انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة الأنفال

تفسير الطبريالآيات 7–12

تفسير سورة الأنفال آية آية، من تفسير الطبري.

استمع إلى تفسير سورة الأنفال

الخلاصة من تفسير الطبري · 4 مقاطع · 1:06:51

  1. 1 الآيات 1–21في هذه الصفحة 18:08

التفسير الصوتي لسورة الأنفال كاملًا (4 مقاطع)

وَإِذْ يَعِدُكُمُ ٱللَّهُ إِحْدَى ٱلطَّآئِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ ٱلشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُحِقَّ ٱلْحَقَّ بِكَلِمَٰتِهِۦ وَيَقْطَعَ دَابِرَ ٱلْكَٰفِرِينَ ۝٧

يقول تعالـى ذكره: واذكروا أيها القوم {إذْ يَعِدُكُمُ اللّهُ إحْدَى الطَّائِفَتَـيْنِ} يعنـي: إحدى الفرقتـين، فرقة أبـي سفـيان بن حرب والعير، وفرقة الـمشركين الذين نفروا من مكة لـمنع عيرهم. وقوله: {أنَّها لَكُمْ} يقول: إن ما معهم غنـيـمة لكم. {وَتَوَدُّونَ أنَّ غيرَ ذَاتِ الشَّوْكَة تَكُونُ لَكُمْ} يقول: وتـحبون أن تكون تلك الطائفة التـي لـيست لها شوكة، يقول: لـيس لها حدّ ولا فـيها قتال أن تكون لكم، يقول: تودّون أن تكون لكم العير التـي لـيس فـيها قتال لكم دون جماعة قريش الذين جاءوا لـمنع عيرهم الذين فـي لقائهم القتال والـحرب. وأصل الشوكة من الشوك.

وبنـحو ما قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك.

حدثنا علـيّ بن نصر، وعبد الوارث بن عبد الصمد، قالا: ثنا عبد الصمد بن عبد الوارث، قال: ثنا أبـان العطار، قال: ثنا هشام بن عروة، عن عروة: أن أبـا سفـيان أقبل ومن معه من ركبـان قريش مقبلـين من الشأم، فسلكوا طريق الساحل فلـما سمع بهم النبـيّ صلى الله عليه وسلم ندب أصحابه، وحدثهم بـما معهم من الأموال وبقلة عددهم. فخرجوا لا يريدون إلاَّ أبـا سفـيان، والركب معه لا يرونها إلاَّ غنـيـمة لهم، لا يظنون أن يكون كبـير قتال إذا رأوهم. وهي ما أنزل الله: {وتَوَدُّونَ أنَّ غيرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ}.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن مـحمد بن إسحاق، عن مـحمد بن مسلـم الزهري، وعاصم بن عمر بن قتادة، وعبد الله بن أبـي بكر، ويزيد بن رومان، عن عروة بن الزبـير وغيرهم من علـمائنا، عن عبد الله بن عبـاس، كلّ قد حدثنـي بعض هذا الـحديث فـاجتـمع حديثهم فـيـما سقت من حديث بدر، قالوا: لـما سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بأبـي سفـيان مقبلاً من الشأم ندب الـمسلـمين إلـيهم، وقال:

هَذِهِ عِيرُ قُرَيْشٍ فـيها أمْوَالُهُمْ، فـاخْرُجُوا إلَـيْهَا لعلّ الله أنْ يُنَفِّلَكُمُوهَافـانتدب الناس، فخف بعضهم وثقل بعض، وذلك أنهم لـم يظنوا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يـلقـى حربـاً. وكان أبو سفـيان حين دنا من الـحجاز يتـجسس الأخبـار ويسأل من لقـي من الركبـان تـخوّفـاً من الناس، حتـى أصاب خبراً من بعض الركبـان أن مـحمداً قد استنفر أصحابه لك ولعيرك، فحذر عند ذلك، واستأجر ضمضم بن عمرو الغفـاري، فبعثه إلـى مكة، وأمره أن يأتـي قريشاً يستنفرهم إلـى أموالهم ويخبرهم أن مـحمداً قد عرض لها فـي أصحابه. فخرج ضمضم بن عمرو سريعاً إلـى مكة، وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فـي أصحابه، حتـى بلغ وادياً يقال له ذَفِرَان، فخرج منه، حتـى إذا كان ببعضه نزل وأتاه الـخبر عن قريش بـمسيرهم لـيـمنعوا عيرهم، فـاستشار النبـيّ صلى الله عليه وسلم الناس، وأخبرهم عن قريش، فقام أبو بكر رضي الله عنه فقال فأحسن ثم قام عمر رضي الله عنه فقال فأحسن، ثم قام الـمقداد بن عمرو فقال: يا رسول الله امض إلـى حيث أمرك الله فنـحن معك، والله لا نقول كما قالت بنو إسرائيـل لـموسى: { اذْهَبْ أنْتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلا إنَّا هَهُنا قاعِدُونَ }، ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون فوالذي بعثك بـالـحقّ لئن سرت بنا إلـى بِرك الغماد يعنـي مدينة الـحبشة لـجالدنا معك من دونه حتـى تبلغه فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم خيراً، ثم دعا له بخير، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:أشِيرُوا عَلـيَّ أيُّها النَّاسُوإنـما يريد الأنصار، وذلك أنهم كانوا عدد الناس، وذلك أنهم حين بـايعوه علـى العقبة، قالوا: يا رسول الله إنا برآء من ذمامك حتـى تصل إلـى ديارنا، فإذا وصلت إلـينا فأنت فـي ذمتنا، نـمنعك مـما نـمنع منه أبناءنا ونساءنا. فكأنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم خاف أن لا تكون الأنصار ترى علـيها نصرته إلاَّ مـمن دهمه بـالـمدينة من عدّوه، وأن لـيس علـيهم أن يسير بهم إلـى عدوّ من بلادهم. قال: فلـما قال ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال له سعد بن معاذ: لكأنك تريدنا يا رسول الله؟ قال: «أجَلْ». قال: فقد آمنَّا بك وصدقناك، وشهدنا أن ما جئت به هو الـحقّ، وأعطيناك علـى ذلك عهودنا ومواثـيقنا علـى السمع والطاعة فـامض يا رسول الله لـما أردت، فوالذي بعثك بـالـحقّ إن استعرضت بنا هذا البحر فخضته لـخضناه معك ما تـخـلف منا رجل واحد، وما نكره أن يـلقانا عدوّنا غدا، إنا لصُبُر عند الـحرب، صُدُق عند اللقاء، لعلّ الله أن يريك منا ما تقرّ به عينك، فسر بنا علـى بركة الله فسرّ رسول الله صلى الله عليه وسلم بقول سعد ونشطه ذلك، ثم قال:سِيرُوا علـى بَرَكَةِ اللّهِ وأبْشِرُوا، فإنَّ اللّهَ قَدْ وَعَدَنِـي إحْدَى الطَّائِفَتَـيْنِ، وَاللّهِ لَكأنـي أنْظُرُ الآنَ إلـى مَصَارِعِ القَوْمِ غَداً

