انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة الأنفال

تفسير الطبريالآيات 25–32

تفسير سورة الأنفال آية آية، من تفسير الطبري.

استمع إلى تفسير سورة الأنفال

الخلاصة من تفسير الطبري · 4 مقاطع · 1:06:51

  1. 1 الآيات 22–40في هذه الصفحة 15:04

التفسير الصوتي لسورة الأنفال كاملًا (4 مقاطع)

وَٱتَّقُوا۟ فِتْنَةً لَّا تُصِيبَنَّ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوا۟ مِنكُمْ خَآصَّةً وَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ ۝٢٥

يقول تعالـى ذكره للـمؤمنـين به وبرسوله: اتقوا أيها الـمؤمنون فتنة، يقول: اختبـاراً من الله يختبركم، وبلاء يبتلـيكم، لا تصيبنّ هذه الفتنة التـي حذرتكموها الذين ظلـموا، وهم الذين فعلوا ما لـيس لهم فعله، إما أجرام أصابوها وذنوب بـينهم وبـين الله ركبوها، يحذّرهم جلّ ثناؤه أن يركبوا له معصية أو يأتوا مأثما يستـحقون بذلك منه عقوبة. وقـيـل: إن هذه الآية نزلت فـي قوم من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهم الذين عنوا بها. ذكر من قال ذلك:

حدثنا مـحمد بن الـمثنى، قال: ثنا مـحمد بن إبراهيـم، قال: ثنا الـحسن بن أبـي جعفر، قال: ثنا داود بن أبـي هند، عن الـحسن، فـي قوله: {وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَـمُوا مِنْكُمْ خاصَّةً} قال: نزلت فـي علـيّ وعثمان وطلـحة والزبـير، رضي الله عنهم.

حدثنا مـحمد بن عبد الأعلـى، قال: ثنا مـحمد بن ثور، عن معمر: {وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَـمُوا مِنْكُمْ خاصَّةً} قال قتادة: قال الزبـير بن العوّام: لقد نزلت وما نرى أحداً منا يقع بها، ثم خصتنا فـي إصابتنا خاصة.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا زيد بن عوف أبو ربـيعة، قال: ثنا حماد، عن حميد، عن الـحسن، أن الزبـير بن العوّام، قال: نزلت هذه الآية: {وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَـمُوا مِنْكُمْ خاصَّةً} وما نظننا أهلها، ونـحن عنـينا بها.

قال: ثنا قبـيصة، عن سفـيان، عن الصلت بن دينار، عن ابن صبهان، قال: سمعت الزبـير بن العوّام يقول: قرأت هذه الآية زماناً وما أرانا من أهلها، فإذا نـحن الـمعنـيون بها {وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَـمُوا مِنْكُمْ خاصَّةً وَاعْلَـمُوا أن اللّهَ شَدِيدُ العِقابِ}.

حدثنـي مـحمد بن الـحسين، قال: ثنا أحمد بن مفضل، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ: {وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَـمُوا مِنْكُمْ خاصَّةً } قال: هذه نزلت فـي أهل بدر خاصة، وأصابتهم يوم الـجمل فـاقتتلوا.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبـي، عن ابن أبـي خالد، عن السديّ: {وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَـمُوا مِنْكُمْ خاصَّةً وَاعْلَـمُوا أنَّ اللّهَ شَدِيدُ العِقابِ} قال: أصحاب الـجمل.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا أبو صالـح، قال: ثنا معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس: {وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَـمُوا مِنْكُمْ خاصَّةً} قال: أمر الله الـمؤمنـين أن لا يقرّوا الـمنكر بـين أظهرهم فـيعمهم الله بـالعذاب.

قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد: {وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَـمُوا مِنْكُمْ خاصَّةً} قال: هي أيضاً لكم.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله: {وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَـمُوا مِنْكُمْ خاصَّةً} قال: الفتنة: الضلالة.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبـي، عن الـمسعودي، عن القاسم، قال: قال عبد الله: ما منكم من أحد إلاَّ وهو مشتـمل علـى فتنة، إن الله يقول:

{ إنَّـمَا أمْوَالُكُمْ وأوْلادُكُمْ فِتْنَة }فلـيستعذ بـالله من مُضلات الفتن.

حدثنـي الـحرث، قال: ثنا عبد العزيز، قال: ثنا مبـارك بن فضالة، عن الـحسن، قال: قال الزبـير: لقد خوّفنا بها، يعنـي قوله: {وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَـمُوا مِنْكُمْ خاصَّةً}.

واختلف أهل العربـية فـي تأويـل ذلك، فقال بعض نـحويـي البصرة: {اتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَـمُوا} قوله: لا تصيبنّ، لـيس بجواب، ولكنه نهي بعد أمر، ولو كان جوابـاً ما دخـلت النون. وقال بعض نـحويى الكوفة: قوله: {وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَـمُوا} أمرهم ثم نهاهم، ومنكم ظرف من الـجزاء وإن كان نهياً. قال: ومثله قوله:

{ يا أيُّها النَّـمْلُ ادْخُـلُوا مَساكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَـيْـمانُ }أمرهم ثم نهاهم، وفـيه تأويـل الـجزاء. وكأن معنى الكلام عنده: اتقوا فتنة إن لـم تتقوها أصابتكم.

وأما قوله: {وَاعْلَـمُوا أنَّ اللّهَ شَدِيدُ العِقابِ} فإنه تـحذير من الله ووعيد لـمن واقع الفتنة التـي حذره إياها بقوله: {وَاتَّقُوا فِتْنَةً}، يقول: اعلـموا أيها الـمؤمنون أن ربكم شديد عقابه لـمن افتتن بظلـم نفسه وخالف أمره، فأثم به.

وَٱذْكُرُوٓا۟ إِذْ أَنتُمْ قَلِيلٌ مُّسْتَضْعَفُونَ فِى ٱلْأَرْضِ تَخَافُونَ أَن يَتَخَطَّفَكُمُ ٱلنَّاسُ فَـَٔاوَىٰكُمْ وَأَيَّدَكُم بِنَصْرِهِۦ وَرَزَقَكُم مِّنَ ٱلطَّيِّبَٰتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ۝٢٦

وهذا تذكير من الله عزّ وجلّ أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ومناصحة.يقول: أطيعوا الله ورسوله أيها الـمؤمنون، واستـجيبوا له إذا دعاكم لـما يحيـيكم ولا تـخالفوا أمره، وإن أمركم بـما فـيه علـيكم الـمشقة والشدّة، فإن الله يهوّنه علـيكم بطاعتكم إياه ويعجل لكم منه ما تـحبون، كما فعل بكم إذ آمنتـم به واتبعتـموه وأنتـم قلـيـل يستضعفكم الكفـار فـيفتنونكم عن دينكم وينالونكم بـالـمكروه فـي أنفسكم وأعراضكم تـخافون منهم أن يتـخطفوكم فـيقتلوكم ويصطلـموا جميعكم {فآوَاكُمْ} يقول: فجعل لكم مأوى تأوون إلـيه منهم. {وأيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ} يقول: وقوّاكم بنصره علـيهم، حتـى قتلتـم منهم من قتلتـم ببدر. {وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبـاتِ} يقول: وأطعمكم غنـيـمتهم حلالاً طيبـاً. {لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} يقول: لكي تشكروا علـى ما رزقكم وأنعم به علـيكم من ذلك وغيره من نعمه عندكم.

