انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة الأنفال

تفسير البغويالآيات 1–25

تفسير سورة الأنفال آية آية، من تفسير البغوي.

بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ

يَسْـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلْأَنفَالِ قُلِ ٱلْأَنفَالُ لِلَّهِ وَٱلرَّسُولِ فَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَأَصْلِحُوا۟ ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا۟ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥٓ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ۝١

{يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلأَنْفَالِ} الآية، قال أهل التفسير: سبب نزول هذه الآية هو أن النبي صلى الله عليه وسلم قال يوم بدر:

مَنْ أتى مكان كذا فله من النفل كذا ومَنْ قَتل قتيلاً فله كذا ومَنْ أسر أسيراً فله كذا، فلما التقوا تسارع إليه الشبان وأقام الشيوخ ووجوه الناس عند الرايات، فلما فتح الله على المسلمين جاؤوا يطلبون ما جعل لهم النبي صلى الله عليه وسلم، فقال الأشياخ: كنّا ردْءَاً لكم ولو انهزمتم لانحزتم إلينا، فلا تذهبوا بالغنائم دوننا، وقام أبو اليسر بن عمرو الأنصاري أخو بني سلمة فقال: يا رسول الله إنّك وعدت أنّ من قتل قتيلاً فله كذا ومن أسر أسيراً فله كذا وإنّا قد قتلنا منهم سبعين وأسرنا منهم سبعين، فقام سعد بن معاذ رضي الله عنه فقال: والله يا رسول الله ما منعنا أن نطلب ما يطلب هؤلاء زهادة في الآخرة ولا جبن عن العدو، ولكن كرهنا أن تعرى مصافك فيعطف عليه خيل من المشركين فيصيبوك، فأعرض عنهما رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقال سعيد: يا رسول الله إن الناس كثير والغنيمة دون ذلك، فإن تعط هؤلاء الذين ذكرت لا يبقى لأصحابك كثير شيء، فنزلت: "يسألونك عن الأنفال".

وقال ابن إسحاق: أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بما في العسكر فجمع فاختلف المسلمون فيه، فقال مَنْ جمعه: هو لنا، قد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم نفل كلَّ امرىء ما أصاب، وقال الذين يقاتلون العدو: لولا نحن ما أصبتموه، وقال الذين كانوا يحرسون رسول الله صلى الله عليه وسلم: لقد رأينا أن نقتل العدو وأن نأخذ المتاع ولكنّا خفنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم كرَّة العدو، وقمنا دونه فما أنتم بأحق به منّا.

وروى مكحول عن أبي أمامة الباهليِّ قال: سألت عُبادة بنَ الصامتِ عن الأنفال، قال: فينا مَعْشَرَ أصحاب بدر نزلتْ، حين اختلفنا في النفل وساءت فيه أخلاقنا، فنزعه الله من أيدينا، فجعله إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقسمه رسول الله صلى الله عليه وسلم بيننا عن بواء ــ يقول على السواء ــ وكان في ذلك تقوى الله وطاعة رسوله وصلاح ذات البين.

وقال سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه: لما كان يوم بدر قُتِل أخي عمير، وقتلتُ سعيد بن العاص بن أمية، وأخذت سيفه، وكان يسمى ذا الكثيفة، فأعجبني فجئت به إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقلت: يا رسول الله إن الله قد شفى صدري من المشركين فهبْ لي هذا السيف، فقال: «ليس هذا لي ولا لك اذهب فاطرحه في القَبَض»، فطرحته ورجعت، وبي مالا يعلمه إلا الله من قتل أخي وأخذ سلاحي، وقلت: عسى أن يعطي هذا السيف من لم يَبْلُ بلائي، فما جاوزت إلا قليلاً حتى جاءني الرسول، وقد أنزّل الله عزّ وجلّ: "يسألونك عن الأنفال" الآية. فخفت أن يكون قد نزل فيّ شيء فلما انتهيت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «يا سعد إنك سألتني السيف وليس لي، وإنه قد صار لي فاذهبْ فخذْه فهو لك»».

وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كانت المغانم لرسول الله صلى الله عليه وسلم خاصة ليس لأحد فيها شيء، وما أصاب سرايا المسلمين من شيء أتوه به فمن حبس منه إبرةً أو سِلْكاً فهو غلول.

قوله: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلأَنفَالِ}، أي: عن حكم الأنفال وعلمها، وهو سؤال استخبار لا سؤال طلب. وقيل: هو سؤال طلب، قاله الضحاك وعكرمة. وقوله: {عَنِ ٱلأَنفَالِ}، أي: من الأنفال، عن بمعنى من. وقيل: عن صلة، أي: يسألونك الأنفال، وهكذا قراءة ابن مسعود بحذف عن. والأنفال: الغنائم، واحدها: نَفَل، وأصله الزيادة، يقال: نفلتك وأنفلتك أي زدتك. سُمِّيت الغنائم أنفالاً: لأنها زيادة من الله لهذه الأمة على الخصوص.

وأكثر المفسرين على أن الآية في غنائم بدر. وقال عطاء: هي ما شذّ من المشركين إلى المسلمين بغير قتال من عبد أو أمة أو متاع فهو للنبي صلى الله عليه وسلم يصنع به ما شاء.

قوله تعالى: {قُلِ ٱلأَنفَالُ لِلَّهِ وَٱلرَّسُولِ}، [يقسمها كما شاءَ] واختلفوا فيه، فقال مجاهد وعكرمة والسُّدي: هذه الآية منسوخة بقوله عزّ وجلّ: "واعلموا أنّما غَنِمْتُمْ من شيء فَأَنَّ لله خُمُسَهُ وللرسول". كانت الغنائم يومئذ للنبي صلى الله عليه وسلم فنسخها الله عزّ وجلّ بالخُمس.

وقال عبدالرحمن بن زيد بن أسلم: هي ثابتة غير منسوخة، ومعنى الآية: قل الأنفال لله مع الدنيا والآخرة وللرسول يضعها حيث أمره الله تعالى، أي: الحكم فيها لله ولرسوله، وقد بيّن الله مصارفها في قوله عزّ وجلّ:"واعلموا أنّما غَنِمْتُمْ من شيء فَأَنَّ لله خُمُسَهُ وللرسول" الآية.

{فَٱتَّقُواْ الله وأَصْلِحُوا ذَاتَ بينكم}، أي: اتّقوا الله بطاعته وأصلحوا الحال بينكم بترك المنازعة والمخالفة، وتسليم أمر الغنيمة إلى الله والرسول. {وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ}.

إِنَّمَا ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ ٱللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ ءَايَٰتُهُۥ زَادَتْهُمْ إِيمَٰنًا وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ۝٢ ٱلَّذِينَ يُقِيمُونَ ٱلصَّلَوٰةَ وَمِمَّا رَزَقْنَٰهُمْ يُنفِقُونَ ۝٣ أُو۟لَٰٓئِكَ هُمُ ٱلْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَّهُمْ دَرَجَٰتٌ عِندَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ ۝٤

{إِنَّمَا ٱلْمُؤْمِنُونَ}، يقول ليس المؤمن الذي يخالف الله ورسوله، إنما المؤمنون الصادقون في إيمانهم، {ٱلَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ ٱللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ}، خافت وفَرَقَتْ قلوبهم. وقيل: إذا خُوِّفوا بالله انقادوا خوفاً من عقابه. {وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ ءَايَـٰتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَـٰناً}، تصديقاً ويقيناً. وقال عمير بن حبيب وكانت له صحبة: إن للإيمان زيادةً ونقصاناً، قيل: فما زيادته؟ قال: إذا ذكرنا الله عزّ وجلّ وحمدناه فذلك زيادته، وإذا سهونا وغفلنا فذلك نقصانه، وكتب عمر بن عبدالعزيز إلى عدي بن عدي: إن للإيمان فرائضَ وشرائطَ وشرائعَ وحدوداً وسُنناً فمن استكملها استكمل الإيمان ومنْ لم يستكملْها لم يستكملِ الإيمان. {وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ}، أي: يُفوّضون إليه أمورهم ويثقون به ولا يرجون غيره ولا يخافونَ سواه.