حدثنـي مـحمد بن الـحسين، قال: ثنا أحمد بن الـمفضل، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ: أن أبـا سفـيان أقبل فـي عير الشأم فـيها تـجارة قريش، وهي اللطيـمة، فبلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم أنها قد أقبلت فـاستنفر الناس، فخرجوا معه ثلثمائة وبضعة عشر رجلاً، فبعث عيناً له من جهينة، حلـيفـاً للأنصار يُدعى ابن الأريقط، فأتاه بخبر القوم. وبلغ أبـا سفـيان خروج مـحمد صلى الله عليه وسلم، فبعث إلـى أهل مكة يستعينهم، فبعث رجلاً من بنـي غفـار يُدعى ضمضم بن عمرو، فخرج النبـيّ صلى الله عليه وسلم ولا يشعر بخروج قريش، فأخبره الله بخروجهم، فتـخوّف من الأنصار أن يخذلوه ويقولوا: إنا عاهدنا أن نـمنعك إن أرادك أحد ببلدنا. فأقبل علـى أصحابه فـاستشارهم فـي طلب العير، فقال له أبو بكر رضي الله عنه: إنـي قد سلكت هذا الطريق، فأنا أعلـم به، وقد فـارقهم الرجل بـمكان كذا وكذا، فسكت النبـيّ صلى الله عليه وسلم، ثم عاد فشاورهم، فجعلوا يشيرون علـيه بـالعير. فلـما أكثر الـمشورة، تكلـم سعد بن معاذ فقال: يا رسول الله، أراك تشاور أصحابك فـيشيرون علـيك وتعود فتشاورهم، فكأنك لا ترضى ما يشيرون علـيك وكأنك تتـخوّف أن تتـخـلف عنك الأنصار، أنت رسول الله، وعلـيك أنزل الكتاب، وقد أمرك الله بـالقتال ووعدك النصر، والله لا يخـلف الـميعاد، امض لـما أمرت به فوالذي بعثك بـالـحقّ لا يتـخـلف عنك رجل من الأنصار ثم قام الـمقداد بن الأسود الكندي، فقال: يا رسول الله إنا لا نقول لك كما قال بنو إسرائيـل لـموسى:

{ اذْهَبْ أنْتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلا إنَّا هَهُنا قاعِدُونَ }ولكنا نقول: أقدم فقاتل إنا معك مقاتلون ففرح رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك وقال:إنَّ رَبّـي وَعَدَنِـي القَوْمَ وَقَدْ خَرَجُوا فَسِيرُوا إلَـيْهِمْفساروا.

حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {وَإذْ يَعِدُكُمُ اللّهُ إحْدَى الطَّائِفَتَـيْنِ أنَّها لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أنَّ غير ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ} قال: الطائفتان إحداهما أبو سفـيان بن حرب إذ أقبل بـالعير من الشأم، والطائفة الأخرى أبو جهل معه نفر من قريش. فكره الـمسلـمون الشوكة والقتال، وأحبوا أن يـلقوا العير، وأراد الله ما أراد.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالـح، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ بن أبـي طلـحة، عن ابن عبـاس، قوله: {وَإذْ يَعِدُكُمُ اللّهُ إحْدَى الطَّائِفَتَـيْنِ} قال: أقبلت عير أهل مكة يريد: من الشام فبلغ أهل الـمدينة ذلك، فخرجوا ومعهم رسول الله صلى الله عليه وسلم يريدون العِير. فبلغ ذلك أهل مكة، فسارعوا السير إلـيها لا يغلب علـيها النبـيّ صلى الله عليه وسلم وأصحابه، فسبقت العير رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان الله وعدهم إحدى الطائفتـين، فكانوا أن يـلقوا العير أحبّ إلـيهم وأيسر شوكة وأحضر مغنـماً. فلـما سبقت العير، وفـاتت رسول الله صلى الله عليه وسلم، سار رسول الله صلى الله عليه وسلم بـالـمسلـمين يريد القوم، فكره القوم مسيرهم لشوكة فـي القوم.

