انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة ق

تفسير الطبريالآيات 1–25

تفسير سورة ق آية آية، من تفسير الطبري.

استمع إلى تفسير سورة ق

الخلاصة من تفسير الطبري · مقطعان · 19:09

  1. 1 الآيات 1–26في هذه الصفحة 10:38
  2. 2 الآيات 27–45 8:31

بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ

قٓ وَٱلْقُرْءَانِ ٱلْمَجِيدِ ۝١ بَلْ عَجِبُوٓا۟ أَن جَآءَهُم مُّنذِرٌ مِّنْهُمْ فَقَالَ ٱلْكَٰفِرُونَ هَٰذَا شَىْءٌ عَجِيبٌ ۝٢

اختلف أهل التأويل في قوله: {ق}، فقال بعضهم: هو اسم من أسماء الله تعالى أُقسم به. ذكر من قال ذلك:

حدثني عليّ بن داود، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس في قوله: {ق - و - ن} وأشباه هذا، فإنه قسم أقسمه الله، وهو اسم من أسماء الله.

وقال آخرون: هو اسم من أسماء القرآن. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، في قوله {ق} قال: اسم من أسماء القرآن.

وقال آخرون: {ق} اسم الجبل المحيط بالأرض، وقد تقدّم بياننا في تأويل حروف المعجم التي في أوائل سور القرآن بما فيه الكفاية عن إعادته في هذا الموضع.

وقوله: {وَالقُرآنِ المَجِيدِ} يقول: والقرآن الكريم. كما:

حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا يحيى بن يمان، عن أشعث بن إسحاق، عن جعفر بن أبي المغيرة، عن سعيد بن جُبَير { ق والقرآن المَجِيدِ } قال: الكريم.

واختلف أهل العربية في موضع جواب هذا القسم، فقال بعض نحوِّيي البصرة {ق والقُرآنِ المَجِيدِ} قسم على قوله:

{ قَدْ عَلِمْنا ما تَنْقُصُ الأرْضُ مِنْهُمْ }وقال بعض نحوِّيي أهل الكوفة: فيها المعنى الذي أقسم به، وقال: ذكر أنها قضى والله، وقال: يقال: إن قاف جبل محيط بالأرض، فإن يكن كذلك فكأنه في موضع رفع: أي هو قاف والله قال: وكان ينبغي لرفعه أن يظهر لأنه اسم وليس بهجاء قال: ولعلّ القاف وحدها ذكرت من اسمه، كما قال الشاعر:

قُلْت لهَا قِفِي لَنَا قالَتْ قافْ

ذُكرت القاف إرادة القاف من الوقف: أي إني واقفة.

وهذا القول الثاني عندنا أولى القولين بالصواب، لأنه لا يعرف في أجوبة الإيمان قد، وإنما تجاب الأيمان إذا أجيبت بأحد الحروف الأربعة: اللام، وإن، وما، ولا، أو بترك جوابها فيكون ساقطاً.

وقوله:{ بَلْ عَجِبُوا أنْ جاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ} يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم ما كذّبك يا محمد مشركو قومك أن لا يكونوا عالمين بأنك صادق محقّ، ولكنهم كذّبوك تعجباً من أن جاءهم منذر ينذرهم عقاب الله منهم، يعني بشراً منهم من بني آدم، ولم يأتهم مَلك برسالة من عند الله وقوله:{ فَقالَ الكافِرُونَ هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ } يقول تعالى ذكره: فقال المكذّبون بالله ورسوله من قريش إذ جاءهم منذر منهم {هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ}: أي مجيء رجل منا من بني آدم برسالة الله إلينا،

{ { لولا أُنْزِلَ إلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيراً }}.

أَءِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا ذَٰلِكَ رَجْعٌۢ بَعِيدٌ ۝٣ قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنقُصُ ٱلْأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِندَنَا كِتَٰبٌ حَفِيظٌۢ ۝٤

يقول القائل: لم يجر للبعث ذكر، فيخبر عن هؤلاء القوم بكفرهم ما دعوا إليه من ذلك، فما وجه الخبر عنهم بإنكارهم ما لم يدعوا إليه، وجوابهم عما لم يُسألوا عنه. قيل: قد اختلف أهل العربية في ذلك، فنذكر ما قالوا في ذلك، ثم نتبعه البيان إن شاء الله تعالى، فقال في ذلك بعض نحوِّيي البصرة قال:{ أئذا مِتْنا وكُنَّا تُرَاباً ذَلكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ}، لم يذكر أنه راجع، وذلك والله أعلم لأنه كان على جواب، كأنه قيل لهم: إنكم ترجعون، فقالوا: {أئِذَا متنا وكُنَّا تُرَاباً ذَلكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ } وقال بعض نحوِّيي الكوفة قوله:{ أئِذَا متْنا وكُنَّا تُرَاباً} كلام لم يظهر قبله، ما يكون هذا جواباً له، ولكن معناه مضمر، إنما كان والله أعلم:

{ { ق والقرآن المجيد } } لَتُبْعثنّ بعد الموت، فقالوا: أئذَا كنا تراباً بُعثنا؟ جحدوا البعث، ثم قالوا:{ ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ } جحدوه أصلاً، قوله:{ بَعِيدٌ } كما تقول للرجل يخطىء في المسألة، لقد ذهبت مذهباً بعيداً من الصواب: أي أخطأت. والصواب من القول في ذلك عندنا، أن في هذا الكلام متروكاً استغني بدلالة ما ذُكر عليه من ذكره، وذلك أن الله دلّ بخبره عن تكذيب هؤلاء المشركين الذين ابتدأ هذه السورة بالخبر عن تكذيبهم رسوله محمداً صلى الله عليه وسلم بقوله: { { بَلْ عَجِبُوا أنْ جاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ فَقالَ الكافِرُونَ هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ } } على وعيده إياهم على تكذيبهم محمداً صلى الله عليه وسلم، فكأنه قال لهم: إذ قالوا منكرين رسالة الله رسوله محمدا صلى الله عليه وسلم { { هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ } } ستعلمون أيها القوم إذا أنتم بُعثتم يوم القيامة ما يكون حالكم في تكذيبكم محمداً صلى الله عليه وسلم، وإنكاركم نبوّته، فقالوا مجيبين رسول الله صلى الله عليه وسلم أئِذَا مِتْنا وكُنَّا تُراباً نعلم ذلك، ونرى ما تعدنا على تكذيبك { ذلكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ}: أي أن ذلك غير كائن، ولسنا راجعين أحياء بعد مماتنا، فاستغني بدلالة قوله: { { بَلْ عَجِبُوا أنْ جاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ فقال الكافرون هَذَا شَيْءٌ عَجيبٌ } } من ذكر ما ذكرت من الخبر عن وعيدهم. وفيما:

حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: ثنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول قي قوله:{ أئِذَا متْنا وكُنَّا تُرَاباً ذلكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ } قالوا: كيف يحيينا الله، وقد صرنا عظاماً ورفاتاً، وضللنا في الأرض، دلالة على صحة ما قلنا من أنهم أنكروا البعث إذا توعَّدوا به.