{ٱلَّذِينَ يُقِيمُونَ ٱلصَّلَوٰةَ وَمِمَّا رَزَقْنَـٰهُمْ يُنفِقُونَ}.

{أُوْلـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُؤْمِنُونَ حَقّاً}، يعني يقيناً. قال ابن عباس: بِرئوا من الكفر. وقال مقاتل: حقاً لا شكّ في إيمانهم. وفيه دليل على أنه ليس لكل أحد أن يصف نفسه بكونه مؤمناً حقاً لأن الله تعالى إنما وصف بذلك قوماً مخصوصين على أوصاف مخصوصة، وكل أحد لا يتحقّق وجود تلك الأوصاف فيه.

وقال ابن أبي نجيح: سأل رجل الحسن فقال: أمؤمن أنت؟ فقال: إن كنتَ تسألني عن الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والجنّة والبعث والحساب، فأنا بها مؤمن، وإن كنتَ تسألني عن قوله: "إنما المؤمنون الذين إذا ذُكِرَ الله وَجِلَتْ قلوبُهم" الآية، فلا أدري أمنهم أنا أم لا؟

وقال علقمة: كنّا في سفر فلقينا قوماً فقلنا: مَنِ القوم؟ قالوا: نحن المؤمنون حقاً، فلم ندرِ ما نُجيبهم حتى لقينا عبدالله بن مسعود فأخبرناه بما قالوا، قال: فما رددتم عليهم؟ قلنا: لم نردّ عليهم شيئاً، قال: أفلا قلتم أمِنْ أهل الجنّة أنتم؟ إن المؤمنين أهل الجنّة.

وقال سفيان الثوري: من زعم أنه مؤمن حقاً عند الله، ثم لم يشهد أنه في الجنّة فقد آمن بنصف الآية دون النصف.

{لَّهُمْ دَرَجَـٰتٌ عِندَ رَبِّهِمْ}، قال عطاء: يعني درجات الجنّة يرتقونها بأعمالهم. وقال الربيع بن أنس: سبعون درجة ما بين كل درجتين حَضَرُ الفرس المضَمَّر سبعين سنةً. {وَمَغْفِرَةٌ}، لذنوبهم {وَرِزْقٌ كَرِيمٌ}، حسن يعني ما أعدّ الله لهم في الجنة.

كَمَآ أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنۢ بَيْتِكَ بِٱلْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ لَكَٰرِهُونَ ۝٥ يُجَٰدِلُونَكَ فِى ٱلْحَقِّ بَعْدَ مَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى ٱلْمَوْتِ وَهُمْ يَنظُرُونَ ۝٦ وَإِذْ يَعِدُكُمُ ٱللَّهُ إِحْدَى ٱلطَّآئِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ ٱلشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُحِقَّ ٱلْحَقَّ بِكَلِمَٰتِهِۦ وَيَقْطَعَ دَابِرَ ٱلْكَٰفِرِينَ ۝٧

قوله تعالى: {كَمَآ أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكَ بِٱلْحَقِّ}، اختلفوا في الجالب لهذه الكاف التي في قوله {كَمَآ أَخْرَجَكَ رَبُّكَ}، قال المبرد: تقديره الأنفال لله وللرسول وإن كرهوا، كما أخرجك ربك من بيتك بالحق وإن كرهوا. وقيل: تقديره: امضِ لأمر الله في الأنفال وإن كرهوا كما أمضيت لأمر الله في الخروج من البيت لطلب العير وهم كارهون.

وقال عكرمة: معناه فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم فإن ذلك خير لكم، كما أن إخراج محمد صلى الله عليه وسلم من بيته بالحق خير لكم، وإن كرهه فريق منكم.

وقال مجاهد: معناه كما أخرجك ربك من بيتك بالحق على كره فريق منهم، كذلك يكرهون القتال ويجادلون فيه.

وقيل: هو راجع إلى قوله: "لهم درجات عند ربهم"، تقديره: وَعْدُ [الله] الدرجات لهم حقٌّ ينجزه الله عزّ وجلّ كما أخرجك ربك من بيتك بالحق، فأنجز الوعد بالنصر والظفر.

وقيل: الكاف بمعنى على، تقديره: امضِ على الذي أخرجك ربّك.

وقال أبو عبيدة: هي بمعنى القسم مجازاً والذي أخرجك، لأن "ما" في موضع الذي، وجوابه "يجادلونك"، وعليه يقع القسم، تقديره: يجادلونك والله الذي أخرجك ربّك من بيتك بالحق. وقيل: الكاف بمعنى "إذ" تقديره: واذكرْ إذْ أخرجك ربّك.

وقيل: المراد بهذا الإخراج هو إخراجه من مكة إلى المدينة. والأكثرون على أن المراد منه إخراجه من المدينة إلى بدر، أي: كما أمرك ربك بالخروج من بيتك إلى المدينة بالحق، قيل: بالوحي لطلب المشركين، {وَإِنَّ فَرِيقاً مِّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ}، منهم، {لَكارِهُونَ}.

{يُجَـٰدِلُونَكَ فِي ٱلْحَقِّ}، أي: في القتال، {بَعْدَمَا تَبَيَّنَ}، وذلك أن المؤمنين لمّا أيقنوا القتال كرهوا ذلك، وقالوا: لم تُعْلمْنَا أنا نلقى العدو فنستعدّ لقتالهم، وإنّما خرجنا للعير، فذلك جدالهم بعدما تبين لهم أنك ما تصنع إلاّ ما أمرك، وتبين صدقك في الوعد، {كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى ٱلْمَوْتِ} لشدّة كراهيتهم القتال، {وَهُمْ يَنظُرُونَ}، فيه تقديم وتأخير، تقديره: وإنّ فريقاً من المؤمنين لكارهون كأنما يُساقون إلى الموت وهم ينظرون يجادلونك في الحق بعدما تبيّن. قال ابن زيد: هؤلاء المشركون جادلوه في الحق كأنما يساقون إلى الموت حين يدعون إلى الإسلام لكراهيتهم إيّاه وهم ينظرون.

قوله تعالى: {وَإِذْ يَعِدُكُمُ ٱللَّهُ إِحْدَى ٱلطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ}، قال ابن عباس وابن الزبير ومحمد بن إسحاق والسدي: أقبل أبو سفيان من الشام في عير لقريش في أربعين راكباً من كفار قريش فيهم: عمرو بن العاص، ومخرمة بن نوفل الزهري، وفيها تجارة كثيرة، وهي اللطيمة حتى إذا كانوا قريباً من بدر، فبلغ النبي صلى الله عليه وسلم ذلك فندب أصحابه إليه وأخبرهم بكثرة المال وقلة العدد، وقال: هذه عير قريش فيها أموالهم فاخرجُوا إليها لعلّ الله أن يُنفِلْكُموها، فانتدب الناسَ فخفّ بعضهم وثقل بعض، وذلك أنهم لم يظنّوا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يلقى حرباً.

فلما سمع أبو سفيان بمسير النبي صلى الله عليه وسلم استأجر ضمضم بن عمرو الغفاري، فبعثه إلى مكة، وأمره أن يأتي قريشاً فيستنفرهم ويخبرهم أن محمداً قد عرض لعيرهم في أصحابه، فخرج ضمضم سريعاً إلى مكة.

وقد رأت عاتكة بنت عبدالمطلب قبل قدوم ضمضم مكة بثلاث ليال رؤياً أفزعتها فبعثت إلى أخيها العباس بن عبدالمطلب فقالت له: يا أخي والله لقد رأيت الليلة رؤيا أفزعتني وخشيت أن يدخل على قومك منها شرّ ومصيبة، فاكتمْ عليّ ما أحدثك. قال لها: وما رأيت؟ قالت: رأيت راكباً أقبل على بعير له حتى وقف بالأبطح، ثم صرخ بأعلى صوته ألا انفروا يا آل غُدُر لمصارعكم في ثلاث، فأرى الناس قد اجتمعوا إليه، ثم دخل المسجد والناس يتبعونه فبينما هم حوله مَثُل به بعيره على ظهر الكعبة ثم صرخ بمثلها بأعلى صوته ألا انفروا يا آل غدر لمصارعكم في ثلاث، ثم مثل به بعيره على رأس أبي قبيس، فصرخ بمثلها، ثم أخذ صخرة فأرسلها فأقبلت تهوي حتى إذا كانت بأسفل الجبل ارفضّت فما بقي بيت من بيوت مكة ولا دار من دورها إلا دخلتها منها فِلْقَة.

