انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة الأنفال

تفسير القرطبيالآيات 1–16

تفسير سورة الأنفال آية آية، من تفسير القرطبي.

بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ

يَسْـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلْأَنفَالِ قُلِ ٱلْأَنفَالُ لِلَّهِ وَٱلرَّسُولِ فَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَأَصْلِحُوا۟ ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا۟ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥٓ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ۝١

فيه سبع مسائل:

الأُولى ـ روى عُبادة بن الصّامت قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بَدر فَلَقُوا العدوّ؛ فلما هزمهم الله ٱتبعتهم طائفة من المسلمين يقتلونهم، وأحدقت طائفة برسول الله صلى الله عليه وسلم، واستولت طائفة على العسكر والنهب؛ فلما نفى الله العدوّ ورجع الذين طلبوهم قالوا: لنا النفل، نحن الذين طلبنا العدوّ وبنَا نفاهم الله وهزمهم. وقال الذين أحدقوا برسول الله صلى الله عليه وسلم: ما أنتم أحقّ به منا، بل هو لنا، نحن أحدقنا برسول الله صلى الله عليه وسلم لئلا ينال العدوّ منه غِرة. وقال الذين استلووا على العسكر والنهب: ما أنتم بأحقّ منا، هو لنا، نحن حَوَيْنَاه واستوْلَينا عليه؛ فأنزل الله عز وجل: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلأَنْفَالِ قُلِ ٱلأَنفَالُ للَّهِ وَٱلرَّسُولِ فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَأَصْلِحُواْ ذَاتَ بِيْنِكُمْ وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ}. فقسمه رسول الله صلى الله عليه وسلم عن فُوَاقٍ بينهم. قال أبو عمر: قال أهل العلم بلسان العرب: استَلْوَوْا أطافوا وأحاطوا؛ يقال: الموت مُسْتَلْوٍ على العباد. وقوله: «فقسمه عن فُواق» يعني عن سرعة. قالوا: والفُوَاق ما بين حَلْبَتي الناقة. يقال: انتظره فُواقَ ناقة، أي هذا المقدار. ويقولونها بالضم والفتح: فُواق وفَواق. وكانَ هذا قبل أن ينزل:

{ وَٱعْلَمُوۤا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ للَّهِ خُمُسَهُ } [الأنفال: 41] الآية. وكأنّ المعنى عند العلماء: أي إلى الله وإلى الرسول الحكم فيها والعملُ بها بما يقرّب من الله تعالى. وذكر محمد بن إسحاق قال: حدّثني عبد الرحمن بن الحارث وغيره من أصحابنا عن سليمان بن موسى الأشْدَق عن مكحول عن أبي أمامة الباهليّ قال: سألت عُبادة بن الصّامت عن الأنفال فقال: فينا معشر أصحاب بدرٍ نزلت حين اختلفنا في النّفلَ، وساءت فيه أخلاقنا، فنزعه الله من أيدينا وجعله إلى الرسول، فقسمه رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بَواء. يقول: على السّوَاء. فكان ذلك تقوى الله وطاعة رسوله وصلاح ذات البَيْن. ورُوي في الصحيح عن سعد بن أبي وَقّاص قال: ٱغتنم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم غنيمة عظيمة، فإذا فيها سيف، فأخذتهُ فأتيت به النبيّ صلى الله عليه وسلم فقلت: نَفِّلني هذا السيف، فأنا من قد علمتَ حاله. قال: «ردّه من حيث أخذته» فانطلقت حتى أردت أن ألقيَه في القَبَض لامتني نفسي فرجعت إليه فقلت: أعطنيه. قال: فشدّ لي صوته «ردّه من حيث أخذته» فٱنطلقت حتى أردت أن ألقِيَه في القَبض لامتني نفسي فرجعت إليه فقلت: أعطنيه، قال: فشدّ لي صوته «ردّه من حيث أخذته» فأنزل الله {يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلأَنْفَالِ}. لفظ مسلم. والروايات كثيرة، وفيما ذكرناه كفاية، والله الموفق للهداية.

الثانية ـ الأنفال واحدها نَفَل بتحريك الفاء؛ قال:

إنّ تَقْوَى رَبِّنا خيرُ نَفَلوبإذن الله رَيْثِي والعَجَلْ

أي خير غنيمة. والنَّفْل: اليمين؛ ومنه الحديث فتبرئكم يهود بنَفْل خمسين منهم. والنّفْل الانتفاء؛ ومنه الحديث فٱنتفل من ولدها. والنَّفَل: نبت معروف. والنَّفْل: الزيادة على الواجب، وهو التطوع. وولد الولد نافلة؛ لأنه زيادة على الولد. والغنيمة نافلة؛ لأنها زيادة فيما أحل الله لهذه الأُمة مما كان محرّماً على غيرها. قال صلى الله عليه وسلم: فُضِّلت على الأنبياء بست ـ وفيها ـ وأُحِلَّت لِيَ الغنائم. والأنفال: الغنائم أنفسها. قال عنترة:

إنّا إذا ٱحمر الوَغَى نُروِي القناونَعِفّ عند مقاسم الأنفال

أي الغنائم.

الثالثة ـ وٱختلف العلماء في محل الأنفال على أربعة أقوال: الأول ـ محلها فيما شذ عن الكافرين إلى المسلمين أو أخذ بغير حرب. الثاني ـ محلها الخمس. الثالث ـ خمس الخمس. الرابع ـ رأس الغنيمة؛ حسب ما يراه الإمام. ومذهب مالك رحمه الله أن الأنفال مواهب الإمام من الخمس، على ما يرى من الاجتهاد، وليس في الأربعة الأخماس نفل، وإنما لم ير النفل من رأس الغنيمة لأن أهلها معيَّنون وهم المُوجِفون، والخمس مردود قسمه إلى ٱجتهاد الإمام. وأهلُه غير معيّنين. قال صلى الله عليه وسلم:

مالي مما أفاء الله عليكم إلا الخمس والخمس مردود عليكم. فلم يمكن بعد هذا أن يكون النفل من حق أحد، وإنما يكون من حق رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الخمس. هذا هو المعروف من مذهبه وقد روي عنه أن ذلك من خمس الخمس. وهو قول ابن المسيِّب والشافعيّ وأبي حنيفة. وسبب الخلاف حديثُ ابن عمر، رواه مالك قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سَرِيَّة قِبَل نَجْد فَغنِموا إبلاً كثيرة، وكانت سُهْمانهم ٱثْنَيْ عشر بعيراً أو أحد عشر بعيراً؛ ونُفِّلوا بعِيراً بعيراً. هكذا رواه مالك على الشك في رواية يحيى عنه، وتابعه على ذلك جماعة رواةِ الموطأ إلا الوليد بن مسلم فإنه رواه عن مالك عن نافع عن ابن عمر، فقال فيه: فكانت سُهْمانهم ٱثني عشر بعيراً، ونُفِّلوا بعيراً بعيراً. ولم يشُك. وذكر الوليد بن مسلم والحكم بن نافع عن شعيب بن أبي حمزة عن نافع عن ٱبن عمر قال: بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في جيش قبل نجد ـ في رواية الوليد: أربعة آلاف ـ وٱنبعثت سرية من الجيش ـ في رواية الوليد: فكنت ممن خرج فيها ـ فكان سهمان الجيش ٱثنى عشر بعيراً، اثني عشر بعيراً؛ ونفل أهل السرية بعيراً بعيراً؛ فكان سهمانهم ثلاثة عشر بعيراً؛ ذكره أبو داود. فٱحتج بهذا من يقول إن النَّفل إنما يكون من جملة الخمس. وبيانه أن هذه السرية لو نزّلت على أن أهلها كانوا عشرةً مثلاً أصابوا في غنيمتهم مائة وخمسين، أخرج منها خمسها ثلاثين وصار لهم مائة وعشرون، قُسِّمت على عشرة وجب لكل واحد ٱثنا عشر بعيراً، اثنا عشر بعيراً، ثم أعطى القوم من الخمس بعيراً بعيراً؛ لأن خمس الثلاثين لا يكون فيه عشرة أبعرة. فإذا عرفت ما للعشرة عرفت ما للمائة والألف وأزيد. واحتج من قال: إن ذلك كان من خمس الخمس بأن قال: جائز أن يكون هناك ثياب تباع ومتاع غير الإبل، فأعطى من لم يبلغه البعير قيمة البعير من تلك العُرُوض. ومما يعضد هذا ما روى مسلم في بعض طرق هذا الحديث: فأصبنا إبلاً وغنماً؛ الحديثَ. وذكر محمد ابن إسحاق في هذا الحديث أن الأمير نفّلهم قبل القسم، وهذا يوجب أن يكون النفل من رأس الغنيمة، وهو خلاف قول مالك. وقول من روى خلافه أولى لأنهم حفّاظ؛ قاله أبو عمر رحمه الله. وقال مكحول والأوزاعيّ: لا ينفَّل بأكثر من الثلث؛ وهو قول الجمهور من العلماء. قال الأوزاعيّ: فإن زادهم فَلْيف لهم ويجعل ذلك من الخمس. وقال الشافعيّ: ليس في النَّفَل حدّ لا يتجاوزه الإمام.