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس قوله: {وَإذْ يَعِدُكُمُ اللّهُ إحْدَى الطَّائِفَتَـيْنِ أنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أنَّ غيرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ} قال: أرادوا العير، قال: ودخـل رسول الله صلى الله عليه وسلم الـمدينة فـي شهر ربـيع الأوّل، فأغار كرز بن جابر الفهري يريد سرح الـمدينة حتـى بلغ الصفراء، فبلغ النبـيّ صلى الله عليه وسلم فركب فـي أثره، فسبقه كرز بن جابر، فرجع النبـيّ صلى الله عليه وسلم، فأقام سنته. ثم إن أبـا سفـيان أقبل من الشأم فـي عير لقريش، حتـى إذا كان قريبـاً من بدر، نزل جبريـل علـى النبـيّ صلى الله عليه وسلم، فأوحى إلـيه: {وَإذْ يَعِدُكُمُ اللّهُ إحْدَى الطَّائِفَتَـيْنِ أنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أنَّ غيرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ} فنفر النبـيّ صلى الله عليه وسلم بجميع الـمسلـمين، وهو يومئذٍ ثلاث مئة وثلاثة عشر رجلاً، منهم سبعون ومئتان من الأنصار، وسائرهم من الـمهاجرين. وبلغ أبـا سفـيان الـخبر وهو بـالبطم، فبعث إلـى جميع قريش وهم بـمكة، فنفرت قريش وغضبت.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج: {وَإذْ يَعِدُكُمُ اللّهُ إحْدَى الطَّائِفَتَـيْنِ أنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أنَّ غيرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ} قال: كان جبريـل علـيه السلام قد نزل، فأخبره بـمسير قريش وهي تريد عيرها، ووعده: إما العير، وإما قريشا وذلك كان ببدر، وأخذوا السقاة وسألوهم، فأخبروهم، فذلك قوله: {وَتَوَدُّونَ أنَّ غيرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ} هم أهل مكة.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله: {وَتَوَدُّونَ أنَّ غيرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ...} إلـى آخر الآية: خرج النبـيّ صلى الله عليه وسلم إلـى بدر وهم يريدون يعترضون عيراً لقريش، قال: وخرج الشيطان فـي صورة سراقة بن جعشم، حتـى أتـى أهل مكة، فـاستغواهم وقال: إن مـحمداً وأصحابه قد عرضوا لعيركم، وقال: لا غالب لكم الـيوم من الناس مَن مثلكم، وإنـي جار لكم أن تكونوا علـى ما يكره الله. فخرجوا ونادوا أن لا يتـخـلف منا أحد إلاَّ هدمنا داره واستبحناه وأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه بـالروحاء عينا للقوم، فأخبره بهم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

إنَّ اللّهَ قَدْ وَعَدَكُمُ العِيرَ أوِ القَوْمَ. فكانت العير أحبّ إلـى القوم من القوم، كان القتال فـي الشوكة، والعير لـيس فـيها قتال، وذلك قول الله: {وَتَوَدُّونَ أنَّ غيرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ} قال: الشوكة: القتال، وغير الشوكة: العير.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا يعقوب بن مـحمد الزهري، قال: ثنا عبد الله بن وهب، عن ابن لهيعة، عن ابن أبـي حبـيب، عن أبـي عمران، عن أبـي أيوب، قال: أنزل الله جلّ وعزّ: {وَإذْ يَعِدُكُمُ اللّهُ إحْدَى الطَّائِفَتَـيْنِ أنَّهَا لَكُمْ} فلـما وعدنا إحدى الطائفتـين أنها لنا طابت أنفسنا. والطائفتان: عير أبـي سفـيان، أو قريش.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا سويد بن نصر، قال: أخبرنا ابن الـمبـارك، عن ابن لهيعة، عن يزيد بن أبـي حبـيب، عن أسلـم أبـي عمران الأنصاريّ، أحسبه قال: قال أبو أيوب: {وَإذْ يَعِدُكُمُ اللّهُ إحْدَى الطَّائِفَتَـيْنِ أنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أنَّ غيرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ} قالوا: الشوكة: القوم وغير الشوكة: العير فلـما وعدنا الله إحدى الطائفتـين: إما العير، وإما القوم، طابت أنفسنا.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنـي يعقوب بن مـحمد، قال: ثنـي غير واحد، فـي قوله: {وَتَوَدُّونَ أنَّ غيرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ} إن الشوكة قريش.

حُدثت عن الـحسين بن الفرج، قال: سمعت أبـا معاذ، قال: ثنا عبـيد بن سلـيـمان، قال: سمعت الضحاك يقول، فـي قوله: {وَتَوَدُّونَ أنَّ غيرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ} هي عير أبـي سفـيان، ودّ أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن العير كانت لهم وأن القتال صُرِف عنهم.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن ابن إسحاق: {وَتَوَدُّونَ أنَّ غيرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ}: أي الغنـيـمة دون الـحرب.

وأما قوله: {أنَّهَا لَكُمْ} ففُتـحت علـى تكرير «يَعِدُ»، وذلك أن قوله: {يَعِدُكُمُ اللّهُ} قد عمل فـي إحدى الطائفتـين. فتأويـل الكلام: {وَإذْ يَعِدُكُمُ اللّهُ إحْدَى الطَّائِفَتَـيْنِ} يعدكم أن إحدى الطائفتـين لكم، كما قال:

{ هَلْ يَنْظُرُونَ إلاَّ السَّاعَةَ أنْ تَأْتِـيَهُمْ بَغْتَةً }. قال: {وَتَوَدُّونَ أنَّ غيرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ} فأنث «ذات» لأنه مراد بها الطائفة.

ومعنى الكلام: وتودون أن الطائفة التـي هي غير ذات الشوكة تكون لكم، دون الطائفة ذات الشوكة.

القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {ويُرِيدُ اللّهُ أنْ يُحِقَّ الـحَقَّ بكَلِـماتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الكافِرِينَ}.

يقول تعالـى ذكره: ويريد الله أن يحقّ الإسلام ويعلـيه بكلـماته، يقول: بأمره إياكم أيها الـمؤمنون بقتال الكفـار، وأنتـم تريدون الغنـيـمة والـمال.