فقال العباس: والله إنّ هذه لرؤيا رأيت! فاكتميها ولا تذكريها لأحد.

ثم خرج العباس فلقي الوليد بن عتبة بن ربيعة بن عبدشمس، وكان له صديقاً فذكرها له واستكتمه إيّاها، فذكرها الوليد لأبيه عتبة ففشا الحديث حتى تحدثت به قريش.

قال العباس: فغدوتُ أطوف بالبيت وأبو جهل بن هشام في رهط من قريش قعود يتحدثون برؤيا عاتكة، فلما رآني أبو جهل قال: يا أبا الفضل إذا فرغت من طوافك فأقبل إلينا، قال: فلما فرغت أقبلت حتى جلست معهم، فقال لي أبو جهل: يا بني عبد المطلب متى حدَّثت هذه البينة فيكم؟

قلت: وما ذاك؟

قال: الرؤيا التي رأت عاتكة؟

قلت: وما رأت؟

قال: يا بني عبدالمطلب أما رضيتم أن تتنبأ رجالكم حتى تتنبأ نساؤكم؟ قد زعمت عاتكة في رؤياها أنه قال انفروا في ثلاث فسنتربص بكم هذه الثلاث، فإن يك ما قالت حقاً فسيكون، وإنْ تمضِ الثلاث، ولم يكن من ذلك شيئاً نكتبْ عليكم كتاباً إنكم أكذب أهل بيت في العرب.

فقال العباس: والله ما كان مني إليه كبير إلا أني جحدت ذلك وأنكرت أن تكون رأت شيئاً، ثم تفرقنا فلما أمسيت لم تبق امرأة من بني عبدالمطلب إلا أتتني فقالت: أقررتم لهذا الفاسق الخبيث أن يقع في رجالكم ثم قد تناول النساء وأنت تسمع، ثم لم تكن عندك غيرة لشيء مما سمعت؟

قال: قلت والله قد فعلت ما كان مني إليه من كبير، وأيم الله لأتعرضنّ له فإن عاد لأكفينَّكه.

قال: فغدوت في اليوم الثالث من رؤيا عاتكة وأنا حديد مغضب أرى أن قد فاتني منه أمر أحب أن أدركه منه، قال: فدخلت المسجد فرأيته فوالله إني لأمشي نحوه أتعرضه ليعود لبعض ما قال فأقع به، وكان رجلاً خفيفاً، حديد الوجه، حديد اللسان، حديد النظر، إذ خرج نحو باب المسجد يشتدّ.

قال: قلت في نفسي: ما لَه لعنه الله؟ أكلُّ هذا فرقاً مني أن أشاتمه؟ قال: وإذا هو قد سمع ما لم أسمع، صوتَ ضمضم بن عمرو، وهو يصرخ ببطن الوادي واقفاً على بعيره، وقد جدع أنف بعيره وحوَّل رجله وشق قميصه وهو يقول: يا معشر قريش اللطيمة اللطيمة أموالكم مع أبي سفيان قد عرض لها محمّدٌ في أصحابه، ولا أرى أن تدركوها، الغوثَ الغوثَ. قال فشغلني عنه وشغله عني ما جاء من الأمر، فتجهّز الناس سراعاً فلم يتخلّف من أشراف قريش أحد إلاّ أن أبا لهب قد تخلّف وبعث مكانه العاصي بن هشام بن المغيرة.

فلما اجتمعت قريش للمسير ذكرتْ الذي بينها وبين بني بكر بن عبد مناة بن كنانة بن الحارث، فقالوا: نخشى أن يأتوننا من خلفنا فكاد ذلك أن يثنيهم. فتبدّى لهم إبليس في صورة سراقة بن مالك بن جعشم وكان من أشراف بني بكر، وقال: أنا جار لكم من أن تأتيكم كنانة من خلفكم بشيء تكرهونه.

فخرجوا سراعاً، وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في أصحابه، في ليالٍ مضت من شهر رمضان، حتى إذا بلغ وادياً يقال له ذَفِران، فأتاه الخبر عن مسير قريش ليمنعوا عيرهم، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى إذا كان بالروحاء أخذ عيناً للقوم فأخبره بهم.

وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم أيضاً عيناً له من جهينة حليفاً للأنصار يدعى عبدالله بن أريقط فأتاه بخبر القوم وسبقت العير رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنزل جبريل وقال: إن الله وعدكم إحدى الطائفتين إمّا العير وإما قريشاً، وكانت العير أحبّ إليهم. فاستشار النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه في طلب العير وحرب النفير، فقام أبو بكر فقال فأحسن، ثم قام عمر فقال فأحسن، ثم قام المقداد بن عمرو فقال: يا رسول الله امْضِ لِما أراك الله فنحن معك، فوالله ما نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى: فاذهبْ أنت وربّك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون، ولكن نقول: اذهب أنت وربُّك فقاتلا إنّا معكما مقاتلون، فوالذي بعثك بالحق لو سرت بنا إلى برك الغماد يعني مدينة الحبشة، لجالدنا معك من دونه حتى تبلغه، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم خيراً ودعا له بخير.

ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

أشيروا عليّ أيها الناس، وإنّما يريد الأنصار، وذلك أنهم عدد الناس وأنهم حين بايعوه بالعقبة قالوا: يا رسول الله إنا براء من ذمامك حتى تصل إلى دارنا، فإذا وصلت إلينا فأنت في ذمامنا نمنعك مما نمنع منه أبناءَنا ونساءَنا، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتخوَّف أن لا تكون الأنصار ترى عليهم نصرته إلا على من دهمه بالمدينة من عدوه، وأن ليس عليهم أن يسير بهم إلى عدو من بلادهم.

فلما قال ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له سعد بن معاذ: والله لَكأنّك تريدنا يا رسول الله؟

قال: أجل،

قال: قد آمنّا بك وصدقناك وشهدنا أن ما جئتنا به هو الحق وأعطيناك على ذلك عهوداً ومواثيق على السمع والطاعة، فامضِ يا رسول الله لما أردت فوالذي بعثك بالحق لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك وما تخلف منّا رجل واحد، وما نكره أن تلقى بنا عدوّنا غداً إنّا لصبرٌ عند الحرب صدق في اللقاء، ولعلّ الله تعالى يُريك منّا ما تقرّ به عينك، فسِرْ بنا على بركة الله، فَسُرَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم بقول سعد ونشّطه ذلك، ثم قال:

سيروا على بركة الله وأبشروا فإن الله قد وعدني إحدى الطائفتين، والله لكأني الآن أنظر إلى مصارع القوم».

قال ثابت عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

هذا مصرع فلان وهذا مصرع فلان، قال: ويضع يده على الأرض ها هنا وهاهنا، قال: فما ماط أحدٌ عن موضع يد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذلك قوله تعالى: "وإذْ يعدكمُ الله إحدَى الطائفتين أنَها لكم"، أي: الفريقين إحداهما أبو سفيان مع العير والأخرى أبو جهل مع النفير.

{وَتَوَدُّونَ}، أي: تريدون {أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ ٱلشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ}، يعني العير التي ليس فيها قتال. والشوكة: الشدّة والقوة. ويقال: السلاح.

{وَيُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُحِقَّ الحَقَّ}، أي: يُظهره ويُعليه، {بِكَلِمَـٰتِهِ}، بأمره إيّاكم بالقتال. وقيل: بعِدَاتِه التي سبقت من إظهاره الدين وإعزازه، {وَيَقْطَعَ دَابِرَ ٱلْكَـٰفِرِينَ}، أي: يستأصلهم حتى لا يبقى منهم أحد، يعني: كفار العرب.

