انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة ق

تفسير القرطبيالآيات 1–38

تفسير سورة ق آية آية، من تفسير القرطبي.

بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ

قٓ وَٱلْقُرْءَانِ ٱلْمَجِيدِ ۝١ بَلْ عَجِبُوٓا۟ أَن جَآءَهُم مُّنذِرٌ مِّنْهُمْ فَقَالَ ٱلْكَٰفِرُونَ هَٰذَا شَىْءٌ عَجِيبٌ ۝٢ أَءِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا ذَٰلِكَ رَجْعٌۢ بَعِيدٌ ۝٣ قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنقُصُ ٱلْأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِندَنَا كِتَٰبٌ حَفِيظٌۢ ۝٤ بَلْ كَذَّبُوا۟ بِٱلْحَقِّ لَمَّا جَآءَهُمْ فَهُمْ فِىٓ أَمْرٍ مَّرِيجٍ ۝٥

قوله تعالى: {قۤ وَٱلْقُرْآنِ ٱلْمَجِيدِ } قرأ العامة «قاف» بالجزم. وقرأ الحسن وٱبن أبي إسحاق ونصر ابن عاصم «قافِ» بكسر الفاء؛ لأن الكسر أخو الجزم، فلما سكن آخره حرّكوه بحركة الخفض. وقرأ عيسى الثقفيّ بفتح الفاء حرّكه إلى أخف الحركات. وقرأ هارون ومحمد بن السَّمَيْقَع «قافُ» بالضم؛ لأنه في غالب الأمر حركة البناء نحو منذُ وقطُّ وقبلُ وبعدُ. وٱختلف في معنى «قۤ» ما هو؟ فقال ابن زيد وعكرمة والضحاك: هو جبل محيط بالأرض من زمردة خضراء ٱخضرت السماء منه، وعليه طَرَفَا السماءِ والسماء عليه مَقْبِيَّةٌ، وما أصاب الناسُ من زمرد كان مما تساقط من ذلك الجبل. ورواه أبو الجوزاء عن عبد الله بن عباس. قال الفرّاء: كان يجب على هذا أن يظهر الإعراب في «قۤ»؛ لأنه ٱسم وليس بهجاء. قال: ولعل القاف وحدها ذكرت من ٱسمه؛ كقول القائل:

قلـتُ لها قِفِـي فقالتْ قـافْ

أي أنا واقفة. وهذا وجه حسن وقد تقدّم أوّل «البقرة». وقال وهب: أشرف ذو القرنين على جبل قاف فرأى تحته جبالاً صغاراً، فقال له: ما أنت؟ قال: أنا قاف؛ قال: فما هذه الجبال حولك؟ قال: هي عروقي وما من مدينة إلا وفيها عرق من عروقي، فإذا أراد الله أن يزلزل مدينة أمرني فحركت عرقي ذلك فتزلزت تلك الأرض؛ فقال لَه: يا قاف أخبرني بشيء من عظمة الله؛ قال: إن شأن ربِّنا لعظيمٌ، وإن ورائي أرضاً مسيرة خمسمائة عام في خمسمائة عام من جبال ثلج يحطم بعضها بعضا، لولا هي لاحترقت من حرّ جهنم. فهذا يدل على أن جهنم على وجه الأرض والله أعلم بموضعها؛ وأين هي من الأرض. قال: زدني، قال: إن جبريل عليه السلام واقف بين يدي الله تُرْعَد فرائصُه، يخلق الله من كل رِعدة مائة ألف ملك، فأولئك الملائكة وقوف بين يدي الله تعالى منكسو رؤوسهم، فإذا أذن الله لهم في الكلام قالوا: لا إلٰه إلا الله؛ وهو قوله تعالى: { يَوْمَ يَقُومُ ٱلرُّوحُ وَٱلْمَلاَئِكَةُ صَفّاً لاَّ يَتَكَلَّمُونَ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ ٱلرَّحْمَـٰنُ وَقَالَ صَوَاباً } [النبأ: 38] يعني قول: لا إلٰه إلا الله. وقال الزجاج: قوله «قۤ» أي قُضِيَ الأمر، كما قيل في «حمۤ» أي حُمَّ الأمرُ. وقال ٱبن عباس: «قۤ» ٱسم من أسماء الله تعالى أقسم به. وعنه أيضاً: أنه ٱسم من أسماء القرآن. وهو قول قتادة. وقال القُرظيّ: ٱفتتاح أسماء الله تعالى قدير وقاهر وقريب وقاضٍ وقابض. وقال الشَّعبيّ: فاتحة السورة. وقال أبو بكر الورّاق: معناه قِف عند أمرنا ونهينا ولا تَعْدُهما. وقال محمد بن عاصم الأنطاكيّ: هو قرب الله من عباده، بيانه {وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ ٱلْوَرِيدِ} وقال ٱبن عطاء: أقسم الله بقوّة قلب حبيبه محمد صلى الله عليه وسلم، حيث حمل الخطاب ولم يؤثر ذلك فيه لعلو حاله. {وَٱلْقُرْآنِ ٱلْمَجِيدِ} أي الرفيع القدر. وقيل: الكريم؛ قاله الحسن. وقيل: الكثير؛ مأخوذ من كثرة القدر والمنزلة لا من كثرة العدد، من قولهم: كثير فلان في النفوس؛ ومنه قول العرب في المثل السائر: (في كل شجرٍ نارْ، وٱسْتَمجدَ المَرْخُ والعَفَارْ). أي ٱستكثر هذان النوعان من النار فزادا على سائر الشجر؛ قاله ابن بحر. وجواب القسم قيل هو: {قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنقُصُ ٱلأَرْضَ مِنْهُمْ} على إرادة اللام؛ أي لقد علمنا. وقيل: هو {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَىٰ} وهو ٱختيار الترمذيّ محمد بن عليّ قال: «قۤ» قسم باسم هو أعظم الأسماء التي خرجت إلى العباد وهو القدرة، وأقسم أيضاً بالقرآن المجيد، ثم ٱقتص ما خرج من القدرة من خلق السموات والأرضين وأرزاق العباد، وخلق الآدميين، وصفة يوم القيامة والجنة والنار، ثم قال: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَىٰ لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ} فوقع القسم على هذه الكلمة كأنه قال: «قۤ» أي بالقدرة والقرآن المجيد أقسمت أن فيما ٱقتصصت في هذه السورة {لَذِكْرَىٰ لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى ٱلسَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ} وقال ابن كيسان: جوابه {مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ}. وقال أهل الكوفة: جواب هذا القسم {بَلْ عَجِبُوۤاْ} وقال الأخفش: جوابه محذوف كأنه قال: {قۤ وَٱلْقُرْآنِ ٱلْمَجِيدِ } لتبعثن؛ يدل عليه {أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً}.

قوله تعالى: {بَلْ عَجِبُوۤاْ أَن جَآءَهُمْ مُّنذِرٌ مِّنْهُمْ} «أَنْ» في موضع نصب على تقدير لأن جاءهم منذر منهم، يعني محمداً صلى الله عليه وسلم، والضمير للكفّار. وقيل: للمؤمنين والكفار جميعاً. ثم ميّز بينهم بقوله تعالى: {فَقَالَ ٱلْكَافِرُونَ} ولم يقل فقالوا، بل قبح حالهم وفعلهم ووصفهم بالكفر، كما تقول: جاءني فلان فأسمعني المكروه، وقال لي الفاسق أنت كذا وكذا. {هَـٰذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ} العجيب الأمر الذي يتعجب منه، وكذلك العُجَاب بالضم، والعُجَّاب بالتشديد أكثر منه، وكذلك الأعجوبة. وقال قتادة: عجبهم أن دُعوا إلى إلٰه واحد. وقيل: من إنذارهم بالبعث والنشور. والذي نص عليه القرآن أولى.

