انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة الأنفال

تفسير الطبريالآيات 33–39

تفسير سورة الأنفال آية آية، من تفسير الطبري.

استمع إلى تفسير سورة الأنفال

الخلاصة من تفسير الطبري · 4 مقاطع · 1:06:51

  1. 1 الآيات 22–40في هذه الصفحة 15:04

التفسير الصوتي لسورة الأنفال كاملًا (4 مقاطع)

وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ ٱللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ۝٣٣ وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ ٱللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ وَمَا كَانُوٓا۟ أَوْلِيَآءَهُۥٓ إِنْ أَوْلِيَآؤُهُۥٓ إِلَّا ٱلْمُتَّقُونَ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ۝٣٤

اختلف أهل التأويـل فـي تأويـل ذلك، فقال بعضهم: تأويـله: {وَما كانَ اللّهُ لِـيُعَذِّبَهُمْ وأنْت فِـيهِمْ}: أي وأنت مقـيـم بـين أظهرهم. قال: وأنزلت هذه علـى النبـيّ صلى الله عليه وسلم وهو مقـيـم بـمكة. قال: ثم خرج النبـيّ صلى الله عليه وسلم من بـين أظهرهم، فـاستغفر من بها من الـمسلـمين، فأنزل بعد خروجه علـيه حين استغفر أولئك بها: {وَما كانَ الله مُعَذّبَهُمْ وهُمْ يَسْتَغْفِرونَ}. قال: ثم خرج أولئك البقـية من الـمسلـمين من بـينهم، فعذّب الكفـار. ذكر من قال ذلك.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يعقوب، عن جعفر بن أبـي الـمغيرة، عن ابن أبزى، قال: كان النبـيّ صلى الله عليه وسلم بـمكة، فأنزل الله: {وَما كانَ اللّهُ لِـيُعَذِّبَهُمْ وأنْتَ فِـيهِمْ}. قال: فخرج النبـيّ صلى الله عليه وسلم إلـى الـمدينة، فأنزل الله: {وَما كانَ اللّهُ مُعَذبَهُمْ وهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ}. قال: فكان أولئك البقـية من الـمسلـمين الذين بقوا فـيها يستغفرون، يعنـي بـمكة فلـما خرجوا أنزل الله علـيه: {وَما لَهُمْ ألاَّ يُعَذّبَهُمُ اللّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الـمَسْجِدِ الـحَرَامِ وَما كانُوا أوْلِـياءَهُ} قال: فأذن الله له فـي فتـح مكة، فهو العذاب الذي وعدهم.

حدثنـي يعقوب، قال: ثنا هشيـم، قال: أخبرنا حصين، عن أبـي مالك، فـي قوله: {وَما كانَ الله لِـيُعَذّبَهُمْ وأنْت فِـيهِمْ} يعنـي النبـيّ صلى الله عليه وسلم. {وَما كانَ اللّهُ مُعَذّبَهُمْ وهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ} يعنـي: من بها من الـمسلـمين. {وَمَا لَهُمْ ألاَّ يُعَذّبَهُمُ اللّهُ} يعنـي مكة، وفـيها الكفـار.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا عمرو بن عون، قال: أخبرنا هشيـم، عن حصين، عن أبـي مالك، فـي قول الله: {وَما كانَ اللّهُ لِـيُعَذّبَهُمْ} يعنـي: أهل مكة. {وَما كانَ اللّهُ مُعَذّبَهُمْ} وفـيهم الـمؤمنون، يستغفرون يغفر لـمن فـيهم من الـمسلـمين.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا إسحاق بن إسماعيـل الرازي وأبو داود الـحفري، عن يعقوب، عن جعفر، عن ابن أبزى: {وَما كانَ اللّهُ مُعَذّبَهُمْ وهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ} قال: بقـية من بقـي من الـمسلـمين منهم، فلـما خرجوا، قال: {وَما لَهُمْ ألاَّ يُعَذّبَهُمُ اللّهُ}.

قال: ثنا عمران بن عيـينة، عن حصين، عن أبـي مالك: {وَما كانَ اللّهُ لِـيُعَذّبَهُمْ وأنْتَ فِـيهِمْ} قال: أهل مكة.

وأخبرنا أبـيّ، عن سلـمة بن نبـيط، عن الضحاك: {وَما كانَ اللّهُ مُعَذّبَهُمْ وهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ} قال: الـمؤمنون من أهل مكة. {وَما لَهُمْ ألاَّ يُعَذّبَهُمُ اللّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الـمَسْجِدِ الـحَرَامِ} قال: الـمشركون من أهل مكة.

قال: ثنا أبو خالد، عن جويبر، عن الضحاك: {وَما كانَ اللّهُ مُعَذّبَهُمْ وهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ} قال: الـمؤمنون يستغفرون بـين ظهرانـيهم.

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس قوله: {وَما كانَ اللّهُ مُعَذّبَهُمْ وهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ} يقول: الذين آمنوا معك يستغفرون بـمكة، حتـى أخرجك والذين آمنوا معك.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، قال: قال ابن جريج، قال: ابن عبـاس: لـم يعذّب قرية حتـى يخرج النبـيّ منها والذين آمنوا معه ويـلـحقه بحيث أمر. {وَما كانَ اللّهُ مُعَذّبَهُمْ وهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ} يعنـي الـمؤمنـين. ثم عاد إلـى الـمشركين، فقال: {وَما لَهُمْ ألاَّ يُعَذّبَهُمُ اللّهُ}.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله: {وَما كانَ اللّهُ لِـيُعَذّبَهُمْ وأنْتَ فِـيهِمْ} قال: يعنـي أهل مكة.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: وما كان الله لـيعذّب هؤلاء الـمشركين من قريش بـمكة وأنت فـيهم يا مـحمد، حتـى أخرجك من بـينهم. {وَما كانَ اللّهُ مُعَذّبَهُمْ} وهؤلاء الـمشركون يقولون: يا ربّ غفرانك وما أشبه ذلك من معانـي الاستغفـار بـالقول. قالوا: وقوله: {وَما لهُمْ ألاَّ يُعَذُّبَهُمُ اللّهُ} فـي الآخرة. ذكر من قال ذلك.

حدثنا أحمد بن منصور الرمادي، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا عكرمة، عن أبـي زميـل، عن ابن عبـاس: إن الـمشركين كانوا يطوفون بـالبـيت يقولون: لبـيك لا شريك لك لبـيك، فـيقول النبـيّ صلى الله عليه وسلم: «قَدْ قَدْ» فـيقولون: لا شريك لك إلاَّ شريك هو لك تـملكه وما ملك، ويقولون: غفرانك غفرانك. فأنزل الله: {وَما كانَ اللّهُ لِـيُعَذّبَهُمْ وأنْتَ فِـيهِمْ وَما كانَ اللّهُ مُعَذّبَهُمْ وهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ}. فقال ابن عبـاس: كان فـيهم أمانان: نبـيّ الله والاستغفـار، قال: فذهب النبـيّ صلى الله عليه وسلم، وبقـي الاستغفـار. {وَما لَهُمْ ألاَّ يُعَذّبَهُمُ اللّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الـمَسْجِدِ الـحَرَامِ وَما كانُوا أوْلِـياءَهُ إنْ أوْلِـياؤُهُ إلاَّ الـمُتَّقُونَ} قال: فهذا عذاب الآخرة، قال: وذاك عذاب الدنـيا.