لِيُحِقَّ ٱلْحَقَّ وَيُبْطِلَ ٱلْبَٰطِلَ وَلَوْ كَرِهَ ٱلْمُجْرِمُونَ ۝٨ إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَٱسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّى مُمِدُّكُم بِأَلْفٍ مِّنَ ٱلْمَلَٰٓئِكَةِ مُرْدِفِينَ ۝٩

{لِيُحِقَّ الحقَّ} ليثبت الإسلام، {وَيُبْطِلَ ٱلْبَـٰطِلَ}، أي: يفني الكفر {وَلَوْ كَرِهَ ٱلْمُجْرِمُونَ}، المشركون. وكان وقعة بدر يوم الجمعة صبيحة سبع عشرة ليلة من شهر رمضان.

قوله تعالى: {إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ}، تستجيرون به من عدوكم وتطلبون منه الغوث والنصر. ورُوي عن ابن عباس قال: قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: لمّا كان يوم بدر نظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المشركين، وهم ألف وأصحابه ثلاثمائة وبضعة عشر رجلاً، فدخل العريش هو وأبو بكر الصديق رضي الله عنه، واستقبل القبلة ومدّ يده فجعل يهتف بربّه عزّ وجلّ:

اللّهمّ أنجزْ لي ما وعدتني، اللّهم إنّك إنْ تُهلك هذه العصابة من أهل الإسلام لا تعبد في الأرض، فما زال يهتف بربّه عزّ وجلّ مادّاً يديه حتى سقط رداؤه عن منكبيه، فأخذ أبو بكر رداءه فألقاه على منكبيه، ثم التزمه من ورائه وقال: يا نبي الله كفاك مناشدتُك ربّك فإنه سينجز لك ما وعدك. فأنزل الله عزّ وجلّ: "إذْ تستغيثُون ربَّكم" {فَٱسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ}، مرسلٌ إليكم مدداً وردءاً لكم، {بِأَلْفٍ مِّنَ ٱلْمَلَـٰئِكَةِ مُرْدِفِينَ}. قرأ أهل المدينة ويعقوب: "مردفين" بفتح الدال، أي: أردف الله المسلمين وجاء بهم مدداً. وقرأ الآخرون بكسر الدال أي: متتابعين بعضهم في إثر بعض، يقال: أردفته وردفته بمعنى تبعته.

يُروى أنه نزل جبريل في خمسمائة وميكائيل في خمسمائة في صورة الرجال على خيل بلق عليهم ثياب بيض وعلى رؤوسهم عمائم بيض، قد أرخوا أطرافها بين أكتافهم.

ورُوي أنّ النبي صلى الله عليه وسلم لمّا ناشد ربَّه عزّ وجلّ وقال أبو بكر: إنّ اللَّهَ منجزٌ لك ما وعدك فخفق رسول الله صلى الله عليه وسلم خفقة وهو في العريش ثم انتبه، فقال:

يا أبا بكر أتاك نصرُ الله، هذا جبريل آخذ بعنان فرسه يقوده على ثناياه النقع».

أخبرنا عبدالواحد المليحي، أنا أحمد بن عبدالله النعيمي أنا محمد بن يوسف ثنا محمد بن إسماعيل ثنا إبراهيم بن موسى، ثنا عبدالوهاب ثنا خالد، عن عكرمة عن ابن عباس: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال يوم بدر:

هذا جبريلُ آخذٌ برأسِ فرسهِ عليه أداةُ الحرب».

وقال عبدالله بن عباس رضي الله عنهما: كانت سيما الملائكة يوم بدر عمائم بيض ويوم حنين عمائم خضر، ولم تقاتل الملائكة في يوم سوى يوم بدر من الأيام، وكانوا يكونون فيما سواه عدداً ومدداً.

ورُوي عن أبي أُسيد مالك بن ربيعة قد شهد بدراً أنه قال بعدما ذهب بصره: لو كنت معكم اليوم ببدر ومعي بصري لأريتكم الشِّعبَ الذي خرجت منه الملائكة.

وَمَا جَعَلَهُ ٱللَّهُ إِلَّا بُشْرَىٰ وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِۦ قُلُوبُكُمْ وَمَا ٱلنَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِندِ ٱللَّهِ إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ۝١٠ إِذْ يُغَشِّيكُمُ ٱلنُّعَاسَ أَمَنَةً مِّنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً لِّيُطَهِّرَكُم بِهِۦ وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ ٱلشَّيْطَٰنِ وَلِيَرْبِطَ عَلَىٰ قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ ٱلْأَقْدَامَ ۝١١ إِذْ يُوحِى رَبُّكَ إِلَى ٱلْمَلَٰٓئِكَةِ أَنِّى مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا۟ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ سَأُلْقِى فِى قُلُوبِ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ ٱلرُّعْبَ فَٱضْرِبُوا۟ فَوْقَ ٱلْأَعْنَاقِ وَٱضْرِبُوا۟ مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ ۝١٢

قوله تعالى: {وَمَا جَعَلَهُ ٱللَّهُ} يعني: الإِمداد بالملائكة، {إِلاَّ بُشْرَىٰ}، أي: بشارة، {وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا ٱلنَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ}.

{إِذْ يُغَشِّيكُمُ ٱلنُّعَاسَ}، قرأ ابن كثير وأبو عمرو: "يغشاكم" بفتح الياء، "النعاس" رفع على أن الفعل له؛ كقوله تعالى:

{ { أَمَنَةً نُّعَاساً يَغْشَىٰ طَآئِفَةً مِّنْكُمْ } } [آل عمران: 154]. قرأ أهل المدينة: "يُغْشِيْكُم" بضم الياء وكسر الشين مخففاً، "النعاسَ" نصب؛ كقوله تعالى: "كأنّما أُغْشِيَتْ وجوههم"، وقرأ الآخرون بضم الياء وكسر الشين مشدّداً، "النعاسَ" نصب، على أن الفعل لله عزّ وجلّ؛ كقوله تعالى: { { فَغَشَّاهَا مَا غَشَّىٰ } } [النجم: 54]، والنعاس: النوم الخفيف. {أَمَنَةً} آمناً {منه}، مصدر أمنت أمناً وأمنة وأماناً. قال عبدالله بن مسعود رضي الله عنه: النعاس في القتال أمنة من الله وفي الصلاة وسوسة من الشيطان.

{وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّن ٱلسَّمَآءِ مَآءً لِّيُطَهِّرَكُمْ بِهِ}، وذلك أن المسلمين نزلوا يوم بدر على كثيب أعفر، تسوخ فيه الأقدام وحوافر الدواب، وسبقهم المشركون إلى ماء بدر وأصبح المسلمون بعضهم مُحْدِثين وبعضهم مُجْنِبينَ، وأصابهم الظمأ، ووسوس إليهم الشيطان، وقال: تزعمون أنكم على الحق وفيكم نبيّ الله، وأنكم أولياء الله وقد غلبكم المشركون على الماء وأنتم تصلُّون مُحْدِثْيِنَ ومُجْنِبِيْنَ، فكيف ترجون أن تظهروا عليهم؟ فأرسل الله عزّ وجلّ عليهم مطراً سال منه الوادي فشرب المسلمون واغتسلوا، وتوضّؤوا وسَقَوا الركاب، وملؤوا الأسقية، وأطفأ الغبارَ، ولبَّد الأرض حتى ثبتت عليهم الأقدام، وزالت عنهم وسوسة الشيطان، وطابت أنفسهم، فذلك قوله تعالى: "ويُنزّل عليكم من السماء ماء ليطهركم به" من الأحداث والجنابة.

{وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ ٱلشَّيْطَـٰنِ}، ووسوسته، {وَلِيَرْبِطَ عَلَىٰ قُلُوبِكُمْ}، باليقين والصبر، {وَيُثَبِّتَ بِهِ ٱلأَقْدَامَ}، حتى لا تسوخ في الرمل بتلبيد الأرض. وقيل: يثبت به الأقدام بالصبر وقوّة القلب.