قوله تعالى: {أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً} نبعث؛ ففيه إضمار. {ذَلِكَ رَجْعُ بَعِيدٌ} الرجع الردّ أي هو ردّ بعيد أي محال. يقال: رَجَعْته أَرْجِعه رَجْعاً، ورَجَع هو يَرجِعُ رُجوعاً، وفيه إضمار آخر؛ أي وقالوا أنبعث إذا متنا. وذكر البعث وإن لم يجر هاهنا فقد جرى في مواضع، والقرآن كالسورة الواحدة. وأيضاً ذكر البعث منطوٍ تحت قوله: {بَلْ عَجِبُوۤاْ أَن جَآءَهُمْ مُّنذِرٌ مِّنْهُمْ} لأنه إنما ينذر بالعقاب والحساب في الآخرة.

قوله تعالى: {قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنقُصُ ٱلأَرْضَ مِنْهُمْ} أي ما تأكل من أجسادهم فلا يضل عنا شيء حتى تتعذر علينا الإعادة. وفي التنزيل:

{ قَالَ فَمَا بَالُ ٱلْقُرُونِ ٱلأُولَىٰ قَالَ فَمَا بَالُ ٱلْقُرُونِ ٱلأُولَىٰ قَالَ عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لاَّ يَضِلُّ رَبِّي وَلاَ يَنسَى } [طه: 51 - 52] وفي الصحيح:كل ٱبنِ آدم يأكله التراب إلا عَجْبَ الذَّنَبِ منه خُلِقَ وفيه يُرَكَّبُوقد تقدّم. وثبت أن الأنبياء والأولياء والشهداء لا تأكل الأرضُ أجسادهم؛ حرم الله على الأرض أن تأكل أجسادهم. وقد بينا هذا في كتاب «التذكرة» وتقدّم أيضاً في هذا الكتاب. وقال السدي: النقص هنا الموت يقول قد علمنا منهم من يموت ومن يبقى؛ لأن من مات دُفِن فكأنّ الأرض تَنقصُ من الناس. وعن ابن عباس: هو من يدخل في الإسلام من المشركين. {وَعِندَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ} أي بعدّتهم وأسمائهم فهو فعيل بمعنى فاعل. وقيل: اللوح المحفوظ أي محفوظ من الشياطين أو محفوظ فيه كل شيء. وقيل: الكتاب عبارة عن العلم والإحصاء؛ كما تقول: كتبت عليك هذا أي حفظته؛ وهذا ترك الظاهر من غير ضرورة. وقيل: أي وعندنا كتاب حفيظ لأعمال بني آدم لنحاسبهم عليها.

قوله تعالى: {بَلْ كَذَّبُواْ بِٱلْحَقِّ} أي القرآن في قول الجميع؛ حكاه الماورديّ. وقال الثعلبي: بالحق القرآن. وقيل: الإسلام. وقيل: محمد صلى الله عليه وسلم. {فَهُمْ فِيۤ أَمْرٍ مَّرِيجٍ} أي مختلط. يقولون مرة ساحر ومرة شاعر ومرة كاهن؛ قاله الضحاك وابن زيد. وقال قتادة: مختلِف. الحسن: ملتبِس؛ والمعنى متقارب. وقال أبو هريرة: فاسد، ومنه مَرِجت أمانات الناس أي فسدت؛ ومَرِجَ الدينُ والأمرُ ٱختلط؛ قال أبو دؤاد:

مَرِجَ الدِّينُ فَأَعْدَدْتُ لَهُمُشْرِفَ الْحَارِكِ مَحْبُوكَ الْكَتَدْ

وقال ابن عباس: المريج الأمر المنكر. وقال عنه عمران بن أبي عطاء: «مريج» مختلط. وأنشد:

فجَالتْ فٱلتمستُ به حَشَاهَافخَرَّ كأنه خُوطٌ مَرِيجُ

الخُوطُ الغصن. وقال عنه العوفيّ: في أمر ضلالة وهو قولهم ساحر شاعر مجنون كاهن. وقيل: متغير. وأصل المَرَج الاضطراب والقلق؛ يقال: مَرِجَ أمرُ الناس ومَرِج أمرُ الدِّين ومرِج الخاتم في إصبعي إذا قَلِق من الهزال. وفي الحديث:كيف بك يا عبد الله إذا كنت في قوم قد مَرِجت عهودهم وأمانَاتهُم وٱختلفوا فكانوا هكذا وهكذاوشبك بين أصابعه. أخرجه أبو داود وقد ذكرناه في كتاب «التذكرة».

أَفَلَمْ يَنظُرُوٓا۟ إِلَى ٱلسَّمَآءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَٰهَا وَزَيَّنَّٰهَا وَمَا لَهَا مِن فُرُوجٍ ۝٦ وَٱلْأَرْضَ مَدَدْنَٰهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَٰسِىَ وَأَنۢبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ زَوْجٍۭ بَهِيجٍ ۝٧ تَبْصِرَةً وَذِكْرَىٰ لِكُلِّ عَبْدٍ مُّنِيبٍ ۝٨ وَنَزَّلْنَا مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً مُّبَٰرَكًا فَأَنۢبَتْنَا بِهِۦ جَنَّٰتٍ وَحَبَّ ٱلْحَصِيدِ ۝٩ وَٱلنَّخْلَ بَاسِقَٰتٍ لَّهَا طَلْعٌ نَّضِيدٌ ۝١٠ رِّزْقًا لِّلْعِبَادِ وَأَحْيَيْنَا بِهِۦ بَلْدَةً مَّيْتًا كَذَٰلِكَ ٱلْخُرُوجُ ۝١١

قوله تعالى: {أَفَلَمْ يَنظُرُوۤاْ إِلَى ٱلسَّمَآءِ فَوْقَهُمْ} نظر ٱعتبار وتفكر، وأن القادر على إيجادها قادر على الإعادة. {كَيْفَ بَنَيْنَاهَا} فرفعناها بلا عمد {وَزَيَّنَّـٰهَا} بالنجوم {وَمَا لَهَا مِن فُرُوجٍ} جمع فرج وهو الشق؛ ومنه قول ٱمرىء القيس:

تَسُـدُّ بِـهِ فَرْجَهَـا مِـنْ دُبُـرْ

وقال الكسائي: ليس فيها تفاوت ولا ٱختلاف ولا فتوق. {وَٱلأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ} تقدّم في «الرعد» بيانه. {وَأَنبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ زَوْجٍ} أي من كل نوع من النبات {بَهِيجٍ } أي حسن يسر الناظرين؛ وقد تقدّم في «الحج» بيانه. {تَبْصِرَةً} أي جعلنا ذلك تبصرة لندلَّ به على كمال قدرتنا. وقال أبو حاتم: نصب على المصدر؛ يعني جعلنا ذلك تبصيراً وتنبيهاً على قدرتنا {وَذِكْرَىٰ} معطوف عليه. {لِكُلِّ عَبْدٍ مُّنِيبٍ} راجع إلى الله تعالى مفكر في قدرته.

قوله تعالى: {وَنَزَّلْنَا مِنَ ٱلسَّمَآءِ} أي من السحاب {مَآءً مُّبَارَكاً} أي كثير البركة. {فَأَنبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ ٱلْحَصِيدِ} التقدير: وحبّ النبت الحصيد وهو كل ما يحصد. هذا قول البصريين. وقال الكوفيون: هو من باب إضافة الشيء إلى نفسه، كما يقال: مسجد الجامِع وربيعُ الأوّلِ وحقُّ اليقينِ وحبل الورِيدِ ونحوها؛ قاله الفرّاء. والأصل الحبّ الحصيد فحذفت الألف واللام وأضيف المنعوت إلى النعت. وقال الضحاك: حبّ الحصيد البُرُّ والشَّعيرُ. وقيل: كلّ حبٍّ يُحْصد ويُدّخر ويُقْتات. {وَٱلنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ} نصب على الحال ردًّا على قوله: {وَحَبَّ ٱلْحَصِيدِ} و{بَاسِقَاتٍ} حال. والباسقات الطوال؛ قاله مجاهد وعكرمة. وقال قتادة وعبد الله بن شدّاد: بُسُوقها ٱستقامتها في الطول. وقال سعيد بن جبير: مستويات. وقال الحسن وعكرمة أيضاً والفرّاء: مواقير حوامل؛ يقال للشاة بسَقت إذا ولدت، قال الشاعر:

فَلَمَّا تَركْنا الدارَ ظَلَّتْ مُنِيفَةًبِقُرَّانَ فيه الباسقات المواقرُ

والأوّل في اللغة أكثر وأشهر؛ (يقال) بَسَقَ النخلُ بُسوقاً إذا طال. قال:

لنا خمرٌ وليست خمر كَرْمٍولكنْ مِن نِتاجِ الباسِقاتِ كِرامٌ في السماء ذَهَبْنَ طولاًوفاتَ ثِمارُها أيدي الجُنَاةِ

ويقال: بسق فلان على أصحابه أي علاهم، وأبسقت الناقةُ إذا وقع في ضرعها اللبن قبل النِّتاج فهي مُبْسِق ونُوقٌ مَبَاسِيق. وقال قطبة بن مالك: سمعت النبيّ صلى الله عليه وسلم يقرأ «بَاصِقَاتٍ» بالصاد؛ ذكره الثعلبي.