الرابعة ـ ودلّ حديث ابن عمر على ما ذكره الوليد والحكَم عن شعيب عن نافع أن السريّة إذا خرجت من العسكر فغَنِمت أن العسكر شركاؤهم. وهذه مسألة وحُكْم لم يذكره في الحديث غير شعيب عن نافع، ولم يختلف العلماء فيه، والحمد لله.

الخامسة ـ واختلف العلماء في الإمام يقول قبل القتال: من هدم كذا من الحِصْن فله كذا، ومن بلغ إلى موضع كذا فله كذا، ومن جاء برأسٍ فله كذا، ومن جاء بأسير فله كذا؛ يُضَرِّيهم. فرُوِي عن مالك أنه كرهه. وقال: هو قتال على الدنيا. وكان لا يجيزه. قال الثَّوْرِيّ: ذلك جائز ولا بأس به.

قلت: وقد جاء هذا المعنى مرفوعاً من حديث ابن عباس قال: لما كان يوم بدر قال النبيّ صلى الله عليه وسلم:

من قتل قتيلاً فله كذا ومن أسر أسيراً فله كذا. الحديث بطوله. وفي رواية عكرمة عنه عن النبيّ صلى الله عليه وسلم: من فعل كذا وكذا وأتى مكان كذا وكذا فله كذا. فتسارع الشُّبان وثبت الشيوخ مع الرايات؛ فلما فُتح لهم جاء الشبان يطلبون ما جُعل لهم فقال لهم الأشياخ: لا تذهبون به دوننا، فقد كنا رِدْءاً لكم؛ فأنزل الله تعالى: {وَأَصْلِحُواْ ذَاتَ بِيْنِكُمْ} ذكره إسماعيل ابن إسحاق أيضاً. ورُوي عن عمر بن الخطاب أنه قال لجرير بن عبد الله البَجَلي لما قدم عليه في قومه وهو يريد الشأم: هل لك أن تأتي الكوفة ولك الثلث بعد الخمس من كل أرض وسَبْي؟. وقال بهذا جماعة فقهاء الشأم: الأُوزاعي ومكحول وابن حَيوَة وغيرهم. ورأُوا الخمس من جملة الغنيمة، والنفل بعد الخمس ثم الغنيمة بين أهل العسكر؛ وبه قال إسحاق وأحمد وأبو عبيد. قال أبو عبيد: والناس اليوم على أن لا نفل من جهة الغنيمة حتى تخمس. وقال مالك: لا يجوز أن يقول الإمام لسَرِيّة؛ ما أخذتم فلكم ثلثه. قال سُحْنُون: يريد ابتداء. فإن نزل مضى، ولهم أنصباؤهم في الباقي. وقال سحنون: إذا قال الإمام لسَرِيّة ما أخذتم فلا خمس عليكم فيه؛ فهذا لا يجوز، فإن نزل رددته، لأن هذا حكم شاذّ لا يجوز ولا يمضي.

السادسة ـ واستحب مالك رحمه الله ألاّ ينفّل الإمام إلا ما يظهر كالعمامة والفرس والسيف. ومنع بعض العلماء أن ينفل الإمام ذهباً أو فضة أو لؤلؤاً ونحوه. وقال بعضهم: النفل جائز من كل شيء. وهو الصحيح لقول عمر ومقتضى الآية، والله أعلم.

السابعة ـ قوله تعالىٰ: {فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَأَصْلِحُواْ ذَاتَ بِيْنِكُمْ} أمر بالتقوىٰ والإصلاح، أي كونوا مجتمعين على أمر الله في الدعاء: اللَّهُمَّ أصلح ذات البَيْن، أي الحال التي يقع بها الاجتماع. فدل هذا على التصريح بأنه شَجَر بينهم اختلاف. أو مالت النفوس إلى التّشاحّ؛ كما هو منصوص في الحديث. وتقدّم معنىٰ التقوىٰ، أي ٱتقوا الله في أقوالكم، وأفعالكم، وأصلحوا ذات بينكم. {وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ} في الغنائم ونحوها. {إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} أي إن سبيل المؤمن أن يمتثل ما ذكرنا. وقيل: «إنْ» بمعنىٰ «إذْ».

إِنَّمَا ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ ٱللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ ءَايَٰتُهُۥ زَادَتْهُمْ إِيمَٰنًا وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ۝٢ ٱلَّذِينَ يُقِيمُونَ ٱلصَّلَوٰةَ وَمِمَّا رَزَقْنَٰهُمْ يُنفِقُونَ ۝٣ أُو۟لَٰٓئِكَ هُمُ ٱلْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَّهُمْ دَرَجَٰتٌ عِندَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ ۝٤

قوله تعالىٰ: {إِنَّمَا ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ ٱللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ}.

فيه ثلاث مسائل:

الأولى ـ قال العلماء: هذه الآية تحريض على إلزام طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم فيما أمر به من قسمة تلك الغنيمة. والوجل: الخوف. وفي مستقبله أربع لغات: وَجِل يَوْجل ويَاجَل ويَيْجَل ويِيْجل، حكاه سيبويه. والمصدر وَجِل وَجَلا ومَوْجلاً؛ بالفتح. وهذا مَوْجِله (بالكسر) للموضع والاسم. فمن قال: يا جَل في المستقبل جعل الواو ألفاً لفتحة ما قبلها. ولغة القرآن الواو

{ قَالُواْ لاَ تَوْجَلْ } [الحجر: 53]. ومن قال: «يِيجل» بكسر الياء فهي على لغة بني أسد، فإنهم يقولون: أنا إيجل، ونحن نِيجل، وأنت تِيجل؛ كلها بالكسر. ومن قال: «يَيْجل» بناه على هذه اللغة، ولكنه فتح الياء كما فتحوها في يعلم، ولم تكسر الياء في يعلم لاستثقالهم الكسر على الياء. وكسرت في «ييجل» لتقوِّي إحدىٰ الياءين بالأُخرىٰ. والأمر منه «إيجَلْ» صارت الواو ياء لكسرة ما قبلها. وتقول: إنِّي منه لأَوْجَل. ولا يقال في المؤنث: وَجْلاء: ولكن وَجِلة. وروى سفيان عن السدّي في قوله جل وعز: {ٱلَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ ٱللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ} قال: إذا أراد أن يظلم مظلمة قيل له: ٱتق الله، كَفّ ووَجِل قلبه.