واختلف أهل التأويـل فـي الناس الذين عنوا بقوله: {أنْ يَتَـخَطَّفَكُمُ النَّاسُ} فقال بعضهم: كفـار قريش. ذكر من قال ذلك.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، عن عكرمة، قوله: {وَاذكُرُوا إذ أنْتُـمْ قَلـيـلٌ مُسْتَضعَفُونَ فِـي الأرضِ تَـخافُونَ أن يَتَـخَطَّفَكُمُ النَّاسُ} قال: يعنـي بـمكة مع النبـي صلى الله عليه وسلم ومن تبعه من قريش وحلفـائها وموالـيها قبل الهجرة.

حدثنا ابن عبد الأعلـى، قال: ثنا مـحمد بن ثور، عن معمر، عن الكلبـي أو قتادة أو كلـيهما: {وَاذكُرُوا إذْ أنْتُـمْ قَلـيـلٌ مُسْتَضْعَفُونَ} أنها نزلت فـي يوم بدر، كانوا يومئذٍ يخافون أن يتـخطفهم الناس، فآواهم الله وأيدهم بنصره.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، بنـحوه.

وقال آخرون: بل عُنـي به غيرُ قريش. ذكر من قال ذلك.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الرزاق، قال: أخبرنـي أبـي، قال: سمعت وهب بن منبه يقول فـي قوله عزّ وجلّ: {تَـخافُونَ أنْ يَتَـخَطَّفَكُمُ النَّاسُ} قال: فـارس.

قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا إسماعيـل بن عبد الكريـم، قال: ثنـي عبد الصمد، أنه سمع وهب بن منبه يقول، وقرأ: {وَاذْكُرُوا إذْ أنْتُـمْ قَلِـيـلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِـي الأرْضِ تَـخافُونَ أنْ يَتَـخَطَّفَكُمُ النَّاسُ} والناس إذ ذاك: فـارس، والروم.

قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {وَاذْكُرُوا إذْ أنْتُـمْ قَلِـيـلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِـي الأرْضِ} قال: كان هذا الـحيّ من العرب أذلّ الناس ذلاًّ، وأشقاه عيشاً، وأجوعه بطوناً، وأعراه جلوداً، وأبـينه ضلالاً من عاش منهم عاش شقـيًّا، ومن مات منهم ردّي فـي الناس، يؤكلون ولا يأكلون، والله ما نعلـم قبـيلاً من حاضر أهل الأرض يومئذٍ كانوا أشرّ منهم منزلاً. حتـى جاء الله بـالإسلام، فمكَّن به فـي البلاد، ووسَّع به فـي الرزق، وجعلكم به ملوكا علـى رقاب الناس، فبـالإسلام أعطى الله ما رأيتـم، فـاشكروا الله علـى نعمه، فإن ربكم منعم يحبّ الشكر وأهل الشكر فـي مزيد من الله تبـارك وتعالـى.

وأولـى القولـين فـي ذلك عندي بـالصواب، قول من قال: عُنـي بذلك مشركو قريش لأن الـمسلـمين لـم يكونوا يخافون علـى أنفسهم قبل الهجرة من غيرهم، لأنهم كانوا أدنى الكفـار منهم إلـيهم، وأشدّهم علـيهم يومئذٍ مع كثرة عددهم وقلة عدد الـمسلـمين.

وأما قوله: {فَآوَاكُمْ} فإنه يعنـي: آواكم الـمدينة، وكذلك قوله: {وأيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ} بـالأنصار.

وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن الـحسين، قال: ثنا أحمد بن مفضل، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ: {فَآوَاكُمْ} قال: إلـى الأنصار بـالـمدينة. {وأيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ} وهؤلاء أصحاب مـحمد صلى الله عليه وسلم، أيدهم بنصره يوم بدر.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، عن عكرمة: {فَآوَاكُمْ وأيَّدَكُمْ بِنَصْرهِ، وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطيِّبـاتِ} يعنـي بـالـمدينة.

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تَخُونُوا۟ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ وَتَخُونُوٓا۟ أَمَٰنَٰتِكُمْ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ ۝٢٧

يقول تعالـى ذكره للـمؤمنـين بـالله ورسوله من أصحاب نبـيه صلى الله عليه وسلم: يا أيها الذين صدقوا الله ورسوله {لا تَـخُونُوا الله}. وخيانتهم الله ورسوله كانت بإظهار من أظهر منهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم والـمؤمنـين الإيـمان فـي الظاهر والنصيحة، وهو يستسرّ الكفر والغشّ لهم فـي البـاطن، يدلُّون الـمشركين علـى عورتهم، ويخبرونهم بـما خفـي عنهم من خبرهم.

وقد اختلف أهل التأويـل فـيـمن نزلت هذه الآية، وفـي السبب الذي نزلت فـيه، فقال بعضهم: نزلت فـي منافق كتب إلـى أبـي سفـيان يطلعه علـى سرّ الـمسلـمين. ذكر من قال ذلك.

حدثنا القاسم بن بشر بن معروف، قال: ثنا شبـابة بن سوّار، قال: ثنا مـحمد بن الـمـحرم، قال: لقـيت عطاء بن أبـي ربـاح، فحدثنـي، قال: ثنـي جابر بن عبد الله أن أبـا سفـيان خرج من مكة، فأتـى جبريـل النبـيّ صلى الله عليه وسلم، فقال: إن أبـا سفـيان فـي مكان كذا وكذا. فقال النبـيّ صلى الله عليه وسلم لأصحابه:

إنَّ أبـا سُفْـيانَ فِـي مَكانِ كَذَا وكَذَا فـاخْرُجُوه إلَـيْهِ وَاكْتُـمُواقال: فكتب رجل من الـمنافقـين إلـى أبـي سفـيان: إن مـحمداً يريدكم، فخذوا حذركم فأنزل الله عزّ وجلّ: {لا تَـخُونُوا اللّهَ والرَّسُولَ وتـخُونُوا أماناتِكُمْ}.

وقال آخرون: بل نزلت فـي أبـي لبـابة الذي كان من أمره وأمر بنـي قريظة. ذكر من قال ذلك.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي أبو سفـيان، عن معمر، عن الزهري، قوله: {لا تَـخُونُوا اللّهَ والرَّسُولَ وتَـخُونُوا أماناتِكُمْ} قال: نزلت فـي أبـي لبـابة، بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم فأشار إلـى حلقه أنه الذبح. قال الزهري: فقال أبو لبـابة: لا والله لا أذوق طعاماً ولا شرابـاً حتـى أموت أو يتوب الله علـيّ فمكث سبعة أيام لا يذوق طعاماً ولا شرابـاً، حتـى خرّ مغشيًّا علـيه، ثم تاب الله علـيه، فقـيـل له: يا أبـا لبـابة قد تـيب علـيك قال: والله لا أحلّ نفسي حتـى يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الذي يحلنـي فجاءه فحله بـيده. ثم قال أبو لبـابة: إن من توبتـي أن أهجر دار قومي التـي أصبت بها الذنب وأن أنـخـلع من مالـي، قال:

يُجْزِيكَ الثُّلُثُ أنْ تَصَدَّقَ بِهِ

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله بن الزبـير، عن ابن عيـينة، قال: ثنا إسماعيـل بن أبـي خالد، قال: سمعت عبد الله بن أبـي قتادة، يقول: نزلت: {يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَـخُونُوا اللّهَ والرَّسُولَ وتَـخُونُوا أماناتِكُمْ وأنْتُـمْ تَعْلَـمُونَ} فـي أبـي لبـابة.