قلت: الذي في صحيح مسلم عن قطبة بن مالك قال: صلّيت وصلّى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقرأ: {قۤ وَٱلْقُرْآنِ ٱلْمَجِيدِ } حتى قرأ {وَٱلنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ} قال فجعلت أردّدها ولا أدري ما قال، إلا أنه لا يجوز إبدال الصاد من السين لأجل القاف. {لَّهَا طَلْعٌ نَّضِيدٌ} الطلع هو أوّلُ ما يخرج من ثمر النخل؛ يقال: طَلَعَ الطلعُ طُلوعاً وأطلعت النخلةُ، وطَلْعها كُفُرّاها قبل أن ينشق. «نضِيدٌ» أي متراكب قد نُضِّد بعضُه على بعض. وفي البخاري: «النَّضِيدُ» الكُفُرّى مادام في أكمامه ومعناه منضود بعضه على بعض؛ فإذا خرج من أكمامه فليس بنضيد. {رِّزْقاً لِّلْعِبَادِ} أي رزقناهم رزقاً، أو على معنى أنبتناها رزقاً؛ لأن الإنبات في معنى الرزق، أو على أنه مفعول له أي أنبتناها لرزقهم، والرزق ما كان مهيأ للإنتفاع به. وقد تقدم القول فيه. {وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَّيْتاً كَذَلِكَ ٱلْخُرُوجُ} أي من القبور أي كما أحيا الله هذه الأرض الميتة فكذلك يخرجكم أحياء بعد موتكم؛ فالكاف في محل رفع على الابتداء. وقد مضى هذا المعنى في غير موضع. وقال «مَيْتاً» لأن المقصود المكان ولو قال ميتة لجاز.

كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَأَصْحَٰبُ ٱلرَّسِّ وَثَمُودُ ۝١٢ وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ وَإِخْوَٰنُ لُوطٍ ۝١٣ وَأَصْحَٰبُ ٱلْأَيْكَةِ وَقَوْمُ تُبَّعٍ كُلٌّ كَذَّبَ ٱلرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ ۝١٤ أَفَعَيِينَا بِٱلْخَلْقِ ٱلْأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِى لَبْسٍ مِّنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ ۝١٥

قوله تعالى: {كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ} أي كما كذب هؤلاء فكذلك كذب أولئك فحل بهم العقاب؛ ذكّرهم نبأ من كان قبلهم من المكذّبين وخوّفهم ما أخذهم. وقد ذكرنا قصصهم في غير موضع عند ذكرهم. {كُلٌّ كَذَّبَ ٱلرُّسُلَ} من هذه الأمم المكذبة. {فَحَقَّ وَعِيدِ} أي فحق عليهم وعيدي وعقابي.

قوله تعالى: {أَفَعَيِينَا بِٱلْخَلْقِ ٱلأَوَّلِ} أي أفعيينا به فنعيا بالبعث. وهذا توبيخ لمنكري البعث وجواب قولهم: {ذَلِكَ رَجْعُ بَعِيدٌ} يقال: عَيِيت بالأمر إذا لم تعرف وجهه. {بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِّنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ} أي في حَيْرَة من البعث منهم مصدِّق ومنهم مكذِّب؛ يقال: لَبَس عليه الأمرُ يَلْبِسه لَبْساً.

وَلَقَدْ خَلَقْنَا ٱلْإِنسَٰنَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِۦ نَفْسُهُۥ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ ٱلْوَرِيدِ ۝١٦ إِذْ يَتَلَقَّى ٱلْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ ٱلْيَمِينِ وَعَنِ ٱلشِّمَالِ قَعِيدٌ ۝١٧ مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ ۝١٨ وَجَآءَتْ سَكْرَةُ ٱلْمَوْتِ بِٱلْحَقِّ ذَٰلِكَ مَا كُنتَ مِنْهُ تَحِيدُ ۝١٩

قوله تعالى: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنسَانَ} يعني الناس، وقيل آدم. {وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ} أي ما يختلج في سرّه وقلبه وضميره، وفي هذا زجر عن المعاصي التي يستخفى بها. ومن قال: إن المراد بالإنسان آدم؛ فالذي وسوست به نفسه هو الأكل من الشجرة، ثم هو عام لولده. والوسوسة حديث النفس بمنزلة الكلام الخفيّ. قال الأعشى:

تَسْمَعُ لِلْحَلْيِ وَسْوَاساً إذا ٱنْصَرَفتْكما ٱستعان بريح عِشْرِقٌ زجِلُ

وقد مضى في «الأعراف». {وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ ٱلْوَرِيدِ} هو حبل العاتق وهو ممتدّ من ناحية حلقه إلى عاتقه، وهما وريدان عن يمين وشمال. روى معناه عن ٱبن عباس وغيره وهو المعروف في اللغة. والحبل هو الوريد فأضيف إلى نفسه لاختلاف اللفظين. وقال الحسن: الوريد الوتين وهو عِرق معلَّق بالقلب. وهذا تمثيل للقرب؛ أي نحن أقرب إليه من حبل وريده الذي هو منه، وليس على وجه قرب المسافة. وقيل أي ونحن أملك به من حبل وريده مع ٱستيلائه عليه. وقيل: أي ونحن أعلم بما توسوس به نفسه من حبل وريده الذي هو من نفسه، لأنه عِرق يخالط القلب، فعلم الربِّ أقربُ إليه من علم القلب، روي معناه عن مقاتل قال: الوريد عرق يخالط القلب، وهذا القرب قرب العلم والقدرة، وأبعاض الإنسان يحجب البعضُ البعضَ ولا يحجب علم الله شيء.

قوله تعالى: {إِذْ يَتَلَقَّى ٱلْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ ٱلْيَمِينِ وَعَنِ ٱلشِّمَالِ قَعِيدٌ} أي نحن أقرب إليه من حبل وريده حين يتلقى المتلقيان، وهما الملكان الموكلان به، أي نحن أعلم بأحواله فلا نحتاج إلى ملَك يخبر، ولكنهما وكِّلا به إلزاماً للحجة، وتوكيداً للأمر عليه. وقال الحسن ومجاهد وقتادة: {ٱلْمُتَلَقِّيَانِ} ملَكان يتلقيان عملك: أحدهما عن يمينك يكتب حسناتك، والآخر عن شمالك يكتب سيئاتك. قال الحسن: حتى إذا متّ طُوِيت صحيفة عملك وقيل لك يوم القيامة:

{ ٱقْرَأْ كَتَابَكَ كَفَىٰ بِنَفْسِكَ ٱلْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً }[الإسراء: 14] عَدَلَ والله عليك من جعلك حسيبَ نفسك. وقال مجاهد: وكَّل الله بالإنسان مع علمه بأحواله مَلَكين بالليل ومَلَكين بالنهار يحفظان عمله، ويكتبان أثره إلزاماً للحجة: أحدهما عن يمينه يكتب الحسنات، والآخر عن شماله يكتب السيئات، فذلك قوله تعالى: {عَنِ ٱلْيَمِينِ وَعَنِ ٱلشِّمَالِ قَعِيدٌ} وقال سفيان: بلغني أن كاتب الحسنات أمين على كاتب السيئات فإذا أذنب (العبد) قال لا تعجل لعلّه يستغفر الله. وروي معناه من حديث أبي أمامة؛ قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم:كاتب الحسنات على يمين الرجل وكاتب السيئات على يساره وكاتب الحسنات أمين على كاتب السيئات فإذا عَمِلَ حسنة كتبها صاحب اليمين عشراً وإذا عَمِل سيئة قال صاحب اليمين لصاحب الشمال دعه سبع ساعات لعله يسبح أو يستغفر».