وقوله: {وَيَقْطَعَ دَابِرَ الكافِرِينَ} يقول: يريد أن يجبّ أصل الـجاحدين توحيد الله. وقد بـيَّنا فـيـما مضى معنى دابر، وأنه الـمتأخر، وأن معنى قطعه الإتـيان علـى الـجميع منهم.

وبنـحو ما قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قول الله: {وَيُرِيدُ اللّهَ أنْ يُحِقَّ الـحَقَّ بكَلِـماتِهِ} أن يقتل هؤلاء الذين أراد أن يقطع دابرهم، هذا خير لكم من العير.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن ابن إسحاق: {وَيُرِيدُ اللّهَ أنْ يُحِقَّ الـحَقَّ بكَلِـماتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الكافِرِينَ}: أي الوقعة التـي أوقع بصناديد قريش وقادتهم يوم بدر.

لِيُحِقَّ ٱلْحَقَّ وَيُبْطِلَ ٱلْبَٰطِلَ وَلَوْ كَرِهَ ٱلْمُجْرِمُونَ ۝٨

يقول تعالـى ذكره: ويريد الله أن يقطع دابر الكافرين كيـما يحقّ الـحقّ، كيـما يعبد الله وحده دون الآلهة والأصنام، ويعزّ الإسلام، وذلك هو تـحقـيق الـحقّ {ويُبْطِلَ البَـاطِلَ} يقول ويبطل عبـادة الآلهة والأوثان والكفر {ولو كَرِهَ} ذلك الذين أجرموا، فـاكتسبوا الـمآثم والأوزار من الكفـار.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: {لِـيُحِقَّ الـحَقَّ وَيُبْطِلَ البـاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الـمُـجْرِمُونَ} هم الـمشركون.

وقـيـل: إن الـحقّ فـي هذا الـموضع: الله عزّ وجلّ.

إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَٱسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّى مُمِدُّكُم بِأَلْفٍ مِّنَ ٱلْمَلَٰٓئِكَةِ مُرْدِفِينَ ۝٩

يقول تعالـى ذكره: ويبطل البـاطل حين تستغيثون ربكم، ف «إذ» من صلة «يبطل» ومعنى قوله: {تسْتَغيثونَ رَبَّكُمْ}: تستـجيرون به من عدوّكم، وتدعونه للنصر علـيهم. {فـاسْتَـجابَ لَكُمْ} يقول: فأجاب دعاءكم بأنـي مـمدكم بألف من الـملائكة يُردف بعضهم بعضاً ويتلو بعضهم بعضاً.

وبنـحو ما قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل وجاءت الرواية عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم. ذكر الأخبـار بذلك.

حدثنـي مـحمد بن عبـيد الـمـحاربـي، قال: ثنا عبد الله بن الـمبـارك، عن عكرمة بن عمار، قال: ثنـي سماك الـحنفـي، قال: سمعت ابن عبـاس يقول: ثنـي عمر بن الـخطاب رضي الله عنه قال: لـما كان يوم بدر ونظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلـى الـمشركين وعدتهم، ونظر إلـى أصحابه نـيفـاً علـى ثلاث مئة، فـاستقبل القبلة، فجعل يدعو ويقول:

اللهمّ أنْـجِزْ لـي ما وَعَدَتْنـي اللَّهُمَّ إنْ تَهْلِكَ هَذهِ العِصَابَةُ مِنْ أهْلِ الإسْلامِ، لا تُعْبَدْ فِـي الأرْضِفلـم يزل كذلك حتـى سقط رداؤه، وأخذه أبو بكر الصديق رضي الله عنه، فوضع رداءه علـيه، ثم التزمه من ورائه، ثم قال: كفـاك يا نبـيّ الله بأبـي وأمي مناشدتك ربك، فإنه سينـجز لك ما وعدك فأنزل الله: {إذْ تَسْتَغِثُونَ رَبَّكُمْ فـاسْتَـجابَ لَكُمْ أنّـي مُـمِدُّكُمْ بألْفٍ مِنَ الـمَلائِكَةِ مُرْدِفِـينَ}.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا أبو صالـح، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس، قال: لـما اصطفّ القوم، قال أبو جهل: اللهمّ أولانا بـالـحقّ فـانصره ورفع رسول الله صلى الله عليه وسلم يده، فقال:

يا رَبّ إنْ تَهْلِكْ هَذِهِ العِصَابَةُ فَلَنْ تُعْبَدَ فِـي الأرْضِ أبَداً

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس، قال: قام النبـيّ صلى الله عليه وسلم، فقال:

اللَّهُمَّ رَبَّنا أنْزَلْتَ عَلـيَّ الكِتابَ، وأمَرْتَنِـي بـالقِتالِ، وَوَعَدْتَنِـي بـالنَّصْرِ، وَلا تُـخْـلِفُ الـمِيعادَفأتاهُ جِبرِيـل علـيه السلام، فأنزل الله: { أَلَنْ يَكْفِيكُمْ أَن يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاَثَةِ آلافٍ مِنَ المَلائِكَةِ مُنْزَلِينَ بَلَى إِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ وَيَأْتُوكُمْ مّن فَوْرِهِمْ هَـٰذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلافٍ مّنَ ٱلْمَلَـئِكَةِ مُسَوّمِينَ }

حدثنـي أبو السائب، قال: ثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن ابن إسحاق، عن زيد بن يُثَـيْع قال: كان أبو بكر الصدّيق رضي الله عنه مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فـي العريش، فجعل النبـيّ صلى الله عليه وسلم يدعو، يقول:

اللَّهُمَّ انْصُرْ هَذِهِ العِصَابَةَ، فإنَّكَ إنْ لَـمْ تَفْعَلْ لَنْ تُعْبَدَ فـي الأرْضقال: فقال أبو بكر: بَعْضَ مناشدتك منـجزك ما وعدك.