وقوله:{ قَدْ عَلِمْنا ما تَنْقُصُ الأرْضُ مِنْهُمُ} يقول تعالى ذكره: قد علمنا ما تأكل الأرض من أجسامهم بعد مماتهم، وعندنا كتاب بما تأكل الأرض وتفني من أجسامهم، ولهم كتاب مكتوب مع علمنا بذلك، حافظ لذلك كله، وسماه الله تعالى حفيظاً، لأنه لا يدرس ما كتب فيه، ولا يتغير ولا يتبدل. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله:{ قَدْ عَلِمْنا ما تَنْقُصُ الأرْضُ مِنْهُمْ } يقول: ما تأكل الأرض من لحومهم وأبشارهم وعظامهم وأشعارهم.

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن قال: ثنا ورقاء جميعاً، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله:{ ما تَنْقُصُ الأرْضُ مِنْهُمْ } قال: من عظامهم.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، في قوله:{ قَدْ عَلِمْنا ما تَنْقُصُ الأرْضُ مِنْهُمُ } يقول: ما تأكل الأرض منهم.

حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة { قَدْ عَلِمْنا ما تَنْقُصُ الأرْضُ مِنْهُمْ } قال: يعني الموت، يقول: من يموت منهم، أو قال: ما تأكل الأرض منهم إذا ماتوا.

حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول، قال الله {قَدْ عَلِمْنا ما تَنْقُصُ الأرْضُ مِنْهُمْ } يقول: ما أكلت الأرض منهم ونحن عالمون به، وهم عندي مع علمي فيهم في كتاب حفيظ.

بَلْ كَذَّبُوا۟ بِٱلْحَقِّ لَمَّا جَآءَهُمْ فَهُمْ فِىٓ أَمْرٍ مَّرِيجٍ ۝٥ أَفَلَمْ يَنظُرُوٓا۟ إِلَى ٱلسَّمَآءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَٰهَا وَزَيَّنَّٰهَا وَمَا لَهَا مِن فُرُوجٍ ۝٦

يقول تعالى ذكره: ما أصاب هؤلاء المشركون القائلون { أئِذَا مِتْنا وكُنَّا تُرَاباً ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ} في قيلهم هذا { بَلْ كَذَّبُوا بالحَقّ}، وهو القرآن { لَمَّا جَاءَهُمْ } من الله. كالذي:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {بَلْ كَذَّبُوا بالحَقِّ لَمَّا جاءَهُمْ } أي كذّبوا بالقرآن {فَهُمْ فِي أمْرٍ مَرِيجٍ } يقول: فهم في أمر مختلط عليهم ملتبس، لا يعرفون حقه من باطله، يقال قد مرج أمر الناس إذا اختلط وأهمل.

وقد اختلفت عبارات أهل التأويل في تأويلها، وإن كانت متقاربات المعاني، فقال بعضهم: معناها: فهم في أمر منكر وقال: المريج: هو الشيء المنكر. ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن خالد بن خداش، قال: ثني سلم بن قُتيبة، عن وهب بن حبيب الآمديّ، عن أبي حمزة، عن ابن عباس أنه سُئل عن قوله:{ أمْرٍ مَرِيجٍ } قال: المريج: الشيء المنكر أما سمعت قول الشاعر:

فَجالَتْ والْتَمَسَتْ بهِ حَشاهَافَخَرَّ كأنَّهُ خُوطٌ مَرِيج

وقال آخرون: بل معنى ذلك: في أمر مختلف. ذكر من قال ذلك:

حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله {فِي أمْرٍ مَرِيجٍ} يقول: مختلف.

وقال آخرون: بل معناه: في أمر ضلالة.

ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس { فَهُمْ في أمْرٍ مَرِيجٍ } قال: هم في أمر ضلالة.

وقال آخرون: بل معناه: في أمر مُلْتبِس. ذكر من قال ذلك:

حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا يحيى بن يمان، عن أشعث بن إسحاق، عن جعفر بن أبي المغيرة، عن سعيد بن جُبَير، في قوله:{ فَهُمْ فِي أمْرٍ مَرِيجٍ} قال: مُلْتَبِسٍ.

حدثنا محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعاً، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله:{ أَمْرٍ مَرِيجٍ } قال: ملتبس.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله:{ فَهُمْ فِي أمْرٍ مَرِيجٍ } ملتبس عليهم أمره.

حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، قال: والتبس عليه دينه.

وقال آخرون: بل هو المختلط. ذكر من قال ذلك:

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله:{ فِي أمْرٍ مَرِيجٍ} قال: المريج: المختلط.

وإنما قلت: هذه العبارات وإن اختلفت ألفاظها فهي في المعنى متقاربات، لأن الشيء مختلف ملتبس، معناه مشكل. وإذا كان كذلك كان منكراً، لأن المعروف واضح بين، وإذا كان غير معروف كان لا شكّ ضلالة، لأن الهدى بيِّن لا لبس فيه.

وقوله:{ أفَلَمْ يَنظُرُوا إلى السَّماء فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْناها} يقول تعالى ذكره: أفلم ينظر هؤلاء المكذّبون بالبعث بعد الموت المُنكرون قُدرتنا على إحيائهم بعد بلائهم {إلى السَّماءِ فَوْقَهُمْ كَيْف بَنَيْناها} فسوّيناها سقفاً محفوظاً، وزيناها بالنجوم {وَما لَهَا مِنْ فُرُوج} يعني: وما لها من صدوع وفُتوق. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعاً، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: {مِنْ فُرُوجٍ} قال: شَقّ.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله:{ وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ} قلت له، يعني ابن زيد: الفروج: الشيء المتبرىء بعضه من بعض، قال: نعم.