حدثنـي الـحرث، قال: ثنا عبد العزيز، قال: ثنا أبو معشر، عن يزيد بن رومان ومـحمد بن قـيس قالا: قالت قريش بعضها لبعض: مـحمد أكرمه الله من بـيننا

{ اللَّهُمَّ إنْ كانَ هَذَا هُوَ الـحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ، فَأمْطِرْ عَلَـيْنا... }الآية فلـما أمسوا ندموا علـى ما قالوا، فقالوا: غفرانك اللهمّ فأنزل الله: {وَما كانَ اللّهُ مُعَذّبَهُمْ وهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ... }إلـى قوله: لا يَعْلَـمُونَ.

حدثنـي ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن ابن إسحاق، قال: كانوا يقولون يعنـي الـمشركين: والله إن الله لا يعذّبنا ونـحن نستغفر، ولا يعذّب أمة ونبـيها معها حتـى يخرجه عنها وذلك من قولهم ورسول الله صلى الله عليه وسلم بـين أظهرهم، فقال الله لنبـيه صلى الله عليه وسلم يذكر له جهالتهم وغرّتهم واستفتاحهم علـى أنفسهم،

{ إذ قالوا اللَّهُمَّ إنْ كانَ هَذَا هُوَ الـحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأمْطِرْ عَلَـيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ }كما أمطرتها علـى قوم لوط، وقال حين نعى علـيهم سوء أعمالهم: {وَما كانَ اللّهُ لِـيُعَذّبَهُمْ وأنْتَ فِـيهِمْ وَما كانَ اللّهُ مُعَذّبَهُمْ وهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ}، أي بقولهم، وإن كانوا يستغفرون كما قال: {وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الـمَسْجِدِ الـحَرامِ} من آمن الله وعبده، أي أنت ومن تبعك.

حدثنا الـحسن بن الصبـاح البزار، قال: ثنا أبو بردة، عن أبـي موسى، قال: إنه كان فـيكم أمانان: قوله: {ومَا كانَ اللّهُ لِـيُعَذّبَهُمْ وأنْتَ فِـيهِمْ وَما كانَ اللّهُ مُعَذّبَهُمْ وهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ} قال: أما النبـيّ صلى الله عليه وسلم فقد مضى، وأما الاستغفـار فهو دائر فـيكم إلـى يوم القـيامة.

حدثنـي الـحرث، قال: ثنا عبد العزيز، قال: ثنا يونس بن أبـي إسحاق، عن عامر أبـي الـخطاب الثوريّ قال: سمعت أبـا العلاء يقول: كان لأمة مـحمد صلى الله عليه وسلم أمَنتان: فذهبت إحداهما، وبقـيت الأخرى: {وَما كانَ اللهُ لِـيُعَذّبَهُمْ وأنْتَ فِـيهِمْ...} الآية.

وقال آخرون: معنى ذلك: وما كان الله لـيعذّبهم وأنت فـيهم يا مـحمد، وما كان الله معذّب الـمشركين وهم يستغفرون، أي: لو استغفروا. قالوا: ولـم يكونوا يستغفرون فقال جلّ ثناؤه إذ لـم يكونوا يستغفرون: {وَمالَهُمْ ألاَّ يُعَذّبَهُمُ اللّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الـمَسْجِدِ الـحَرَامِ}. ذكر من قال ذلك.

حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: {وَما كانَ اللّهُ لِـيُعَذّبَهُمْ وأنْتَ فِـيهِمْ وَما كانَ اللّهُ مُعَذّبَهُمْ وهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ } قال: إن القوم لـم يكونوا يستغفرون، ولو كانوا يستغفرون ما عذّبوا. وكان بعض أهل العلـم يقول: هما أمانان أنزلهما الله، فأما أحدهما فمضى نبـيّ الله، وأما الآخر فأبقاه الله رحمة بـين أظهركم، الاستغفـار والتوبة.

حدثنـي مـحمد بن الـحسين، قال: ثنا أحمد بن الـمفضل، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ، قال: قال الله لرسوله: {وَما كانَ اللّهُ لِـيُعَذّبَهُمْ وأنْتَ فِـيهِمْ وَما كانَ اللّهُ مُعَذّبَهُمْ وهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ} يقول: ما كنت أعذبهم وهم يستغفرون، ولو استغفروا وأقرّوا بـالذنوب لكانوا مؤمنـين، وكيف لا أعذبهم وهم لا يستغفرون، وما لهم ألا يعذّبهم الله وهم يصدّون عن مـحمد وعن الـمسجد الـحرام

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله: {وَما كانَ اللّهُ لِـيُعَذّبَهُمْ وَأنْتَ فِـيهِمْ وَمَا كانَ الله مُعَذّبهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُون} قال: يقول: لو استغفروا لـم أعذّبهم.

وقال آخرون: معنى ذلك: وما كان الله لـيعذّبهم وهم يسلـمون. قالوا: واستغفـارهم كان فـي هذا الـموضع: إسلامهم. ذكر من قال ذلك.

حدثنا سوّار بن عبد الله، قال: ثنا عبد الـملك بن الصبـاح، قال: ثنا عمران بن حدير، عن عكرمة، فـي قوله: {وَما كانَ اللّهُ لِـيُعَذّبَهُمْ وَأنْتَ فِـيهِمْ وَما كانَ اللّهُ مُعَذبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ}. قال: سألوا العذاب، فقال: لـم يكن لـيعذبهم وأنت فـيهم، ولـم يكن لـيعذّبهم وهم يدخـلون فـي الإسلام.

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، قوله: {وأنْتَ فِـيهمْ} قال: بـين أظهرهم. وقوله: {وَهُمْ يَسْتَغْفِروُنَ} قال: يسلـمون.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد: {وما كان الله لـيعذبهم وأنت فـيهم} بـين أظهرهم {وَما كانَ اللّهُ مُعَذّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ} قال: وهم يسلـمون. {وَما لَهُمْ ألاَّ يُعَذّبَهُمُ اللّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الـمَسْجِدِ الـحَرَامِ}.

حدثنـي الـحرث، قال: ثنا عبد العزيز، قال: ثنا مـحمد بن عبـيد الله، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد: {وَما كانَ اللّهُ لِـيُعَذّبَهُمْ وَأنْتَ فِـيهِمْ} قال: بـين أظهرهم. {وَما كان اللّهُ مُعَذّبَهُمْ وهم يَسْتَغْفِرُونَ} قال: دخولهم فـي الإسلام.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: وفـيهم مَن قد سبق له من الله الدخول فـي الإسلام. ذكر من قال ذلك.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا أبو صالـح، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس، قوله: {وَما كانَ اللّهُ لِـيُعَذّبَهُمْ وَأنْتَ فِـيهِمْ} يقول: ما كان الله سبحانه يعذّب قوما وأنبـياؤهم بـين أظهرهم حتـى يخرجهم. ثم قال: {وَما كانَ اللّهُ مُعَذّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُون}َ يقول: ومنهم من قد سبق له من الله الدخول فـي الإيـمان، وهو الاستغفـار، ثم قال: {وَمالَهُمْ ألاَّ يُعَذّبَهُمُ اللّهُ} فعذّبهم يوم بدر بـالسيف.

وقال آخرون: بل معناه: وما كان الله معذّبهم وهم يصلّون. ذكر من قال ذلك.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالـح، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس، قوله: {وَما كانَ اللّهُ مُعَذّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ} يعنـي: يصلون، يعنـي بهذا أهل مكة.