حدثنـي مـحمد بن الـحسين، قال: ثنا أحمد بن الـمفضل، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ، قال: أقبل النبـيّ صلى الله عليه وسلم يدعو الله ويستغيثه ويستنصره، فأنزل الله علـيه الـملائكة.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، قوله: {إذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ} قال: دعا النبـيّ صلى الله عليه وسلم.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن ابن إسحاق: {إذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ}: أي بدعائكم حين نظروا إلـى كثرة عدوّهم وقلة عددهم، فـاستـجاب لكم بدعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم ودعائكم معه.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنا أبو بكر بن عياش، عن أبـي حصين، عن أبـي صالـح، قال: لـما كان يوم بدر، جعل النبـيّ صلى الله عليه وسلم يناشد ربه أشدّ النشدة، يدعو فأتاه عمر بن الـخطاب رضي الله عنه فقال: يا رسول الله بعض نشدتك، فوالله لـيفـينّ الله لك بـما وعدك.

وأما قوله: {أنّـي مُـمِدُّكُمْ بألْفٍ مِنَ الـمَلائِكَةِ مُرْدِفِـينَ} فقد بـينا معناه.

وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس: {أنِّـي مُـمِدُّكُمْ بألْفٍ مِنَ الـمَلائِكَةِ مُرْدِفِـينَ} يقول: الـمزيد، كما تقول: ائت الرجل فزده كذا وكذا.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أحمد بن بشير، عن هارون بن عنترة، عن أبـيه، عن ابن عبـاس: {مُرْدِفِـينَ} قال: متتابعين.

قال: ثنـي أبـي، عن سفـيان، عن هارون بن عنترة، عن ابن عبـاس، مثله.

حدثنـي سلـيـمان بن عبد الـجبـار، قال: ثنا مـحمد بن الصلت، قال: ثنا أبو كدينة، عن قابوس، عن أبـيه، عن ابن عبـاس: {مُـمِدُّكُمْ بألْفٍ مِنَ الـمَلائِكَةِ مُرْدِفِـينَ} قال: وراء كلّ ملك ملك.

حدثنـي ابن وكيع، قال: ثنا أبو أسامة، عن أبـي كدينة يحيى بن الـمهلب، عن قابوس، عن أبـيه، عن ابن عبـاس: {مُرْدِفِـينَ} قال: متتابعين.

قال: ثنا هانىء بن سعيد، عن حجاج بن أرطأة، عن قابوس، قال: سمعت أبـا ظبـيان يقول: {مُرْدِفِـينَ} قال: الـملائكة بعضهم علـى إثر بعض.

قال: ثنا الـمـحاربـي، عن جويبر، عن الضحاك، قال: {مُرْدِفِـينَ} قال: بعضهم علـى إثر بعض.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله، عن ورقاء، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد مثله.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، عن مـجاهد، قوله: {مُرْدِفِـينَ} قال: مـمدين. قال ابن جريج، عن عبد الله بن كثـير قال: {مُرْدِفِـينَ} الإرداف: الإمداد بهم.

حدثنـي بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد قال: ثنا سعيد، عن قتادة: {بألْفٍ مِنَ الـمَلائِكَةِ مُرْدِفِـينَ} أي متتابعين.

حدثنا مـحمد بن عبد الأعلـى، قال: ثنا مـحمد بن ثور، قال: ثنا أحمد بن الـمفضل، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ: {بألْفٍ مِنَ الـمَلائِكَةِ مُرْدِفِـينَ} يتبع بعضهم بعضاً.

حدثنا يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله: {مُرْدِفِـينَ} قال: الـمردفـين بعضهم علـى إثر بعض، يتبع بعضهم بعضاً.

حُدثت عن الـحسين، قال: سمعت أبـا معاذ، قال: ثنا عبـيد بن سلـيـمان، قال: سمعت الضحاك يقول فـي قوله: {بألْفٍ مِنَ الـمَلائِكَةِ مُرْدِفِـينَ} يقول: متتابعين يوم بدر.

واختلفت القرّاء فـي قراءة ذلك، فقرأته عامة قرّاء أهل الـمدينة: «مُرْدَفِـينَ» بنصب الدال. وقرأه بعض الـمكيـين وعامَّة قرّاء الكوفـيـين والبصريـين: {مُرْدِفِـينَ}. وكان أبو عمرو يقرؤه كذلك، ويقول فـيـما ذُكر عنه: هو من أردف بعضهم بعضاً. وأنكر هذا القول من قول أبـي عمرو بعض أهل العلـم بكلام العرب، وقال: إنـما الإرداف: أن يحمل الرجل صاحبه خـلفه، قال: ولـم يسمع هذا فـي نعت الـملائكة يوم بدر.

واختلف أهل العلـم بكلام العرب فـي معنى ذلك إذا قرىء بفتـح الدال أو بكسرها، فقال بعض البصريـين والكوفـيـين: معنى ذلك إذا قرىء بـالكسر أن الـملائكة جاءت يتبع بعضهم بعضاً علـى لغة من قال: أردفته وقالوا: العرب تقول: أردفته وردفته، بـمعنى: تبعته وأتبعته. واستشهد لصحة قولهم ذلك بـما قال الشاعر:

إذَا الـجَوْزَاءُ أرْدَفَتِ الثُّرَيَّاظَنَنْتُ بِآلِ فـاطِمَة الظُّنُونا

قالوا: فقال الشاعر: «أردفت»، وإنـما أراد «ردفتُ» جاءت بعدها، لأن الـجوزاء تـجىء بعد الثريا. وقالوا معناه إذا قرىء {مُرْدَفِـينَ} أنه مفعول بهم، كأن معناه: بألف من الـملائكة يُردف الله بعضهم بعضاً.