وَٱلْأَرْضَ مَدَدْنَٰهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَٰسِىَ وَأَنۢبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ زَوْجٍۭ بَهِيجٍ ۝٧ تَبْصِرَةً وَذِكْرَىٰ لِكُلِّ عَبْدٍ مُّنِيبٍ ۝٨

وقوله:{ والأرْضَ مَدَدْناها} يقول: والأرض بسطناها {وألْقَيْنا فِيها رَوَاسِيَ} يقول: وجعلنا فيها جبالاً ثوابت، رست في الأرض،{ وأنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلّ زَوْجٍ بَهِيجٍ } يقول تعالى ذكره: وأنبتنا في الأرض من كلّ نوع من نبات حسن، وهو البهيج. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية بن صالح، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله:{ بَهِيجٍ } يقول: حسن.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله:{ وأَلْقَيْنا فِيها رَوَاسِيَ } والرواسي الجبال {وأَنْبَتْنا فيها مِنْ كُلّ زَوْجٍ بَهِيج}: أي من كلّ زوج حسن.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قلت لابن زيد البهيج: هو الحسن المنظر؟ قال نعم: وقوله { تَبْصِرَةً } يقول: فعلنا ذلك تبصرة لكم أيها الناس بنصركم بها قدرة ربكم على ما يشاء،{ وَذِكْرَى لِكُلّ عَبْدٍ مُنِيبٍ} يقول: وتذكيراً من الله عظمته وسلطانه، وتنبيهاً على وحدانيته { لِكُلّ عَبْدٍ مُنِيبٍ} يقول: لكل عبد رجع إلى الإيمان بالله، والعمل بطاعته. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله: تَبْصِرَة نعمة من الله يبصرها العباد { وَذِكْرَى لِكُلّ عَبْدٍ مُنِيبٍ}: أي مقبل بقلبه إلى الله.

حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، في قوله:{ تَبْصِرَةً وَذِكْرَى} قال: تبصرة من الله.

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعاً، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: {تَبْصِرَةً} قال: بصيرة.

حدثنا ابن حُمَيد قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن جابر، عن عطاء ومجاهد { لِكُلّ عَبْدٍ مُنِيبٍ} قالا: مجيب.

وَنَزَّلْنَا مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً مُّبَٰرَكًا فَأَنۢبَتْنَا بِهِۦ جَنَّٰتٍ وَحَبَّ ٱلْحَصِيدِ ۝٩ وَٱلنَّخْلَ بَاسِقَٰتٍ لَّهَا طَلْعٌ نَّضِيدٌ ۝١٠ رِّزْقًا لِّلْعِبَادِ وَأَحْيَيْنَا بِهِۦ بَلْدَةً مَّيْتًا كَذَٰلِكَ ٱلْخُرُوجُ ۝١١

يقول تعالى ذكره:{ وَنَزَّلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً } مطراً مباركاً، فأنبتنا به بساتين أشجاراً، وحبّ الزرع المحصود من البرّ والشعير، وسائر أنواع الحبوب. كما:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة { وَحَبَّ الحَصِيدِ } هذا البرّ والشعير.

حدثني ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة {وَحَبَّ الْحَصِيدِ } قال: هو البرّ والشعير.

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعاً، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد { وَحَبّ الحَصِيدِ } قال: الحِنطة.

وكان بعض أهل العربية يقول في قوله:{ وحَبَّ الْحَصِيدِ } الحبّ هو الحصيد، وهو مما أضيف إلى نفسه مثل قوله:

{ إنَّ هَذَا لَهُوَ حَقُّ اليَقِينِ }

وقوله:{ والنَّخْلَ باسِقاتٍ } يقول: وأنبتنا بالماء الذي أنزلنا من السماء النخل طوالاً، والباسق: هو الطويل يقال للجبل الطويل: جبل باسق، كما قال أبو نوفل لابن هُبَيرة:

يا ابْنَ الَّذِينَ بِفَضْلِهِمْبَسَقَتْ عَلى قَيْسٍ فَزَارَهْ

_@_ وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:

حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله: باسِقاتٍ يقول: طوال.

حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله { والنَّخْلَ باسِقاتٍ } قال: النخل الطوال.

حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا هشيم، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن عبد الله بن شدّاد في قوله:{ والنَّخْلَ باسِقاتٍ } قال: بُسوقها: طولها في إقامة.

حدثنا هناد، قال: ثنا أبو الأحوص، عن سماك، عن عكرِمة، في قوله:{ والنَّخْلَ باسِقاتٍ } الباسقات: الطوال.

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعاً، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله:{ باسِقاتٍ } قال: الطوال.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {والنَّخْلِ باسِقاتٍ } قال: بسوقها طولها.

حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة {والنَّخْلَ باسِقاتٍ } قال: يعني طولها.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله { والنَّخْلَ باسِقاتٍ } قال: البسوق: الطول.

وقوله:{ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ } يقول: لهذا النخل الباسقات طلع وهو الكُفُرَّي، نضيد: يقول: منضود بعضه على بعض متراكب. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي عن أبيه، عن ابن عباس { لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ} قال: يقول بعضه على بعض.

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعاً، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله:{ نَضِيدٌ} قال: المنضَّد.

حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة { لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ} يقول: بعضه على بعض.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة { لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ } ينضد بعضه على بعض.

وقوله:{ رِزْقاً للْعِبادِ} يقول: أنبتنا بهذا الماء الذي أنزلناه من السماء هذه الجنات، والحبّ والنخل قوتاً للعباد، بعضها غذاء، وبعضها فاكهة ومتاعاً.

وقوله:{ وأَحْيَيْنا بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً} يقول تعالى ذكره وأحيينا بهذا الماء الذي أنزلناه من السماء بلدة ميتاً قد أجدبت وقحطت، فلا زرع فيها ولا نبت.

وقوله:{ كَذَلكَ الخُرُوجُ } يقول تعالى ذكره: كما أنبتنا بهذا الماء هذه الأرض الميتة، فأحييناها به، فأخرجنا نباتها وزرعها، كذلك نخرجكم يوم القيامة أحياء من قبوركم من بعد بلائكم فيها بما ينزل عليها من الماء.

كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَأَصْحَٰبُ ٱلرَّسِّ وَثَمُودُ ۝١٢ وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ وَإِخْوَٰنُ لُوطٍ ۝١٣ وَأَصْحَٰبُ ٱلْأَيْكَةِ وَقَوْمُ تُبَّعٍ كُلٌّ كَذَّبَ ٱلرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ ۝١٤

يقول تعالى ذكره { كذَّبتْ } قبل هؤلاء المشركين الذين كذّبوا محمداً صلى الله عليه وسلم من قومه { قَوْمُ نوحٍ وأصحْابُ الرَّسِّ} وقد مضى ذكرنا قبل أمر أصحاب الرسّ، وأنهم قوم رسُّوا نبيهم في بئر.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن أبي بكر، عن عكرِمة بذلك.

حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله:{ أصْحابُ الرَّسِّ } والرس: بئر قُتل فيها صاحب يس.