حدثنـي موسى بن عبد الرحمن الـمسروقـيّ، قال: ثنا حسين الـجعفـيّ، عن زائدة، عن منصور، عن مـجاهد، فـي قول الله: {وَما كانَ اللّهُ لِـيُعَذّبَهُمْ وأنْتَ فِـيهِمْ وَما كانَ اللّهُ مُعَذّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ} قال: يصلون.

حُدثت عن الـحسين بن الفرج، قال: سمعت أبـا معاذ، قال: ثنا عبـيد بن سلـيـمان، قال: سمعت الضحاك بن مزاحم يقول فـي قوله: {وَما كانَ اللّهُ لِـيُعَذّبَهُمْ وأنْتَ فِـيهِمْ} يعنـي: أهل مكة، يقول: لـم أكن لأعذّبكم وفـيكم مـحمد. ثم قال: {وَما كانَ اللّهُ مُعَذّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ} يعنـي: يؤمنون ويصلون.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن منصور، عن مـجاهد، فـي قوله: {وَما كانَ اللّهُ مُعَذّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ} قال: وهم يصلون.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: وما كان الله لـيعذّب الـمشركين وهم يستغفرون. قالوا: ثم نسخ ذلك بقوله: {وَمالَهُمْ ألاَّ يُعَذّبَهُمُ اللّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الـمَسْجِدِ الـحَرَامِ}. ذكر من قال ذلك.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يحيى بن واضح، عن الـحسين بن واقد، عن يزيد النـحويّ، عن عكرمة والـحسن البصريّ، قالا: قال فـي الأنفـال: {وَما كانَ اللّهُ لِـيُعَذّبَهُمْ وأنْتَ فِـيهِمْ وَما كانَ اللّهُ مُعَذّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ} فنسختها الآية التـي تلـيها: {وَمالَهُمْ ألاَّ يُعَذّبَهُمُ اللّهُ...} إلـى قوله:

{ فَذُوقُوا العَذَابَ بِـمَا كُنْتُـمْ تَكْفُرُونَ }فقوتلوا بـمكة، وأصابهم فـيها الـجوع والـحصر.

وأولـى هذه الأقوال عندي فـي ذلك بـالصواب قول من قال: تأويـله: وما كان الله لـيعذبهم وأنت فـيهم يا مـحمد وبـين أظهرهم مقـيـم، حتـى أخرجك من بـين أظهرهم لأنـي لا أهلك قرية وفـيها نبـيها. وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون من ذنوبهم وكفرهم، ولكنهم لا يستغفرون من ذلك، بل هم مصرّون علـيه، فهم للعذاب مستـحقون، كما يقال: ما كنت لأحسن إلـيك وأنت تسيء إلـيّ، يراد بذلك: لا أحسن إلـيك إذا أسأت إلـيّ ولو أسأت إلـيّ لـم أحسن إلـيك، ولكن أحسن إلـيك لأنك لا تسيء إلـيّ وكذلك ذلك. ثم قـيـل: {وَمالَهُمْ ألاَّ يُعَذّبَهُمُ اللّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الـمَسْجِدِ الـحَرَامِ} بـمعنى: وما شأنهم وما يـمنعهم أن يعذّبهم الله وهم لا يستغفرون الله من كفرهم فـيؤمنوا به، وهم يصدّون الـمؤمنـين بـالله ورسوله عن الـمسجد الـحرام.

وإنـما قلنا هذا القول أولـى الأقوال فـي ذلك بـالصواب، لأن القوم أعنـي مشركي مكة كانوا استعجلوا العذاب، فقالوا: اللهمّ إن كان ما جاء به مـحمد هو الـحقّ، فأمطر علـينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب ألـيـم فقال الله لنبـيه: ما كنت لأعذّبهم وأنت فـيهم وما كنت لأعذّبهم لو استغفروا، وكيف لا أعذّبهم بعد إخراجك منهم وهم يصدّون عن الـمسجد الـحرام فأعلـمه جلّ ثناؤه أن الذين استعجلوا العذاب حائق بهم ونازل، وأعلـمهم حال نزوله بهم، وذلك بعد إخراجه إياه من بـين أظهرهم. ولا وجه لإيعادهم العذاب فـي الآخرة، وهم مستعجلوه فـي العاجل، ولا شكّ أنهم فـي الآخرة إلـى العذاب صائرون، بل فـي تعجيـل الله لهم ذلك يوم بدر الدلـيـل الواضح علـى أن القول فـي ذلك ما قلنا. وكذلك لا وجه لقول مَن وجَّه قوله: {وَما كانَ اللّهُ مُعَذّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ} إلـى أنه عنـي به الـمؤمنـين، وهو فـي سياق الـخبر عنهم وعما الله فـاعل بهم، ولا دلـيـل علـى أن الـخبر عنهم قد تقضَّى، وعلـى أن ذلك به عنوا، ولا خلاف فـي تأويـله من أهله موجود. وكذلك أيضا لا وجه لقول من قال: ذلك منسوخ بقوله: {وَما لَهُمْ ألاَّ يُعَذّبَهُمُ اللّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الـمَسْجِدِ الـحَرَامِ...} الآية، لأن قوله جلّ ثناؤه: {وَما كانَ اللّهُ مُعَذّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ} خبر، والـخبر لا يجوز أن يكون فـيه نسخ، وإنـما يكون النسخ للأمر والنهي.

واختلف أهل العربـية فـي وجه دخول «أن» فـي قوله: {وَما لَهُمْ ألاَّ يُعَذّبَهُمُ اللّهُ} فقال بعض نـحويـي البصرة: هي زائدة ههنا، وقد عملت كما عملت «لا» وهي زائدة، وجاء فـي الشعر:

لَوْ لَـمْ تكُنْ غَطَفـانُ لا ذُنُوبَ لَهَاإلـيَّ لامَ ذَوُو أحْسابِها عُمَرَا

وقد أنكر ذلك من قوله بعض أهل العربـية، وقال: لـم تدخـل «أن» إلاَّ لـمعنى صحيح، لأن معنى وَما لَهُمْ ما يـمنعهم من أن يعذّبوا، قال: فدخـلت «أن» لهذا الـمعنى، وأخرج ب «لا»، لـيعلـم أنه بـمعنى الـجحد، لأن الـمنع جحد. قال: و «لا» فـي البـيت صحيح معناها، لأن الـجحد إذا وقع علـيه جحد صار خبراً. وقال: ألا ترى إلـى قولك: ما زيد لـيس قائما، فقد أوجبت القـيام؟ قال: وكذلك «لا» فـي هذا البـيت.

القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {وَما كانُوا أوْلِـياءَهُ إنَّ أوْلِـياؤُهُ إلاَّ الـمُتَّقُونَ وَلكِنَّ أكْثَرَهُمْ لا يَعْلَـمُونَ}.

يقول تعالـى ذكره: وما لهؤلاء الـمشركين ألا يعذّبهم الله وهم يصدّون عن الـمسجد الـحرام، ولـم يكونوا أولـياء الله {إنْ أوْلِـيَاؤُهُ} يقول: ما أولـياء الله إلاَّ الـمتقون، يعنـي: الذين يتقون الله بأداء فرائضه، واجتناب معاصيه. {وَلكِنَّ أكْثَرَهُمْ لا يَعْلَـمُونَ} يقول: ولكن أكثر الـمشركين لا يعلـمون أن أولـياء الله الـمتقون، بل يحسبون أنهم أولـياء الله.