وقال آخرون: معنى ذلك إذا كسرت الدال: أردفت الـملائكة بعضها بعضاً، وإذا قرىء بفتـحها: أردف الله الـمسلـمين بهم.

والصواب من القراءة فـي ذلك عندي قراءة من قرأ: {بألْفٍ مِنَ الـمَلائِكَةِ مُرْدِفِـينَ} بكسر الدال لإجماع أهل التأويـل علـى ما ذكرت من تأويـلهم أن معناه: يتبع بعضهم بعضا ومتتابعين. ففـي إجماعهم علـى ذلك من التأويـل الدلـيـل الواضح علـى أن الصحيح من القراءة ما اخترنا فـي ذلك من كسر الدال، بـمعنى: أردف بعض الـملائكة بعضاً، ومسموع من العرب: جئت مِرْدِفـا لفلان: أي جئت بعده.

وأما قول من قال: معنى ذلك إذا قرىء «مُرْدَفِـينَ» بفتـح الدال: أن الله أردف الـمسلـمين بهم، فقول لا معنى له إذ الذكر الذي فـي مردفـين من الـملائكة دون الـمؤمنـين.

وإنـما معنى الكلام: أن يـمدّكم بألف من الـملائكة يردَف بعضهم ببعض، ثم حذف ذكر الفـاعل، وأخرج الـخبر غير مسمى فـاعله، فقـيـل: {مُرْدَفِـينَ} بـمعنى: مردَف بعضُ الـملائكة ببعض، ولو كان الأمر علـى ما قاله من ذكرنا قوله وجب أن يكون فـي الـمردَفـين ذكر الـمسلـمين لا ذكر الـملائكة، وذلك خلاف ما دلّ علـيه ظاهر القرآن.

وقد ذكر فـي ذلك قراءة أخرى، وهي ما:

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: قال عبد الله بن يزيد: «مُرْدِفِـينَ»، ومُرْدَفِـينَ و «مُرْدِّفِـينَ»، مثقل علـى معنى: مُرْتَدِفـين.

حدثنا الـمثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا يعقوب بن مـحمد الزهري، قال: ثنـي عبد العزيز بن عمران عن الربعي، عن أبـي الـحويرث، عن مـحمد بن جبـير، عن علـيّ رضي الله عنه، قال: نزل جبريـل فـي ألف من الـملائكة عن ميـمنة النبـيّ صلى الله عليه وسلم، وفـيها أبو بكر رضي الله عنه، ونزل ميكائيـل علـيه السلام فـي ألف من الـملائكة عن ميسرة النبـيّ صلى الله عليه وسلم، وأنا فـيها.

وَمَا جَعَلَهُ ٱللَّهُ إِلَّا بُشْرَىٰ وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِۦ قُلُوبُكُمْ وَمَا ٱلنَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِندِ ٱللَّهِ إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ۝١٠

يقول تعالـى ذكره: لـم يجعل الله إرداف الـملائكة بعضها بعضاً وتتابعها بـالـمصير إلـيكم أيها الـمؤمنون مددا لكم إلاَّ بشرى لكم: أي بشارة لكم تبشركم بنصر الله إياكم علـى أعدائكم. {وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلوبُكُمْ} يقول: ولتسكن قلوبكم بـمـجيئها إلـيكم، وتوقن بنصرة الله لكم، {وَما النَّصْرُ إلاَّ مِنْ عِنْدِ اللّهِ}: يقول: وما تُنصرون علـى عدوّكم أيها الـمؤمنون إلاَّ أن ينصركم الله علـيهم، لا بشدة بأسكم وقواكم، بل بنصر الله لكم، لأن ذلك بـيده وإلـيه، ينصر من يشاء من خـلقه. {إنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيـمٌ} يقول: إن الله الذي ينصركم وبـيده نصر من يشاء من خـلقه، عزيز لا يقهره شيء، ولا يغلبه غالب، بل يقهر كلّ شيء ويغلبه، لأنه خـلقه حكيـم، يقول: حكيـم فـي تدبـيره ونصره من نصر، وخذلانه من خذل من خـلقه، لا يدخـل تدبـيره وهن ولا خـلل.

ورُوي عن عبد الله بن كثـير، عن مـجاهد فـي ذلك ما:

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج عن ابن جريج، قال: أخبرنـي ابن كثـير أنه سمع مـجاهداً يقول: ما مْدّ النبـيّ صلى الله عليه وسلم مـما ذكر الله غير ألف من الـملائكة مردفـين، وذكر الثلاثة والـخمسة بشرى، ما مدّوا بأكثر من هذه الألف الذي ذكر الله عزّ وجلّ فـي الأنفـال. وأما الثلاثة والـخمسة، فكانت بشرى.

وقد أتـينا علـى ذلك فـي سورة آل عمران بـما فـيه الكفـاية.

إِذْ يُغَشِّيكُمُ ٱلنُّعَاسَ أَمَنَةً مِّنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً لِّيُطَهِّرَكُم بِهِۦ وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ ٱلشَّيْطَٰنِ وَلِيَرْبِطَ عَلَىٰ قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ ٱلْأَقْدَامَ ۝١١ إِذْ يُوحِى رَبُّكَ إِلَى ٱلْمَلَٰٓئِكَةِ أَنِّى مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا۟ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ سَأُلْقِى فِى قُلُوبِ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ ٱلرُّعْبَ فَٱضْرِبُوا۟ فَوْقَ ٱلْأَعْنَاقِ وَٱضْرِبُوا۟ مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ ۝١٢

يقول تعالـى ذكره: ولتطمئن به قلوبكم إذ يغشيكم النعاس. ويعنـي بقوله: {يُغَشِّيكُمُ النُّعاسَ}: يـلقـي علـيكم النعاس، {أمَنَةً} يقول: أمانا من الله لكم من عدوّكم أن يغلبكم، وكذلك النعاس فـي الـحرب أمنة من الله عزّ وجلّ.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا أبو نعيـم، قال: ثنا سفـيان، عن عاصم، عن أبـي رزين، عن عبد الله، قال: النعاس فـي القتال أمنة من الله عزّ وجلّ، وفـي الصلاة من الشيطان.