الثانية ـ وصف الله تعالىٰ المؤمنين في هذه الآية بالخوف والوَجَل عند ذكره. وذلك لقوة إيمانهم ومراعاتهم لربهم، وكأنهم بين يديه. ونظير هذه الآية

{ وَبَشِّرِ ٱلْمُخْبِتِينَ ٱلَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ ٱللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ } [الحج: 35]. وقال: {وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ ٱللَّهِ}. فهذا يرجع إلى كمال المعرفة وثقة القلب. والوَجَل: الفزع من عذاب الله؛ فلا تناقض. وقد جمع الله بين المعنيين في قوله: { ٱللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ ٱلْحَدِيثِ كِتَاباً مُّتَشَابِهاً مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ ٱلَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَىٰ ذِكْرِ ٱللَّهِ } [الزمر: 23]. أي تسكن نفوسهم من حيث اليقين إلى الله وإن كانوا يخافون الله. فهذه حالة العارفين بالله، الخائفين من سطوته وعقوبته؛ لا كما يفعله جهال العوامّ والمبتدعة الطَّغَام من الزّعيق والزّئير ومن النُّهاق الذي يشبه نُهاق الحمير. فيقال لمن تعاطىٰ ذلك وزعم أن ذلك وَجْدٌ وخشوع: لم تبلغ أن تساوي حال الرسول ولا حال أصحابه في المعرفة بالله، والخوف منه، والتعظيم لجلاله؛ ومع ذلك فكانت حالهم عند المواعظ الفهم عن الله والبكاء خوفاً من الله. ولذلك وصف الله أحوال أهل المعرفة عند سماع ذكره وتلاوة كتابه فقال: { وَإِذَا سَمِعُواْ مَآ أُنزِلَ إِلَى ٱلرَّسُولِ تَرَىۤ أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ ٱلدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُواْ مِنَ ٱلْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَآ آمَنَّا فَٱكْتُبْنَا مَعَ ٱلشَّاهِدِينَ } [المائدة: 83]. فهذا وصف حالهم وحكاية مقالهم. ومن لم يكن كذلك فليس على هديهم ولا على طريقتهم؛ فمن كان مُسْتَنَّاً فليستَنّ، ومن تعاطىٰ أحوال المجانين والجُنُون فهو من أخسّهم حالاً؛ والجنون فنون. روى مسلم عن أنس بن مالك أن الناس سألوا النبيّ صلى الله عليه وسلم حتى أَحْفَوْه في المسألة، فخرج ذات يوم فصعد المنبْر فقال: سَلُوني لا تسألوني عن شيء إلا بينته لكم ما دمتُ في مقامي هذا. فلما سمع ذلك القومُ أرَمُّوا ورهِبوا أن يكون بين (يَدَيْ) أمرٍ قد حضر. قال أنس: فجعلت ألتفت يميناً وشمالاً فإذا كل إنسان لافٌّ رأسه في ثوبه يبكي. وذكر الحديث. وروى الترمذي وصححه عن العِرْباض بن سارِيَة قال: وعظنا رسول الله صلى الله عليه وسلم موعظة بليغة ذَرَفت منها العيون، وَوجِلت منها القلوب. الحديث. ولم يقل: زَعَقْنا ولا رَقَصْنا ولا زَفَنّا ولا قُمنا.

الثالثة ـ قوله تعالىٰ: {وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً} أي تصديقاً. فإن إيمان هذه الساعة زيادةٌ على إيمان أمس؛ فمن صدّق ثانياً وثالثاً فهو زيادة تصديق بالنسبة إلى ما تقدّم. وقيل: هو زيادة ٱنشراح الصدر بكثرة الآيات والأدلة؛ وقد مضىٰ هذا المعنىٰ في «آل عمران». {وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ} تقدّم معنىٰ التوكل في «آل عمران» أيضاً. {ٱلَّذِينَ يُقِيمُونَ ٱلصَّلاَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ} تقدّم في أوّل سورة «البقرة». {أُوْلۤـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُؤْمِنُونَ حَقّاً} أي الذي ٱستوىٰ في الإيمان ظاهرُهم وباطنهم. ودلّ هذا على أن لكل حق حقيقة؛

وقد قال عليه السلام لحارثة: «إن لكل حق حقيقة فما حقيقة إيمانك»؟ الحديث. وسأل رجل الحسن فقال: يا أبا سعيد؛ أمؤمن أنت؟ فقال له: الإيمان إيمانان، فإن كنت تسألني عن الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله والجنة والنار والبعث والحساب فأنا به مؤمن. وإن كنت تسألني عن قول الله تبارك وتعالىٰ: {إِنَّمَا ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ ٱللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ} ـ إلى قوله ـ {أُوْلۤـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُؤْمِنُونَ حَقّاً} فوالله ما أدري أنا منهم أم لا. وقال أبو بكر الواسِطِيّ: من قال أنا مؤمن بالله حقاً؛ قيل له: الحقيقة تشير إلى إشراف وٱطلاع وإحاطة؛ فمن فقده بطل دعواه فيها. يريد بذلك ما قاله أهل السنة: إنّ المؤمن الحقيقي من كان محكوماً له بالجنة، فمن لم يعلم ذلك من سرّ حكمته تعالىٰ فدعواه بأنه مؤمن حقاً غير صحيح.

كَمَآ أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنۢ بَيْتِكَ بِٱلْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ لَكَٰرِهُونَ ۝٥

قوله تعالىٰ: {كَمَآ أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكَ بِٱلْحَقِّ} قال الزجاج: الكاف في موضع نصب؛ أي الأنفال ثابتة لك كما أخرجك ربك من بيتك بالحق. أي مثل إخراجك ربك من بيتك بالحق. والمعنىٰ: امضِ لأمرك في الغنائم ونَفِّل من شئت وإن كرهوا؛ لأن بعض الصحابة قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم حين جعل لكل من أتىٰ بأسير شيئاً قال: يبقىٰ أكثر الناس بغير شيء. فموضع الكاف في «كما» نَصْبٌ كما ذكرنا. وقاله الفرّاء أيضاً. قال أبو عبيدة: هو قَسَم، أي والذي أخرجك؛ فالكاف بمعنىٰ الواو، وما بمعنىٰ الذي. وقال سعيد بن مَسْعَدة: المعنىٰ أولئك هم المؤمنون حقاً كما أخرجك ربك من بيتك بالحق. قال: وقال بعض العلماء {كَمَآ أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكَ بِٱلْحَقِّ} فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بيْنِكُمْ. وقال عكرمة: المعنىٰ أطيعوا الله ورسوله كما أخرجك. وقيل: «كَمَا أَخْرَجَكَ» متعلّق بقوله «لَهُمْ دَرَجَاتٌ» المعنىٰ: لهم درجات عند ربهم ومغفرة ورزق كريم. أي هذا الوعد للمؤمنين حق في الآخرة كما أخرجك ربك من بيتك بالحق الواجب له؛ فأنجزك وعدك وأظفرك بعدوّك وأوْفىٰ لك؛ لأنه قال عز وجل: {وَإِذْ يَعِدُكُمُ ٱللَّهُ إِحْدَى ٱلطَّائِفَتِيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ}. فكما أنجز هذا الوعد في الدنيا كذا يُنْجزكم ما وعدكم به في الآخرة. وهذا قول حسن ذكره النحاس واختاره. وقيل: الكاف في «كما» كافُ التشبيه، ومخرجه على سبيل المجازاة؛ كقول القائل لعبده: كما وجّهتك إلى أعدائي فٱستضعفوك وسألت مَدَداً فأمددتك وقويتك وأزحت علتك، فخذهم الآن فعاقبهم بكذا. وكما كسوتك وأجريت عليك الرزق فاعمل كذا وكذا. وكما أحسنت إليك فٱشكرني عليه. فقال: كما أخرجك ربك من بيتك بالحق وغَشّاكم النُّعاس أَمَنَةً منه ـ يعني به إياه ومن معه ـ وأنزل من السماء ماء ليطهركم به، وأنزل عليكم من السماء ملائكة مُرْدِفين؛ فاضربوا فوق الأعناق وٱضربوا منهم كل بنان. كأنه يقول: قد أزحت عِلَلَكم، وأمددتكم بالملائكة فاضربوا منهم هذه المواضع، وهو المَقْتَل؛ لتبلغوا مراد الله في إحقاق الحق وإبطال الباطل. والله أعلم. {وَإِنَّ فَرِيقاً مِّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ} أي لكارهون ترك مكة وترك أموالهم وديارهم.