وروي من حديث علي رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:

إن مقعدَ مَلكيك على ثَنِيّتك لسانُك قلمهما ورِيقُك مِدَادُهما وأنت تجري فيما لا يعنيك فلا تستحي من الله ولا منهما. وقال الضحاك: مجلسهما تحت الثغر على الحنك. ورواه عوف عن الحسن قال: وكان الحسن يعجبه أن ينظف عَنْفَقته. وإنما قال: «قَعِيدٌ» ولم يقل قعيدان وهما ٱثنان؛ لأن المراد عن اليمين قعيد وعن الشمال قعيد فحذف الأوّل لدلالة الثاني عليه. قاله سيبويه؛ ومنه قول الشاعر:

نَحْنُ بما عِندنا وأنتَ بماعِندَك راضٍ والرّأيُ مخْتَلِفُ

وقال الفرزدق:

إنِّي ضَمِنتُ لمن أَتَانِي ما جَنَىوأَبَى فكانَ وكنتُ غيرَ غَدُور

ولم يقل راضيان ولا غدورين. ومذهب المبرِّد: أن الذي في التلاوة أَوَّلٌ أُخِّرَ ٱتساعاً، وحذف الثاني لدلالة الأوّل عليه. ومذهب الأخفش والفرّاء: أن الذي في التلاوة يؤدّي عن الاثنين والجمع ولا حذف في الكلام. و«قَعِيدٌ» بمعنى قاعد كالسميع والعليم والقدير والشهيد. وقيل: «قَعِيدٌ» بمعنى مقاعد مثل أكيل ونديم بمعنى مؤاكل ومنادم.

وقال الجوهري: فعيل وفعول مما يستوي فيه الواحد والاثنان والجمع؛ كقوله تعالى:

{ إِنَّا رَسُولُ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ }[الشعراء: 16] وقوله: { وَالْمَلاَئِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ }[التحريم: 4] وقال الشاعر في الجمع، أنشده الثعلبي:

أَلِكْنِي إِلَيْها وَخَيْرُ الرَّسُولِ أَعْلَمُهُمْ بِنَوَاحِي الخَبَرْ

والمراد بالقعيد هاهنا الملازم الثابت لا ضد القائم.

قوله تعالى: {مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ} أي ما يتكلم بشيء إلا كتب عليه؛ مأخوذ من لفظ الطعام وهو إخراجه من الفم. وفي الرقيب ثلاثة أوجه: أحدها أنه المتبع للأمور. الثاني أنه الحافظ، قاله السدّي. الثالث أنه الشاهد، قاله الضحاك. وفي العتيد وجهان: أحدهما أنه الحاضر الذي لا يغيب. الثاني أنه الحافظ الْمُعَدُّ إما للحفظ وإما للشهادة. قال الجوهري: العتيد الشيء الحاضر المهيأ؛ وقد عَتَّدَه تعتيداً وأَعْتَدَه إعتاداً أي أعدّه ليوم، ومنه قوله تعالى:

{ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَئاً }[يوسف: 31] وفرس عَتَدٌ وعَتِدٌ بفتح التاء وكسرها المعَدُّ للجري.

قلت: وكله يرجع إلى معنى الحضور، ومنه قول الشاعر:

لئِن كُنتَ مِنِّي في العِيَان مُغَيَّباًفذكرك عندي في الفؤادِ عَتِيدُ

قال أبو الجوزاء ومجاهد: يكتب على الإنسان كل شيء حتى الأنين في مرضه. وقال عكرمة: لا يكتب إلا ما يؤجر به أو يؤزر عليه. وقيل: يكتب عليه كل ما يتكلم به، فإذا كان آخر النهار محى عنه ما كان مباحاً، نحو ٱنطلِق ٱقعد كُلْ مما لا يتعلق به أجر ولا وزر، والله أعلم. وروي عن أبي هريرة وأنس أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال:ما من حافظين يرفعان إلى الله ما حفظا فيرى الله في أوّل الصحيفة خيراً وفي آخرها خيراً إلا قال الله تعالى لملائكته: ٱشهدوا أني قد غفرت لعبدي ما بين طَرَفي الصحيفة. وقال علي رضي الله عنه: إن لله ملائكة معهم صحف بيض فأملوا في أوّلها وفي آخرها خيراً يغفر لكم ما بين ذلك. وأخرج أبو نعيم الحافظ قال: حدّثنا أبو طاهر محمد بن الفضل بن محمد بن إسحاق ابن خزيمة قال حدّثنا جَدِّي محمد بن إسحق قال حدّثنا محمد بن موسى الحَرَشيّ قال: حدّثنا سهيل ابن عبد الله قال: سمعت الأعمش يحدث عن زيد بن وهب عن ٱبن مسعود، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:إن الحافظين إذا نزلا على العبد أو الأمةَ معهما كتاب مختوم فيكتبان ما يلفظ به العبدُ أو الأمة فإذا أرادا أن ينهضا قال أحدهما للآخر فُكَّ الكتاب المختوم الذي معك فيفكه له فإذا فيه ما كتب سواء فذلك قوله تعالى: {مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ} غريب من حديث الأعمش عن زيد، لم يروه عنه إلا سهيل. وروي من حديث أنس أن نبيّ الله صلى الله عليه وسلم قال:إن الله وكّل بعبده مَلَكين يكتبان عمله فإذا مات قالا ربنا قد مات فلان فأذن لنا أن نصعد إلى السماء فيقول الله تعالى إن سمواتي مملوءة من ملائكتي يسبحونني فيقولان ربنا نقيم في الأرض فيقول الله تعالى إن أرضي مملوءة من خلقي يسبحونني فيقولان يا ربّ فأين نكون فيقول الله تعالى كونا على قبر عبدي فكبراني وهللاني وسبحاني وٱكتبا ذلك لعبدي إلى يوم القيامة«.

قوله تعالى: {وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ} أي غمرته وشدّته؛ فالإنسان مادام حيًّا تكتب عليه أقواله وأفعاله ليحاسب عليها، ثم يجيئه الموت وهو ما يراه عند المعاينة من ظهور الحق فيما كان الله تعالى وعده وأوعده. وقيل: الحقُّ هو الموت سُمِّي حقًّا إما لاستحقاقه وإما لانتقاله إلى دار الحق؛ فعلى هذا يكون في الكلام تقديم وتأخير، وتقديره وجاءت سكرة الحق بالموت، وكذلك في قراءة أبي بكر وٱبن مسعود رضي الله عنهما؛ لأن السكرة هي الحق فأضيفت إلى نفسها لاختلاف اللفظين. وقيل: يجوز أن يكون الحق على هذه القراءة هو الله تعالى؛ أي جاءت سكرة أمر الله تعالى بالموت. وقيل: الحق هو الموت والمعنى وجاءت سكرة الموت بالموت؛ ذكره المهدوي. وقد زعم من طعن على القرآن فقال: أخالف المصحف كما خالف أبو بكر الصديق فقرأ: وجاءت سكرة الحق بالموت. فاحتج عليه بأن أبا بكر رويت عنه روايتان: إحداهما موافقة للمصحف فعليها العمل، والأخرى مرفوضة تجري مجرى النسيان منه إن كان قالها، أو الغلط من بعض من نَقَلَ الحديث. قال أبو بكر الأنباري: حدّثنا إسماعيل بن إسحق القاضي حدّثنا علي بن عبد الله حدّثنا جرير عن منصور عن أبي وائل عن مسروق قال: لما ٱحتضر أبو بكر أرسل إلى عائشة فلما دخلت عليه قالت: هذا كما قال الشاعر:

إذا حَشْرَجَـتْ يومـاً وضـاقَ بها الصَّـدْرُ

فقال أبو بكر: هلاَّ قلتِ كما قال الله: «وَجَاءَتْ سَكرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ» وذكر الحديث. والسَّكْرَةُ واحدة السَّكَرات. وفي الصحيح عن عائشة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كانت بين يديه رِكْوة ـ أو عُلْبَة ـ فيها ماء فجعل يدخل يديه في الماء، فيمسح بها وجهه ويقول: «لا إلٰه إلا الله إن للموت سكرات«ثم نصب يده فجعل يقول: «في الرفيق الأعلى« حتى قبض ومالت يده. خرجه البخاري. وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:إن العبد الصالح ليعالج الموت وسكراته وإن مفاصله ليسلم بعضها على بعض تقول السلام عليك تفارقني وأفارقك إلى يوم القيامة. وقال عيسى بن مريم: يا معشر الحواريين ٱدعوا الله أن يهوّن عليكم هذه السَّكْرة. يعني سَكَرات الموت. وروي: «إن الموت أشدّ من ضربٍ بالسيوف ونشرٍ بالمناشير وقرضٍ بالمقاريض». {ذَلِكَ مَا كُنتَ مِنْهُ تَحِيدُ} أي يقال لمن جاءته سكرة الموت ذلك ما كنت تفرّ منه وتميل عنه. يقال: حادَ عن الشيء يَحِيدُ حُيوداً وحَيْدَة وحَيْدُودة مال عنه وعدل. وأصله حَيَدودة بتحريك الياء فسكنت؛ لأنه ليس في الكلام فَعْلُول غير صَعْفُوق. وتقول في الأخبار عن نفسك: حِدْتُ عن الشيء أَحِيد حَيْداً ومَحِيداً إذا ملت عنه؛ قال طَرَفَة:

أبا منذِرٍ رُمْتَ الوفاءَ فَهِبتَهُوحِدْتَ كما حاد البعيرُ عن الدَّحْضِ

وَنُفِخَ فِى ٱلصُّورِ ذَٰلِكَ يَوْمُ ٱلْوَعِيدِ ۝٢٠ وَجَآءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّعَهَا سَآئِقٌ وَشَهِيدٌ ۝٢١ لَّقَدْ كُنتَ فِى غَفْلَةٍ مِّنْ هَٰذَا فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَآءَكَ فَبَصَرُكَ ٱلْيَوْمَ حَدِيدٌ ۝٢٢

قوله تعالى: {وَنُفِخَ فِي ٱلصُّورِ} هي النفخة الآخرة للبعث {ذَلِكَ يَوْمَ ٱلْوَعِيدِ} الذي وعده الله للكفار أن يعذبهم فيه. وقد مضى الكلام في النفخ في الصور مستوفًى والحمد لله.

قوله تعالى: {وَجَآءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّعَهَا سَآئِقٌ وَشَهِيدٌ} ٱختلف في السائق والشهيد؛ فقال ابن عباس: السائق من الملائكة والشهيد من أنفسهم الأيدي والأرجل؛ رواه العوفي عن ٱبن عباس. وقال أبو هريرة: السائق الملَك والشهيد العمل. وقال الحسن وقتادة: المعنى سائق يسوقها وشاهد يشهد عليها بعملها. وقال ٱبن مسلم؛ السائق قرينها من الشياطين سمي سائقاً لأنه يتبعها وإن لم يحثّها. وقال مجاهد: السائق والشهيد ملَكان. وعن عثمان بن عفان رضي الله عنه أنه قال وهو على المنبر: {وَجَآءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّعَهَا سَآئِقٌ وَشَهِيدٌ} سائق: مَلَك يسوقها إلى أمر الله، وشهيد: يشهد عليها بعملها.

قلت: هذا أصح فإن في حديث جابر بن عبد الله قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول

إن ٱبن آدم لفي غفلة عما خلقه الله عز وجل له إن الله لا إلٰه غيره إذا أراد خَلْقه قال للملَك ٱكتب رزقه وأثره وأجله وٱكتبه شقيًّا أو سعيداً ثم يرتفع ذلك المَلَك ويبعث الله ملكاً آخر فيحفظه حتى يدرك ثم يبعث الله ملكين يكتبان حسناتِه وسيئاتِه فإذا جاءَه الموت ٱرتفع ذلك الملَكان ثم جاء ملَك الموت عليه السلام فيقبض روحه فإذا أُدْخِلَ حفرته ردّ الروح في جسده ثم يرتفع ملَك الموت ثم جاءه ملَكا القبر فٱمتحناه ثم يرتفعان فإذا قامت الساعة ٱنحط عليه ملَك الحسنات وملَك السيئات فأنشطا كتاباً معقوداً في عنقه ثم حضرا معه واحد سائق والآخر شهيد ثم قال الله تعالى: {لَّقَدْ كُنتَ فِي غَفْلَةٍ مِّنْ هَـٰذَا فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَآءَكَ فَبَصَرُكَ ٱلْيَوْمَ حَدِيدٌ} قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَنْ طَبَقٍ قال: حالاً بعد حالثم قال النبيّ صلى الله عليه وسلم:إن قُدَّامكم أمراً عظيماً فاستعينوا بالله العظيم خرجه أبو نعيم الحافظ من حديث جعفر بن محمد بن علي عن جابر وقال فيه: هذا حديث غريب من حديث جعفر، وحديث جابر تفرّد به عنه جابر الجُعْفِيّ وعنه المفضّل. ثم في الآية قولان: أحدهما أنها عامة في المسلم والكافر وهو قول الجمهور. الثاني أنها خاصة في الكافر؛ قاله الضحاك.

قوله تعالى: {لَّقَدْ كُنتَ فِي غَفْلَةٍ مِّنْ هَـٰذَا فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَآءَكَ} قال ٱبن زيد: المراد به النبيّ صلى الله عليه وسلم؛ أي لقد كنت يا محمد في غفلة من الرسالة في قريش في جاهليتهم. وقال ٱبن عباس والضحاك: إن المراد به المشركون أي كانوا في غفلة من عواقب أمورهم. وقال أكثر المفسرين: إن المراد به البر والفاجر. وهو ٱختيار الطبري. وقيل: أي لقد كنت أيها الإنسان في غفلة عن أن كل نفس معها سائق وشهيد؛ لأن هذا لا يعرف إلا بالنصوص الإلٰهية. {فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَآءَكَ} أي عَمَاك؛ وفيه أربعة أوجه: أحدها إذ كان في بطن أمه فولد؛ قاله السدّي. الثاني إذا كان في القبر فنشر. وهذا معنى قول ٱبن عباس. الثالث: وقت العَرْض في القيامة؛ قاله مجاهد. الرابع أنه نزول الوحي وتحمل الرسالة. وهذا معنى قول ابن زيد. {فَبَصَرُكَ ٱلْيَوْمَ حَدِيدٌ} قيل: يراد به بصر القلب كما يقال هو بصير بالفقه؛ فبصر القلب وبصيرته تبصرته شواهد الأفكار ونتائج الاعتبار، كما تبصر العين ما قابلها من الأشخاص والأجسام. وقيل: المراد به بصر العين وهو الظاهر أي بصر عينك اليوم حديد؛ أي قويّ نافذ يرى ما كان محجوباً عنك. قال مجاهد: {فَبَصَرُكَ ٱلْيَوْمَ حَدِيدٌ} يعني نظرك إلى لسان ميزانك حين توزن سيئاتك وحسناتك. وقاله الضحاك. وقيل: يعاين ما يصير إليه من ثواب وعقاب. وهو معنى قول ٱبن عباس. وقيل: يعني أن الكافر يحشر وبصره حديد ثم يزرقّ ويَعْمَى. وقرىء «لَقَدْ كُنْتِ» «عَنْكِ» «فَبَصَرُكِ» بالكسر على خطاب النفس.