وقال آخرون: بل نزلت فـي شأن عثمان رضي الله عنه. ذكر من قال ذلك.

حدثنـي الـحرث، قال: ثنا عبد العزيز، قال: ثنا يونس بن الـحرث الطائفـي، قال: ثنا مـحمد بن عبد الله بن عون الثقـفـيّ، عن الـمغيرة بن شعبة، قال: نزلت هذه الآية فـي قتل عثمان رضي الله عنه:{ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَـخُونُوا اللّهَ والرَّسُولَ...} الآية.

وأولـى الأقوال فـي ذلك بـالصواب أن يقال: إن الله نهى الـمؤمنـين عن خيانته وخيانة رسوله وخيانة أمانته. وجائز أن تكون نزلت فـي أبـي لبـابة، وجائز أن تكون نزلت فـي غيره، ولا خبر عندنا بأيّ ذلك كان يجب التسلـيـم له بصحته، فمعنى الآية وتأويـلها ما قدمنا ذكره.

وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله: {يا أيها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَـخُونُوا اللّهَ والرَّسُولَ} قال: نهاكم أن تـخونوا الله والرسول، كما صنع الـمنافقون.

حدثنـي مـحمد بن الـحسين، قال: ثنا أحمد بن مفضل، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ: {لا تَـخُونُوا اللّهَ والرَّسُولَ...} الآية، قال: كانوا يسمعون من النبـيّ صلى الله عليه وسلم الـحديث فـيفشونه حتـى يبلغ الـمشركين.

واختلفوا فـي تأويـل قوله: {وتَـخُونُوا أماناتِكُمْ وأنْتُـمْ تَعْلَـمُونَ} فقال بعضهم: لا تـخونوا الله والرسول، فإن ذلك خيانة لأماناتكم وهلاك لها. ذكر من قال ذلك.

حدثنـي مـحمد بن الـحسين، قال: ثنا أحمد بن مفضل، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ: {يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَـخُونُوا اللّهَ والرَّسُولَ وتَـخُونُوا أماناتِكُمْ} فإنهم إذا خانوا الله والرسول فقد خانوا أماناتهم.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن ابن إسحاق: {يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَـخُونُوا اللّهَ والرَّسُولَ وتَـخُونُوا أماناتِكُمْ وأنْتُـمْ تَعْلَـمُونَ}: أي لا تظهروا لله من الـحقّ ما يرضى به منكم ثم تـخالفوه فـي السرّ إلـى غيره، فإن ذلك هلاك لأماناتكم وخيانة لأنفسكم.

فعلـى هذا التأويـل، قوله: {وتَـخُونُوا أماناتِكُمْ} فـي موضع نصب علـى الظرف، كما قال الشاعر:

لاَ تَنْهَ عَنْ خُـلُقٍ وَتَأْتِـيَ مِثْلَهُ عارٌ عَلَـيْكَ إذا فَعَلْتَ عَظِيـمُ

ويروى: «وتأتـي مثله».

وقال آخرون: معناه: لا تـخونوا الله والرسول، ولا تـخونوا أماناتكم وأنتـم تعلـمون. ذكر من قال ذلك.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا أبو صالـح، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس: قوله: {يا أَيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَـخُونُوا اللّهَ والرَّسُولَ وتَـخُونُوا أماناتِكُمْ} يقول: لا تـخونوا: يعنـي لا تنقصوها.

فعلـى هذا التأويـل: لا تـخونوا الله والرسول، ولا تـخونوا أماناتكم.

واختلف أهل التأويـل فـي معنى الأمانة التـي ذكرها الله فـي قوله: {وتَـخُونُوا أماناتِكُمْ} فقال بعضهم: هي ما يخفـى عن أعين الناس من فرائض الله. ذكر من قال ذلك.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا أبو صالـح، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس، قوله: {وتَـخونُوا أماناتِكُمْ} والأمانة: الأعمال التـي أمن الله علـيها العبـاد، يعنـي: الفريضة. يقول: لا تَـخُونُوا: يعنـي لا تنقصوها.

حدثنا علـيّ بن داود، قال: ثنا أبو صالـح، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس، قوله: {يا أَيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَـخُونُوا اللّهَ} يقول: بترك فرائضه {والرَّسُولَ} يقول: بترك سننه وارتكاب معصيته. قال: وقال مرّة أخرى: {لا تَـخُونُوا اللّهَ والرَّسُولَ وتَـخُونُوا أماناتِكُمْ} والأمانة: الأعمال. ثم ذكر نـحو حديث الـمثنى.

وقال آخرون: معنى الأمانات ههنا: الدِّين. ذكر من قال ذلك.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله: {وَتـخُونُوا أماناتِكُمْ} دينكم. {وأنْتُـمْ تَعْلَـمُونَ} قال: قد فعل ذلك الـمنافقون وهم يعلـمون أنهم كفـار، يظهرون الإيـمان. وقرأ:

{ وَإذَا قامُوا إلـى الصَّلاةِ قامُوا كُسالـى... }الآية، قال: هؤلاء الـمنافقون أمنهم الله ورسوله علـى دينه فخانوا، أظهروا الإيـمان وأسرّوا الكفر.

فتأويـل الكلام إذن: يا أيها الذين آمنوا لا تنقصوا الله حقوقه علـيكم من فرائضه ولا رسوله من واجب طاعته علـيكم، ولكن أطيعوهما فـيـما أمراكم به ونهياكم عنه، لا تنقصوهما، وتـخونوا أماناتكم، وتنقصوا أديانكم، وواجب أعمالكم، ولازمها لكم، وأنتـم تعلـمون أنها لازمة علـيكم وواجبة بـالـحجج التـي قد ثبتت لله علـيكم.

وَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّمَآ أَمْوَٰلُكُمْ وَأَوْلَٰدُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ ٱللَّهَ عِندَهُۥٓ أَجْرٌ عَظِيمٌ ۝٢٨

يقول تعالـى ذكره للـمؤمنـين: واعلـموا أيها الـمؤمنون أنـما أموالكم التـي خوّلكموها الله وأولادكم التـي وهبها الله لكم اختبـار وبلاء أعطاكموها لـيختبركم بها ويبتلـيكم لـينظر كيف أنتـم عاملون من أداء حقّ الله علـيكم فـيها والانتهاء إلـى أمره ونهيه فـيها. {وأنَّ الله عِنْدَهُ أجْرٌ عَظِيـمٌ} يقول: واعلـموا أن الله عنده خير وثواب عظيـم علـى طاعتكم إياه فـيـما أمركم ونهاكم فـي أموالكم وأولادكم التـي اختبركم بها فـي الدنـيا، وأطيعوا الله فـيـما كلفكم فـيها تنالوا به الـجزيـل من ثوابه فـي معادكم.