وبنـحو ما قلنا قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن الـحسين، قال: ثنا أحمد بن الـمفضل، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ: {وَما كانُوا أوْلِـياءَهُ إنْ أوْلِـياؤُهُ إلاَّ الـمُتَّقُونَ} هم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم.

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، فـي قول الله: {إنْ أوْلِـياؤُهُ إلاَّ الـمُتَّقُونَ} مَن كانوا وحيث كانوا.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، مثله.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن ابن إسحاق: {وَما كانُوا أوْلِـياءَهُ إنْ أوْلِـياؤُهُ إلاَّ الـمُتَّقُونَ} الذين يخرجون منه، ويقـيـمون الصلاة عنده، أي: أنت يعنـي النبـيّ صلى الله عليه وسلم ومن آمن بك. {وَلكِنَّ أكْثَرَهُمْ لا يَعْلَـمُونَ}.

وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِندَ ٱلْبَيْتِ إِلَّا مُكَآءً وَتَصْدِيَةً فَذُوقُوا۟ ٱلْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ ۝٣٥

يقول تعالـى ذكره: وما لهؤلاء الـمشركين ألا يعذبهم الله وهم يصدون عن الـمسجد الـحرام الذي يصلون لله فـيه ويعبدونه، ولـم يكونوا لله أولـياء، بل أولـياؤه الذين يصدّونهم عن الـمسجد الـحرام وهم لا يصلون فـي الـمسجد الـحرام. {وَما كانَ صَلاتُهُمْ عِنْدَ البَـيْتِ} يعنـي: بـيت الله العتـيق، {إلاَّ مُكاءً} وهو الصفـير، يقال منه: مكا يـمكو مَكْواً ومُكاءً، وقد قـيـل: إن الـمكو: أن يجمع الرجل يديه ثم يدخـلهما فـي فـيه ثم يصيح، ويقال منه: مكت استُ الدابة مُكاءً: إذا نفخت بـالريح، ويقال: إنه لا يـمكو إلاَّ استُ مكشوفة، ولذلك قـيـل للاست الـمَكْوَة، سميت بذلك ومن ذلك قول عنترة:

وَحَلِـيـلِ غانِـيَةٍ ترَكْتُ مُـجَدَّلاً تَـمْكُو فَرِيصَتُهُ كشِدْقِ الأعْلَـم

وقول الطرماح:

فَنَـحا لاِولاها بِطَعْنَةِ مُـحْفَظٍتَـمْكُو جَوَانِبُها مِنَ الإنهَارِ

بـمعنى: تصوّت. وأما التصدية فإنها التصفـيق، يقال منه: صَدَّى يُصَدِّي تَصْدِية، وصفّق وصفّح بـمعنى واحد.

وبنـحو ما قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبـي، عن موسى بن قـيس، عن حجر بن عنبس:{ إلاَّ مُكاءً وَتَصْدِيَةً} قال: الـمكاء: التصفـير، والتصدية: التصفـيق.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالـح، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس: قوله: {وَما كانَ صَلاتُهُمْ عِنْدَ البَـيْتِ إلاَّ مُكاءً وَتَصْدِيَةً} الـمكاء: التصفـير، والتصدية: التصفـيق.

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس، قوله: {وَما كانَ صَلاتُهُمْ عِنْدَ البَـيْتِ إلاَّ مُكاءً وَتَصْدِيَةً} يقول: كانت صلاة الـمشركين عند البـيت مكاء، يعنـي: التصفـير، وتصدية يقول: التصفـيق.

حدثنـي مـحمد بن عمارة الأسديّ، قال: ثنا عبـيد الله بن موسى، قال: أخبرنا فضيـل، عن عطية: {وَما كانَ صَلاتُهُمْ عِنْدَ البَـيْتِ إلاَّ مُكاءً وَتَصْدِيَةً} قال: التصفـيق والصفـير.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبـي، عن قرّة بن خالد، عن عطية، عن ابن عمر، قال: الـمكاء: التصفـيق، والتصدية: الصفـير. قال: وأمال ابن عمر خده إلـى جانب.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنا وكيع، عن قرة بن خالد، عن عطية، عن ابن عمر: {وَما كانَ صَلاتُهُمْ عِنْدَ البَـيْتِ إلاَّ مُكاءً وَتَصْدِيَةً} قال: الـمكاء والتصدية: الصفـير والتصفـيق.

حدثنـي الـحرث، قال: ثنا القاسم، قال سمعت مـحمد بن الـحسين يحدّث عن قرة بن خالد، عن عطية العوفـي، عن ابن عمر، قال: الـمكاء: الصفـير، والتصدية: التصفـيق.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا أبو عامر، قال: ثنا قرة، عن عطية، عن ابن عمر، فـي قوله: {وَما كانَ صَلاتُهُمْ عِنْدَ البَـيْتِ إلاَّ مُكاءً وَتَصْدِيَةً} قال: الـمكاء: الصفـير، والتصدية: التصفـيق. وقال قرة: وحكى لنا عطية فعل ابن عمر، فصفَّر وأمال خده وصفق بـيديه.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرنـي بكر بن مضر، عن جعفر بن ربـيعة، قال: سمعت أبـا سلـمة بن عبد الرحمن بن عوف يقول فـي قول الله: {وَما كانَ صَلاتُهُمْ عِنْدَ البَـيْتِ إلاَّ مُكاءً وَتَصْدِيَةً} قال بكر: فجمع لـي جعفر كفـيه، ثم نفخ فـيهما صفـيراً، كما قال له أبو سلـمة.

حدثنا أحمد بن إسحاق، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا إسرائيـل، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، عن ابن عبـاس، قال: الـمكاء: الصفـير، والتصدية: التصفـيق.

قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا سلـمة بن سابور، عن عطية، عن ابن عمر: {وَما كانَ صَلاتُهُمْ عِنْدَ البَـيْتِ إلاَّ مُكاءً وَتَصْدِيَةً} قال تصفـير وتصفـيق.

قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا فضيـل بن مرزوق، عن عطية، عن ابن عمر، مثله.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا حبوية أبو يزيد، عن يعقوب، عن جعفر، عن سعيد بن جبـير، عن ابن عبـاس، قال: كانت قريش يطوفون بـالبـيت وهم عراة يصفرون ويصفقون، فأنزل الله: قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللّهِ التـي أخْرَجَ لِعِبـادِهِ فأمروا بـالثـياب.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا الـحمانـي، قال: ثنا شريك، عن سالـم، عن سعيد، قال: كانت قريش يعارضون النبـيّ صلى الله عليه وسلم فـي الطواف يستهزئون به، يصفرون به ويصفقون، فنزلت: {وَما كانَ صَلاتُهُمْ عِنْدَ البَـيْتِ إلاَّ مُكاءً وَتَصْدِيَةً}.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبـي، عن سفـيان، عن منصور، عن مـجاهد: {إلاَّ مُكاءً} قال: كانوا ينفخون فـي أيديهم، والتصدية: التصفـيق.

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد: {إلاَّ مُكاءً وَتَصْدِيَةً} قال: الـمكاء: إدخال أصابعهم فـي أفواههم، والتصدية: التصفـيق، يخـلطون بذلك علـى مـحمد صلى الله عليه وسلم صلاته.