وَقَالَ قَرِينُهُۥ هَٰذَا مَا لَدَىَّ عَتِيدٌ ۝٢٣ أَلْقِيَا فِى جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ ۝٢٤ مَّنَّاعٍ لِّلْخَيْرِ مُعْتَدٍ مُّرِيبٍ ۝٢٥ ٱلَّذِى جَعَلَ مَعَ ٱللَّهِ إِلَٰهًا ءَاخَرَ فَأَلْقِيَاهُ فِى ٱلْعَذَابِ ٱلشَّدِيدِ ۝٢٦ قَالَ قَرِينُهُۥ رَبَّنَا مَآ أَطْغَيْتُهُۥ وَلَٰكِن كَانَ فِى ضَلَٰلٍۭ بَعِيدٍ ۝٢٧ قَالَ لَا تَخْتَصِمُوا۟ لَدَىَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُم بِٱلْوَعِيدِ ۝٢٨ مَا يُبَدَّلُ ٱلْقَوْلُ لَدَىَّ وَمَآ أَنَا۠ بِظَلَّٰمٍ لِّلْعَبِيدِ ۝٢٩

قوله تعالى: ]{وَقَالَ قَرِينُهُ} يعني الملَك الموكّل به في قول الحسن وقتادة والضحاك. {هَـٰذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ} أي هذا ما عندي من كتابة عمله مُعَدّ محفوظ. وقال مجاهد: يقول هذا الذي وكلتني به من بني آدم قد أحضرته وأحضرت ديوان عمله. وقيل: المعنى هذا ما عندي من العذاب حاضر. وعن مجاهد أيضاً: قرينه الذي قيّض له من الشياطين. وقال ابن زيد في رواية ابن وهب عنه: إنه قرينه من الإنس، فيقول الله تعالى لقرينه: {أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ} قال الخليل والأخفش: هذا كلام العرب الفصيح أن تخاطب الواحد بلفظ الإثنين فتقول: ويلك ٱرحَلاها وٱزجراها، وخذاه وأطلقاه للواحد. قال الفرّاء: تقول للواحد قُوما عنا، وأصل ذلك أن أدنى أعوان الرجل في إبله وغنمه ورفقته في سفره ٱثنان فجرى كلام الرجل على صاحبيه، ومنه قولهم للواحد في الشعر: خليلي، ثم يقول: يا صاح. قال ٱمرؤ القيس:

خَلِيليَّ مُرَّا بِي على أُمِّ جُنْدَبِنُقَضِّ لُبَانَاتِ الفؤادِ المُعَذَّبِ

وقال أيضاً:

قِفَا نَبْكِ مِنْ ذِكْرَى حَبِيبٍ ومَنْزِلِبِسَقْطِ اللِّوَى بَيْنَ الدَّخُولِ فَحَوْمَلِ

وقال آخر:

فإِنْ تَزْجُرانِي يابنَ عَفَّانَ أَنْزَجِرْوإنْ تَدَعاني أَحْمِ عِرْضاً مُمنَّعَا

وقيل: جاء كذلك لأن القرين يقع للجماعة والاثنين. وقال المازني:: قوله: «أَلْقِيَا» يدل على أَلْقِ أَلْقِ. وقال المبرد: هي تثنية على التوكيد، المعنى أَلْقِ أَلْقِ فناب «أَلْقِيَا» مناب التكرار. ويجوز أن يكون «أَلْقِيَا» تثنية على خطاب الحقيقة من قول الله تعالى يخاطب به الملَكين. وقيل: هو مخاطبة للسائق والحافظ. وقيل: إن الأصل ألْقِينْ بالنون الخفيفة تقلب في الوقف ألفاً فحمل الوصل على الوقف. وقرأ الحسن «أَلْقَيْنَ» بالنون الخفيفة نحو قوله: { وَلَيَكُوناً مِّن ٱلصَّاغِرِينَ }[يوسف: 32] وقوله: { لَنَسْفَعاً }[العلق: 15]. {كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ} أي معاند؛ قاله مجاهد وعكرمة. وقال بعضهم: العنيد المعرض عن الحق؛ يقال عَنَدَ يَعنِد بالكسر عُنُوداً أي خالف وردّ الحق وهو يعرفه فهو عَنِيد وعاند، وجمع العَنِيد عُنُد مثل رغِيف ورُغُف. {مَّنَّاعٍ لِّلْخَيْرِ} يعني الزكاة المفروضة وكل حقّ واجب. {مُعْتَدٍ} في منطقه وسيرته وأمره؛ ظالم. {مُّرِيبٍ} شاكٍّ في التوحيد؛ قاله الحسن وقتادة. يقال: أراب الرجلُ فهو مُرِيب إذا جاء بالريبة. وهو المشرك يدل عليه قوله تعالى: {ٱلَّذِي جَعَلَ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهاً آخَرَ}. وقيل: نزلت في الوليد بن المغيرة. وأراد بقوله: {مَّنَّاعٍ لِّلْخَيْرِ} أنه كان يمنع بني أخيه من الإسلام. {فَأَلْقِيَاهُ فِي ٱلْعَذَابِ ٱلشَّدِيدِ} تأكيد للأمر الأول. {قَالَ قرِينُهُ رَبَّنَا مَآ أَطْغَيْتُهُ} يعني الشيطان الذي قيض لهذا الكافر العنيد تبرأ منه وكذّبه. {وَلَـٰكِن كَانَ فِي ضَلاَلٍ بَعِيدٍ} عن الحق وكان طاغياً بٱختياره وإنما دعوته فاستجاب لي. وقرينه هنا هو شيطانه بغير ٱختلاف. حكاه المهدوي. وحكى الثعلبي قال ٱبن عباس ومقاتل: قرينه الملك؛ وذلك أن الوليد بن المغيرة يقول للملَك الذي كان يكتب سيئاته: ربِّ إنه أعجلني، فيقول الملَك: ربنا ما أطغيته أي ما أعجلته. وقال سعيد بن جبير: يقول الكافر ربّ إنه زاد عليّ في الكتابة، فيقول الملَك: ربنا ما أطغيته أي ما زدت عليه في الكتابة؛ فحينئذ يقول الله تعالى: {لاَ تَخْتَصِمُواْ لَدَيَّ} يعني الكافرين وقرناءهم من الشياطين. قال القشيري: وهذا يدل على أن القرين الشيطان. {وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُم بِٱلْوَعِيدِ} أي أرسلت الرسل. وقيل: هذا خطاب لكل من ٱختصم. وقيل: هو للاثنين وجاء بلفظ الجمع. {مَا يُبَدَّلُ ٱلْقَوْلُ لَدَيَّ} قيل هو قوله: { مَن جَآءَ بِٱلْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَن جَآءَ بِٱلسَّيِّئَةِ فَلاَ يُجْزَىۤ إِلاَّ مِثْلَهَا }[الأنعام: 160] وقيل هو قوله: { لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ ٱلْجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ أَجْمَعِينَ }[السجدة: 13]. وقال الفرّاء: ما يكذب عندي أي ما يزاد في القول ولا ينقص لعلمي بالغيب. {وَمَآ أَنَاْ بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ} أي ما أنا بمعذِّب من لم يُجرم، قاله ٱبن عباس. وقد مضى القول في معناه في «الحج» وغيرها.

يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ ٱمْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِن مَّزِيدٍ ۝٣٠ وَأُزْلِفَتِ ٱلْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ ۝٣١ هَٰذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ ۝٣٢ مَّنْ خَشِىَ ٱلرَّحْمَٰنَ بِٱلْغَيْبِ وَجَآءَ بِقَلْبٍ مُّنِيبٍ ۝٣٣ ٱدْخُلُوهَا بِسَلَٰمٍ ذَٰلِكَ يَوْمُ ٱلْخُلُودِ ۝٣٤ لَهُم مَّا يَشَآءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ ۝٣٥

قوله تعالى: {يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ ٱمْتَلأَتِ وَتَقُولُ هَلْ مِن مَّزِيدٍ} قرأ نافع وأبو بكر «يَوْمَ يَقُوُل» بالياء ٱعتباراً بقوله: {لاَ تَخْتَصِمُواْ لَدَيَّ}. الباقون بالنون على الخطاب من الله تعالى وهي نون العظمة. وقرأ الحسن «يَوْمَ أَقُولُ». وعن ٱبن مسعود وغيره «يَوْمَ يُقَالُ». وٱنتصب «يَوْم» على معنى ما يبدّل القول لديّ يومَ. وقيل: بفعل مقدر معناه: وأنذرهم {يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ ٱمْتَلأَتِ} لما سبق من وعده إياها أنه يملؤها. وهذا الاْستفهام على سبيل التصديق لخبره، والتحقيق لوعده، والتقريع لأعدائه، والتنبيه لجميع عباده. «وتَقُولُ» جهنم {هَلْ مِن مَّزِيدٍ} أي ما بقي فيّ موضع للزيادة. كقوله عليه السلام:

هل تَرَك لنا عَقِيل من رَبْع أو منزلأي ما ترك؛ فمعنى الكلام الجحد. ويحتمل أن يكون ٱستفهاماً بمعنى الاستزادة؛ أي هل من مزيد فأزداد؟. وإنما صلح هذا للوجهين؛ لأن في الاستفهام ضرباً من الجحد. وقيل: ليس ثَمَّ قول وإنما هو على طريق المثل؛ أي أنها فيما يظهر من حالها بمنزلة الناطقة بذلك؛ كما قال الشاعر:

امتلأَ الحوضُ وقال قَطْنِيمَهْلاً رُوَيْداً قَدْ مَلأْتَ بَطْنِي

وهذا تفسير مجاهد وغيره. أي هل فيّ من مسلك قد ٱمتلأت. وقيل: يُنطق الله النار حتى تقول هذا كما تنطق الجوارح. وهذا أصح على ما بيناه في سورة «الفُرقان». وفي صحيح مسلم والبخاري والترمذيّ عن أنس بن مالك: عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال:لا تزال جهنم يُلْقَى فيها وتقول هل من مزيد حتى يضع ربُّ العزة فيها قَدَمه فيَنْزَوِي بعضها إلى بعض وتقول قَطْ قَطِ بعزتك وكرمك ولا يزال في الجنة فَضلٌ حتى يُنشىءَ الله لها خلقاً فيسكنَهم فَضْلَ الجنةلفظ مسلم. وفي رواية أخرى من حديث أبي هريرة:وأما النار فلا تمتلىء حتى يضع الله عليها رِجْله يقول لها قَطْ قَطْ فهنالك تمتلىء ويَنْزَوِي بعضها إلى بعض فلا يظلم الله من خلقه أحداً وأما الجنة فإن الله ينشىء لها خلقاً. قال علماؤنا رحمهم الله: أما معنى القَدم هنا فهم قوم يُقدِّمهم الله إلى النار، وقد سبق في علمه أنهم من أهل النار. وكذلك الرِّجْل وهو العدد الكثير من الناس وغيرهم؛ يقال: رأيت رِجْلاً من الناس ورِجْلاً من جَرَاد، قال الشاعر:

فمرَّ بنا رِجْلٌ من الناس وانْزَوَىإليهم من الحيِّ اليمانينَ أَرْجُلُ قبائلُ من لَخْمٍ وعُكْلٍ وحِمْيَرٍعلى ٱبْنَيْ نِزارٍ بالعَدَاوة أحْفَلُ

ويبين هذا المعنى ما روي عن ٱبن مسعود أنه قال: ما في النار بيت ولا سلسلة ولا مِقمَع ولا تابوت إلا وعليه ٱسم صاحبه، فكل واحد من الخزنة ينتظر صاحبه الذي قد عرف ٱسمه وصفته، فإذا ٱستوفى (كل واحد منهم) ما أمر به وما ينتظره ولم يبق منهم أحد قال الخزنة: قَطْ قَطْ حسبُنا حسبُناٰ أي ٱكتفينا ٱكتفينا، وحينئذ تنزوي جهنم على من فيها وتنطبق إذ لم يبق أحد ينتظر. فعبّر عن ذلك الجمع المنتظر بالرِّجل والقَدَم؛ ويشهد لهذا التأويل قوله في نفس الحديث:ولا يزال في الجنة فضل حتى ينشىءَ الله لها خلقاً فيسكنهم فضل الجنةوقد زدنا هذا المعنى بياناً ومهدناه في كتاب الأسماء والصفات من الكتاب الأسنى والحمد لله. وقال النضر بن شُمَيْل في معنى قوله عليه السلام:حتى يَضَع الجبَّار فيها قَدمَهأي من سبق في علمه أنه من أهل النار.

قوله تعالى: {وَأُزْلِفَتِ ٱلْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ} أي قربت منهم. وقيل: هذا قبل الدخول في الدنيا؛ أي قربت من قلوبهم حين قيل لهم ٱجتنبوا المعاصي. وقيل: بعد الدخول قربت لهم مواضعهم فيها فلا تبعد. «غَيْرَ بَعِيدٍ» أي منهم وهذا تأكيد. {هَـٰذَا مَا تُوعَدُونَ} أي ويقال لهم هذا الجزاء الذي وعدتم في الدنيا على ألسنة الرسل. وقراءة العامة «تُوعَدُونَ» بالتاء على الخطاب. وقرأ ٱبن كثير بالياء على الخبر؛ لأنه أتى بعد ذكر المتقين. {لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ} أوّاب أي رَجّاع إلى الله عن المعاصي، ثم يرجع ويذنب ثم يرجع، هكذا قاله الضحاك وغيره. وقال ٱبن عباس وعطاء: الأوّاب المسبِّح من قوله:

{ يٰجِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ }[سبأ: 10]. وقال الحكم بن عتيبة: هو الذاكر لله تعالى في الخلوة. وقال الشعبي ومجاهد: هو الذي يذكر ذنوبه في الخلوة فيستغفر الله منها. وهو قول ٱبن مسعود. وقال عُبيد بن عُمير: هو الذي لا يجلس مجلساً حتى يستغفر الله تعالى فيه. وعنه قال: كنا نحدّث أن الأوّاب الحفيظ الذي إذا قام من مجلسه قال سبحان الله وبحمده، اللهم إني أستغفرك مما أصبت في مجلسي هذا. وفي الحديث:من قال إذا قام من مجلسه سبحانك اللهم وبحمدك لا إلٰه إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك غفر الله له ما كان في ذلك المجلس. وهكذا كان النبيّ صلى الله عليه وسلم يقول. وقال بعض العلماء: أنا أحبّ أن أقول أستغفرك وأسألك التوبة، ولا أحبّ أن أقول وأتوب إليك إلا على حقيقته.

قلت: هذا استحسان وٱتباع الحديث أولى. وقال أبو بكر الورّاق: هو المتوكل على الله في السراء والضراء. وقال القاسم: هو الذي لا يشتغل إلا بالله عز وجل. «حَفِيظٍ» قال ٱبن عباس: هو الذي حفظ ذنوبه حتى يرجع عنها. وقال قتادة: حفيظ لما ٱستودعه الله من حقه ونعمته وأتمنه عليه. وعن ٱبن عباس أيضاً: هو الحافظ لأمر الله. مجاهد: هو الحافظ لحق الله تعالى بالإعتراف ولنعمه بالشكر. قال الضحاك: هو الحافظ لوصية الله تعالى بالقبول. وروى مكحول عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

من حافظ على أربعِ ركعات من أوّل النهار كان أوّاباً حفيظاًذكره الماوردي.

قوله تعالى: {مَّنْ خَشِيَ ٱلرَّحْمَـٰنَ بِٱلْغَيْبِ} «مَنْ» في محل خفض على البدل من قوله: {لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ} أو في موضع الصفة لـ «أَوَّابٍ». ويجوز الرفع على الاستئناف، والخبر «ٱدْخُلُوهَا» على تقدير حذف جواب الشرط والتقدير فيقال لهم: «ٱدْخُلُوهَا». والخشية بالغيب أن تخافه ولم تره. وقال الضحاك والسُّدي: يعني في الخلوة حين لا يراه أحد. وقال الحسن: إذا أرخى السترَ وأغلق البابَ. {وَجَآءَ بِقَلْبٍ مُّنِيبٍ} مقبل على الطاعة. وقيل: مخلص. وقال أبو بكر الورّاق: علامة المنيب أن يكون عارفاً لحرمته وموالياً له، متواضعاً لجلاله تاركاً لهوى نفسه.