حدثنـي الـحرث، قال: ثنا عبد العزيز، قال: ثنا الـمسعودي، عن القاسم، عن عبد الرحمن، عن ابن مسعود، فـي قوله: {إنَّـمَا أمْوَالُكُمْ وأوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ} قال: ما منكم من أحد إلاَّ وهو مشتـمل علـى فتنة، فمن استعاذ منكم فليستعذ بـالله من مُضِلاّت الفتن.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله: {وَاعْلَـمُوا أنَّـمَا أمْوَالُكُم وأوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ} قال: فتنة الاختبـار، اختبـارهم. وقرأ:

{ وَنَبلُوكُمْ بـالشَّرّ والـخَيْرِ فِتْنَةً وَإلَـيْنا تُرْجِعُونَ }}.

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِن تَتَّقُوا۟ ٱللَّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّـَٔاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَٱللَّهُ ذُو ٱلْفَضْلِ ٱلْعَظِيمِ ۝٢٩

يقول تعالـى ذكره: {يا أيُّها الَّذِينَ} صدقوا الله ورسوله {إنْ تَتَّقُوا اللّهَ} بطاعته، وأداء فرائضه واجتناب معاصيه، وترك خيانته، خيانة رسوله وخيانة أماناتكم {يَجْعَلْ لَكُم فُرْقاناً}: يقول: يجعل لكم فصلاً وفرقاً بـين حقكم وبـاطل من يبغيكم السوء من أعدائكم الـمشركين بنصره إياكم علـيهم، وإعطائكم الظفر بهم. {ويُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ} يقول: ويـمـحو عنكم ما سلف من ذنوبكم بـينكم وبـينه. {ويَغْفِرْ لَكُمْ} يقول: ويغطيها، فـيسترها علـيكم، فلا يؤاخذكم بها. {وَاللّهُ ذُو الفَضْلِ العَظِيـمِ} يقول: والله الذي يفعل ذلك بكم، له الفضل العظيـم علـيكم وعلـى غيركم من خـلقه بفعله ذلك وفعل أمثاله، وإن فعله جزاء منه لعبده علـى طاعته إياه، لأنه الـموفق عبده لطاعته التـي اكتسبها حتـى استـحقّ من ربه الـجزاء الذي وعده علـيها.

وقد اختلف أهل التأويـل فـي العبـارة عن تأويـل قوله: {يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقاناً} فقال بعضهم: مخرجاً، وقال بعضهم: نـجاة، وقال بعضهم: فصلاً. وكلّ لك متقارب الـمعنى وإن اختلفت العبـارات عنها، وقد بـينت صحة ذلك فـيـما مضى قبل بـما أغنـى عن إعادته. ذكر من قال: معناه الـمخرج:

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا جرير، عن منصور: عن مـجاهد: {إنْ تَتَّقُوا اللّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقاناً} قال: مخرجاً.

قال: حدثنا أبـي، عن سفـيان، عن منصور، عن مـجاهد: {إنْ تَتَّقُوا اللّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقاناً} قال: مخرجاً.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام عن عنبسة، عن جابر، عن مـجاهد: {فُرْقاناً}: مخرجاً.

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد: {فُرْقاناً} قال: مخرجاً فـي الدنـيا والآخرة.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، مثله.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا هانىء بن سعيد، عن حجاج، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد: {فُرْقاناً} قال: الفرقان الـمخرج.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا أبو صالـح، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس، قوله: {فُرْقاناً} يقول: مخرجا.

حدثنا الـحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا الثوريّ، عن منصور، عن مـجاهد: {فُرْقاناً}: مخرجاً.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا عبد الله بن رجاء البصريّ، قال: ثنا زائدة، عن منصور، عن مـجاهد، مثله.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا الـمـحاربـي، عن جويبر، عن الضحاك: {فُرْقاناً} قال: مخرجاً.

حُدثت عن الـحسين بن الفرج، قال: سمعت أبـا معاذ قال: سمعت عبـيداً يقول: سمعت الضحاك يقول: {فُرْقاناً}: مخرجا.

حدثنا أحمد بن إسحاق، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا سفـيان، عن منصور، عن مـجاهد، مثله.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا حميد، عن زهير، عن جابر: عن عكرمة، قال: الفرقان: الـمخرج. ذكر من قال: معناه النـجاة:

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام، عن عنبسة، عن جابر، عن عكرمة: {إنْ تَتَّقُوا اللّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقاناً} قال: نـجاة.

حدثنـي الـحرث، قال: ثنا عبد العزيز، قال: ثنا إسرائيـل، عن رجل، عن عكرمة ومـجاهد، فـي قوله: {يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقاناً} قال عكرمة: الـمخرج، وقال مـجاهد: النـجاة.

حدثنـي مـحمد بن الـحسين، قال: ثنا أحمد بن مفضل، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ: {يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقاناً} قال: نـجاة.

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس، {يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقاناً} يقول: يجعل لكم نـجاة.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: {يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقاناً}: أي نـجاة.

ذكر من قال فصلاً:

... {يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنْ تَتَّقُوا اللّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقاناً} قال: فرقان يفرق فـي قلوبهم بـين الـحقّ والبـاطل، حتـى يعرفوه ويهتدوا بذلك الفرقان.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن ابن إسحاق: {يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنْ تَتَّقُوا اللّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقاناً}: أي فصلاً بـين الـحقّ والبـاطل، يظهر به حقكم ويخفـي به بـاطل من خالفكم.

والفرقان فـي كلام العرب مصدر، من قولهم: فرقت بـين الشيء والشيء أفرق بـينهما فَرْقاً وفُرْقاناً.

وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ ٱللَّهُ وَٱللَّهُ خَيْرُ ٱلْمَٰكِرِينَ ۝٣٠

يقول تعالـى ذكره لنبـيه مـحمد صلى الله عليه وسلم مذكره نعمه علـيه: واذكر يا مـحمد، إذ يـمكر بك الذين كفروا من مشركي قومك كي يثبتوك.

واختلف أهل التأويـل فـي تأويـل قوله: {لِـيُثْبِتُوكَ} فقال بعضهم: معناه: لـيقـيدوك. ذكر من قال ذلك.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالـح، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس، قوله: {وَإذْ يَـمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِـيُثْبِتُوكَ} يعنـي: لـيوثقوك.

قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد: {لِـيُثْبِتُوكَ} لـيوثقوك.

حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {وَإذْ يَـمْكُرُ بك الَّذِينَ كَفَرُوا لِـيُثْبِتُوكَ...} الآية، يقول: لـيشدّوك وثاقاً، وأرادوا بذلك نبـيّ الله صلى الله عليه وسلم وهو يومئذٍ بـمكة.

حدثنا مـحمد بن عبد الأعلـى، قال: ثنا مـحمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة ومِقْسم، قالا: قالوا: أوثقوه بـالوثاق

حدثنا مـحمد بن الـحسين، قال: ثنا أحمد بن الـمفضل، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ: {لِـيُثْبِتُوكَ} قال: الإثبـات: هو الـحبس والوثاق.

وقال آخرون: بل معناه الـحبس. ذكر من قال ذلك.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، قال: سألت عطاء عن قوله: {لِـيُثْبِتُوكَ} قال: يَسجنوك. وقالها عبد الله بن كثـير.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، قالوا: اسجنوه

وقال آخرون: بل معناه: لـيسحروك. ذكر من قال ذلك.