{إِذْ يُوحِى رَبُّكَ إِلَى ٱلْمَلَـٰئِكَةِ}، الذين أمدّ بهم المؤمنين، {أَنِّي مَعَكُمْ}، بالعون والنصرة، {فَثَبِّتُواْ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ}، أي: قَوُّوا قلوبهم، قيل: ذلك التثبيت حضورهم معهم القتال ومعونتهم، أي: ثبتوهم بقتالكم معهم المشركين.

وقال مقاتل: أي: بشّروهم بالنصر، وكان المَلَكُ يمشي أمام الصف في صورة الرجل ويقول: أبشروا فإن الله ناصرُكم. {سَأُلْقِى فِي قُلُوبِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلرُّعْبَ}، قال عطاء: يريد الخوف من أوليائي، {فَٱضْرِبُواْ فَوْقَ ٱلأَعْنَـٰقِ}، قيل: هذا خطاب مع المؤمنين. وقيل: هذا خطاب مع الملائكة، وهو متصل بقوله: "فثبّتوا الذين آمنوا"، وقوله: "فوق الأعناق"، قال عكرمة: يعني الرؤوس لأنها فوق الأعناق. وقال الضحاك: معناه فاضربوا الأعناق، وفوق صلة كما قال تعالىٰ:

{ { فَإِذَا لَقِيتُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَضَرْبَ ٱلرِّقَابِ } } [محمد: 4]، وقيل: معناه فاضربوا على الأعناق. فوق بمعنى: على.

{وَٱضْرِبُواْ مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ}، قال عطية: يعني كل مفصل. وقال ابن عباس وابن جريج والضحاك: يعني الأطراف. والبَنَانُ جمع بنانة، وهي أطراف أصابع اليدين والرجلين. قال ابن الأنباري: كانت الملائكة تعلم كيف تقتل الآدميين فعلّمهم الله عزّ وجلّ.

أخبرنا إسماعيل بن عبدالقاهر الجرجاني أنا عبدالغافر بن محمد الفارسي، أنا محمد بن عيسى الجلودي، ثنا إبراهيم بن محمد بن سفيان، ثنا مسلم بن الحجاج، ثنا زهير بن حرب، ثنا عمر بن يونس الحنفي، ثنا عكرمة بن عمار، ثنا أبو زميل هو سماك الحنفي ثني عبدالله بن عباس قال:

بينما رجل من المسلمين يومئذ يشتد في أثر رجل من المشركين أمامه، إذ سمع ضربة بالسوط فوقه، وصوت الفارس يقول: أقدم حَيْزُوم، إذ نظر إلى المشرك أمامه فخرّ مستلقياً، فنظر إليه فإذا هو قد حطم أنفه وشُقّ وجهه لضربة السَّوْط فاخضرَّ ذلك أجمعُ، فجاء الأنصاري فحدّث رسولَ الله صلى الله عليه وسلم فقال: «صدقتَ، ذلك من مَدَدِ السماء الثالثة». فقتلوا يومئذ سبعين وأسروا سبعين. ورُوي عن أبي داود المازني وكان شهد بدراً قال: إني لأتبع رجلاً من المشركين لأضربه إذ وقع رأسه قبل أن يصل إليه سيفي، فعرفت أنه قد قتله غيري.

ورَوى أبو أُمامة بن سهل بن حنيف عن أبيه قال: الله، لقد رأيتنا يوم بدر، وإن أحدنا ليشير بسيفه إلى المشرك فيقع رأسه عن جسده قبل أن يصل إليه السيف.

وقال عكرمة: قال أبو رافع مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم: كنتُ غلاماً للعباس بن عبدالمطلب رضي الله عنه، وكان الإسلام قد دخلنا أهل البيت، وأسلمتْ أمُّ الفضل وأسلمتُ، وكان العباس يهاب قومه ويكره خلافهم، وكان يكتم إسلامه، وكان ذا مال كثير متفرق في قومه، وكان أبو لهب عدوّ الله قد تخلّف عن بدر وبعث مكانه العاص بن هشام بن المغيرة، فلما جاء الخير عن مصاب أصحاب بدر كَبَته الله وأخزاه، ووجدنا في أنفسنا قوةً وعزّاً وكنتُ رجلاً ضعيفاً وكنت أعمل القداح وأنحتها في حجرة زمزم، فوالله إني لجالس أنحت القداح، وعندي أم الفضل جالسة، إذ أقبل الفاسق أبو لهب يجرُّ رجليه حتى جلس على طَنَبِ الحجرة، فكان ظهره إلى ظهري، فبينا هو جالس إذ قال الناس: هذا أبو سفيان بن الحارث بن عبدالمطلب قد قدم، فقال أبو لهب: إليّ يا بن أخي فعندك الخبر، فجلس إليه والناس قيام عليه، قال: يا بن أخي أخبرني كيف كان أمر الناس؟ قال: لا شيء والله إن كان إلاّ أن لقيناهم فمنحناهم أكتافنا يقتلوننا ويأسروننا كيف شاؤوا وايْمُ الله مع ذلك ما لُمْتُ الناس، لقينا رجالاً بيضاً على خيل بُلْق بين السماء والأرض، لا والله ما تليق شيئاً ولا يقوم لها شيء، قال أبو رافع: فرفعت طنب الحجرة بيدي، ثم قلت: تلك والله الملائكة، قال: فرفع أبو لهب يده فضرب وجهي ضربة شديدة، فثاورته، فاحتملني فضرب بي الأرض، ثم برك عليّ يضربني، وكنت رجلاً ضعيفاً فقامت أمُّ الفضل إلى عمود من عُمُد الحجرة، فأخذته فضربته به ضربةً فلقت في رأسه شجّة منكرة، وقالت: تستضعفه إن غاب عنه سيّده؟ فقام مُولّياً ذليلاً، فوالله ما عاش إلا سبع ليال حتى رماه الله بالعدسة فقتلته".

وروىَ مقسم عن ابن عباس قال: كان الذي أسر العباس أبو اليسر، كعب بن عمرو أخو بني سلمة، وكان أبو اليسر رجلاً مجموعاً، وكان العباس رجلاً جسيماً، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي اليسر، كيف أسَرْتَ العباس؟ قال: يا رسول الله لقد أعانني عليه رجل ما رأيتُه قبل ذلك ولا بعده، هيئتُهُ كذا وكذا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لقد أعانك عليه ملك كريم»».

ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ شَآقُّوا۟ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَمَن يُشَاقِقِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَإِنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ ۝١٣ ذَٰلِكُمْ فَذُوقُوهُ وَأَنَّ لِلْكَٰفِرِينَ عَذَابَ ٱلنَّارِ ۝١٤ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِذَا لَقِيتُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ ٱلْأَدْبَارَ ۝١٥ وَمَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُۥٓ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِّقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَىٰ فِئَةٍ فَقَدْ بَآءَ بِغَضَبٍ مِّنَ ٱللَّهِ وَمَأْوَىٰهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ ۝١٦

{ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللهَ} خالفوا الله، {وَرَسُولَهُ وَمَن يُشَاقِقِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ}.

{ذٰلِكُمْ}، أي: هذا العذاب والضرب الذي عجلته لكم أيها الكفار ببدر، {فَذُوقُوهُ}، عاجلاً، {وَأَنَّ لِلْكَـٰفِرِينَ}، أي: واعلموا وأيقنوا أن للكافرين أجلاً في المعاد، {عَذَابَ ٱلنَّارِ}.

روى عكرمة عن ابن عباس قال:

قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم حين فرغ من بدر: عليك بالعير ليس دونها شيء، فناداه العباس وهو أسير في وثاقه: لا يصلح لك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"لِمَه؟"قال: لأن الله تعالى وعدك إحدى الطائفتين وقد أعطاك وما وعدك ».

قوله عزّ وجلّ: {يَـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوۤاْ إِذَا لَقِيتُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ زَحْفاً}، أي مجتمعين متزاحمين بعضكم إلى بعض، والتزاحف: التداني في القتال: والزحف مصدر ولذلك لم يُجْمع؛ كقولهم: قوم عدل ورضاً. قال الليث: الزحف جماعة يزحفون إلى عدوٍ لهم بمرة، فهم الزحف والجمع الزحوف. {فَلاَ تُوَلُّوهُمُ ٱلأَدْبَارَ}، يقول: فلا تولوهم ظهوركم، أي: تنهزموا فإن المنهزم يولى دُبره.

{وَمَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ}، ظهره، {إِلاَّ مُتَحَرِّفاً لِّقِتَالٍ}، أي: منعطفاً يري من نفسه الانهزام، وقصده طلب الغِرَّة وهو يريد الكرة، {أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلَىٰ فِئَةٍ}، أي: منضماً صائراً إلى جماعة من المؤمنين يريد العود إلى القتال. ومعنى الآية: النهي عن الانهزام من الكفار والتولّي عنهم، إلاّ على نية التحرّف للقتال والانضمام إلى جماعة من المسلمين ليستعين بهم ويعود إلى القِتال، فمن ولّى ظهره لا على هذه النية لحقه الوعيد؛ كما قال تعالى: {فَقَدْ بَآءَ بِغَضَبٍ مِّنَ ٱللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ}، واختلف العلماء في هذه الآية فقال أبو سعيد الخدري: هذا في أهل بدر خاصة، ما كان يجوز لهم الانهزام لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان معهم، ولم يكن لهم فئة يتحيّزون إليها دون النبي صلى الله عليه وسلم، ولو انحازُوا لانحازُوا إلى المشركين، فأمّا بعد ذلك فإن المسلمين بعضهم فئة لبعض، فيكون الفارُّ متحيّزاً إلى فئة فلا يكون فراره كبيرة، وهو قول الحسن وقتادة والضحاك.

قال يزيد بن أبي حبيب: أوجب الله النار لمن فرَّ يوم بدر، فلما كان يوم أُحد بعد ذلك قال:

{ { إِنَّمَا ٱسْتَزَلَّهُمُ ٱلشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُواْ وَلَقَدْ عَفَا ٱللَّهُ عَنْهُمْ } } [آل عمران: 155]، ثم كان يوم حُنين بعده فقال: { { ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ } } [التوبة: 25]، { { ثُمَّ يَتُوبُ ٱللَّهُ مِن بَعْدِ ذٰلِكَ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ } } [التوبة: 27].

وقال عبدالله بن عمر: كنّا في جيش بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فحاص الناس حيصة فانهزمنا، فقلنا: يا رسول الله نحن الفرّارون، قال:

بل أنتم الكرّارون، إنا فئة المسلمين».

وقال محمد بن سيرين: لما قُتل أبو عبيدة جاء الخبر إلى عمر فقال: لو انحاز إليّ كنت له فئة فإنّا فئة كل مسلم.

وقال بعضهم: حكم الآية عام في حقّ كل من ولّى منهزماً.جاء في الحديث:

من الكبائر الفِرَارُ من الزحف».

وقال عطاء بن أبي رباح: هذه الآية منسوخة بقوله عزّ وجلّ:

{ { ٱلآنَ خَفَّفَ ٱللَّهُ عَنكُمْ } } [الأنفال: 66]، فليس لقوم أن يفرّوا من [مثلهم] فنسخت تلك إلاّ في هذه العدة، وعلى هذا أكثر أهل العلم أن المسلمين إذا كانوا على الشطر من عدوّهم لا يجوز لهم أن يفرّوا أو يوّلوا ظهورهم إلاّ متحرّفاً لقتالٍ أو متحيّزاً إلى فئة، وإن كانوا أقلّ من ذلك جاز لهم أن يُولّوا ظهورهم وينحازوا عنهم. قال ابن عباس: "مَنْ فرَّ من ثلاثة فلم يفر، ومن اثنين فقد فرّ".

فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ رَمَىٰ وَلِيُبْلِىَ ٱلْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلَآءً حَسَنًا إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ۝١٧

قوله تعالى: {فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ قَتَلَهُمْ}، قال مجاهد: سبب نزول هذه الآية أنهم لمّا انصرفُوا عن القتال كان الرجل يقول: أنا قتلتُ فلاناً ويقول الآخر مثله، فنزلت الآية. ومعناه: فلم تقتلوهم أنتم بقوّتكم ولكنّ الله قتلهم [بنصره] إيّاكم وتقويته لكم.

وقيل: ولكن الله قتلهم بإمداد الملائكة.

{وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ رَمَىٰ}. قال أهل التفسير والمغازي:

ندب رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس، فانطلقوا حتى نزلوا بدراً، ووردتْ عليهم روايا قريش، وفيهم أسلم، غلامٌ أسود لبني الحجاج، وأبو يسار، غلام لبني العاص بن سعيد، فأتوا بهما رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال لهما: أين قريش؟ قالا: هم وراء هذا الكثيب الذي ترى بالعدوة القصوى، - والكثيب: العقنقل - فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كَمِ القوم؟ قالا: كثير، قال: ما عِدّتُهم؟ قالا: لا ندري، قال: كم ينحرون كلّ يوم؟ قالا: يوماً عشرة ويوماً تسعة، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: القوم ما بين التسع مائة إلى الألف، ثم قال لهما: فمن فيهم من أشراف قريش؟ قالا: عتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، وأبو البختري ابن هشام، وحكيم بن حزام، والحارث بن عامر، وطعيمة بن عدي، والنضر بن الحارث، وأبو جهل بن هشام، وأميّة بن خلف، ونبيه ومُنبّه ابنا الحجاج، وسُهيل بن عمرو. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هذه مكة قد ألقت إليكم أفلاذ كبدها، فلما أقبلت قريش ورآها رسول الله صلى الله عليه وسلم تصوب من العقنقل، وهو الكثيب الذي جاؤوا منه إلى الوادي قال لهم: هذه قريش قد أقبلت بخيلائها وفخرها تحادّك وتُكذّب رسولك، اللّهمَّ فنصرَكَ الذي وعدتني، فأتاه جبريل عليه السلام وقال له: خذْ قبضةً من تراب فارمِهِم بها، فلمّا التقى الجمعان تناول كفّاً من حصى عليه تراب فرمى به في وجوه القوم، وقال: شاهتِ الوجوه، فلم يبق منهم مشرك إلاّ ودخل في عينيه وفمه ومنخريه منها شيء، فانهزموا ورَدَفهم المؤمنون يقتلونهم ويأسرونهم ».

وقال قتادة وابن زيد: ذكر لنا

أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذ يوم بدر ثلاثَ حصيات فرمَى بحصاة في ميمنة القوم وحصاة في ميسرة القوم وحصاة بين أظهرهم، وقال: شاهتِ الوجوه، فانهزموا، فذلك قوله تعالى: «وما رَميتَ إِذْ رميتَ ولـكنّ الله رَمَى»، إذْ ليس في وسع أحد من البشر أن يرمي كفاً من الحصا إلى وجوه جيش فلا يبقى فيهم عين إلاّ ويصيبها منه شيء.

وقيل: معنى الآية وما بلَّغْتَ إذّ رميت ولكنّ الله بلّغ.

وقيل: وما رميت بالرعب في قلوبهم إذْ رميت بالحصباء ولكنّ الله رمى بالرعب في قلوبهم حتى انهزموا، {وَلِيُبْلِىَ ٱلْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاۤءً حَسَنًا}، أي: ولينعم على المؤمنين نعمةً عظيمةً بالنصر والغنيمة، {إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ} لدعائكم، {عَلِيمٌ} بنيّاتكم.

ذَٰلِكُمْ وَأَنَّ ٱللَّهَ مُوهِنُ كَيْدِ ٱلْكَٰفِرِينَ ۝١٨ إِن تَسْتَفْتِحُوا۟ فَقَدْ جَآءَكُمُ ٱلْفَتْحُ وَإِن تَنتَهُوا۟ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَإِن تَعُودُوا۟ نَعُدْ وَلَن تُغْنِىَ عَنكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْـًٔا وَلَوْ كَثُرَتْ وَأَنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ۝١٩

{ذَلِكُم} الذي ذكرت من القتل والرمي والبلاء الحسن، {وَأَنَّ ٱللَّهَ}، قيل: فيه إضمار، أي: واعلموا أن الله {مُوهِنُ}، مضعف، {كَيْدِ ٱلْكَـٰفِرِينَ}، قرأ ابن كثير ونافع وأهل البصرة: "موهِّنٌ" بالتشديد والتنوين، "كَيْد" نَصْبٌ، وقرأ الآخرون "موهِن" بالتخفيف والتنوين إلاّ حفصاً، فإنه يضيفه فلا ينون ويخفض "كيدِ".