يُجَٰدِلُونَكَ فِى ٱلْحَقِّ بَعْدَ مَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى ٱلْمَوْتِ وَهُمْ يَنظُرُونَ ۝٦

قوله تعالىٰ: {يُجَادِلُونَكَ فِي ٱلْحَقِّ بَعْدَمَا تَبَيَّنَ} مجادلتهم: قولهم لما ندبهم إلى العِير وفات العِير وأمرهم بالقتال ولم يكن معهم كبير أُهْبَة شقّ ذلك عليهم وقالوا: لو أخبرتنا بالقتال لأخذنا العدّة. ومعنىٰ «فِي الْحَقِّ» أي في القتال. «بَعْدَ مَا تَبَيَّنَ» لهم أنك لا تأمر بشيء إلا بإذن الله. وقيل: بعد ما تبيّن لهم أن الله وعدهم إما الظَّفَر بالعِير أو بأهل مكة، وإذ فات العير فلا بدّ من أهل مكة والظَّفَر بهم. فعمنى الكلام الإنكارُ لمجادلتهم. {كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى ٱلْمَوْتِ} كراهة للقاء القوم. {وَهُمْ يَنظُرُونَ} أي يعلمون أن ذلك واقع بهم؛ قال الله تعالىٰ:

{ يَوْمَ يَنظُرُ ٱلْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ } [النبأ: 40] أي يعلم.

وَإِذْ يَعِدُكُمُ ٱللَّهُ إِحْدَى ٱلطَّآئِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ ٱلشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُحِقَّ ٱلْحَقَّ بِكَلِمَٰتِهِۦ وَيَقْطَعَ دَابِرَ ٱلْكَٰفِرِينَ ۝٧ لِيُحِقَّ ٱلْحَقَّ وَيُبْطِلَ ٱلْبَٰطِلَ وَلَوْ كَرِهَ ٱلْمُجْرِمُونَ ۝٨

قوله تعالىٰ: {وَإِذْ يَعِدُكُمُ ٱللَّهُ إِحْدَى ٱلطَّائِفَتِيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ} «إحْدَىٰ» في موضع نصب مفعول ثان. «أَنَّهَا لَكُمْ» في موضع نصب أيضاً بدلاً من «إحدىٰ». {وَتَوَدُّونَ} أي تحبون. {أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ ٱلشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ} قال أبو عبيدة: أي غير ذات الحدّ. والشوكة: السلاح. والشوْك: النبت الذي له حَدٌّ. ومنه رجل شائِك السلاح، أي حديد السلاح. ثم يقلب فيقال: شاكِي السلاحِ. أي تودّون أن تظفروا بالطائفة التي ليس معها سلاح ولا فيها حرب؛ عن الزجاج. {وَيُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُحِقَّ الحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ} أي أن يظهر الإسلام. والحَقُّ حَقٌّ أبداً، ولكن إظهاره تحقيق له من حيث إنه إذا لم يظهر أشبه الباطل. «بِكَلِمَاتِهِ» أي بوعده؛ فإنه وعد نبيَّه ذلك في سورة «الدّخان» فقال:

{ يَوْمَ نَبْطِشُ ٱلْبَطْشَةَ ٱلْكُبْرَىٰ إِنَّا مُنتَقِمُونَ } [الدخان: 16] أي من أبي جهل وأصحابه. وقال: { لِيُظْهِرَهُ عَلَى ٱلدِّينِ كُلِّهِ } [التوبة: 33 والفتح: 28]. وقيل: «بِكَلِمَاتِه» أي بأمره؛ إياكم أن تجاهدوهم. {وَيَقْطَعَ دَابِرَ ٱلْكَافِرِينَ} أي يستأصلهم بالهلاك. {لِيُحِقَّ ٱلْحَقَّ} أي يظهر دين الإسلام ويُعزّه. {وَيُبْطِلَ ٱلْبَاطِلَ} أي الكفر. وإبطاله إعدامه؛ كما أن إحقاق الحق إظهارُه { بَلْ نَقْذِفُ بِٱلْحَقِّ عَلَى ٱلْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ } [الأنبياء: 18]. {وَلَوْ كَرِهَ ٱلْمُجْرِمُونَ}.

إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَٱسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّى مُمِدُّكُم بِأَلْفٍ مِّنَ ٱلْمَلَٰٓئِكَةِ مُرْدِفِينَ ۝٩ وَمَا جَعَلَهُ ٱللَّهُ إِلَّا بُشْرَىٰ وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِۦ قُلُوبُكُمْ وَمَا ٱلنَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِندِ ٱللَّهِ إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ۝١٠

قوله تعالىٰ: {إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ} الاستغاثة: طلب الغَوْث والنَّصر. غوّث الرجل قال: واغوثاه. والاسم الغَوْث والغُوَاث والغَوَاث. واستغاثني فلان فأغثته؛ والاسم الغِياث؛ عن الجوهري. وروى مسلم عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال:

لما كان يوم بدر نظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المشركين وهم ألف وأصحابه ثلاثمائة وسبعة عشر رجلاً؛ فاستقبل نبيّ الله صلى الله عليه وسلم القِبلة، ثم مدّ يديه، فجعل يهتف بربه: «اللهم أنجز لي ما وعدتني. اللهم ٱئتني ما وعدتني. اللهم إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام لا تعبد في الأرض». فما زال يهتف بربه مادّاً يديه مستقبل القبلة حتى سقط رداؤه عن منكِبيه. فأتاه أبو بكر فأخذ رداءه فألقاه على منكبيه، ثم التزمه من ورائه وقال: يا نبيّ الله، كفاك مناشدتك ربك، فإنه سينجز لك ما وعدك. فأنزل الله تعالىٰ: {إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَٱسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِّنَ ٱلْمَلاۤئِكَةِ مُرْدِفِينَ} فأمدّه الله بالملائكة. وذكر الحديث. {مُرْدِفِينَ} بفتح الدال قراءة نافع. والباقون بالكسر اسم فاعل، أي متتابعين، تأتي فرقة بعد فرقة، وذلك أهْيب في العيون. و «مُرْدَفين» بفتح الدال على ما لم يسم فاعله؛ لأن الناس الذين قاتلوا يوم بدر أردفوا بألف من الملائكة، أي أنزلوا إليهم لمعونتهم على الكفار. فمردَفين بفتح الدال نعت لألف. وقيل: هو حال من الضمير المنصوب في «مُمِدُّكُم». أي ممدّكم في حال إردافكم بألف من الملائكة؛ وهذا مذهب مجاهد. وحكى أبو عبيدة أنّ رَدِفني وأردفني واحد. وأنكر أبو عبيدة أن يكون أردف بمعنىٰ ردِف؛ قال لقول الله عز وجل: { تَتْبَعُهَا ٱلرَّادِفَةُ } [النازعات: 7] ولم يقل المُردِفَةُ. قال النحاس ومَكِّيّ وغيرهما: وقراءة كسر الدال أوْلىٰ؛ لأن أهل التأويل على هذه القراءة يفسرون. أي أردف بعضهم بعضاً، ولأن فيها معنىٰ الفتح على ما حكى أبو عبيدة، ولأن عليه أكثر القراء. قال سيبويه: وقرأ بعضهم «مُرَدِّفين» بفتح الراء وشدّ الدال. وبعضهم «مُرِدِّفين» بكسر الراء. وبعضهم «مُرُدِّفين» بضم الراء. والدال مكسورة مشدّدة في القراءات الثلاث. فالقراءة الأولىٰ تقديرها عند سيبويه مرتدفين، ثم أدغم التاء في الدال، وألقىٰ حركتها على الراء لئلا يلتقي ساكنان. والثانية كسرت فيها الراء لالتقاء الساكنين. وضمت الراء في الثالثة إتباعاً لضمة الميم؛ كما تقول: ردّ وردّ ورِدّ يا هذا. وقرأ جعفر بن محمد وعاصم الجحدريّ: «بآلف» جمع ألف؛ مثل فلس وأفلس. وعنهما أيضاً «بألف». وقد مضىٰ في «آل عمران» ذكر نزول الملائكة وسيماهم وقتالهم. وتقدّم فيها القول في معنىٰ قوله: { وَمَا جَعَلَهُ ٱللَّهُ إِلاَّ بُشْرَىٰ } [آل عمران: 126]. والمراد الإمداد. ويجوز أن يكون الإرداف. {وَمَا ٱلنَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ} نبه على أن النصر من عنده جل وعز لا من الملائكة، أي لولا نصره لما انتفع بكثرة العدد بالملائكة. والنصر من عند الله يكون بالسيف ويكون بالحجة.