حدثنا الـمثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله، عن ورقاء، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، مثله، إلاَّ أنه لـم يقل صلاته.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، عن مـجاهد، قال: الـمكاء. إدخال أصابعهم فـي أفواههم، والتصدية: التصفـيق. قال نفر من بنـي عبد الدار كانوا يخـلطون بذلك كله علـى مـحمد صلاته.

حدثنا أحمد بن إسحاق، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا طلـحة بن عمرو، عن سعيد بن جبـير: {وَما كانَ صَلاتُهُمْ عِنْدَ البَـيْتِ إلاَّ مُكاءً وَتَصْدِيَةً} قال: من بـين الأصابع. قال أحمد: سقط علـيّ حرف وما أراه إلاَّ الـخذف والنفخ والصفـير منها وأرانـي سعيد بن جبـير حيث كانوا يـمكون من ناحية أبـي قبـيس.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا إسحاق بن سلـيـمان، قال: أخبرنا طلـحة بن عمرو، عن سعيد بن جبـير، فـي قوله: {وَما كانَ صَلاتُهُمْ عِنْدَ البَـيْتِ إلاَّ مُكاءً وَتَصْدِيَةً} قال: الـمكاء: كانوا يشبكون بـين أصابعهم ويصفرون بها، فذلك الـمكاء. قال: وأرانـي سعيد بن جبـير الـمكان الذي كانوا يـمكون فـيه نـحو أبـي قبـيس.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا مـحمد بن حرب، قال: ثنا ابن لهيعة، عن جعفر بن ربـيعة، عن أبـي سلـمة بن عبد الرحمن، فـي قوله: {مُكاءً وَتَصْدِيَةً} قال: الـمكاء: النفخ، وأشار بكفه قِبَل فـيه، والتصدية: التصفـيق.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا الـمـحاربـيّ، عن جويبر، عن الضحاك، قال: الـمكاء: الصفـير، والتصدية: التصفـيق.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا عمرو بن عون، قال: أخبرنا هشيـم، عن جويبر، عن الضحاك، مثله.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {وَما كانَ صَلاتُهُمْ عِنْدَ البَـيْتِ إلاَّ مُكاءً وَتَصْدِيَةً} قال: كنا نـحدَّث أن الـمكاء: التصفـيق بـالأيدي، والتصدية: صياح كانوا يعارضون به القرآن.

حدثنا مـحمد بن عبد الأعلـى، قال: ثنا مـحمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: {مُكاءً وَتَصْدِيَةً} قال: الـمكاء: التصفـير، والتصدية: التصفـيق.

حدثنـي مـحمد بن الـحسين، قال: ثنا أحمد بن الـمفضل، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ: {وَما كانَ صَلاتُهُمْ عِنْدَ البَـيْتِ إلاَّ مُكاءً وَتَصْدِيَةً} والـمكاء: الصفـير، علـى نـحو طير أبـيض يقال له الـمكاء يكون بأرض الـحجاز والتصدية: التصفـيق.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد فـي قوله: {وَما كانَ صَلاتُهُمْ عِنْدَ البَـيْتِ إلاَّ مُكاءً وَتَصْدِيَةً} قال: الـمكاء: صفـير كان أهل الـجاهلـية يعلنون به. قال: وقال فـي الـمكاء أيضا: صفـير فـي أيديهم ولعب.

وقد قـيـل فـي التصدية: إنها الصدّ عن بـيت الله الـحرام. وذلك قول لا وجه له لأن التصدية مصدر من قول القائل: صدّيت تصدية. وأما الصدّ فلا يقال منه: صدّيت، إنـما يقال منه صَدَدْت، فإن شدّدت منها الدال علـى معنى تكرير الفعل، قـيـل: صَدَّدت تصدية، إلاَّ أن يكون صاحب هذا القول وجَّه التصدية إلـى أنه من صدّدت، ثم قلبت إحدى دالـيه ياء، كما يقال: تظنـيت من ظننت، وكما قال الراجز:

تَقَضّي البـازِي إذَا البـازِي كَسَرْ

يعنـي: تقضض البـازي، فقلب إحدى ضاديه ياء، فـيكون ذلك وجها يوجه إلـيه. ذكر من قال ما ذكرنا فـي تأويـل التصدية:

حدثنا أحمد بن إسحاق، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا طلـحة بن عمرو، عن سعيد بن جبـير: {وَما كانَ صَلاتُهُمْ عِنْدَ البَـيْتِ إلاَّ مُكاءً وَتَصْدِيَةً}: صدّهم عن بـيت الله الـحرام.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا إسحاق بن سلـيـمان، قال: أخبرنا طلـحة بن عمرو، عن سعيد بن جبـير. {وَتَصْدِيَةً} قال: التصدية: صدّهم الناس عن البـيت الـحرام.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله: {وَتَصْدِيَةً} قال: التصدية عن سبـيـل الله، وصدّهم عن الصلاة وعن دين الله.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن ابن إسحاق:{وَما كانَ صَلاتُهُمْ عِنْدَ البَـيْتِ إلاَّ مُكاءً وَتَصْدِيَةً} قال: ما كان صلاتهم التـي يزعمون أنها يدرأ بها عنهم إلاَّ مكاء وتصدية، وذلك ما لا يرضي الله ولا يحبّ، ولا ما افترض علـيهم ولا ما أمرهم به.

وأما قوله: {فَذُوقُوا العَذَابَ بِـمَا كُنْتُـمْ تَكْفُرُونَ} فإنه يعنـي العذاب الذي وعدهم به بـالسيف يوم بدر، يقول للـمشركين الذين قالوا:

{ اللَّهُمَّ إنْ كانَ هَذَا هُوَ الـحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأمْطِرْ عَلَـيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ... }الآية، حين أتاهم بـما استعجلوه من العذاب: ذوقوا: أي اطعموا، ولـيس بذوق بفم، ولكنه ذوق بـالـحسّ، ووجود طعم ألـمه بـالقلوب. يقول لهم: فذوقوا العذاب بـما كنتـم تـجحدون أن الله معذّبكم به علـى جحودكم توحيد ربكم ورسالة نبـيكم صلى الله عليه وسلم.

وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن ابن إسحاق: {فَذُوقُوا العَذَابَ بِـمَا كُنْتُـمْ تَكْفُرُونَ}: أي ما أوقع الله بهم يوم بدر من القتل.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج: {فَذُوقُوا العَذَابَ بِـمَا كُنْتُـمْ تَكْفُرُونَ} قال: هؤلاء أهل بدر يوم عذّبهم الله.

حُدثت عن الـحسين بن الفرج، قال: سمعت أبـا معاذ قال: ثنا عبـيد بن سلـيـمان، قال: سمعت الضحاك يقول فـي قوله: {فَذُوقُوا العَذَابَ بِـمَا كُنْتُـمْ تَكفُرُونَ} يعنـي أهل بدر عذّبهم الله يوم بدر بـالقتل والأسر.

إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ يُنفِقُونَ أَمْوَٰلَهُمْ لِيَصُدُّوا۟ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَٱلَّذِينَ كَفَرُوٓا۟ إِلَىٰ جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ ۝٣٦

يقول تعالـى ذكره: إن الذين كفروا بـالله ورسوله ينفقون أموالهم، فـيعطونها أمثالهم من الـمشركين لـيتقوّوا بها علـى قتال رسول الله صلى الله عليه وسلم والـمؤمنـين به، لـيصدّوا الـمؤمنـين بـالله ورسوله، عن الإيـمان بـالله ورسوله، فسينفقون أموالهم فـي ذلك {ثم تَكُونُ} نفقتهم تلك {عَلَـيْهِمْ حَسْرَةً} يقول: تصير ندامة علـيهم، لأن أموالهم تذهب، ولا يظفرون بـما يأملون ويطمعون فـيه من إطفـاء نور الله، وإعلاء كلـمة الكفر علـى كلـمة الله، لأن الله معلـي كلـمته، وجاعل كلـمة الكفر السفلـى، ثم يغلبهم الـمؤمنون، ويحشر الله الذين كفروا به وبرسوله إلـى جهنـم، فـيعذّبون فـيها، فأعظم بها حسرة وندامة لـمن عاش منهم ومن هلك أما الـحيّ فحرِب ماله وذهب بـاطلاً فـي غير درك نفع ورجع مغلوبـاً مقهوراً مـحزوناً مسلوبـاً وأما الهالك: فقُتل وسُلب وعجل به إلـى نار الله يخـلد فـيها، نعوذ بـالله من غضبه وكان الذي تولـى النفقة التـي ذكرها الله فـي هذه الآية فـيـما ذكر أبـا سفـيان. ذكر من قال ذلك.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يعقوب القمي، عن جعفر، عن سعيد بن جبـير، فـي قوله: {إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أمْوَالَهُمْ...} الآية {وَالَّذِينَ كَفَرُوا إلـى جَهَنَّـمَ يُحْشَرُونَ} قال: نزلت فـي أبـي سفـيان بن حرب استأجر يوم أحد ألفـين من الأحابـيش من بنـي كنانة، فقاتل بهم النبـيّ صلى الله عليه وسلم، وهم الذين يقول فـيهم كعب بن مالك:

وَجِئْنا إلـى مَوْجٍ مِنَ البَحْرِ وَسْطَهُأحابِـيشُ مِنْهُمْ حاسِرٌ وَمُقَنَّعُ ثَلاثَةُ آلافٍ ونَـحْنُ نَصِيَّةٌثَلاثُ مِئِينَ إنْ كَثُرْنا فَأرْبَعُ

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا إسحاق بن إسماعيـل، عن يعقوب القمي، عن جعفر، عن ابن أبزى: {إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أمْوَالهُمْ لِـيَصُدُّوا عَنْ سَبِـيـلِ اللّهِ} قال: نزلت فـي أبـي سفـيان، استأجر يوم أُحد ألفـين لـيقاتل بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم سوى من استـجاش من العرب.

قال: أخبرنا أبـي عن خطاب بن عثمان العصفري، عن الـحكم بن عتـيبة: {إنَّ الَّذِبنَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أمْوَالَهُمْ لِـيَصُدُّوا عَنْ سَبِـيـلِ اللّهِ} قال: نزلت فـي أبـي سفـيان، أنفق علـى الـمشركين يوم أُحد أربعين أوقـية من ذهب، وكانت الأوقـية يومئذٍ اثنـين وأربعين مثقالاً.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أمْوَالَهُمْ لِـيَصُدُّوا عَنْ سَبِـيـلِ اللّهِ...} الآية، قال: لـما قدم أبو سفـيان بـالعير إلـى مكة، أنشد الناس ودعاهم إلـى القتال حتـى غزا نبـيّ الله من العام الـمقبل، وكانت بدر فـي رمضان يوم الـجمعة صبـيحة سابع عشرة من شهر رمضان، وكانت أُحد فـي شوّال يوم السبت لإحدى عشرة خـلت منه فـي العام الرابع.

حدثنـي مـحمد بن الـحسين، قال: ثنا أحمد بن الـمفضل، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ، قال: قال الله فـيـما كان الـمشركون ومنهم أبو سفـيان يستأجرون الرجال يقاتلون مـحمداً بهم: {إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أمْوَالَهُمْ لِـيَصُدُّوا عَنْ سَبِـيـلِ اللّهِ} وهو مـحمد صلى الله عليه وسلم {فَسَيْنْفِقُونَها ثُمَّ تَكُونُ عَلَـيْهِمْ حَسْرَةً} يقول: ندامة يوم القـيامة وويلاً {ثم يُغْلَبُونَ}.

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، فـي قول الله: {يُنْفِقُونَ أمْوَالَهُمْ لِـيَصُدُّوا عَنْ سَبِـيـلِ اللّهِ...} الآية، حتـى قوله:

{ أُولَئِكَ هُمُ الـخاسِرُونَ }قال: فـي نفقة أبـي سفـيان علـى الكفار يوم أُحد.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، مثله.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن ابن إسحاق، قالا: ثنا مـحمد بن مسلـم بن عبـيد الله بن شهاب الزهري ومـحمد بن يحيى بن حبـان وعاصم بن عمر بن قتادة والـحصين بن عبد الرحمن بن عمرو بن سعد بن معاذ قالوا: لـما أصابت الـمسلـمون يوم بدر من كفـار قريش من أصحاب القلـيب ورجع فَلهُّم إلـى مكة، ورجع أبو سفـيان بعيره، مشى عبد الله بن ربـيعة وعكرمة بن أبـي جهل وصفوان بن أمية فـي رجال من قريش أصيب آبـاؤهم وأبناؤهم وإخوانهم ببدر، فكلـموا أبـا سفـيان بن حرب ومن كان له فـي تلك العير من قريش تـجارة، فقالوا: يا معشر قريش، إن مـحمدا قد وتركم وقتل خياركم، فأعينونا بهذا الـمال علـى حربه لعلنا أن ندرك منه ثأراً بـمن أصيب منا ففعلوا. قال: ففـيهم كما ذكر عن ابن عبـاس أنزل الله: {إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أمْوَالَهُمْ...} إلـى قوله: {وَالَّذِينَ كَفَرُوا إلـى جَهَنَّـمَ يُحْشَرُونَ}.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن ابن إسحاق: {إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أمْوَالَهُمْ لِـيَصُدُّوا عَنْ سَبِـيـلِ اللّهِ...} إلـى قوله: {يُحْشَرُون} يعنـي النفر الذين مشوا إلـى أبـي سفـيان وإلـى من كان له مال من قريش فـي تلك التـجارة، فسألوهم أن يعينوهم علـى حرب رسول الله صلى الله عليه وسلم. ففعلوا.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرنـي سعيد بن أبـي أيوب، عن عطاء بن دينار، فـي قول الله: {إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أمْوَالَهُمْ...} الآية، نزلت فـي أبـي سفـيان بن حرب.

وقال بعضهم: عنـي بذلك الـمشركون من أهل بدر. ذكر من قال ذلك.

حُدثت عن الـحسين بن الفرج، قال: سمعت أبـا معاذ، قال: ثنا عبـيد بن سلـيـمان، قال: سمعت الضحاك يقول فـي قوله: {إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أمْوَالَهُمْ لِـيَصُدُّوا عَنْ سَبِـيـلِ اللّهِ...} الآية، قال: هم أهل بدر.

والصواب من القول فـي ذلك عندي ما قلنا، وهو أن يقال: إن الله أخبر عن الذين كفروا به من مشركي قريش أنهم ينفقون أموالهم، لـيصدوا عن سبـيـل الله، لـم يخبرنا بأيّ أولئك عنى، غير أنه عمّ بـالـخبر الذين كفروا، وجائز أن يكون عنى: الـمنفقـين أموالهم لقتال رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه بأُحد، وجائز أن يكون عنى الـمنفقـين منهم ذلك ببدر، وجائز أن يكون عنى القريقـين.

