة {هل من محيص} كما اعترض بالتفريع في قوله تعالى:

{ ذلكم فذوقوه وأن للكافرين عذاب النار }[الأنفال: 14].

وجملة {هل من محيص} بدل اشتمال من جملة {أهلكنا}، أي إهلاكاً لا منجى منه. ويجوز أن تكون الجملة مستأنفة. فالاستفهام إنكاري بمعنى النفي، ولذلك دخلت {من} على الاسم الذي بعد الاستفهام كما يقال: ما مِن محيص، وهذا قريب من قوله في سورة ص (3)

{ كم أهلكنا من قبلهم من قرن فنادوا ولاتَ حين مناص }

والمحيص: مصدر ميمي من حَاص إذا عَدَل وجاد، أي لم يجدوا محيصاً من الإهلاك وهو كقوله تعالى:

{ وكم أهلكنا قبلهم من قرن هل تحس منهم من أحد } في سورة مريم (98).

وقوله: {إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب} إلى آخرها يجوز أن تكون الإشارة بذلك إلى إهلاك القرون الأشدِّ بطشاً، ويجوز أن يكون إلى جميع ما تقدم من استدلال وتهديد وتحذير من يوم الجزاء.

والذكرى: التذكرة العقلية، أي التفكر في تدبر الأحوال التي قضت عليهم بالإهلاك ليقيسوا عليها أحوالهم فيعلموا أن سَيَنَالهُمْ ما نال أولئك، وهذا قياس عقلي يدركه اللبيب من تلقاء نفسه دون احتياج إلى منبه.

والقلب: العقل وإدراك الأشياء على ما هي عليه. وإلقاء السمع: مستعار لشدة الإصغاء للقرآن ومواعظ الرسول صلى الله عليه وسلم كأنَّ أسماعهم طرحت في ذلك فلا يشغلها شيء آخر تسمعه.

والشهيد: المشاهد وصيغة المبالغة فيه للدلالة على قوة المشاهدة للمذكر، أي تحديق العين إليه للحرص على فهم مراده مما يقارن كلامه من إشارة أو سَحْنة فإن النظر يعين على الفهم. وقد جيء بهذه الجملة الحالية للإشارة إلى اقتران مضمونها بمضمون عاملها بحيث يكون صاحب الحال ملقيا سمعه مشاهِدا. وهذه حالة المؤمن ففي الكلام تنويه بشأن المؤمنين وتعريض بالمشركين بأنهم بعداء عن الانتفاع بالذكريات والعبر. وإلقاء السمع مع المشاهدة يوقظ العقل للذكرى والاعتبار إن كان للعقل غفلة.

وموقع {أو} للتقسيم لأن المتذكر إمّا أن يتذكر بما دلت عليه الدلائل العقلية من فهم أدلة القرآن ومن الاعتبار بأدلة الآثار على أصحابها كآثار الأمم مثل ديار ثمود، قال تعالى:

{ فتلك بيوتهم خاوية بما ظلموا }[النمل: 52] فقوله: {ألقى السمع} استعارة عزيزة شبه توجيه السمع لتلك الأخبار دون اشتغال بغيرها بإلقاء الشيء لمن أخذه فهو من قسم من له قلب، وإما أن يتذكر بما يبلغه من الأخبار عن الأمم كأحاديث القرون الخالية. وقيل المراد بمن ألقى السمع وهو شهيد خصوص أهل الكتاب الذين ألقوا سمعهم لهذه الذكرى وشهدوا بصحتها لعلمهم بها من التوراة وسائر كتبهم فيكون {شهيد} من الشهادة لا من المشاهدة. وقال الفخر: تنكير {قلب} للتعظيم والكمال. والمعنى: لمن كان له قلب ذكيّ واع يستخرج بذكائه، أو لمن ألقى السمع إلى المنذر فيتذكر، وإنما قال {أو ألقى السمع} ولم يقل: استمع، لأن إلقاء السمع، أي يرسل سمعه ولا يمسكه وإن لم يقصد السماع، أي تحصل الذكرى لمن له سمع. وهو تعريض بتمثيل المشركين بمن ليس له قلب وبمن لا يلقي سمعه.
السبت، 7 نوفمبر 2026 27 جمادى الأولى 1448 هـ