إِذْ يُغَشِّيكُمُ ٱلنُّعَاسَ أَمَنَةً مِّنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً لِّيُطَهِّرَكُم بِهِۦ وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ ٱلشَّيْطَٰنِ وَلِيَرْبِطَ عَلَىٰ قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ ٱلْأَقْدَامَ ۝١١

قوله تعالىٰ: {إِذْ يُغَشِّيكُمُ ٱلنُّعَاسَ} مفعولان. وهي قراءة أهل المدينة، وهي حسنة لإضافة الفعل إلى الله عز وجل لتقدم ذكره في قوله: {وَمَا ٱلنَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ} ولأن بعده «وَيُنَزِّلُ عَليْكُمْ» فأضاف الفعل إلى الله عز وجل. فكذلك الإغشاء يضاف إلى الله عز وجل ليتشاكل الكلام. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو «يَغْشَاكُمُ النَّعاسُ» بإضافة الفعل إلى النعاس. دليله

{ أَمَنَةً نُّعَاساً يَغْشَىٰ } [آل عمران: 154] في قراءة من قرأ بالياء أو بالتاء؛ فأضاف الفعل إلى النعاس أو إلى الأمَنَة. والأمنة هي النعاس؛ فأخبر أن النعاس هو الذي يغشى القوم. وقرأ الباقون «يُغَشِّيكم» بفتح الغين وشد الشين. «النعاس» بالنصب على معنىٰ قراءة نافع، لغتان بمعنىٰ غَشّىٰ وأَغْشَىٰ؛ قال الله تعالىٰ: { فَأغْشَيْنَاهُمْ } [يسۤ: 9]. وقال: { فَغَشَّاهَا مَا غَشَّىٰ }[النجم: 54]. وقال: { كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ } [يونس: 27]. قال مكيّ: والاخيتار ضم الياء والتشديد ونصب النعاس؛ لأن بعده «أَمَنَةً مِنْهُ» والهاء في «منه» لله، فهو الذي يغشيهم النعاس، ولأن الأكثر عليه. وقيل: أمنة من العدو. و {أَمَنَةً} مفعول من أجله أو مصدر، يقال: أمِن أمَنَة وأمنْا وأمَانا؛ كلها سواء. والنعاس حالة الآمن الذي لا يخاف. وكان هذا النعاس في الليلة التي كان القتال من غدها؛ فكان النوم عجيباً مع ما كان بين أيديهم من الأمر المهِمِّ، ولكن الله ربط جأشهم. وعن عليّ رضي الله عنه قال: ما كان فينا فارس يوم بدر غير المِقْدَادَ على فرس أبْلَقَ، ولقد رأيتنا وما فينا إلا نائم إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم تحت شجرة يصلي ويبكي حتى أصبح؛ ذكره البيهقي. الماوردِيّ: وفي امتنان الله عليهم بالنوم في هذه الليلة وجهان: أحدهما أن قوّاهم بالاستراحة على القتال من الغد. الثاني أن أمَّنَهم بزوال الرعب من قلوبهم؛ كما يقال: الأمنُ مُنِيم، والخوف مُسْهِر. وقيل: غشّاهم في حال التقاء الصفين. وقد مضىٰ مثل هذا في يوم أُحُد في «آل عمران».

قوله تعالىٰ: {وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّن ٱلسَّمَآءِ مَآءً لِّيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ ٱلشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَىٰ قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ ٱلأَقْدَامَ} ظاهر القرآن يدل على أن النعاس كان قبل المطر. وقال ابن أبي نَجِيح: كان المطر قبل النعاس. وحكى الزجاج: أن الكفار يوم بدر سبقوا المؤمنين إلى ماء بدر فنزلوا عليه، وبقي المؤمنون لا ماء لهم، فوجست نفوسهم وعطِشوا وأجنبوا وصلّوا كذلك؛ فقال بعضهم في نفوسهم بإلقاء الشيطان إليهم: نزعم أنا أولياء الله وفينا رسوله وحالنا هذه والمشركون على الماء. فأنزل الله المطر ليلة بدر السابعة عشرة من رمضان حتى سالت الأودية؛ فشربوا وتطهروا وسقوا الظَّهْر وتلبدَّت السبخة التي كانت بينهم وبين المشركين حتى ثبتت فيها أقدام المسلمين وقت القتال. وقد قيل: إن هذه الأحوال كانت قبل وصولهم إلى بَدْر؛ وهو أصَحَّ، وهو الذي ذكره ابن إسحاق في سيرته وغيره. وهذا اختصاره: قال ٱبن عباس لما أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم بأبي سفيان أنه مقبل من الشأم ندب المسلمين إليهم وقال:

هذه عِير قريش فيها الأموال فٱخرجوا إليهم لعل الله أن يُنَفّلكموها قال: فانبعث معه من خفّ؛ وثقل قوم وكرِهوا الخروج، وأسرع رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يَلْوِي على من تعذّر، ولا ينتظر من غاب ظهره، فسار في ثلثمائة وثلاثة عشر من أصحابه من مهاجِريّ وأنصاريّ. وفي البخاريّ عن البراء بن عازب قال: كان المهاجرون يوم بدر نيفاً وثمانين، وكان الأنصار نيفاً وأربعين ومائتين. وخرج أيضاً عنه قال: كنا نتحدّث أن أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم كانوا ثلثمائة وبضعة عشر، على عدد أصحاب طالوت الذين جاوزوا معه النهر، وما جاوز معه إلا مؤمن. وذكر البيهقِيّ عن أبي أيوب الأنصاري قال: فخرجنا ـ يعني إلى بدر ـ فلما سِرنا يوماً أو يومين أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نتعادّ، ففعلنا فإذا نحن ثلثمائة وثلاثة عشر رجلاً، فأخبرنا النبيّ صلى الله عليه وسلم بعدّتنا، فسرّ بذلك وحمِد الله وقال: «عِدّة أصحاب طالوت». قال ٱبن إسحاق: وقد ظن الناس بأجمعهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يَلْقَى حَرْباً فلم يكثر ٱستعدادهم. وكان أبو سفيان حين دنا من الحجاز يتجسس الأخبار ويسأل من لقي من الركبان تخوّفاً على أموال الناس، حتى أصاب خبراً من بعض الركبان أن محمداً رسول الله صلى الله عليه وسلم قد ٱستنفر لكم الناس؛ فحذِر عند ذلك واستأجر ضَمْضَم بن عمرو الغِفارِيّ وبعثه إلى مكة، وأمره أن يأتِي قريشاً يستنفرهم إلى أموالهم ويخبرهم أن محمداً صلى الله عليه وسلم قد عرض لها في أصحابه؛ ففعل ضَمْضَمَ. فخرج أهل مكة في ألف رجل أو نحو ذلك، وخرج النبيّ صلى الله عليه وسلم في أصحابه، وأتاه الخبر عن قريش بخروجهم ليمنعوا عِيرهم؛ فاستشار النبيّ صلى الله عليه وسلم الناس، فقام أبو بكر فقال فأحسن، وقام عمر فقال فأحسن، ثم قام المِقداد بن عمرو فقال: يا رسول الله، ٱمض لما أمرك الله، فنحن معك، واللَّهِ لا نقول كما قالت بنو إسرائيل {فَٱذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلاۤ إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ} [المائدة: 24] ولكن ٱذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكم مقاتلون، والذي بعثك بالحق لو سِرت إلى برك الغِماد ـ يعني مدينة الحبشة ـ لجالدنا معك من دونه؛ فسر بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم ودعا له بخير. ثم قال: «أشيروا عليّ أيها الناس» يريد الأنصار. وذلك أنهم عدد الناس، وكانوا حين بايعوه بالعقبة قالوا: يا رسول، إنا برآء من ذِمامك حتى تصِل إلى ديارنا، فإذا وصلت إلينا فأنت في ذِممنا، نمنعك مما نمنع منه أنفسنا وأبناءنا ونساءنا. فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتخوّف ألا تكون الأنصار ترى أن عليها نصرته إلا بالمدينة، وأنه ليس عليهم أن يسير بهم إلى عدوّ بغير بلادهم. فلما قال ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم كلمه سعد بن معاذ ـ وقيل سعد بن عبادة، ويمكن أنهما تكلما جميعاً في ذلك اليوم ـ فقال: يا رسول الله، كأنك تريدنا معشر الأنصار؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أجل» فقال: إنا قد آمنا بك وٱتبعناك، فٱمض لما أمرك الله، فوالذي بعثك بالحق لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «امضوا على بركة الله فكأني أنظر إلى مصارع القوم». فمضى رسول الله صلى الله عليه وسلم وسبق قريشاً إلى ماء بدر. ومنع قريشاً من السبق إليه مطر عظيم أنزله الله عليهم، ولم يصب منه المسلمين إلا ما شدّ لهم دَهْس الوادي وأعانهم على المسير. والدّهس: الرمل اللين الذي تسوخ فيه الأرجل. فنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم على أدنى ماء من مياه بدر إلى المدينة، فأشار عليه الحُبَاب بن المنذر بن عمرو بن الجموح بغير ذلك وقال له: يا رسول الله، أرأيت هذا المنزل، أمنزلاً أنزلكه الله فليس لنا أن نتقدّمه أو نتأخر عنه، أم هو الرأي والحرب والمكِيدة؟ فقال عليه السلام: «بل هو الرأي والحرب والمكيدة». فقال: يا رسول الله، إن هذا ليس لك بمنزل، فانهض بنا إلى أدنى ماء من القوم فننزله ونعوِّر ما وراءه من القُلُب، ثم نبني عليه حوضاً فنملأه فنشرب ولا يشربون. فاستحسن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك من رأيه، وفعله. ثم التقوا فنصر الله نبيه والمسلمين، فقتل من المشركين سبعين وأسر منهم سبعين، وانتقم منهم للمؤمنين، وشفى الله صدر رسوله عليه السلام وصدور أصحابه من غيظهم. وفي ذلك يقول حسان:

عرفتُ ديار زينب بالكثِيبكخطّ الوحي في الورَق القشِيبِ تداولُها الرياح وكلّ جَوْنٍمن الوَسْمِيّ منهمِرٍ سَكُوبِ فأمسى رُبْعها خلقاً وأمستيبابا بعد ساكنها الحبيب فدع عنك التذكّر كلّ يومورُدّ حرارة الصدر الكئيب وخبِّرْ بالذي لا عيب فيهبِصدق غيرِ إخبارِ الكذوبِ بما صنع الإلۤه غداة بدرٍلنا في المشركين من النصيب غداة كأن جمعهم حِراءٌبدت أركانه جُنْحَ الغروب فلاقيناهمُ منّا بجمعكأسد الغاب مردانٍ وشِيبِ أمام محمد قد وازَرُوهعلى الأعداء في لَفْح الحروب بأيديهم صوارِم مرهفاتوكلّ مجربٍ خاظِي الكُعُوب بنو الأوسِ الغطارِفُ وازرتْهابنو النجار في الدِّين الصليب فغادرْنا أبا جهل صرِيعاوعتبةَ قد تركنا بالجَبُوب وشيبةَ قد تركنا في رجالذوِي نسب إذا نسِبوا حسيبِ يناديهم رسول الله لماقذفناهم كَباكِبَ في القلِيب ألم تجِدوا كلامِيَ كان حقاوأمرُ اللَّه يأخذ بالقلوب فما نطقوا، ولو نطقوا لقالواأُصبتَ وكنتَ ذا رأي مصيب

وهنا ثلاث مسائل:

الأُولى: قال مالك: بلغني

أن جبريل عليه السلام قال للنبيّ صلى الله عليه وسلم: «كيف أهل بدر فيكم»؟ قال: «خيارنا» فقال: «إنهم كذلك فينا». فدل هذا على أن شرف المخلوقات ليس بالذوات، وإنما هو بالأفعال. فللملائكة أفعالها الشريفة من المواظبة على التسبيح الدائم. ولنا أفعالنا بالإخلاص بالطاعة. وتتفاضل الطاعات بتفضيل الشرع لها، وأفضلها الجهاد، وأفضل الجهاد يوم بدرٍ؛ لأن بناء الإسلام كان عليه.

الثانية: ودل خروج النبيّ صلى الله عليه وسلم ليلقى العِير على جواز النفِير للغنيمة لأنها كسب حلال. وهو يردّ ما كرِه مالك من ذلك؛ إذ قال: ذلك قتال على الدنيا، وما جاء أن من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله دون من يقاتل للغنيمة، يراد به إذا كان قصده وحده وليس للدين فيه حظ. وروى عِكرمة عن ابن عباس قال:

قالوا للنبيّ صلى الله عليه وسلم حين فرغ من بدر: عليك بالعير، ليس دونها شيء. فناداه العباس وهو في الأسْرى: لا يصلح هذا. فقال له النبيّ صلى الله عليه وسلم: «ولِم»؟ قال: لأن الله وعدك إحدى الطائفتين، وقد أعطاك الله ما وعدك. فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم: «صدقت». وعلم ذلك العباس بحديث أصحاب النبيّ صلى الله عليه وسلم وبما كان من شأن بَدْر، فسمع ذلك في أثناء الحديث.

الثالثة: روى مسلم عن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ترك قتلى بدر ثلاثاً، ثم قام عليهم فناداهم فقال:

«يا أبا جهل بن هشام يا أُمية بن خلف يا عتبة بن ربيعة يا شيبة بن ربيعة أليس قد وجدتم ما وعد ربكم حقاً فإني قد وجدت ما وعدني ربي حقاً». فسمع عمر قول النبيّ صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، كيف يسمعون، وأنى يجيبون وقد جَيَّفُوا؟ قال: «والذي نفسي بيده ما أنتم بأسمع لما أقول منهم ولكنهم لا يقدرون أن يجِيبوا». ثم أمر بهم فسُحِبوا فألقوا في القلِيب، قلِيب بدر. «جيفوا» بفتح الجيم والياء، ومعناه أنتنوا فصاروا جِيفا. وقول عمر: «يسمعون» استبعاد على ما جرت به حكم العادة. فأجابه النبيّ صلى الله عليه وسلم بأنهم يسمعون كسمع الأحياء. وفي هذا ما يدل على أن الموت ليس بعدم محض ولا فناء صرف، وإنما هو انقطاع تعلق الروح بالبدن ومفارقته، وحيلولة بينهما، وتبدّل حالٍ وانتقال من دار إلى دار. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الميت إذا وضع في قبره وتولى عنه أصحابه إنه ليسمع قرع نعالهمالحديث. أخرجه الصحيح.

قوله تعالى: {وَيُثَبِّتَ بِهِ ٱلأَقْدَامَ} الضمير في «بِهِ» عائد على الماء الذي شدّ دهس الوادي، كما تقدّم. وقيل: هو عائد على ربط القلوب؛ فيكون تثبيت الأقدام عبارة عن النصر والمعونة في موطن الحرب.