قوله تعالى: {إِن تَسْتَفْتِحُواْ فَقَدْ جَآءَكُمُ ٱلْفَتْحُ}، وذلك أن أبا جهل قال يوم بدر لمّا التقى الناس: اللهم أقطعنا للرحم وآتانا بما لم نعرف فأحِنْهُ الغداة، فكان هو المستفتح على نفسه.

أخبرنا عبدالواحد بن أحمد المليحي، أنا أحمد بن عبدالله النعيمي أنا محمد بن يوسف، ثنا محمد بن إسماعيل، ثنا يعقوب بن إبراهيم حدثنا إبراهيم بن سعد عن أبيه عن جده قال: قال عبدالرحمن بن عوف: إني لفي الصف يوم بدر إذ التفتُّ فإذا عن يميني وعن يساري فَتَيَان، حديثا السن، فكأني لم آمن بمكانهما، إذ قال لي أحدهما سراً من صاحبه: يا عمّ أرني أبا جهل، فقلت: يا ابن أخي وما تصنع به؟ فقال: عاهدتُ اللَّهُ عزّ وجلّ إن رأيته أن أقتله أو أموت دونه. فقال لي الآخر سراً من صاحبه مثله، فما سرّني أني بين رجلين بمكانهما، فأشرت لهما إليه، فشدَّا عليه مثل الصَّقْرَينِ حتى ضرباه، وهما ابنا عفراء.

وأخبرنا عبدالواحد بن أحمد المليحي، أنا أحمد بن عبدالله النعيمي، أنا محمد بن يوسف، ثنا محمد بن إسماعيل، ثنا محمد بن المثنى، ثنا ابن أبي عدي، عن سليمان التيمي عن أنس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بدر:

مَنْ ينظرُ لنا ما فعل أبو جهل؟ قال: فانطلق ابن مسعود فوجده قد ضربه ابنا عفراء حتى بَرَدَ، قال: فأخذ بلحيته فقال: أنت أبو جهل؟ قال: وهل فوق رجل قتله قومه أو قتلتموه.

قال محمد بن إسحاق: حدّثني عبدالله بن أبي بكر قال: قال معاذ بن عمرو بن الجموح لما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من غزوة أمر بأبي جهل بن هشام أن يُلتمس في القتلى، وقال:

اللّهم لا يعجزنّك، قال: فلما سمعتها جعلته من شأني فعمدت نحوه فضربته ضربة أطَّنت قدمه بنصف ساقه، قال: وضربني ابنهُ عكرمةُ على عاتقي، فَطَرَحَ يدي فتعلَّقَتْ بجلدة من جَنْبِي، وأجهضني القتالُ عنه، فلقد قاتلتُ عامَّة يومي، وإني لأسْحبُها خلفي، فلما آذتني جعلت عليها قدمي ثمّ تمطَّيْتُ بها حتى طرحتها، ثم مرّ بأبي جهل وهو عَقِيْرٌ معوَّذ بن عفراء، فضربه حتى أثْبته فتركه وبه رَمَقٌ، فمرّ عبدالله بن مسعود بأبي جهل، قال عبدالله بن مسعود: وجدته بآخر رمق فعرفته فوضعت رجلي على عنقه، ثم قلت: هل أخزاك الله يا عدوّ الله؟ قال: وبماذا أخزاني، أعْمَدُ من رجلٍ قتلتموه، أخْبِرْني لمنِ الدائرة؟ قلت: لله ولرسوله.

ورُوي عن ابن مسعود أنّه قال: قال لي أبو جهل: لقد ارتقيت يا رُويْعِيَ الغنم مرْتقىً صعباً، ثم احتززت رأسه ثم جئت به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت: يا رسول الله هذا رأس أبي جهل، فقال:

الله الذي لا إله غيره؟ قلت: نعم والذي لا إله غيره، ثم ألقيته بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم فحمد الله عزّ وجلّ.

وقال السدي والكلبي: كان المشركون حين خرجوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم من مكة أخذوا بأستار الكعبة وقالوا: اللّهمّ انصر أعلى الجندين وأهدى الفئتين وأكرم الحزبين أفضل الدينين، ففيه نزلت: "إِنْ تستفِتحوا فقد جاءَكم الفتحُ"، أي: إن تستنصروا فقد جاءكم النصر.

وقال عكرمة: قال المشركون: والله لا نعرف ما جاء به محمد فافتح بيننا وبينه بالحق، فأنزل الله عزّ وجلّ: "إِن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح"، أي: إن تستقضوا فقد جاءكم القضاء.

وقال أُبيّ بن كعب: هذا خطاب لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال الله تعالى للمسلمين: "إِن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح"، أي: إن تستنصروا فقد جاءكم الفتح والنصر.

أخبرنا أحمد بن عبدالله الصالحي أنا أحمد بن الحسن الحيري أنا حاجب بن أحمد الطوسي ثنا عبدالرحيم بن منيب ثنا الفضل بن موسى ثنا إسماعيل بن خالد عن قيس عن خباب رضي الله عنه قال: شكونا إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو متوسد بردة في ظل الكعبة، وقد لقينا من المشركين شدة، فقلنا: ألا تدعو الله لنا، ألا تستنصر الله لنا؟ فجلس محمارّاً وجهه، فقال لنا:

لقد كان مَنْ قبلكم يؤخذ بالرجل، فيحفر له في الأرض ثم يُجاء بالمنشار فيجعل فوق رأسه ثم يجعل بفرقتين ما يصرفه ذلك عن دينه، ويمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه من عظم وعصب، ما يصرفه عن دينه، والله لَيُتِمنَّ هذا الأمرُ حتى يسير الراكب منكم من صنعاء إلى حضرموت لا يخشى إلا الله، ولكنكم تعجلون».

قوله: {وَإِن تَنتَهُواْ}، يقول للكفار: إن تنتهوا عن الكفر بالله وقتال نبيّه صلى الله عليه وسلم، {فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَإِن تَعُودُواْ}، لحربه وقتاله، {نَعُدْ} بمثل الواقعة التي أوقعت بكم يوم بدر. وقيل: وإن تعودوا إلى الدعاء والاستفتاح نَعُدْ للفتح لمحمد صلى الله عليه وسلم، {وَلَن تُغْنِىَ عَنكُمْ فِئَتُكُمْ}، جماعتكم، {شَيْئاً وَلَوْ كَثُرَتْ وَأَنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلْمُؤْمِنِينَ}، قرأ أهل المدينة وابن عامر وحفص "وأَن الله" بفتح الهمزة، أي: ولأن الله مع المؤمنين، كذلك "ولنْ تُغنيَ عنكم فئتكم شيئاً"، وقيل: هو عطف على قوله: "ذلكم وأن الله مُوهن كيد الكافرين"، وقرأ الآخرون: "وإنَّ الله" بكسر الألف على الابتداء.

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ أَطِيعُوا۟ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَلَا تَوَلَّوْا۟ عَنْهُ وَأَنتُمْ تَسْمَعُونَ ۝٢٠ وَلَا تَكُونُوا۟ كَٱلَّذِينَ قَالُوا۟ سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ ۝٢١ إِنَّ شَرَّ ٱلدَّوَآبِّ عِندَ ٱللَّهِ ٱلصُّمُّ ٱلْبُكْمُ ٱلَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ ۝٢٢ وَلَوْ عَلِمَ ٱللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَّأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوا۟ وَّهُم مُّعْرِضُونَ ۝٢٣

قوله تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ} أي: لا تُعرضوا عنه، {وَأَنتُمْ تَسْمَعُونَ}، القرآن ومواعظه.