حدثنـي مـحمد بن إسماعيـل البصريّ الـمعروف بـالوساوسي، قال: ثنا عبد الـمـجيد بن أبـي روّاد، عن ابن جريج، عن عطاء، عن عبـيد بن عمير عن الـمطلب بن أبـي وداعة، أن أبـا طالب قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: ما يأتـمر به قومك؟ قال:

يُرِيدُونَ أنْ يَسْحَرُونِـي ويَقْتُلُونِـي ويُخْرِجُونِـيفقال: من أخبرك بهذا؟ قال:ربـيقال: نعم الربّ ربك، فـاستوص به خيراً فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:أنا أسْتَوْصِي بِهِ؟ بَلْ هُوَ يَسْتَوْصِي بِـي خَيْراً. فنزلت: {وَإذْ يَـمْكُرُ بك الَّذِينَ كَفَرُوا لِـيُثْبِتُوكَ أوْ يَقْتُلُوكَ أوْ يُخْرِجُوكَ...} الآية.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، قال: قال ابن جريج، قال عطاء: سمعت عبـيد بن عمير يقول: لـما ائتـمروا بـالنبـيّ صلى الله عليه وسلم لـيقتلوه أو يثبتوه أو يخرجوه، قال له أبو طالب: هل تدري ما ائتـمروا لك؟ قال:

نَعَمْ. قال: فأخبره. قال: من أخبرك؟ قال:رَبّـي. قال: نعم الربّ ربك، استوص به خيراً قال:أنا أسْتَوْصِي بِهِ، أوْ هُوَ يَسْتَوْصِي بـي؟

وكان معنى مكر قوم رسول الله صلى الله عليه وسلم به لـيثبتوه، كما:

حدثنا سعيد بن يحيى الأموي، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنا مـحمد بن إسحاق، عن عبد الله بن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، عن ابن عبـاس، قال: وحدثنـي الكلبـي، عن زاذان مولـى أم هانىء، عن ابن عبـاس: أن نفرا من قريش من أشراف كلّ قبـيـلة، اجتـمعوا لـيدخـلوا دار الندوة، فـاعترضهم إبلـيس فـي صورة شيخ جلـيـل فلـما رأوه قالوا: من أنت؟ قال: شيخ من نـجد، سمعت أنكم اجتـمعتـم، فأردت أن أحضركم ولن يعدمكم منـي رأي ونصح. قالوا: أجل ادخـل فدخـل معهم، فقال: انظروا فـي شأن هذا الرجل، والله لـيوشِكنّ أن يؤاتيكم فـي أموركم بأمره قال: فقال قائل: احبسوه فـي وثاق، ثم تربصوا به ريب الـمنون حتـى يهلك كما هلك من كان قبله من الشعراء، زهير والنابغة، إنـما هو كأحدهم قال: فصرخ عدوّ الله الشيخ النـجدي، فقال: والله ما هذا لكم رأي، والله لـيخرجنه ربه من مـحبسه إلـى أصحابه فلـيوشكن أن يثبوا علـيه حتـى يأخذوه من أيديكم فـيـمنعوه منكم، فما آمن علـيكم أن يخرجوكم من بلادكم قالوا: فـانظروا فـي غير هذا. قال: فقال قائل: أخرجوه من بـين أظهركم تستريحوا منه، فإنه إذا خرج لن يضرّكم ما صنع وأين وقع إذا غاب عنكم أذاه واسترحتـم وكان أمره فـي غيركم فقال الشيخ النـجديّ: والله ما هذا لكم برأي، ألـم تروا حلاوة قوله وطلاقة لسانه وأخذ القلوب ما تسمع من حديثه؟ والله لئن فعلتـم ثم استعرض العرب، لتـجتـمعنّ علـيكم، ثم لـيأتـينّ إلـيكم حتـى يخرجكم من بلادكم ويقتل أشرافكم قالوا: صدق والله، فـانظروا رأياً غير هذا قال: فقال أبو جهل: والله لأشيرنّ علـيكم برأي ما أراكم أبصرتـموه بعد ما أرى غيره. قالوا: وما هو؟ قال: نأخذ من كلّ قبـيـلة غلاماً وسطاً شابـاً نهداً، ثم يعطى كلّ غلام منهم سيفـاً صارماً، ثم يضربونه ضربة رجل واحد، فإذا قتلوه تفرّق دمه فـي القبـائل كلها، فلا أظنّ هذا الـحيّ من بنـي هاشم يقدرون علـى حرب قريش كلها، فإنهم إذا رأوا ذلك قبلوا العقل واسترحنا وقطعنا عنا أذاه. فقال الشيخ النـجديّ: هذا والله الرأي القول ما قال الفتـى، لا أرى غيره. قال: فتفرّقوا علـى ذلك وهم مـجمعون له. قال: فأتـى جبريـل النبـيّ صلى الله عليه وسلم، فأمره أن لا يبـيت فـي مضجعه الذي كان يبـيت فـيه تلك اللـيـلة، وأذن الله له عند ذلك بـالـخروج، وأنزل علـيه بعد قدومه الـمدينة الأنفـال يذكره نعمه علـيه وبلاءه عنده: {وَإذْ يَـمْكُرُ بك الَّذِينَ كَفَرُوا لِـيُثْبِتُوكَ أوْ يَقْتُلُوكَ أوْ يُخْرِجُوكَ ويَـمْكُرُونَ وَيَـمْكُرُ اللّهُ خَيْرُ واللَّهُ الـمَاكِرِينَ} وأنزل فـي قولهم: «تَرَبَّصُوا بِهِ رَيْبَ الـمَنُونِ» حتـى يهلك كما هلك من كان قبله من الشعراء:

{ أمْ يَقُولُونَ شاعِرٌ نَتَربَّصُ بِهِ رَيْبَ الـمَنُونِ }وكان يسمى ذلك الـيوم: «يوم الزحمة» للذي اجتـمعوا علـيه من الرأي.

حدثنا ابن عبد الأعلـى، قال: ثنا مـحمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة ومقسم، فـي قوله: {وَإذْ يَـمْكُرُ بك الَّذِينَ كَفَرُوا لِـيُثْبِتُوكَ} قالا: تشاوروا فـيه لـيـلة وهم بـمكة، فقال بعضهم: إذا أصبح فأوثقوه بـالوثاق وقال بعضهم: بل اقتلوه وقال بعضهم: بل اخرجوه فلـما أصبحوا رأوا علـيًّا رضي الله عنه، فردّ الله مكرهم.