حدثنـي الـحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا الثوريّ، فـي قوله: {يغشاكم النعاس أمنة منه}، عن عاصم، عن أبـي رزين، عن عبد الله، بنـحوه، قال: قال عبد الله: فذكر مثله.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبـي، عن سفـيان، عن عاصم، عن أبـي رزين، عن عبد الله بنـحوه.

والأمنة: مصدر من قول القائل: أمنت من كذا أَمَنَةً وأماناً وأمناً، وكلّ ذلك بـمعنى واحد.

وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد: {أمَنَةً منْهُ}: أمانا من الله عزّ وجلّ.

قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله، عن ورقاء، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد: {أمَنَةً} قال: أمنا من الله.

حدثنـي يونس، قال: ثنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله: {إذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعاسَ أمَنَةً مِنْهُ} قال: أنزل الله عزّ وجلّ النعاس أمنة من الـخوف الذي أصابهم يوم أُحد. فقرأ: {ثُمَّ أنْزَلَ عَلَـيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الغَم أمَنَةً نُعاساً}.

واختلفت القراء فـي قراءة قوله: «إذْ يُغَشاكُمُ النُّعاسُ أمَنَةً مِنْهُ» فقرأ ذلك عامَّة قراء أهل الـمدينة «يُغَشِيكُمُ النُّعاسَ» بضم الـياء وتـخفـيف الشين ونصب «النعاس»، من أغشاهم الله النعاس، فهو يغشيهم. وقرأته عامة قراء الكوفـيـين: {يُغَشِّيكُم} بضم الـياء وتشديد الشين من غشّاهم الله النعاس، فهو يُغَشّيهم. وقرأ ذلك بعض الـمكيـين والبصريـين: «يَغْشاكُم النُّعاسُ» بفتـح الـياء ورفع «النعاس»، بـمعنى غشيهم النعاس، فهو يغشاهم واستشهد هؤلاء لصحة قراءتهم كذلك بقوله فـي آل عمران: {يَغْشَى طائفَةً}.

وأولـى ذلك بـالصواب: {إذْ يُغَشِّيكُم} علـى ماذكرت من قراءة الكوفـيـين، لإجماع جميع القرّاء علـى قراءة قوله: {ويُنَزّلُ عَلَـيْكُمْ مِنَ السَّماءِ ماءً} بتوجيه ذلك إلـى أنه من فعل الله عزّ وجلّ، فكذلك الواجب أن يكون كذلك: {يُغَشِّيكُم} إذ كان قوله: {ويُنَزّلُ} عطفـاً علـى «يُغَشّي»، لـيكون الكلام متسقاً علـى نـحو واحد.

وأما قوله: {ويُنَزّلُ عَلَـيْكُمْ مِنَ السَّماءِ ماءً لِـيِّطَهِّرَكُمْ بِهِ} فإن ذلك مطر أنزله الله من السماء يوم بدر، لـيطهر به الـمؤمنـين لصلاتهم لأنهم كانوا أصبحوا يومئذٍ مُـجْنِبـين علـى غير ماء فلـما أنزل الله علـيهم الـماء اغتسلوا وتطهروا. وكان الشيطان وسوس لهم بـما حزنهم به من إصبـاحهم مـجنبـين علـى غير ماء، فأذهب الله ذلك من قلوبهم بـالـمطر فذلك ربطه علـى قلوبهم وتقويته أسبـابهم وتثبـيته بذلك الـمطر أقدامهم، لأنهم كانوا التقوا مع عدوّهم علـى رَمْلة هَشَّاء فلبَّدَها الـمطر حتـى صارت الأقدام علـيها ثابتة لا تسوخ فـيها، توطئة من الله عزّ وجلّ لنبـيه علـيه الصلاة والسلام وأولـيائه أسبـاب التـمكن من عدوهم والظفر بهم. وبـمثل الذي قلنا، تتابعت الأخبـار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وغيره من أهل العلـم. ذكر الأخبـار الواردة بذلك:

حدثنا هارون بن إسحاق، قال: ثنا مصعب بن الـمقدام، قال: ثنا إسرائيـل، قال: ثنا أبو إسحاق، عن حارثة، عن علـيّ رضي الله عنه، قال: أصابنا من اللـيـل طشٌّ من الـمطر يعنـي اللـيـلة التـي كانت فـي صبـيحتها وقعة بدر فـانطلقنا تـحت الشجر والـحجف، نستظلّ تـحتها من الـمطر، وبـات رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو به:

اللَّهُمَّ إنْ تَهْلِكْ هَذِهِ العِصَابَةُ لا تُعْبَدْ فـي الأرْضِفلـما أن طلع الفجر نادى: الصَّلاةَ عِبـادَ اللّهِ، فجاء الناس من تـحت الشجر والـحجف، فصلـى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحرّض علـى القتال.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا حفص بن غياث وأبو خالد، عن داود، عن سعيد بن الـمسيب: {ماءً لِـيُطَهِّرَكُمْ بِهِ} قال: طشّ يوم بدر.

حدثنـي الـحسن بن يزيد، قال: ثنا حفص، عن داود، عن سعيد، بنـحوه.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا مـحمد أبـي عديّ وعبد الأعلـى، عن داود، عن الشعبـيّ وسعيد بن الـمسيب، قالا: طش يوم بدر.