وإذا كان ذلك كذلك، فـالصواب فـي ذلك أن يعمّ كما عمّ جلّ ثناؤه الذين كفروا من قريش.

لِيَمِيزَ ٱللَّهُ ٱلْخَبِيثَ مِنَ ٱلطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ ٱلْخَبِيثَ بَعْضَهُۥ عَلَىٰ بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُۥ جَمِيعًا فَيَجْعَلَهُۥ فِى جَهَنَّمَ أُو۟لَٰٓئِكَ هُمُ ٱلْخَٰسِرُونَ ۝٣٧

يقول تعالـى ذكره: يحشر الله هؤلاء الذين كفروا بربهم، وينفقون أموالهم للصدّ عن سبـيـل الله إلـى جهنـم، لـيفرّق بـينهم وهم أهل الـخبث كما قال وسماهم {الـخَبِـيثَ}، وبـين الـمؤمنـين بـالله وبرسوله، وهم الطيبون، كما سماهم جلّ ثناؤه. فميز جلّ ثناؤه بـينهم بأن أسكن أهل الإيـمان به وبرسوله جناته، وأنزل أهل الكفر ناره.

وبنـحو ما قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا أبو صالـح، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس، قوله: {لِـيَـمِيزَ اللّهُ الـخَبِـيثَ مِنَ الطَّيِّبِ} فميز أهل السعادة من أهل الشقاوة.

حدثنـي مـحمد بن الـحسين، قال: ثنا أحمد بن الـمفضل، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ، قال: ثم ذكر الـمشركين، وما يصنع بهم يوم القـيامة، فقال: {لِـيَـمِيزَ اللّهُ الـخَبِـيثَ مِنَ الطَّيِّبِ} يقول: يـميز الـمؤمن من الكافر. {فَـيَجْعَلَ الـخَبِـيثَ بَعْضَهُ علـى بَعْضٍ}.

ويعنـي جلّ ثناؤه بقوله: {فيجعل الـخَبِـيثَ بَعْضَهُ علـى بَعْضٍ} فـيجعل الكفـار بعضهم فوق بعض. {فَـيرْكُمَهُ جَمِيعاً} يقول: فنـجعلهم ركاماً، وهو أن يجمع بعضهم إلـى بعض حتـى يكثروا، كما قال جلّ ثناؤه فـي صفة السحاب:

{ ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَـيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلْهُ رُكاماً }: أي مـجتمعاً كثـيفـاً. وكما:

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله: {فَـيرْكُمَهُ جَميعاً} قال: فـيجمعه جميعاً بعضه علـى بعض.

وقوله: {فَـيَجْعَلَهُ فِـي جَهَنَّـمَ} يقول: فـيجعل الـخبـيث جميعا فـي جهنـم، فوحد الـخبر عنهم لتوحيد قوله: {لِـيَـمِيزَ اللّهُ الـخَبِـيثَ}، ثم قال: {أُولَئِكَ هُمُ الـخاسِرُونَ} فجمع ولـم يقل: ذلك هو الـخاسر، فردّه إلـى أوّل الـخبر. ويعنـي ب «أولئك» الذين كفروا، وتأويـله: هؤلاء الذين ينفقون أموالهم لـيصدوا عن سبـيـل الله هم الـخاسرون. ويعنـي بقوله: {الـخَاسِرُونَ} الذين غبنت صفقتهم وخسرت تـجارتهم وذلك أنهم شروا بأموالهم عذاب الله فـي الآخرة، وتعجلوا بإنفـاقهم إياها فـيـما أنفقوا من قتال نبـيّ الله والـمؤمنـين به الـخزي والذلّ.

قُل لِّلَّذِينَ كَفَرُوٓا۟ إِن يَنتَهُوا۟ يُغْفَرْ لَهُم مَّا قَدْ سَلَفَ وَإِن يَعُودُوا۟ فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ ٱلْأَوَّلِينَ ۝٣٨

يقول تعالـى ذكره لنبـيه مـحمد صلى الله عليه وسلم: قل يا مـحمد للذين كفروا من مشركي قومك: إن ينتهوا عما هم علـيه مقـيـمون من كفرهم بـالله ورسوله وقتالك وقتال الـمؤمنـين فـينـيبوا إلـى الإيـمان، يغفر الله لهم ما قد خلا ومضى من ذنوبهم قبل إيـمانهم وإنابتهم إلـى طاعة الله وطاعة رسوله بإيـمانهم وتوبتهم. {وإنْ يَعُودُوا} يقول: وإن يعد هؤلاء الـمشركون لقتالك بعد الوقعة التـي أوقعتها بهم يوم بدر، فقد مضت سنتـي فـي الأوّلـين منهم ببدر ومن غيرهم من القرون الـخالـية إذ طغوا وكذّبوا رسلـي ولـم يقبلوا نصحهم من إحلال عاجل النقم بهم، فأحلّ بهؤلاء إن عادوا لـحربك وقتالك مثل الذين أحللت بهم.

وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، قوله: {فَقَدْ مَضَتْ سُنَّةُ الأوَّلِـينَ} فـي قريش يوم بدر وغيرها من الأمـم قبل ذلك.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد مثله.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله، عن ورقاء، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، مثله.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا ابن وكيع، قال: ثنا ابن نـمير، عن ورقاء، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد: {فَقَدْ مَضَتْ سَنَّةُ الأوَّلِـينَ} قال: فـي قريش وغيرها من الأمـم قبل ذلك.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن ابن إسحاق، قال فـي قوله: {قُلْ للَّذِينَ كَفَرُوا إنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ ما قَدْ سَلَفَ وَإنْ يَعُودُوا} لـحربك، {فَقَدْ مَضَتْ سُنَّةُ الأوَّلِـينَ}: أي من قُتل منهم يوم بدر.

حدثنـي مـحمد بن الـحسين، قال: ثنا أحمد بن الـمفضل، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ: وإن يعودوا لقتالك، فقد مضت سنة الأوّلـين من أهل بدر.

وَقَٰتِلُوهُمْ حَتَّىٰ لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ ٱلدِّينُ كُلُّهُۥ لِلَّهِ فَإِنِ ٱنتَهَوْا۟ فَإِنَّ ٱللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ۝٣٩

يقول تعالـى ذكره للـمؤمنـين به وبرسوله: وإن يعد هؤلاء لـحربك، فقد رأيتـم سنتـي فـيـمن قاتلكم منهم يوم بدر، وأنا عائد بـمثلها فـيـمن حاربكم منهم، فقاتلوهم حتـى لا يكون شرك ولا يُعبد إلاَّ الله وحده لا شريك له، فـيرتفع البلاء عن عبـاد الله من الأرض وهو الفتنة، {ويكُونَ الدّينُ كُلُّهُ لله} يقول: حتـى تكون الطاعة والعبـادة كلها لله خالصة دون غيره.

وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا أبو صالـح، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس، قوله: {وَقاتِلُوهُمْ حتـى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ} يعنـي: حتـى لا يكون شرك.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا عمرو بن عون، قال: أخبرنا هشيـم، عن يونس، عن الـحسن، فـي قوله: {وَقاتِلُوهُمْ حتـى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ} قال: الفتنة: الشرك.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {وَقاتِلُوهُمْ حتـى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ}: يقول: قاتلوهم حتـى لا يكون شرك، و {وَيَكُونَ الدّينُ كُلُّهُ لِلّهِ} حتـى يقال: لا إله إلاَّ الله، علـيها قاتل النبـيّ صلى الله عليه وسلم، وإلـيها دعا.