قلت: ويحتمل أن يكون القلب المنيب القلب السليم؛ كما قال تعالى:

{ إِلاَّ مَنْ أَتَى ٱللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ }[الشعراء:89] على ما تقدم؛ والله أعلم. {ٱدْخُلُوهَا} أي يقال لأهل هذه الصفات: {ٱدْخُلُوهَا بِسَلاَمٍ ذَلِكَ يَوْمُ ٱلُخُلُودِ} أي بسلامة من العذاب. وقيل: بسلام من الله وملائكته عليهم. وقيل: بسلامة من زوال النِّعم. وقال: «ٱدْخُلُوهَا» وفي أوّل الكلام «مَنْ خَشِيَ»؛ لأن «مَنْ» تكون بمعنى الجمع.

قوله تعالى: {لَهُم مَّا يَشَآءُونَ فِيهَا} يعني ما تشتهيه أنفسهم وتلذ أعينهم. {وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ} من النعم مما لم يخطر على بالهم. وقال أنس وجابر: المزيد النظر إلى وجه الله تعالى بلا كيف. وقد ورد ذلك في أخبار مرفوعة إلى النبي: صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى:

{ لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ ٱلْحُسْنَىٰ وَزِيَادَةٌ } [يونس: 26] قال: الزيادة النظر إلى وجه الله الكريم. وذكر ٱبن المبارك ويحيـى بن سلام، قالا: أخبرنا المسعوديّ عن المنهال بن عمرو عن أبي عبيدة بن عبد الله بن عتبة عن ٱبن مسعود قال: تسارعوا إلى الجمعة فإن الله تبارك وتعالى يبرز لأهل الجنة كل يوم جمعة في كثيب من كافور أبيض فيكونون منه في القرب. قال ٱبن المبارك: على قدر تسارعهم إلى الجمعة في الدنيا. وقال يحيـى ابن سلام: لمسارعتهم إلى الجمع في الدنيا، وزاد: «فيحدث الله لهم من الكرامة شيئاً لم يكونوا رأوه قبل ذلك». قال يحيـى: وسمعت غير المسعودي يزيد فيه قوله تعالى: «وَلَدَيْنَا مَزيدٌ».

قلت: قوله «في كَثِيب» يريد أهل الجنة، أي وهم على كثب؛ كما في مرسل الحسن، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

إن أهل الجنة ينظرون ربهم في كل يوم جمعة على كَثِيب من كافورالحديث. وقد ذكرناه في كتاب «التذكرة». وقيل: إن المزيد ما يزوَّجون به من الحور العين: رواه أبو سعيد الخدري مرفوعاً.

وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم مِّن قَرْنٍ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُم بَطْشًا فَنَقَّبُوا۟ فِى ٱلْبِلَٰدِ هَلْ مِن مَّحِيصٍ ۝٣٦ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَذِكْرَىٰ لِمَن كَانَ لَهُۥ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى ٱلسَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ ۝٣٧ وَلَقَدْ خَلَقْنَا ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِى سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِن لُّغُوبٍ ۝٣٨

قوله تعالى: {وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِّن قَرْنٍ} أي كم أهلكنا يا محمد قبل قومك من أمة هم أشدّ منهم بطشاً وقوّة. {فَنَقَّبُواْ فِي ٱلْبِلاَدِ} أي ساروا فيها طلباً للمهرب. وقيل: أثّرُوا في البلاد؛ قاله ٱبن عباس. وقال مجاهد: ضربوا وطافوا. وقال النضر بن شميل: دَوَّروا.. وقال قتادة: طَوَّفوا. وقال المؤرِّج تباعدوا؛ ومنه قول ٱمرىء القيس:

وقد نَقَّبْتُ في الآفاق حَتَّىرَضِيتُ من الغنيمةِ بالإيابِ

ثم قيل: طافوا في أقاصي البلاد طلباً للتجارات، وهل وجدوا من الموت محيصاً؟ وقيل: طوّفوا في البلاد يلتمسون مَحيصاً من الموت. وقال الحرث بن حِلَّزة:

نَقَّبُوا في البلادِ من حَذَرِ الموتِ وجَالُوا في الأرضِ كُلَّ مَجَالِ

وقرأ الحسن وأبو العالية «فَنَقَبُوا» بفتح القاف وتخفيفها. والنقب هو الخرق والدخول في الشيء. وقيل: النقب الطريق في الجبل، وكذلك الْمَنْقَب والْمَنْقَبَة؛ عن ٱبن السكيت. ونَقَب الجدار نَقْباً، وٱسم تلك النَّقْبة نَقْب أيضاً، وجمع النَّقْب النُّقُوب؛ أي خرقوا البلاد وساروا في نقوبها. وقيل: أَثَّرُوا فيها كتأثير الحديد فيما ينقب. وقرأ السُّلَمي ويحيـى بن يَعْمَر «فَنَقِّبُوا» بكسر القاف والتشديد على الأمر بالتهديد والوعيد؛ أي طَوِّفوا البلاد وسيروا فيها فٱنظروا {هَلْ مِن}الموت {مَّحِيصٍ} ومهرب؛ ذكره الثعلبي. وحكى القشيريّ «فَنَقِبُوا» بكسر القاف مع التخفيف؛ أي أكثروا السير فيها حتى نَقِبت دوابُّهم. الجوهري: ونَقِب البعيرُ بالكسر إذا رَقّت أخفافُه، وأنقب الرجلُ إذا نَقِب بعيرُه، ونَقِب الخفُّ الملبوس أي تخرّق. والمحِيص مصدر حاص عنه يَحِيص حَيْصاً وحُيوصاً ومَحِيصاً ومَحاصاً وحَيَصاناً؛ أي عَدلَ وحادَ. يقال: ما عنه مَحِيص أي مَحِيد ومَهْرَب. والانحياص مثله؛ يقال للأولياء: حاصوا عن العدوّ وللأعداء ٱنهزموا. قوله تعالى: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَىٰ} أي فيما ذكرناه في هذه السورة تذكرة وموعظة {لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ} أي عقل يتدبر به؛ فكنى بالقلب عن العقل لأنه موضعه؛ قال معناه مجاهد وغيره. وقيل: لمن كان له حياة ونفس مميزة، فعبر عن النفس الحية بالقلب؛ لأنه وطنها ومعدن حياتها؛ كما قال ٱمرؤ القيس:

أَغَرَّكِ منِّي أَنَّ حُبَّكِ قاتِليوَأَنَّكِ مَهْمَا تَأْمُرِي الْقَلْبَ يَفْعَلِ

وفي التنزيل: { لِّيُنذِرَ مَن كَانَ حَيّاً }[يس: 70]. وقال يحيـى بن معاذ: القلب قلبان؛ قلب محتشٍ بأشغال الدنيا حتى إذا حضر أمر من الأمور الآخرة لم يدر ما يصنع، وقلب قد ٱحتشى بأهوال الآخرة حتى إذا حضر أمر من أمور الدنيا لم يدر ما يصنع لذهاب قلبه في الآخرة. {أَوْ أَلْقَى ٱلسَّمْعَ} أي ٱستمع القرآن. تقول العرب: ألق إليّ سمعك أي ٱستمع. وقد مضى في «طه» كيفية الاستماع وثمرته. {وَهُوَ شَهِيدٌ} أي شاهد القلب؛ قال الزجاج: أي قلبه حاضر فيما يسمع. وقال سفيان: أي لا يكون حاضراً وقلبه غائب. ثم قيل: الآية لأهل الكتاب؛ قاله مجاهد وقتادة. وقال الحسن: إنها في اليهود والنصارى خاصة. وقال محمد بن كعب وأبو صالح: إنها في أهل القرآن خاصة.

قوله تعالى: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِن لُّغُوبٍ} تقدّم في «الأعراف» وغيرها. واللغوب التعب والإعياء، تقول منه: لَغَب يَلْغُب بالضم لُغُوباً، ولَغِب بالكسر يَلْغَب لُغُوباً لغة ضعيفة فيه. وألغبته أنا أي أنصبته. قال قتادة والكلبي: هذه الآية نزلت في يهود المدينة؛ زعموا أن الله تعالى خلق السموات والأرض في ستة أيام، أوّلها يوم الأحد وآخرها يوم الجمعة، وٱستراح يوم السبت؛ فجعلوه راحة، فأكذبهم الله تعالى في ذلك.

الثلاثاء، 27 أكتوبر 2026 16 جمادى الأولى 1448 هـ