حدثنا الـحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنـي أبـي، عن عكرمة، قال: لـما خرج النبـيّ صلى الله عليه وسلم وأبو بكر إلـى الغار، أمر علـيّ بن أبـي طالب، فنام فـي مضجعه، فبـات الـمشركون يحرسونه. فإذا رأوه نائماً حسبوا أنه النبـيّ صلى الله عليه وسلم، فتركوه. فلـما أصبحوا ثاروا إلـيه وهم يحسبون أنه النبـيّ صلى الله عليه وسلم، فإذا هم بعلـيّ، فقالوا: أين صاحبك؟ قال: لا أدري. قال: فركبوا الصعب والذَّلول فـي طلبه.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الرزاق، عن معمر، قال: أخبرنـي عثمان الـجريري: أن مقسماً مولـى ابن عبـاس أخبره عن ابن عبـاس، فـي قوله: {وَإذْ يَـمْكُرُ بك الَّذِينَ كَفَرُوا لِـيُثْبِتُوكَ} قال: تشاورت قريش لـيـلة بـمكة، فقال بعضهم: إذا أصبح فأثبتوه بـالوثاق يريدون النبـيّ صلى الله عليه وسلم. وقال بعضهم: بل اقتلوه وقال بعضهم: بل اخرجوه فأطلع الله نبـيه علـى ذلك، فبـات علـيّ رضي الله عنه علـى فراش النبـيّ صلى الله عليه وسلم تلك اللـيـلة، وخرج النبـيّ صلى الله عليه وسلم حتـى لـحق بـالغار، وبـات الـمشركون يحرسون علـيًّا، يحسبون أنه النبـيّ صلى الله عليه وسلم. فلـما أصبحوا ثاروا إلـيه، فلـما رأوه علـيًّا رضي الله عنه، ردّ الله مكرهم، فقالوا: أين صاحبك؟ قال: لا أدري. فـاقتصوا أثره فلـما بلغوا الـجبل ومرّوا بـالغار، رأوا علـى بـابه نسج العنكبوت، قالوا: لو دخـل ههنا لـم يكن نَسْجٌ علـى بـابه فمكث فـيه ثلاثاً.

حدثنـي مـحمد بن الـحسين، قال: ثنا أحمد بن مفضل، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ: {وَإذْ يَـمْكُرُ بك الَّذِينَ كَفَرُوا لِـيُثْبِتُوكَ أوْ يَقْتُلُوكَ أوْ يُخْرِجُوكَ ويَـمْكُرُونَ ويَـمْكُرُ اللّهُ وَاللّهُ خَيْرُ الـمَاكِرِينَ} قال: اجتـمعت مشيخة قريش يتشاورون فـي النبـيّ صلى الله عليه وسلم بعدما أسلـمت الأنصار وفرقوا أن يتعالـى أمره إذا وجد ملـجأ لـجأ إلـيه. فجاء إبلـيس فـي صورة رجل من أهل نـجد، فدخـل معهم فـي دار الندوة فلـما أنكروه قالوا: من أنت؟ فوالله ما كلّ قومنا أعلـمناهم مـجلسنا هذا قال: أنا رجل من أهل نـجد أسمع من حديثكم وأشير علـيكم. فـاستـحيوا فخـلوا عنه. فقال بعضهم: خذوا مـحمداً إذا اصطبح علـى فراشه، فـاجعلوه فـي بـيت نتربص به ريب الـمنون والريب: هو الـموت، والـمنون: هو الدهر قال إبلـيس: بئسما قلت، تـجعلونه فـي بـيت فـيأتـي أصحابه فـيخرجونه فـيكون بـينكم قتال قالوا: صدق الشيخ. قال: أخرجوه من قريتكم قال إبلـيس: بئسما قلت، تـخرجونه من قريتكم وقد أفسد سفهاءكم فـيأتـي قرية أخرى فـيفسد سفهاءهم فـيأتـيكم بـالـخيـل والرجال. قالوا: صدق الشيخ. قال أبو جهل، وكان أولاهم بطاعة إبلـيس: بل نعمد إلـى كلّ بطن من بطون قريش، فنـخرج منهم رجلاً فنعطيهم السلاح، فـيشدّون علـى مـحمد جميعاً فـيضربونه ضربة رجل واحد، فلا يستطيع بنو عبد الـمطلب أن يقتلوا قريشاً، فلـيس لهم إلاَّ الدية. قال إبلـيس: صدق، وهذا الفتـى هو أجودكم رأياً. فقاموا علـى ذلك، وأخبر الله رسوله صلى الله عليه وسلم، فنام علـى الفراش، وجعلوا علـيه العيون. فلـما كان فـي بعض اللـيـل، انطلق هو وأبو بكر إلـى الغار، ونام علـيّ بن أبـي طالب علـى الفراش، فذلك حين يقول الله: {لِـيُثْبِتُوكَ أوْ يَقْتُلُوكَ أوْ يُخْرِجُوكَ} والإثبـات: هو الـحبس والوثاق، وهو قوله:

{ وَإنْ كادُوا لَـيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الأرْضِ لِـيُخْرِجُوكَ مِنْها وَإذَنْ لا يَـلْبَثُونَ خَـلْفَكَ إلاَّ قَلِـيلاً }يقول: يهلكهم. فلـما هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلـى الـمدينة لقـيه عمر، فقال له: ما فعل القوم؟ وهو يرى أنهم قد أهلكوا حين خرج النبـيّ صلى الله عليه وسلم من بـين أظهرهم، وكذلك كان يصنع بـالأمـم، فقال النبـيّ صلى الله عليه وسلم: «أخِّرُوا بـالقِتالِ».

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد: {لِـيُثْبِتُوكَ أوْ يَقْتُلُوكَ} قال: كفـار قريش أرادوا ذلك بـمـحمد صلى الله عليه وسلم قبل أن يخرج من مكة.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد نـحوه.

حدثنـي ابن وكيع، قال: ثنا هانىء بن سعيد، عن حجاج، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد نـحوه إلاَّ أنه قال: فعلوا ذلك بـمـحمد.

حدثنـي مـحمد بن سعد قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس، قوله: {وَإذْ يَـمْكُرُ بك الَّذِينَ كَفَرُوا لِـيُثْبِتُوكَ أوْ يَقْتُلُوكَ...} الآية، هو النبـيّ صلى الله عليه وسلم مكروا به وهو بـمكة.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله: {وَإذْ يَـمْكُرُ بك الَّذِينَ كَفَرُوا لِـيُثْبِتُوكَ...} إلـى آخر الآية، قال: اجتـمعوا فتشاوروا فـي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا: اقتلوا هذا الرجل فقال بعضهم: لا يقتله رجل إلاَّ قُتل به قالوا: خذوه فـاسجنوه واجعلوا علـيه حديداً قالوا: فلا يدعكم أهل بـيته. قالوا: أخرجوه قالوا: إذا يستغويَ الناس علـيكم. قال: وإبلـيس معهم فـي صورة رجل من أهل نـجد. واجتـمع رأيهم أنه إذا جاء يطوف البـيت ويستسلـم أن يجتـمعوا علـيه فَـيَعموه ويقتلوه، فإنه لا يدري أهله من قتله، فـيرضون بـالعقل فنقتله ونستريح ونعقله. فلـما أن جاء يطوف بـالبـيت اجتـمعوا علـيه، فعموه. فأتـى أبو بكر، فقـيـل له ذاك، فأتـى فلـم يجد مدخلاً فلـما أن لـم يجد مدخلاً، قال:

{ أتَقْتُلُونَ رَجُلاً أنْ يَقُولَ رَبِّـي الله وقَدْ جَاءَكُمْ بـالبَـيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ }؟ قال: ثم فرجها الله عنه فلـما أن كان اللـيـل أتاه جبريـل علـيه السلام، فقال: من أصحابك؟ فقال: فلان وفلان وفلان. فقال: لا نـحن أعلـم بهم منك يا مـحمد، هو ناموس لـيـل قال: وأخذ أولئك من مضاجعهم وهم نـيام. فأتـى بهم النبـيّ صلى الله عليه وسلم، فقدم أحدهم إلـى جبريـل، فكحله، ثم أرسله، فقال:ما صُورَتُهُ يا جِبْرِيـلُ؟قال: كفـيته يا نبـيّ الله. ثم قدم آخر فنقر فوق رأسه بعصا نقرة، ثم أرسله فقال:ما صُورَتُهُ يا جِبْرِيـلُ؟فقال: كفـيته يا نبـيّ الله. ثم أتـي بآخر فنقر فـي ركبته، فقال:ما صُورَتُه يا جِبْرِيـلُ؟قال: كفـيته. ثُم أتـي بآخر، فسقاه مذقة، فقال:ما صُورَتُهُ يا جِبْرِيـلُ؟قال: كفـيته يا نبـيّ الله. وأتـي بـالـخامس. فلـما غدا من بـيته مرّ بنبّـال، فتعلق مشقص بردائه فـالتوى، فقطع الأكحل من رجله. وأما الذي كحلت عيناه فأصبح وقد عمي وأما الذي سقـي مذقة فأصبح وقد استسقـى بطنه وأما الذي نقر فوق رأسه فأخذته النقدة والنقدة: قرحة عظيـمة أخذته فـي رأسه وأما الذي طعن فـي ركبته، فأصبح وقد أقعد. فذلك قول الله: {وَإذْ يَـمْكُرُ بك الَّذِينَ كَفَرُوا لِـيُثْبِتُوكَ أوْ يَقْتُلُوكَ أوْ يُخْرِجُوكَ ويَـمْكُرُون ويَـمْكُرُ اللّهُ واللّهُ خَيْرُ الـمَاكِرِينَ}.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن ابن إسحاق، قوله: {ويَـمْكُرُونَ ويَـمْكُرُ اللّهُ وَاللّهُ خَيْرُ الـمَاكِرِينَ}: أي فمكرت لهم بكيدي الـمتـين حتـى خـلصتك منهم.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، عن عكرمة، قوله: {وَإذْ يَـمْكُرُ بك الَّذِينَ كَفَرُوا} قال: هذه مكية. قال ابن جريج: قال مـجاهد: هذه مكية.

فتأويـل الكلام إذن: واذكر يا مـحمد نعمتـي عندك بـمكري بـمن حاول الـمكر بك من مشركي قومك، بإثبـاتك، أو قتلك، أو إخراجك من وطنك، حتـى استنقذتك منهم وأهلكتهم، فـامْضِ لأمري فـي حرب من حاربك من الـمشركين، وتولـى عن إجابة ما أرسلتك به من الدين القـيـم، ولا يرعبنك كثرة عددهم، فإن ربك خير الـماكرين بـمن كفر به وعبد غيره وخالف أمره ونهيه. وقد بـيَّنا معنى الـمكر فـيـما مضى بـما أغنـى عن إعادته فـي هذا الـموضع.

وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ ءَايَٰتُنَا قَالُوا۟ قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَآءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَٰذَآ إِنْ هَٰذَآ إِلَّآ أَسَٰطِيرُ ٱلْأَوَّلِينَ ۝٣١

يقول تعالـى ذكره: وإذا تتلـى علـى هؤلاء الذين كفروا آيات كتاب الله الواضحة لـمن شرح الله صدره لفهمه قالوا جهلاً منهم وعناداً للـحقّ وهم يعلـمون أنهم كاذبون فـي قـيـلهم: {لَوْ نَشآءُ لَقُلْنا مِثْلَ هَذَا} الذي تلـي علـينا، {إنْ هَذَا إلاَّ أساطيرُ الأوَّلِـين}: يعنـي أنهم يقولون ما هذا القرآن الذي يتلـى علـيهم إلاَّ أساطير الأوّلـين. والأساطير: جمع أسطر، وهو جمع الـجمع، لأن واحد الأسطر: سطر، ثم يجمع السطر: أسطر وسطور، ثم يجمع الأسطر: أساطير وأساطر. وقد كان بعض أهل العربـية يقول: واحد الأساطير: أسطورة.

وإنـما عَنى الـمشركون بقولهم: {إنْ هَذَا إلاَّ أساطِيرُ الأَوَّلِـينَ}: إن هذا القرآن الذي تتلوه علـينا يا مـحمد إلاَّ ما سطر الأوّلون وكتبوه من أخبـار الأمـم. كأنهم أضافوه إلـى أنه أخذ عن بنـي آدم، وأنه لـم يوحه الله إلـيه.

وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، قال: قال ابن جريج، قوله: {وَإذَا تُتْلَـى عَلَـيْهِمْ آياتُنا قالُوا قَدْ سَمِعْنا لَوْ نَشاءُ لَقُلْنا مِثْلَ هذَا} قال: كان النضر بن الـحرث يختلف تاجراً إلـى فـارس، فـيـمرّ بـالعبـاد وهم يقرءون الإنـجيـل، ويركعون ويسجدون. فجاء مكة، فوجد مـحمداً صلى الله عليه وسلم قد أنزل علـيه وهو يركع ويسجد، فقال النضر: قد سمعنا، لو نشاء لقلنا مثل هذا للذي سمع من العِبـاد. فنزلت: {وَإذَا تُتْلَـى عَلَـيْهِمْ آياتُنا قالُوا قَدْ سَمِعْنا لَوْ نَشاءُ لَقُلْنا مِثْل هذَا} قال: فقصّ ربنا ما كانوا قالوا بـمكة، وقصّ قولهم:

{ إذْ قالُوا اللَّهُمَّ إنْ كانَ هَذَا هُوَ الـحَقّ مِنْ عِنْدِكَ... } الآية.

حدثنـي مـحمد بن الـحسين، قال: ثنا أحمد بن الـمفضل، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ، قال: كان النضر بن الـحرث بن علقمة أخو بنـي عبد الدار يختلف إلـى الـحيرة، فـيسمع سجع أهلها وكلامهم. فلـما قدم مكة، سمع كلام النبـيّ صلى الله عليه وسلم والقرآن، فقال: {قَدْ سَمِعْنا لَوْ نَشاءُ لَقُلْنا مِثْلَ هَذَا إنْ هَذَا إلاَّ أساطِيرُ الأوَّلِـينَ}: يقول: أساجيع أهل الـحيرة.

حدثنا مـحمد بن بشار، قال: ثنا مـحمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن أبـي بشر، عن سعيد بن جبـير قال: قتل النبـيُّ صلى الله عليه وسلم يوم بدر صبراً: عقبةَ بن أبـي معيط، وطعيـمة بن عديّ، والنضر بن الـحارث وكان الـمقداد أسر النضر، فلـما أمر بقتله قال الـمقداد: يا رسول الله أسيري فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

إنَّهُ كانَ يَقُولُ فِـي كِتابِ اللّهِ ما يَقُولُ. فأمر النبـيّ صلى الله عليه وسلم بقتله. فقال الـمقداد: أسيري فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:اللَّهُمَّ أغْنِ الـمِقْدَاد مِنْ فَضْلِكَفقال الـمقداد: هذا الذي أردت. وفـيه نزلت هذه الآية: {وَإذَا تُتْلـى عَلَـيْهِمْ آياتُنا...} الآية.