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعاً، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله:{ أصْحابُ الرَّسِّ} قال: بئر.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرنا عمرو بن الحارث، عن سعيد بن أبي هلال، عن عمرو بن عبد الله، عن قتادة أنه قال: إن أصحاب الأيكة، {والأيكة}: الشجر الملتفّ، وأصحاب الرّسّ كانتا أمتين، فبعث الله إليهم نبياً واحداً شعيباً، وعذّبهما الله بعذابين { وثَمُودُ وعَادٌ وَفِرْعُوْنُ وَإخْوَانُ لُوطٍ وأصْحابُ الأيْكَةِ } وهم قوم شعيب، وقد مضى خبرهم قبل {وَقَوْمُ تُبَّعٍ}.

وكان قوم تُبَّعٍ أهل أوثان يعبدونها، فيما:

حدثنا به ابن حُمَيد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق.

وكان من خبره وخبر قومه ما:

حدثنا به مجاهد بن موسى، قال: ثنا يزيد، قال: أخبرنا عمران بن حُدَير، عن أبي مجلز، عن ابن عباس، أنه سأل عبد الله بن سلام، عن تُبَّع ما كان؟ فقال: إن تبعاً كان رجلاً من العرب، وإنه ظهر على الناس، فاختار فِتية من الأخيار فاستبطنهم واستدخلهم، حتى أخذ منهم وبايعهم، وإن قومه استكبروا ذلك وقالوا: قد ترك دينكم، وبايع الفِتية فلما فشا ذلك، قال للفتية، فقال الفتية: بيننا وبينهم النار تُحْرِق الكاذب، وينجو منها الصادق، ففعلوا، فعلق الفتية مصاحفهم في أعناقهِم، ثم غدوا إلى النار، فلما ذهبوا أن يدخلوها، سفعت النار في وجوههم، فنكصوا عنها، فقال لهم تبَّع: لتدخلنها فلما دخلوها أفرجت عنهم حتى قطعوها، وأنه قال لقومه ادخلوها فلما ذهبوا يدخلونها سفعت النار وجوههم، فنكصوا عنها، فقال لهم تُبَّع: لتدخلنها، فلما دخلوها أفرجت عنهم، حتى إذا توسطوا أحاطت بهم، فأحرقتهم، فأسلم تُبع، وكان تُبَّع رجلاً صالحاً.

حدثنا ابن حُمَيد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن أبي مالك بن ثعلبة بن أبي مالك القرظي، قال: سمعت إبراهيم بن محمد القرظي، قال: سمعت إبراهيم بن محمد بن طلحة بن عبد الله يحدّث أن تبعاً لما دنا من اليمن ليدخلها، حالت حِمْيَر بينه وبين ذلك، وقالوا لا تدخلها علينا، وقد فارقت ديننا فدعاهم إلى دينه، وقال: إنه دين خير من دينكم، قالوا: فحاكمنا إلى النار، قال نعم، قال: وكانت في اليمن فيما يزعم أهل اليمن نار تحكم فيما بينهم فيما يختلفون فيه، تأكل الظالم ولا تضرّ المظلوم فلما قالوا ذلك لتبَّع، قال: أنصفتم، فخرج قومه بأوثانهم، وما يتقرّبون به في دينهم قال: وخرج الحبران بمصاحفهما في أعناقهما متقلديهما، حتى قعدوا للنار عند مخرجها التي تخرج منه، فخرجت النار إليهم فلما أقبلت نحوهم حادوا عنها وهابوها، فرموهم من حضرهم من الناس، وأمروهم بالصبر لها، فصبروا حتى غشيتهم فأكلت الأوثان وما قرّبوا معها، ومن حمل ذلك من رجال حِمْيَر وخرج الحبران بمصاحفهما في أعناقهما، تعرق جباههما لم تضرّهما، فأطبقت حِمْيَر، عند ذلك على دينه، فمن هنالك وغير ذلك كان أصل اليهودية باليمن.

حدثنا ابن حُمَيد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق عن بعض أصحابه أن الحَبرين، ومن خرج معهما من حِمْيَر، إنما اتبعوا النار ليردّوها، وقالوا: من ردّها فهو أولى بالحقّ فدنا منهم رجال من حمير بأوثانهم ليردُّوها، فدنت منهم لتأكلهم، فحادوا فلم يستطيعوا ردّها، ودنا منها الحبران بعد ذلك وجعلا يتلوان التوراة، وتنكص حتى ردّاها إلى مخرجها الذي خرجت منه، فأطبقت عند ذلك على دينهما، وكان رئام بيتاً لهم يعظمونه، وينحرون عنده، ويكلمون منه، إذ كانوا على شركهم، فقال الحبران لتبَّع إنما هو شيطان يعينهم ويلعب بهم، فخلّ بيننا وبينه، قال: فشأنكما به فاستخرجا منه فيما يزعم أهل اليمن كلباً أسود، فذبحاه، ثم هدما ذلك البيت، فبقاياه اليوم باليمن كما ذُكر لي.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن لهيعة، عن عمرو بن جابر الحضرميّ، حدثه قال: سمعت سهل بن سعد الساعدي، يحدّث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:

لا تَلْعَنُوا تُبَّعاً فإنَّهُ كانَ قَدْ أسْلَمَ

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرني ابن لهيعة، عن الحارث بن يزيد أن شعيب بن زرعة المعافريّ، حدثه، قال: سمعت عبد الله بن عمرو بن العاص وقال له رجل: إن حِمْيَر تزعم أن تبعاً منهم، فقال: نعم والذي نفسي بيده، وإنه في العرب كالأنف بين العينين، وقد كان منهم سبعون ملكاً.

وقوله:{ كُلّ كَذَّب الرُّسُلَ فَحَق وَعَيِدِ } يقول تعالى ذكره: كلّ هؤلاء الذين ذكرناهم كذّبوا رسل الله الذين أرسلهم { فَحَقَّ وَعِيد } يقول: فوجب لهم الوعيد الذي وعدناهم على كفرهم بالله، وحل بهم العذاب والنقمة. وإنما وصف ربنا جلّ ثناؤه ما وصف في هذه الآية من إحلاله عقوبته بهؤلاء المكذّبين الرسل ترهيباً منه بذلك مشركي قريش وإعلاماً منه لهم أنهم إن لم ينيبوا من تكذيبهم رسوله محمداً صلى الله عليه وسلم، أنه محلّ بهم من العذاب، مثل الذي أحلّ بهم. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعاً، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: {فَحَقَّ وَعِيدِ} قال: ما أهلكوا به تخويفاً لهؤلاء.