إِذْ يُوحِى رَبُّكَ إِلَى ٱلْمَلَٰٓئِكَةِ أَنِّى مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا۟ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ سَأُلْقِى فِى قُلُوبِ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ ٱلرُّعْبَ فَٱضْرِبُوا۟ فَوْقَ ٱلْأَعْنَاقِ وَٱضْرِبُوا۟ مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ ۝١٢

قوله تعالى: {إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى ٱلْمَلاۤئِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ} العامل في «إذ، يثبت» أي يثبت به الأقدام ذلك الوقت. وقيل: العامل «لِيربط» أي وليربِط إذ يوحي. وقد يكون التقدير: اذكر {إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى ٱلْمَلاۤئِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ} في موضع نصب، والمعنى: بأني معكم، أي بالنصر والمعونة. «معكم» بفتح العين ظرف، ومن أسكنها فهي عنده حرف. {فَثَبِّتُواْ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} أي بشروهم بالنصر أو القتال معهم أو الحضور معهم من غير قتال؛ فكان المَلك يسير أمام الصف في صورة الرجل ويقول: سيروا فإن الله ناصركم. ويظن المسلمون أنه منهم؛ وقد تقدّم في «آل عمران» أن الملائكة قاتلت ذلك اليوم. فكانوا يرون رؤوساً تندر عن الأعناق من غير ضارب يرونه. وسمِع بعضهم قائلاً يسمع قوله ولا يرى شخصه: أقدِم حيزوم. وقيل: كان هذا التثبيت ذِكرَ رسول الله صلى الله عليه وسلم للمؤمنين نزول الملائكة مدداً.

قوله تعالى: {سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلرُّعْبَ} تقدّم في «آل عمران» بيانه. {فَٱضْرِبُواْ فَوْقَ ٱلأَعْنَاقِ} هذا أمر للملائكة. وقيل: للمؤمنين، أي ٱضربوا الأعناق، و «فوق» زائدة؛ قاله الأخفش والضحاك وعطِية. وقد روى المسعودِيّ قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

إني لم أبعث لأُعذب بعذاب الله وإنما بعثت بضرب الرّقاب وشدّ الوثاق. وقال محمد بن يزيد: هذا خطأ؛ لأن «فوق» تفيد معنى فلا يجوز زيادتها، ولكن المعنى أنهم أبيح لهم ضرب الوجوه وما قرب منها. وقال ابن عباس: كل هام وجُمْجُمة. وقيل: أي ما فوق الأعناق، وهو الرؤوس؛ قاله عكرمة. والضرب على الرأس أبلغ؛ لأن أدنى شيء يؤثر في الدماغ. وقد مضى شيء من هذا المعنى في «النساء» وأن «فوق» ليست بزائدة، عند قوله: { فَوْقَ ٱثْنَتَيْنِ } [النساء: 11]. {وَٱضْرِبُواْ مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ} قال الزجاج: واحد البنان بنانة، وهي هنا الأصابع وغيرها من الأعضاء. والبنان مشتق من قولهم أبَّنَ الرجل بالمكان إذا أقام به. فالبنان يُعتمل به ما يكون للإقامة والحياة. وقيل: المراد بالبنان هنا أطراف الأصابع من اليدين والرّجلين. وهو عبارة عن الثبات في الحرب وموضع الضرب؛ فإذا ضربت البنان تعطل من المضروب القتال بخلاف سائر الأعضاء. قال عنترة:

وكان فَتَى الهَيْجاء يحمِي ذِمَارهاويضرب عند الكَرْب كلّ بَنانِ

ومما جاء أن البنان الأصابع قول عنترة أيضاً:

وأنّ الموت طوع يدي إذا ماوصلت بنانَها بالهِنْدُوَانِي

وهو كثير في أشعار العرب، البنان: الأصابع. قال ابن فارس: البنان الأصابع، ويقال: الأطراف. وذكر بعضهم أنها سميت بنانا لأن بها صلاح الأحوال التي بها يستقرّ الإنسان ويَبِنّ. وقال الضحاك: البنان كل مفصِل.

ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ شَآقُّوا۟ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَمَن يُشَاقِقِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَإِنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ ۝١٣ ذَٰلِكُمْ فَذُوقُوهُ وَأَنَّ لِلْكَٰفِرِينَ عَذَابَ ٱلنَّارِ ۝١٤

قوله تعالى: {ذٰلِكَ بِأَنَّهُمْ شَآقُّواْ ٱللَّهَ} «ذلِك» في موضع رفع على الابتداء، والتقدير: ذلك الأمر، أو الأمر ذلك. «شَاقُّوا اللَّهَ» أي أولياءه. والشقاق: أن يصِير كل واحد في شِق. وقد تقدّم. {ذٰلِكُمْ فَذُوقُوهُ وَأَنَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابَ ٱلنَّارِ} قال الزجاج: «ذلكم» رفع بإضمار الأمر أو القصة، أي الأمر ذلكم فذوقوه. ويجوز أن يكون في موضع نصب بـ «ذُوقُوا»؛ كقولك: زيداً فاضربه. ومعنى الكلام التوبيخ للكافرين. «وأنّ» في موضع رفع عطف على ذلكم. قال الفرّاء: ويجوز أن يكون في موضع نصب بمعنى وبأن للكافرين. قال: ويجوز أن يضمر واعلموا أن. الزجاج: لو جاز إضمار واعلموا لجاز زيد منطلق وعمراً جالساً، بل كان يجوز في الابتداء زيداً منطلقاً؛ لأن المخبر معلِم، وهذا لا يقوله أحد من النحويين.

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِذَا لَقِيتُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ ٱلْأَدْبَارَ ۝١٥ وَمَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُۥٓ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِّقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَىٰ فِئَةٍ فَقَدْ بَآءَ بِغَضَبٍ مِّنَ ٱللَّهِ وَمَأْوَىٰهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ ۝١٦

فيه سبع مسائل:

الأُولى: قوله تعالى: {زَحْفاً} الزحف الدنوّ قليلاً قليلاً. وأصله الاندفاع على الألْيَة؛ ثم سُميّ كل ماشٍ في الحرب إلى آخر زاحفاً. والتزاحف: التداني والتقارب؛ يقال: زحف إلى العدوّ زحفاً. وٱزدحف القوم، أي مشى بعضهم إلى بعض. ومنه زِحاف الشعر، وهو أن يسقط بين الحرفين حرف فَيزْحَف أحدهما إلى الآخر. يقول: إذا تدانيتم وتعاينتم فلا تفِرّوا عنهم ولا تعطوهم أدباركم. حرّم الله ذلك على المؤمنين حين فرض عليهم الجهاد وقتال الكفار. قال ابن عطية: والأدبار جمع دُبُر. والعبارة بالدبر في هذه الآية متمكنة الفصاحة؛ لأنها بشعة على الفارّ، ذامّة له.

الثانية: أمر الله عز وجل في هذه الآية ألا يولي المؤمنون أمام الكفار. وهذا الأمر مقيَّد بالشريطة المنصوصة في مِثْلَي المؤمنين؛ فإذا لقِيت فئة من المؤمنين فئة هي ضِعف المؤمنين من المشركين فالفرض ألا يفِرّوا أمامهم. فمن فرّ من ٱثنين فهو فارّ من الزحف. ومن فرّ من ثلاثة فليس بفارّ من الزحف، ولا يتوجّه عليه الوعيد. والفرار كبيرة مُوبِقة بظاهر القرآن وإجماع الأكثر من الأئمة. وقالت فرقة منهم ابن الماجِشون في الواضحة: إنه يراعى الضعف والقوّة والعدّة؛ فيجوز على قولهم أن يفِرّ مائة فارس من مائة فارس إذا علموا أن ما عند المشركين من النجدة والبسالة ضعفُ ما عندهم. وأما على قول الجمهور فلا يحل فِرار مائة إلا مما زاد على المائتين؛ فمهما كان في مقابلة مسلم أكثر من ٱثنين فيجوز الانهزام، والصبر أحسن. وقد وقف جيش مُؤْتَة وهم ثلاثة آلاف في مقابلة مائتي ألف، منهم مائة ألف من الروم، ومائة ألف من المستعربة من لَخْم وجُذَام.