{وَلاَ تَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ قَالُواْ سَمِعْنَا وَهُمْ لاَ يَسْمَعُونَ} أي: يقولون بألسنتهم سمعنا بآذاننا وهم لا يسمعون، أي: لا يتّعظون ولا ينتفعون بسماعهم فكأنهم لم يسمعوا.

قوله تعالى: {إِنَّ شَرَّ ٱلدَّوَآبِّ عند اللهِ}، أي: شرّ من دبّ على وجه الأرض [من خلق الله]، {ٱلصُّمُّ ٱلْبُكْمُ}، عن الحق فلا يسمعونه ولا يقولونه، {ٱلَّذِينَ لاَ يَعْقِلُونَ} أَمْرَ الله عزّ وجلّ سمّاهم {ٱلدَّوَابِّ} لقلّة انتفاعهم بعقولهم؛ كما قال تعالى:

{ { أُوْلَـٰئِكَ كَٱلأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ } } [الأعراف: 179]، قال ابن عباس: هم نفر من بني عبدالدار بن قصي، كانوا يقولون: نحن صُمٌّ بُكمٌ عُمي عمّا جاء به محمد، فقُتلوا جميعاً بأُحد، وكانوا أصحاب اللّواء لم يسلم منهم إلا رجلان مصعب بن عُمير وسويبط بن حرملة.

{وَلَوْ عَلِمَ ٱللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لأَسْمَعَهُمْ} أي: لأسمعهم سماع التفهّم والقبول، {وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ}، بعد أن علم أنّ لا خير فيهم ما انتفعوا بذلك، {لَتَوَلَّواْ وَّهُم مُّعْرِضُونَ}، لعنادهم وجحودهم الحق بعد ظهوره. وقيل: إنهم كانوا يقولون للنبي صلى الله عليه وسلم: أحيي لنا قصياً فإنه كان شيخاً مباركاً حتى يشهد لك بالنبوة فنؤمن بك، فقال الله عزّ وجلّ: "ولو أسمعهم" كلام قصي "لتولَّوا وهم معرضون".

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱسْتَجِيبُوا۟ لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّ ٱللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ ٱلْمَرْءِ وَقَلْبِهِۦ وَأَنَّهُۥٓ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ ۝٢٤ وَٱتَّقُوا۟ فِتْنَةً لَّا تُصِيبَنَّ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوا۟ مِنكُمْ خَآصَّةً وَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ ۝٢٥

قوله تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱسْتَجِيبُواْ لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ}، يقول: أجيبوهما بالطاعة، {إِذَا دَعَاكُمْ}، الرسول صلى الله عليه وسلم، {لِمَا يُحْيِيكُمْ}، أي: إلى ما يُحييكم. قال السدي: هو الإيمان، لأن الكافر ميت فيحيا بالإيمان.

وقال قتادة: هو القرآن فيه الحياة وبه النجاة والعصمة في الدارين.

وقال مجاهد: هو الحق.

وقال ابن إسحاق: هو الجهاد أعزّكم الله به بعد الذلّ.

وقال القتيبي: بل الشهادة، قال الله تعالى في الشهداء:

{ { بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ } } [آل عمران: 169].

وروينا

أن النبي صلى الله عليه وسلم مرّ على أُبيّ بن كعب، رضي الله عنه، وهو يصلي، فدعاه فعجل أُبي في صلاته، ثم جاء فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما منعك أن تُجِيْبَنِي إذْ دعوتُك؟ قال: كنت في الصلاة، قال: أليس يقول الله عزّ وجلّ: {يأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱسْتَجِيبُواْ لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ}؟ فقال: لا جرم يا رسول الله لا تدعوني إلاّ أجبت وإن كنت مصلياً»

قوله تعالى: {وَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ ٱلْمَرْءِ وَقَلْبِهِ}، قال سعيد بن جبير وعطاء: يحول بين المؤمن والكفر، وبين الكافر والإيمان.

وقال الضحاك: يحول بين الكافر والطاعة، ويحول بين المؤمن والمعصية.

وقال مجاهد: يحول بين المرء وقلبه فلا يعقل ولا يدري ما يعمل.

وقال السدي: يحول بين الإنسان وقلبه فلا يستطيع أن يؤمن ولا أن يكفر إلا بإذنه.

وقيل: هو أنّ القوم لمّا دُعُوا إلى القتال في حالة الضعف ساءت ظنونهم واختلجت صدورهم فقيل لهم: قاتلوا في سبيل الله واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه فيبدل الله الخوف أمناً والجبن جُرْأةً وشجاعة. {وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ}، فيجزيكم بأعمالكم.

أخبرنا أحمد بن عبدالله الصالحي، أنا أحمد بن الحسن الحيري، أنا حاجب بن أحمد الطوسي، أنا محمد بن حماد ثنا أبو معاوية عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن أنس بن مالك قال:

كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكثر أن يقول: «يا مُقَلِّبَ القُلوبِ ثبتْ قلبي على دينِك»، قالوا: يا رسول الله آمنّا بك وبما جئت به فهل تخاف علينا؟ قال: «القلوبُ بينَ أصبعين من أصابع الله يُقلّبها»».

{وَٱتَّقُواْ فِتْنَةً}، اختباراً وبلاءً {لاَّ تُصِيبَنَّ}، قوله: "لا تصيبن" ليس بجزاء محض، ولو كان جزاءً لم تدخل فيه النون، لكنه نفي، وفيه طرف من الجزاء؛ كقوله تعالى:

{ { يٰأَيُّهَا ٱلنَّمْلُ ٱدْخُلُواْ مَسَاكِنَكُمْ لاَ يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ } } [النمل: 18] وتقديره واتقوا فتنة إنْ لم تتقوها أصابتكم، فهو كقول القائل: انزل عن الدابة لا تطرحنّك، فهو جواب الأمر بلفظ النفي، معناه: إن تنزل لا تطرحك.

قال المفسرون: نزلت هذه الآية في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعناه: اتقوا فتنة تصيب الظالم وغير الظالم.

قال الحسن: نزلت في عليّ وعمّار وطلحة والزبير رضي الله عنهم. قال الزبير: لقد قرأنا هذه الآية زماناً وما أرانا من أهلها فإذا نحن المعنيون بها، يعني ما كان يوم الجمل.

وقال السدي ومقاتل والضحاك وقتادة: هذا في قوم مخصوصين من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أصابتهم الفتنة يوم الجمل.

وقال ابن عباس: أمر الله عزّ وجلّ المؤمنين أن لا يُقِرُّوا المُنكَرَ بَيْنَ أظهرهم فيعمهم اللهُ بعذاب يصيب الظالم وغير الظالم.

أخبرنا محمد بن عبدالله بن أبي توبة أنا أبو طاهر الحارثي، أنا محمد بن يعقوب الكسائي أنا عبدالله بن محمود أنا إبراهيم بن عبدالله الخلال ثنا عبدالله بن المبارك عن سيف بن أبي سليمان، قال: سمعت عدي بن عدي الكندي يقول: حدّثني مولىً لنا أنه سمع جدي يقول: سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:

إنّ الله لا يُعذبُ العامّةَ بعملِ الخاصة حتى يَرَوْا المُنْكرَ بين ظهرانيهم وهم قادرون على أن يُنكروه فلا ينكروه، فإذا فعلوا ذلك عذب الله العامة والخاصة. وقال ابن زيد: أراد بالفتنة افتراق الكلمة ومخالفة بعضهم بعضاً.

أخبرنا عبد الواحد المليحي، أنا أحمد بن عبدالله النعيمي، أنا محمد بن يوسف ثنا محمد بن إسماعيل، ثنا أبو اليمان، أنا شعيب، عن الزهري أخبرني أبو سلمة بن عبدالرحمن، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

ستكونُ فِتنٌ القاعدُ فيها خير من القائم، والقائم فيها خير من الماشي، والماشي فيها خيرٌ من الساعي، من تشرّفَ لها تستشرفه، فمن وجد ملجأً أو معاذاً فليَعُذْ بِهِ».

قوله: {لاَّ تُصِيبَنَّ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَآصَّةً}، يعني: العذاب، {وَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ}.

السبت، 31 أكتوبر 2026 20 جمادى الأولى 1448 هـ