أَفَعَيِينَا بِٱلْخَلْقِ ٱلْأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِى لَبْسٍ مِّنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ ۝١٥ وَلَقَدْ خَلَقْنَا ٱلْإِنسَٰنَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِۦ نَفْسُهُۥ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ ٱلْوَرِيدِ ۝١٦

وهذا تقريع من الله لمشركي قريش الذين قالوا:

{ أئِذَا مِتْنَا وكُنَّا تُرَاباً ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ } يقول لهم جلّ ثناؤه: أفعيينا بابتداع الخلق الأوّل الذي خلقناه، ولم يكن شيئاً فنعيا بإعادتهم خلقاً جديداً بعد بلائهم في التراب، وبعد فنائهم يقول: ليس يعيينا ذلك، بل نحن عليه قادرون. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:

حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله:{ أفَعَيِينا بالخَلْقِ الأوَّلِ } يقول: لم يعينا الخلق الأوّل.

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعاً، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله:{ أفَعَيِينا بالخَلْقِ الأوَّلِ } يقول: أفعيي علينا حين أنشأناكم خلقاً جديداً، فتمتروا بالبعث.

حدثنا ابن حُمَيد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن عطاء بن السائب، عن أبي ميسرة {أفَعَيِينا بالخَلْقِ الأوَّلِ } قال: إنا خلقناكم.

وقوله:{ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ } يقول تعالى ذكره: ما يشكّ هؤلاء المشركون المكذّبون بالبعث أنا لم نعي بالخلق الأوّل، ولكنهم في شكّ من قُدرتنا على أن نخلقهم خلقاً جديداً بعد فنائهم، وبَلائهم في قبورهم. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:

حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله:{ بَلْ هُمْ في لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ}؟ يقول: في شكّ من البعث.

حدثنا ابن حُمَيد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن عطاء بن السائب، عن أبي ميسرة { بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ } قال: الكفار {مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ} قال: أن يخلقوا من بعد الموت.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله:{ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ}: أي شكّ والخلق الجديد: البعث بعد الموت، فصار الناس فيه رجلين: مكذّب، ومصدّق.

حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، في قوله { فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ } قال: البعث من بعد الموت.

وقوله:{ وَلَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ وَنَعْلَمُ ما تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ } يقول تعالى ذكره: ولقد خلقنا الإنسان ونعلم ما تحدِّث به نفسه، فلا يخفى علينا سرائره وضمائر قلبه {ونَحْنُ أقْرَبُ إلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الوَرِيدِ } يقول: ونحن أقرب للإنسان من حبل العاتق؛ والوريد: عرق بين الحلقوم والعلباوين، والحبل: هو الوريد، فأضيف إلى نفسه لاختلاف لفظ اسميه. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:

حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله:{ ونَحْنُ أقْرَبُ إلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الوَرِيدِ } يقول: عرق العنق.

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعاً، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد { حَبْلِ الوَرِيدِ } قال: الذي يكون في الحلق.

وقد اختلف أهل العربية في معنى قوله:{ ونَحْنُ أقْرَبُ إلَيْهِ مِنْ حَبْلٍ الوَرِيدِ} فقال بعضهم: معناه: نحن أملك به، وأقرب إليه في المقدرة عليه. وقال آخرون: بل معنى ذلك:{ ونَحْنُ أَقْرَبُ إلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الوَرِيد} بالعلم بما تُوَسْوس به نفسه.

إِذْ يَتَلَقَّى ٱلْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ ٱلْيَمِينِ وَعَنِ ٱلشِّمَالِ قَعِيدٌ ۝١٧ مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ ۝١٨

يقول تعالى ذكره: ونحن أقرب إلى الإنسان من وريد حلقه، حين يتلقى الملَكان، وهما المتلقيان {عَنِ اليَمِينِ وَعَنِ الشّمالِ قَعِيد} وقيل: عنى بالقعيد: الرصد. ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعاً، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله:{ قَعِيدٌ } قال: رَصَد.

واختلف أهل العربية في وجه توحيد قعيد، وقد ذُكر من قبل متلقيان، فقال بعض نحويي البصرة: قيل: {عَنِ اليَمِينِ وَعَنِ الشّمالِ قَعِيدٌ } ولم يقل: عن اليمين قعيد، وعن الشمال قعيد، أي أحدهما، ثم استغنى، كما قال:

{ نُخْرِجْكُمْ طِفْلاً } ثم استغنى بالواحد عن الجمع، كما قال: { { فإنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْساً } }. وقال بعض نحويي الكوفة { قَعِيدٌ } يريد: قعوداً عن اليمين وعن الشمال، فجعل فعيل جمعاً، كما يجعل الرسول للقوم وللاثنين، قال الله عزّ وجلّ: { إنا رَسُولُ رَبّ العالَمِينَ }لموسى وأخيه، وقال الشاعر:

أَلِكْنِي إلَيْها وَخَيْرُ الرَّسُولِ أعْلَمُهُمْ بِنَوَاحي الخَبرْ

فجعل الرسول للجمع، فهذا وجه وإن شئت جعلت القعيد واحدا اكتفاء به من صاحبه، كما قال الشاعر:

نَحْنُ بِمَا عِنْدَنا وأنْتَ بِمَاعِنْدَكَ رَاضٍ والرَّأيُ مُخْتَلِفُ

ومنه قول الفَرَزدق:

إنّي ضَمِنْتُ لِمَنْ أتانِي ما جَنىوأَبى فَكانَ وكُنْتُ غَيرَ غَدُورِ

ولم يقل: غَدُورَيْن. وقوله:{ ما يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ} يقول تعالى ذكره: ما يلفظ الإنسان من قول فيتكلم به، إلا عندما يلفظ به من قول رقيب عَتيد، يعني حافظ يحفظه، عتيد مُعَدٌّ. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن منصور، عن مجاهد {عن اليمين وَعَنِ الشّمالِ قَعِيدٌ } قال: عن اليمين الذي يكتب الحسنات، وعن الشمال الذي يكتب السيئات.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن الأعمش، عن إبراهيم التيميّ، في قوله:{ إذْ يَتَلَقَّى المُتَلَقِّيانِ عَنِ اليَمِينِ وَعَنِ الشّمالِ قَعِيدٌ } قال: صاحب اليمين أمير أو أمين على صاحب الشمال، فإذا عمل العبد سيئة قال صاحب اليمين لصاحب الشمال: أمسك لعله يتوب.

حدثنا ابن حُمَيد، قال: ثنا حكام، قال: ثنا عمرو، عن منصور، عن مجاهد { إذ يَتَلَقَّى المُتَلَقِّيانِ عنِ اليَمِينِ وَعَنِ الشّمالِ قَعِيدٌ } قال ملك عن يمينه، وآخر عن يساره، فأما الذي عن يمينه فيكتب الخير، وأما الذي عن شماله فيكتب الشرّ.