حدثنـي يعقوب، قال: ثنا هشيـم، قال: أخبرنا أبو بشر، عن سعيد بن جبـير: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قتل يوم بدر ثلاثة رهط من قريش صبراً الـمطعم بن عديّ، والنضر بن الـحرث، وعقبة بن أبـي معيط. قال: فلـما أمر بقتل النضر، قال الـمقداد بن الأسود: أسيري يا رسول الله قال:

إنَّهُ كانَ يَقُولُ فِـي كِتابِ الله وفِـي رَسُولِهِ ما كانَ يَقُولُ. قال: فقال ذلك مرّتـين أو ثلاثاً، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:اللَّهُمَّ أغْنِ الـمِقْدَادَ مِنْ فَضْلِكَوكان الـمقداد أسر النضر.

وَإِذْ قَالُوا۟ ٱللَّهُمَّ إِن كَانَ هَٰذَا هُوَ ٱلْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ أَوِ ٱئْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ۝٣٢

يقول تعالـى ذكره: واذكر يا مـحمد أيضا ما حلّ بـمن قال: {اللَّهُمَّ إنْ كانَ هَذَا هُوَ الـحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأمْطِرْ عَلَـيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أوِ ائْتِنا بِعَذَابٍ ألِـيـمٍ} إذ مكرت لهم، فأتـيتهم بعذاب ألـيـم. وكان ذلك العذاب: قتلهم بـالسيف يوم بدر. وهذه الآية أيضاً ذكر أنها نزلت فـي النضر بن الـحرث. ذكر من قال ذلك.

حدثنـي يعقوب، قال: ثنا هشيـم، قال: ثنا أبو بشر، عن سعيد بن جبـير، فـي قوله: {وَإذْ قالُوا اللَّهُمَّ إنْ كانَ هَذَا هُوَ الـحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأمْطِرْ عَلَـيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ} قال: نزلت فـي النضر بن الـحرث.

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، قوله: {إنْ كانَ هَذَا هُوَ الـحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ} قال: قول النضر بن الـحرث بن علقمة بن كلدة.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد: {اللَّهُمَّ إنْ كانَ هَذَا هُوَ الـحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ } قول النضر بن الـحرث بن علقمة بن كلدة من بنـي عبد الدار.

قال: أخبرنا إسحاق، قال: أخبرنا عبد الله، عن ورقاء، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، فـي قوله: {إنْ كانَ هَذَا هُوَ الـحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ} قال: هو النضر بن الـحرث بن كلدة.

حدثنا أحمد بن إسحاق، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا طلـحة بن عمرو، عن عطاء، قال: قال رجل من بنـي عبد الدار، يقا له النضر بن كلدة: {اللَّهُمَّ إنْ كانَ هَذَا هُوَ الـحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأمْطِرْ عَلَـيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أوِ ائْتِنا بِعَذَابٍ ألِـيـمٍ} فقال الله:

{ وَقالُوا رَبَّنا عَجِّلْ لَنا قِطَّنا قَبْلَ يَوْمِ الـحِسابِ }وقال: { وَلَقَدْ جِئْتُـمُونا فرَادَى كمَا خَـلَقْناكُمْ أوَّلَ مَرَّةٍ }وقال: { سأَلَ سائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ للْكافِرِينَ }قال عطاء: لقد نزل فـيه بضع عشرة آية من كتاب الله.

حدثنـي مـحمد بن الـحسين، قال: ثنا أحمد بن الـمفضل، قال: ثنا أسبـاط، عن السدي، قال: فقال يعنـي النضر بن الـحرث: اللهمّ إن كان ما يقول مـحمد هو الـحقّ من عندك {فأمطر علـينا حجارة من السماء أوِ ائْتِنا بِعَذَابٍ ألِـيـمٍ} قال الله:

{ سأَلَ سائِلٌ بعَذَابٍ وَاقِعٍ للْكافِرِينَ }

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام، عن عنبسة، عن لـيث، عن مـجاهد، فـي قوله: {إنْ كانَ هَذَا هُوَ الـحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ...} الآية، قال:

{ سأَلَ سائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ للْكافِرِينَ }

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {وَإذْ قالُوا اللَّهُمَّ إنْ كانَ هَذَا هُوَ الـحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ...} الآية، قال: قال ذلك سفهة هذه الأمة وجهَلتها، فعاد الله بعائدته ورحمته علـى سفهة هذه الأمة وجهلتها.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن ابن إسحاق، قال: ثم ذكر غيرة قريش واستفتاحهم علـى أنفسهم، إذ قالوا: {اللَّهُمَّ إنْ كانَ هَذَا هُوَ الـحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ} أي ما جاء به مـحمد، {فَأمْطِرْ عَلَـيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ} كما أمطرتها علـى قوم لوط {أوِ ائْتِنا بِعَذَابٍ ألِـيـمٍ} أي ببعض ما عذّبت به الأمـم قبلنا.

واختلف أهل العربـية فـي وجه دخول «هو» فـي الكلام. فقال بعض البصريـين نصب «الـحق»، لأن «هو» والله أعلـم حوّلت زائدة فـي الكلام صلة توكيد كزيادة «ما»، ولا تزاد إلاَّ فـي كلّ فعل لا يستغنـي عن خبر، ولـيس هو بصفة لهذا، لأنك لو قلت: «رأيت هذا هو» لـم يكن كلاماً، ولا تكون هذه الـمضمرة من صفة الظاهرة، ولكنها تكون من صفة الـمضمرة، نـحو قوله:

{ وَلَكِنْ كانُوا هُمُ الظَّالِـمينَ }و { تـجِدُوهُ عِنْدَ اللّهِ هُوَ خَيراً وَأعْظمَ أجْراً }لأنك تقول: «وجدته هو وإياي» فتكون «هو» صفة. وقد تكون فـي هذا الـمعنى أيضا غير صفة، ولكنها تكون زائدة كما كان فـي الأوّل. وقد تـجري فـي جميع هذا مـجرى الاسم، فـيرفع ما بعدها إن كان بعدها ظاهراً أو مضمراً فـي لغة بنـي تـميـم، يقولون فـي قوله: {إنْ كانَ هَذَا هُوَ الـحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ} { وَلكِنْ كانُوا هُمُ الظَّالِـمينَ }و { تَـجِدُوهُ عِندَ اللّهِ هُوَ خَيْراً وَأعْظَم أجْراً }كما تقول: كانوا آبـاؤهم الظالـمون، جعلوا هذا الـمضمر نـحو «هو» و «هما» و «أنت» زائدا فـي هذا الـمكان. ولـم تـجعل مواضع الصفة، لأنه فصل أراد أن يبـين به أنه لـيس ما بعده صفة لـما قبله، ولـم يحتـج إلـى هذا فـي الـموضع الذي لا يكون له خبر.

وكان بعض الكوفـيـين يقول: لـم تدخـل «هو» التـي هي عماد فـي الكلام إلاَّ لـمعنى صحيح. وقال: كأنه قال: زيد قائم، فقلت أنت: بل عمرو هو القائم فهو لـمعهود الاسم والألف، واللام لـمعهود الفعل التـي هي صلة فـي الكلام مخالفة لـمعنى «هو»، لأن دخولها وخروجها واحد فـي الكلام، ولـيست كذلك هو وأما التـي تدخـل صلة فـي الكلام، فتوكيد شبـيه بقولهم: «وجدته نفسه» تقول ذلك، ولـيست بصفة كالظريف والعاقل.

الجمعة، 6 نوفمبر 2026 26 جمادى الأولى 1448 هـ