حدثنـي مـحمد بن الـحسين، قال: ثنا أحمد بن الـمفضل، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ: {وَقاتِلُوهُمْ حتـى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ} قال: حتـى لا يكون شرك.

حدثنـي الـحرث، قال: ثنا عبد العزيز، قال: ثنا مبـارك بن فضالة، عن الـحسن، فـي قوله: {وَقاتُلوهُم حتـى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ} قال: حتـى لا يكون بلاء.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، قال: قال ابن جريج: {وَقاتِلُوهُمْ حتـى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدّينُ كُلُّهُ لِلّهِ}: أي لا يفتن مؤمن عن دينه، ويكون التوحيد لله خالصاً لـيس فـيه شرك، ويخـلع ما دونه من الأنداد.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله: {وَقاتِلُوهُمْ حتـى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ} قال: حتـى لا يكون كفر، {وَيَكُونَ الدّينُ كُلُّهُ لِلّهِ} لا يكون مع دينكم كفر.

حدثنـي عبد الوارث بن عبد الصمد، قال: ثنا أبـي، قال: ثنا أبـان العطار، قال: ثنا هشام بن عروة، عن أبـيه، أن عبد الـملك بن مروان كتب إلـيه يسأله عن أشياء، فكتب إلـيه عروة: سلامْ علـيك فإنـي أحمد إلـيك الله الذي لا إله إلاَّ هو أما بعد: فإنك كتبت إلـيّ تسألنـي عن مخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة، وسأخبرك به، ولا حول ولا قوّة إلاَّ بـالله:

كان من شأن خروج رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة، أن الله أعطاه النبوّة، فنعم النبـي ونعم السيد، ونعم العشيرة فجزاه الله خيراً وعرّفنا وجهه فـي الـجنة، وأحياناً علـى ملته، وأماتنا علـيها، وبعثنا علـيها. وإنه لـما دعا قومه لـما بعثه الله له من الهدى والنور الذي أنزل علـيه، لـم ينفروا منه أوّل ما دعاهم إلـيه، وكانوا يسمعون له حتـى ذكر طواغيَتهم. وقدم ناس من الطائف من قريش لهم أموال، أنكر ذلك علـيه ناس، واشتدّوا علـيه، وكرهوا ما قال، وأغروا به من أطاعهم، فـانعطف عنه عامة الناس، فتركوه، إلاَّ من حفظه الله منهم وهم قلـيـل. فمكث بذلك ما قدّر الله أن يـمكث، ثم ائتـمرت رءوسهم بأن يفتنوا من اتبعه عن دين الله من أبنائهم وإخوانهم وقبـائلهم، فكانت فتنة شديدة الزلزال، فـافتتن من افتتن، وعصم الله من شاء منهم. فلـما فعل ذلك بـالـمسلـمين أمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يخرجوا إلـى أرض الـحبشة، وكان بـالـحبشة ملك صالـح يقال له النـجاشي لا يُظلـم أحد بأرضه، وكان يُثْنَى علـيه مع ذلك. وكانت أرض الـحبشة متـجراً لقريش يتـجرون فـيها، ومساكن لتـجارتهم يجدون فـيها رتاعاً من الرزق وأمناً ومتـجراً حسناً. فأمرهم بها النبـيّ صلى الله عليه وسلم فذهب إلـيها عامتهم لـما قهروا بـمكة، وخافوا علـيهم الفتن، ومكث هو فلـم يبرح، فمكث ذلك سنوات يشتدّون علـى من أسلـم منهم. ثم إنه فشا الإسلام فـيها، ودخـل فـيه رجال من أشرافهم ومنعتهم فلـما رأوا ذلك استرخوا استرخاءة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وعن أصحابه، وكانت الفتنة الأولـى هي أخرجت من خرج من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قِبَل أرض الـحبشة مخافتها وفرارا مـما كانوا فـيه من الفتن والزلزال. فلـما استرخى عنهم ودخـل فـي الإسلام من دخـل منهم، تـحدث بهذا الاسترخاء عنهم، فبلغ ذلك من كان بأرض الـحبشة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قد استرخي عمن كان منهم بـمكة وأنهم لا يفتنون، فرجعوا إلـى مكة وكادوا يأمنون بها، وجعلوا يزدادون ويكثرون. وإنه أسلـم من الأنصار بـالـمدينة ناس كثـير، وفشا بـالـمدينة الإسلام، وطفق أهل الـمدينة يأتون رسول الله صلى الله عليه وسلم بـمكة فلـما رأت قريش ذلك، توامرت علـى أن يفتنوهم، ويشدّوا علـيهم، فأخذوهم وحرصوا علـى أن يفتنوهم، فأصابهم جهد شديد، وكانت الفتنة الآخرة، فكانت ثنتـين: فتنة أخرجت من خرج منهم إلـى أرض الـحبشة حين أمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بها وأذن لهم فـي الـخروج إلـيها، وفتنة لـما رجعوا ورأوا من يأتـيهم من أهل الـمدينة. ثم إنه جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم من الـمدينة سبعون نفساً رءوس الذين أسلـموا، فوافوه بـالـحجّ، فبـايعوه بـالعقبة، وأعطوه علـى: أنا منك وأنت منا، وعلـى: أن من جاء من أصحابك أو جئتنا فإنا نـمنعك مـما نـمنع منه أنفسنا. فـاشتدت علـيهم قريش عند ذلك، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه أن يخرجوا إلـى الـمدينة، وهي الفتنة الآخرة التـي أخرج فـيها رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه وخرج هو، وهي التـي أنزل الله فـيها: {وَقاتِلُوهُمْ حتـى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدّينُ كُلُّهُ لِلّهِ}.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرنـي عبد الرحمن بن أبـي الزناد، عن أبـيه، عن عروة بن الزبـير، أنه كتب إلـى الولـيد: أما بعد، فإنك كتبت إلـيّ تسألنـي عن مخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة، وعندي بحمد الله من ذلك علـم بكلّ ما كتبت تسألنـي عنه، وسأخبرك إن شاء الله، ولا حول ولا قوّة إلاَّ بـالله، ثم ذكر نـحوه.

حدثنا أحمد بن إسحاق، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا قـيس، عن الأعمش، عن مـجاهد: {وَقاتِلُوهُمْ حتـى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ} قال: يَسَاف ونائلة صنـمان كانا يُعبدان.

وأما قوله: {فإن انْتَهَوْا} فإن معناه: فإن انتهوا عن الفتنة، وهي الشرك بـالله، وصاروا إلـى الدين الـحقّ معكم. {فإنَّ اللّهَ بِـمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} يقول: فإن الله لا يخفـى علـيه ما يعملون من ترك الكفر والدخول فـي دين الإسلام لأنه يبصركم ويبصر أعمالكم والأشياء كلها متـجلـية له لا تغيب عنه ولا يعزب عنه مثقال ذرّة فـي السموات ولا فـي الأرض ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلاَّ فـي كتاب مبـين.

وقد قال بعضهم: معنى ذلك: فإن انتهوا عن القتال.

والذي قلنا فـي ذلك أولـى بـالصواب، لأن الـمشركين وإن انتهوا عن القتال، فإنه كان فرضاً علـى الـمؤمنـين قتالهم حتـى يسلـموا.

الثلاثاء، 3 نوفمبر 2026 23 جمادى الأولى 1448 هـ