قال: ثنا جرير، عن منصور، عن مجاهد، قال: مع كل إنسان مَلكان: ملك عن يمينه، وملك عن يساره قال: فأما الذي عن يمينه، فيكتب الخير، وأما الذي عن يساره فيكتب الشرّ.

حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله:{ وَلَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ وَنَعْلَمُ ما تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ... } إلى {عَتِيدٌ} قال: جعل الله على ابن آدم حافظين في الليل، وحافظين في النهار، يحفظان عليه عمله، ويكتبان أثره.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله:{ إذْ يَتَلَقَّى المُتَلَقِّيانِ عَنِ اليَمِينِ وَعَنِ الشّمالِ قَعِيدٌ}، حتى بلغ {عَتِيدٌ } قال الحسن وقتادة {ما يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ } أي ما يتكلم به من شيء إلا كتب عليه. وكان عكرِمة يقول: إنما ذلك في الخير والشرّ يكتبان عليه.

حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، قال: تلا الحسن {عَنِ اليَمِينِ وَعَنِ الشّمالِ قَعِيدٌ } قال: فقال: يا ابن آدم بُسِطت لك صحيفة، ووكل بك ملَكان كريمان، أحدهما عن يمينك، والآخر عن شمالك فأما الذي عن يمينك فيحفظ حسناتك وأما الذي عن شمالك فيحفظ سيئاتك، فاعمل بما شئت أقلل أو أكثر، حتى إذا متّ طويت صحيفتك، فجعلت في عنقك معك في قبرك، حتى تخرج يوم القيامة، فعند ذلك يقول:{ وكُلَّ إنْسانٍ أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ فِي عُنُقِهِ... } حتى بلغ {حَسِيباً} عَدَل والله عليك من جعلك حسيب نفسك.

حدثنا ابن حُمَيْد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن منصور، عن مجاهد { عَنِ اليَمِينِ وَعَنِ الشّمالِ قَعِيدٌ } قال: كاتب الحسنات عن يمينه، وكاتب السيئات عن شماله.

قال: ثنا مهران، عن سفيان، قال: بلغني أن كاتب الحسنات أمير على كاتب السيئات، فإذا أذنب قال له: لا تعجل لعله يستغفر.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله:{ ما يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ } قال: جعل معه من يكتب كلّ ما لفظ به، وهو معه رقيب.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرني عمرو بن الحارث، عن هشام الحمصي، أنه بلغه أن الرجل إذا عمل سيئة قال كاتب اليمين لصاحب الشمال: اكتب، فيقول: لا بل أنت اكتب، فيمتنعان، فينادي مناد: يا صاحب الشمال اكتب ما ترك صاحب اليمين.

وَجَآءَتْ سَكْرَةُ ٱلْمَوْتِ بِٱلْحَقِّ ذَٰلِكَ مَا كُنتَ مِنْهُ تَحِيدُ ۝١٩ وَنُفِخَ فِى ٱلصُّورِ ذَٰلِكَ يَوْمُ ٱلْوَعِيدِ ۝٢٠

وفي قوله:{ وَجاءَتْ سَكْرَةُ المَوْتِ بالحَقّ} وجهان من التأويل، أحدهما: وجاءت سكرة الموت وهي شدّته وغلبته على فهم الإنسان، كالسكرة من النوم أو الشراب بالحقّ من أمر الآخرة، فتبينه الإنسان حتى تثبته وعرفه. والثاني: وجاءت سكرة الموت بحقيقة الموت.

وقد ذُكر عن أبي بكر الصدّيق رضي الله عنه أنه كان يقرأ «وَجاءَتْ سَكْرَةُ الحَقّ بالمَوْتِ». ذكر الرواية بذلك:

حدثنا محمد بن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن واصل، عن أبي وائل، قال: لما كان أبو بكر رضي الله عنه يقضي، قالت عائشة رضي الله عنها هذا، كما قال الشاعر:

إذَا حَشْرَجَتْ يَوْماً وَضَاقَ بِها الصَّدْرُ

فقال أبو بكر رضي الله عنه: لا تقولي ذلك، ولكنه كما قال الله عزّ وجلّ:{ وَجاءَتْ سَكْرَةُ المَوْتِ بالحَقّ ذلكَ ما كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ}. وقد ذُكر أن ذلك كذلك في قراءة ابن مسعود. ولقراءة من قرأ ذلك كذلك من التأويل وجهان:

أحدهما: وجاءت سكرة الله بالموت، فيكون الحقّ هو الله تعالى ذكره. والثاني: أن تكون السكرة هي الموت أُضيفت إلى نفسها، كما قيل:{ إنَّ هذَا لهُوَ حَقُّ اليَقِينِ}. ويكون تأويل الكلام: وجاءت السكرةُ الحقُّ بالموت.

وقوله:{ ذلكَ ما كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ } يقول: هذه السكرة التي جاءتك أيها الإنسان بالحقّ هو الشيء الذي كنت تهرب منه، وعنه تروغ.

وقوله:{ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذلكَ يَوْمُ الوَعِيدِ} قد تقدّم بياننا عن معنى الصُّور، وكيف النَّفخ فيه بذكر اختلاف المختلفين. والذي هو أولى الأقوال عندنا فيه بالصواب، بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع.

وقوله:{ ذلكَ يَوْمُ الوَعِيدِ } يقول: هذا اليوم الذي ينفخ فيه هو يوم الوعيد الذي وعده الله الكفار أن يعذّبهم فيه.

وَجَآءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّعَهَا سَآئِقٌ وَشَهِيدٌ ۝٢١ لَّقَدْ كُنتَ فِى غَفْلَةٍ مِّنْ هَٰذَا فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَآءَكَ فَبَصَرُكَ ٱلْيَوْمَ حَدِيدٌ ۝٢٢

يقول تعالى ذكره: وجاءت يوم ينفخ في الصور كلّ نفس ربها، معها سائق يسوقها إلى الله، وشهيد يشهد عليها بما عملت في الدنيا من خير أو شرّ. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن حُمَيد، قال: ثنا مهران، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن يحيى بن رافع مولى لثقيف، قال: سمعت عثمان بن عفان رضي الله عنه يخطب، فقرأ هذه الآية {سائِقٌ وشَهِيدٌ } قال: سائق يسوقها إلى الله، وشاهد يشهد عليها بما عملت.

قال: ثنا حكام، عن إسماعيل، عن أبي عيسى، قال: سمعت عثمان بن عفان رضي الله عنه يخطب، فقرأ هذه الآية { وَجاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَها سائِقٌ وشَهِيدٌ} قال: السائق يسوقها إلى أمر الله، والشهيد يشهد عليها بما عملت.

حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: {وَجاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَها سائِقٌ وَشَهِيدٌ } قال: السائق من الملائكة، والشهيد: شاهد عليه من نفسه.

حدثنا ابن حُمَيد، قال: ثنا سفيان، عن مهران، عن خصِيف، عن مجاهد { سائِقٌ وشَهِيدٌ } سائق يسوقها إلى أمر الله، وشاهد يشهد عليها بما عملت.

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعاً، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد { سائِقٌ وشَهِيدٌ} سائق يسوقها إلى أمر الله، وشاهد يشهد عليها بما عملت.

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثني الحارث قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعاً، عن ابن نجيح، عن مجاهد في قول الله { سائِقٌ وشَهِيدٌ } قال: المَلكان: كاتب، وشهيد.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله:{ وَجاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَها سائِقٌ وشَهِيدٌ } قال: سائق يسوقها إلى ربها، وشاهد يشهد عليها بعملها.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا سليمان بن حرب، قال: ثنا أبو هلال، قال: ثنا قتادة، في قوله:{ وَجاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَها سائِقٌ وشَهِيدٌ } قال: سائق يسوقها إلى حسابها، وشاهد يشهد عليها بما عملت.

حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن الحسن { مَعَها سائِقٌ وشَهِيدٌ } قال: سائق يسوقها، وشاهد يشهد عليها بعملها.

حدثنا ابن حُمَيد، قال: ثنا مهران، عن أبي جعفر، عن الربيع بن أنس { سائِقٌ وشَهِيدٌ } قال: سائق يسوقها، وشاهد يشهد عليها بعملها.

وحُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله:{ وَجاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَها سائِقٌ وشَهِيدٌ } السائق من الملائكة، والشاهد من أنفسهم: الأيدي، والأرجل، والملائكة أيضاً شهداء عليهم.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله { سائِقٌ وشَهِيدٌ} قال: مَلك وُكِّل به يحصي عليه عمله، ومَلك يسوقه إلى محشره حتى يوافي محشره يوم القيامة.

واختلف أهل التأويل في المعنيّ بهذه الآيات فقال بعضهم: عنى بها النبيّ صلى الله عليه وسلم. وقال بعضهم: عنى أهل الشرك، وقال بعضهم: عُنِي بها كلّ أحد. ذكر من قال ذلك:

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب قال: ثني يعقوب بن عبد الرحمن الزهريّ، قال: سألت زيدبن أسلم، عن قول الله:

{ وَجاءَتْ سَكْرَةُ المَوْتِ بالحَقّ... } الآية، إلى قوله:{ سائِقٌ وشَهيدٌ}، فقلت له: من يُراد بهذا؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت له رسول الله؟ فقال: ما تنكر؟ قال الله عزّ وجلّ:{ ألَمْ يَجدْكَ يَتِيماً فآوَى وَوَجَدَكَ ضَالاًّ فَهَدَى} قال: ثم سألت صالح بن كيسان عنها، فقال لي: هل سألت أحداً؟ فقلت: نعم، قد سألت عنها زيد بن أسلم، فقال: ما قال لك؟ فقلت: بل تخبرني ما تقول، فقال: لأخبرنك برأيي الذي عليه رأيي، فأخبرني ما قال لك؟ قلت: قال: يُراد بهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: وما علم زيد؟ والله ما سنٌّ عالية، ولا لسان فصيح، ولا معرفة بكلام العرب، إنما يُراد بهذا الكافر. ثم قال: اقرأ ما بعدها يدلك على ذلك، قال: ثم سألت حسين بن عبد الله بن عبيد الله بن عباس، فقال لي مثل ما قال صالح: هل سألت أحدا فأخبرني به؟ قلت: إني قد سألت زيد بن أسلم وصالح بن كيسان، فقال لي: ما قالا لك؟ قلت: بل تخبرني بقولك، قال: لأخبرنك بقولي، فأخبرته بالذي قالا لي، قال: أخالفهما جميعاً، يريد بها البرّ والفاجر، قال الله: {وَجاءَتْ سَكْرَةُ المَوْتِ بالحَقِّ ذلكَ ما كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ فَبَصَرُك اليَوْمَ حَدِيدٌ} قال: فانكشف الغطاء عن البرّ والفاجر، فرأى كلّ ما يصير إليه.

حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: {وَجاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَها سائِقٌ وشَهِيدٌ} يعني المشركين.

وأولى الأقوال في ذلك عندي بالصواب قول من قال: عنى بها البرّ والفاجر، لأن الله أتبع هذه الآيات قوله:

{ وَلَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ وَنَعْلَمُ ما تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُه } والإنسان في هذا الموضع بمعنى: الناس كلهم، غير مخصوص منهم بعض دون بعض. فمعلوم إذا كان ذلك كذلك أن معنى قوله: { { وَجاءَتْ سَكْرَةُ المَوْتِ بالحَقّ } } وجاءتك أيها الإنسان سكرة الموت بالحقّ { ذلكَ ما كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدٌ } وإذا كان ذلك كذلك كانت بينةٌ صحة ما قلنا.

وقوله:{ لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا} يقول تعالى ذكره: يقال له: لقد كنت في غفلة من هذا الذي عاينت اليوم أيها الأنسان من الأهوال والشدائد {فَكَشَفْنا عَنْكَ غطاءَكَ } يقول: فجلينا ذلك لك، وأظهرناه لعينيك، حتى رأيته وعاينته، فزالت الغفلة عنك. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل، وإن اختلفوا في المقول ذلك له، فقال بعضهم: المقول ذلك له الكافر. وقال آخرون: هو نبيّ الله صلى الله عليه وسلم. وقال آخرون: هو جميع الخلق من الجنّ والإنس. ذكر من قال: هو الكافر.

حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله:{ لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ} وذلك الكافر.

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعاً، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: {فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ } قال: للكافر يوم القيامة.

حدثنا ابن حُميَد، قال: ثنا مهران، عن سفيان { فَكَشَفْنا عَنْك غِطاءَكَ} قال: في الكافر. ذكر من قال: هو نبيّ الله صلى الله عليه وسلم.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله:{ لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا} قال: هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: لقد كنت في غفلة من هذا الأمر يا محمد، كنت مع القوم في جاهليتهم { فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ فَبَصَرُكَ اليَوْمَ حَدِيدٌ}.