قلت: ووقع في تاريخ فتح الأندلس، أن طارقاً مولى موسى بن نصير سار في ألف وسبعمائة رجل إلى الأندلس، وذلك في رجب سنة ثلاث وتسعين من الهجرة؛ فالتقى ومِلك الأندلس لذريق وكان في سبعين ألف عِنان؛ فزحف إليه طارق وصبر له فهزم الله الطاغية لذريق، وكان الفتح. قال ابن وهب: سمعت مالكاً يسأل عن القوم يلقون العدوّ أو يكونون في محرس يحرسون فيأتيهم العدوّ وهم يسير، أيقاتلون أو ينصرفون فيؤذنون أصحابهم؟ قال: إن كانوا يقوون على قتالهم قاتلوهم، وإلا انصرفوا إلى أصحابهم فآذنوهم.

الثالثة: واختلف الناس هل الفرار يوم الزحف مخصوص بيوم بدر أم عام في الزحوف كلها إلى يوم القيامة؟ فروي عن أبي سعيد الخدرِيّ أن ذلك مخصوص بيوم بدر، وبه قال نافع والحسن وقتادة ويزيد بن أبي حبيب والضحاك، وبه قال أبو حنيفة. وأن ذلك خاص بأهل بدر فلم يكن لهم أن ينحازوا، ولو ٱنحازوا لانحازوا للمشركين، ولم يكن في الأرض يومئذ مسلمون غيرهم، ولا للمسلمين فئة إلا النبيّ صلى الله عليه وسلم؛ فأما بعد ذلك فإن بعضهم فئة لبعض. قال الكِيا: وهذا فيه نظر؛ لأنه كان بالمدينة خلق كثير من الأنصار لم يأمرهم النبيّ صلى الله عليه وسلم بالخروج ولم يكونوا يرون أنه قتال، وإنما ظنوا أنها العِير؛ فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فيمن خف معه. ويروى عن ابن عباس وسائِر العلماء أن الآية باقية إلى يوم القيامة. ٱحتج الأوّلون بما ذكرنا، وبقوله تعالى: «يَوْمَئِذٍ» فقالوا: هو إشارة إلى يوم بدر، وأنه نسخ حكم الآية بآية الضعف. وبقي حكم الفِرار من الزحف ليس بكبيرة. وقد فرّ الناس يوم أُحد فعفا الله عنهم، وقال الله فيهم يوم حنين

{ ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ }[التوبة: 25] ولم يقع على ذلك تعنيف. وقال الجمهور من العلماء: إنما ذلك إشارة إلى يوم الزحف الذي يتضمنه قوله تعالى: {إِذَا لَقِيتُمُ}. وحكم الآية باقٍ إلى يوم القيامة بشرط الضعف الذي بينه الله تعالى في آية أُخرى، وليس في الآية نسخ. والدليل عليه أن الآية نزلت بعد القتال وانقضاء الحرب وذهاب اليوم بما فيه. وإلى هذا ذهب مالك والشافعي وأكثر العلماء. وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: اجتنبوا السبع الموبِقات ـ وفيه ـ والتولي يوم الزحف وهذا نص في المسألة. وأما يوم أُحد فإنما فرّ الناس من أكثر من ضعفهم ومع ذلك عنفوا. وأما يوم حنين فكذلك من فرّ إنما انكشف عن الكثرة؛ على ما يأتي بيانه.

الرابعة: قال ابن القاسم: لا تجوز شهادة من فرّ من الزحف، ولا يجوز لهم الفِرار وإن فرّ إمامهم؛ لقوله عز وجل: {وَمَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ} الآية. قال: ويجوز الفِرار من أكثر من ضعفهم، وهذا ما لم يبلغ عدد المسلمين ٱثني عشر ألفاً؛ فإن بلغ اثني عشر ألفاً لم يحِل لهم الفِرار وإن زاد عدد المشركين على الضعف؛ لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم:

ولن يغلب ٱثنا عشر ألفاً من قِلة فإن أكثر أهل العلم خصّصوا هذا العدد بهذا الحديث من عموم الآية.

قلت ـ رواه أبو بشر وأبو سلمة العامليّ، وهو الحكم بن عبد الله بن خُطّاف وهو متروك. قالا: حدّثنا الزهرِيّ عن أنس بن مالك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:

يا أكْثَم بن الجَوْن ٱغز مع غير قومك يحسن خلقك وتكرم على رفقائك. يا أكثم بن الجون خير الرفقاء أربعة وخير الطلائع أربعون وخير السرايا أربعمائة وخير الجيوش أربعة آلاف ولن يؤتى ٱثنا عشر ألفاً من قِلة. وروى عن مالك ما يدل على ذلك من مذهبه وهو قوله للعُمَرِيّ العابد إذْ سأله هل لك سعة في ترك مجاهدة من غيّر الأحكام وبدّلها؟ فقال: إن كان معك ٱثنا عشر ألفاً فلا سعة لك في ذلك.

الخامسة: فإن فرّ فليستغفر الله عز وجل. روى الترمذِيّ عن بلال بن يسار بن زيد قال: حدّثني أبي عن جدّي سمع النبيّ صلى الله عليه وسلم يقول:

من قال أستغفر الله الذي لا إله إلا هو الحيّ القيوم وأتوب إليه غفر الله له وإن كان قد فرّ من الزحف. قال: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه.

السادسة: قوله تعالى: {إِلاَّ مُتَحَرِّفاً لِّقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلَىٰ فِئَةٍ} التحرف: الزوال عن جهة الاستواء. فالمتحرف من جانب إلى جانب لمكايد الحرب غير منهزم؛ وكذلك المتحيز إذا نوى التحيز إلى فئة من المسلمين ليستعين بهم فيرجع إلى القتال غير منهزم أيضاً. روى أبو داود

عن عبد الله بن عمر أنه كان في سرية من سرايا رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: فحاص الناس حيصة، فكنت فيمن حاص، قال: فلما برزنا قلنا كيف نصنع وقد فررنا من الزحف وبؤنا بالغضب. فقلنا: ندخل المدينة فنتثبت فيها ونذهب ولا يرانا أحد. قال: فدخلنا فقلنا لو عرضنا أنفسنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن كانت لنا توبة أقمنا، وإن كان غير ذلك ذهبنا. قال: فجلسنا لرسول الله صلى الله عليه وسلم قبل صلاة الفجر، فلما خرج قمنا إليه فقلنا: نحن الفرّارون؛ فأقبل إلينا فقال: «لا بل أنتم العكارون» قال: فدنونا فقبلنا يده. فقال: «أنا فئة المسلمين». قال ثعلب: العكارون هم العطافون. وقال غيره: يقال للرجل الذي يولّي عند الحرب ثم يكر راجعاً: عَكَر وٱعتكر. وروى جرير عن منصور عن إبراهيم قال: ٱنهزم رجل من القادسِية فأتى المدينة إلى عمر فقال: يا أمير المؤمنين، هلكت! فررت من الزحف. فقال عمر: أنا فئتك. وقال محمد بن سِيرين: لما قتل أبو عبيدة جاء الخبر إلى عمر فقال: لو انحاز إليّ لكنت له فئة، فأنا فئة كل مسلم. وعلى هذه الأحاديث لا يكون الفرار كبيرة؛ لأن الفئة هنا المدينة والإمام وجماعة المسلمين حيث كانوا. وعلى القول الآخر يكون كبيرة؛ لأن الفئة هناك الجماعة من الناس الحاضرة للحرب. هذا على قول الجمهور أن الفرار من الزحف كبيرة. قالوا: وإنما كان ذلك القول من النبيّ صلى الله عليه وسلم وعمر على جهة الحيطة على المؤمنين، إذ كانوا في ذلك الزمان يثبتون لأضعافهم مِراراً. والله أعلم. وفي قولهوالتولي يوم الزحفما يكفي.

السابعة: قوله تعالىٰ: {فَقَدْ بَآءَ بِغَضَبٍ مِّنَ ٱللَّهِ} أي ٱستحق الغضب. وأصل «باء» رجع. وقد تقدم. {وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ} أي مقامه. وهذا لا يدل على الخلود؛ كما تقدّم في غير موضع. وقد قال صلى الله عليه وسلم:

من قال أستغفر الله الذي لا إله إلا هو الحيّ القيوم غفر له وإن كان قد فرّ من الزحف».
الخميس، 5 نوفمبر 2026 25 جمادى الأولى 1448 هـ