وعلى هذا التأويل الذي قاله ابن زيد يجب أن يكون هذا الكلام خطاباً من الله لرسوله صلى الله عليه وسلم أنه كان في غفلة في الجاهلية من هذا الدين الذي بعثه به، فكشف عنه غطاءه الذي كان عليه في الجاهلية، فنفذ بصره بالإيمان وتبيَّنه حتى تقررّ ذلك عنده، فصار حادّ البصر به. ذكر من قال: هو جميع الخلق من الجنّ والإنس.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: ثني يعقوب بن عبد الرحمن الزهريّ، قال: سألت عن ذلك الحسين بن عبد الله بن عبيد الله بن عباس، فقال: يريد به البرّ والفاجر،{ فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكُ اليَوْمَ حَدِيدٌ } قال: وكُشِف الغطاء عن البرّ والفاجر، فرأى كلّ ما يصير إليه. وبنحو الذي قلنا في معنى قوله:{ فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ} قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله:{ فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ} قال: الحياة بعد الموت.

حدثنا بشر قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله:{ لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ} قال: عاين الآخرة.

وقوله:{ فَبَصَرُكَ اليَوْمَ حَدِيدٌ } يقول: فأنت اليوم نافذ البصر، عالم بما كنت عنه في الدنيا في غفلة، وهو من قولهم: فلان بصير بهذا الأمر: إذا كان ذا علم به، وله بهذا الأمر بصر: أي علم.

وقد رُوي عن الضحاك إنه قال: معنى ذلك {فَبَصَرُكَ اليَوْمَ حَدِيدٌ} لسان الميزان، وأحسبه أراد بذلك أن معرفته وعلمه بما أسلف في الدنيا شاهد عدل عليه، فشبَّه بصره بذلك بلسان الميزان الذي يعدل به الحقّ في الوزن، ويعرف مبلغه الواجب لأهله عما زاد على ذلك أو نقص، فكذلك علم من وافى القيامة بما اكتسب في الدنيا شاهد عليه كلسان الميزان.

وَقَالَ قَرِينُهُۥ هَٰذَا مَا لَدَىَّ عَتِيدٌ ۝٢٣ أَلْقِيَا فِى جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ ۝٢٤ مَّنَّاعٍ لِّلْخَيْرِ مُعْتَدٍ مُّرِيبٍ ۝٢٥

يقول تعالى ذكره: وقال قرين هذا الإنسان الذي جاء به يوم القيامة معه سائق وشهيد. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة { وَقالَ قَرِينُهُ هَذَا ما لَدَيَّ عَتِيدٌ } الملك.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله:{ وقَالَ قَرِينُهُ هَذَا ما لَدَيَّ عَتِيدٌ...} إلى آخر الآية، قال: هذا سائقه الذي وُكِّل به، وقرأ {وَجاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَها سائِقٌ وَشَهيدٌ}.

وقوله:{ هَذَا ما لَدَيَّ عَتِيدٌ} يقول تعالى ذكره مخبراً عن قِيل قَرينِ هذا الإنسان عند موافاته ربه به، ربّ هذا ما لديّ عتيد: يقول: هذا الذي هو عندي معدّ محفوظ. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله:{ هَذَا ما لَدَيَّ عَتِيدٌ} قال: والعتيد: الذي قد أخذه، وجاء به السائق والحافظ معه جميعاً.

وقوله:{ أَلْقِيا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ } فيه متروك استغنى بدلالة الظاهر عليه منه، وهو: يقال ألقيا في جهنم، أو قال تعالى: ألقيا، فأخرج الأمر للقرين، وهو بلفظ واحد مخرج خطاب الاثنين. وفي ذلك وجهان من التأويل: أحدهما: أن يكون القرين بمعنى الاثنين، كالرسول، والاسم الذي يكون بلفظ الواحد في الواحد، والتثنية والجمع، فردّ قوله:{ أَلْقِيا في جَهَنَّمَ } إلى المعنى. والثاني: أن يكون كما كان بعض أهل العربية يقول، وهو أن العرب تأمر الواحد والجماعة بما تأمر به الاثنين، فتقول للرجل ويلك أرحلاها وازجراها، وذكر أنه سَمِعها من العرب قال: وأنشدني بعضهم:

فَقُلْتُ لصَاحِبي لا تَحْبسانابنزْعِ أُصُولهِ واجْتَزَّ شيحا

_@_ وقال: وأنشدني أبو ثروان:

فإنْ تَزْجُرانِي يا بْنَ عَفَّانَ أنْزَجِرْوَإنْ تَدَعانِي أحْمِ عِرْضاً مُمَنَّعا

قال: فيروي أن ذلك منهم أن الرجل أدنى أعوانه في إبله وغنمه اثنان، وكذلك الرفقة أدنى ما تكون ثلاثة، فجرى كلام الواحد على صاحبيه، وقال: ألا ترى الشعراء أكثر شيئاً قيلاً يا صاحبيّ يا خليليّ، وقال امرؤ القَيس:

خَلِيلَيَّ مُرَّا بِي على أُمّ جُنْدَبِنُقَضِّ لُباناتِ الفُؤَادِ المُعَذَّبِ

ثم قال:

ألَمْ تَرَ أنّي كُلَّما جِئْتُ طارِفاًوَجَدْتُ بِها طِيْباً وَإنْ لَّمْ تَطَيَّبِ

فرجع إلى الواحد، وأوّل الكلام اثنان؛ قال: وأنشدني بعضهم:

خَلِيلَيَّ قُوما في عَطالَةَ فانْظُرَا:أنارٌ تُرَى مِنْ ذِي أبانَيْنِ أَمْ بَرْقا

وبعضهم يروي: أناراً نرى.

{ كُلّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ } يعني: كل جاحد وحدانية الله عنيد، وهو العاند عن الحقّ وسبيل الهدى.

وقوله: {مَنَّاعٍ للْخَيْرِ} كان قتادة يقول في الخير في هذا الموضع: هو الزكاة المفروضة.

حدثنا بذلك بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة.

والصواب من القول في ذلك عندي أنه كلّ حقّ وجب لله، أو لآدمي في ماله، والخير في هذا الموضع هو المال.

وإنما قلنا ذلك هو الصواب من القول، لأن الله تعالى ذكره عمّ بقوله مناع للخير عنه أنه يمنع الخير ولم يخصص منه شيئاً دون شيء، فذلك على كلّ خير يمكن منعه طالبه.

وقوله:{ مُعْتَدٍ } يقول: معتد على الناس بلسانه بالبذاء والفحش في المنطق، وبيده بالسطوة والبطش ظلماً. كما:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: معتد في منطقه وسيرته وأمره.

وقوله: {مُرِيبٍ} يعني: شاكّ في وحدانية الله وقُدرته على ما يشاء. كما:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: مُرِيبٍ: أي شاكّ.

الثلاثاء، 20 أكتوبر 2026 9 جمادى الأولى 1448 هـ