حدثنا ابن الـمثنى، قال: ثنا ابن أبـي عديّ، عن داود، عن الشعبـي وسعيد بن الـمسيب فـي هذه الآية: {يُنَزّلُ عَلَـيْكُمْ مِنَ السَّماءِ ماءً لِـيُطَهَّرَكُمْ بِهِ، وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطانِ} قالا: طش كان يوم بدر، فثبت الله به الأقدام.

حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: «إذْ يَغْشاكُمُ النُّعاسُ أمَنَةً مِنْهُ»... الآية، ذكر لنا أنهم مطروا يومئذٍ حتـى سال الوادي ماء، واقتتلوا علـى كثـيب أعفر، فلبده الله بـالـماء، وشرب الـمسلـمون وتوضئوا وسَقَوْا، وأذهب الله عنهم وسواس الشيطان.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا عبد الله، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس، قال: نزل النبـيّ صلى الله عليه وسلم يعنـي حين سار إلـى بدر والـمسلـمون بـينهم وبـين الـماء رملة دعصة فأصاب الـمسلـمين ضعف شديد، وألقـى الشيطان فـي قلوبهم الغيظ، فوسوس بـينهم: تزعمون أنكم أولـياء الله وفـيكم رسوله، وقد غلبكم الـمشركون علـى الـماء وأنتـم تصلون مـجنبـين فأمطر الله علـيهم مطراً شديداً، فشرب الـمسلـمون وتطهروا، وأذهب الله عنهم رجز الشيطان. وثبت الرمل حين أصابه الـمطر، ومشي الناس علـيه والدوابّ فساروا إلـى القوم، وأمدّ الله نبـيه بألف من الـملائكة، فكان جبريـل علـيه السلام فـي خمسمائة من الـملائكة مـجنبة، وميكائيـل فـي خمسمائة مـجنبة.

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس قوله: «إذْ يُغْشاكُمُ النُّعاسُ أمَنَةً مِنْهُ»... إلـى قوله: {وَيُثَبِّتَ بِهِ الأقْدَامَ} وذلك أن الـمشركين من قريش لـما خرجوا لـينصروا العير ويقاتلوا عنها، نزلوا علـى الـماء يوم بدر، فغلبوا الـمؤمنـين علـيه، فأصاب الـمؤمنـين الظمأ، فجعلوا يصلون مـجنبـين مـحدثـين، حتـى تعاظم ذلك فـي صدور أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم. فأنزل الله من السماء ماء حتـى سال الوادي، فشرب الـمسلـمون وملئوا الأسقـية، وسقوا الركاب واغتسلوا من الـجنابة، فجعل الله فـي ذلك طُهوراً، وثبت الأقدام. وذلك أنه كانت بـينهم وبـين القوم رملة فبعث الله علـيها الـمطر. فضربها حتـى اشتدت، وثبتت علـيها الأقدام.

حدثنـي مـحمد بن الـحسين، قال: ثنا أحمد بن الـمفضل، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ، قال: بـينا رسول الله صلى الله عليه وسلم والـمسلـمون، فسبقهم الـمشركون إلـى ماء بدر، فنزلوا علـيه، وانصرف أبو سفـيان وأصحابه تلقاء البحر، فـانطلقوا. قال: فنزلوا علـى أعلـى الوادي، ونزل مـحمد صلى الله عليه وسلم فـي أسفله. فكان الرجل من أصحاب مـحمد علـيه الصلاة والسلام يُجنب فلا يقدر علـى الـماء، فـيصلـي جنبـاً، فألقـى الشيطان فـي قلوبهم، فقال: كيف ترجون أن تظهروا علـيهم وأحدكم يقوم إلـى الصلاة جنبـاً علـى غير وضوء؟ قال: فأرسل الله علـيهم الـمطر، فـاغتسلوا وتوضئوا وشربوا، واشتدت لهم الأرض، وكانت بطحاء تدخـل فـيها أرجلهم، فـاشتدّت لهم من الـمطر واشتدّوا علـيها.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، قال: قال ابن عبـاس: غلب الـمشركون الـمسلـمين فـي أوّل أمرهم علـى الـماء فظمىء الـمسلـمون، وصلوا مـجنبـين مـحدثـين، وكانت بـينهم رمال، فألقـى الشيطان فـي قلوب الـمؤمنـين الـحزن، فقال: تزعمون أن فـيكم نبـيًّا وأنكم أولـياء الله، وقد غلبتـم علـى الـماء وتصلون مـجنبـين مـحدثـين؟ قال: فأنزل الله ماء من السماء، فسال كلّ واد، فشرب الـمسلـمون وتطهروا، وثبتت أقدامهم، وذهبت وسوسة الشيطان.

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، فـي قوله: {ماءً لِـيُطَهِّرَكُمْ بِهِ} قال: الـمطر أنزله علـيهم قبل النعاس. {رِجْزَ الشَّيْطَانِ} قال: وسوسته. قال: فأطفأ بـالـمطر الغبـار، والتبدت به الأرض، وطابت به أنفسهم، وثبتت به أقدامهم.

حدثنا الـمثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد: {ماءً لِـيُطَهِّرَكُمْ بِهِ} أنزله علـيهم قبل النعاس، طبق الـمطر الغبـار، ولبد به الأرض، وطابت به أنفسهم، وثبتت به الأقدام.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد: {ماءً لِـيُطَهِّرَكُمْ بِهِ} قال: القطر {ويُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ} وساوسه. أطفأ بـالـمطر الغبـار، ولبد به الأرض، وطابت به أنفسهم، وثبتت به أقدامهم.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، رجز الشيطان: وسوسته.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله: {وَيُنَزّلُ عَلَـيْكُمْ مِنَ السَّماءِ ماءً لِـيُطَهِّرَكُمْ بِهِ} قال: هذا يوم بدر أنزل علـيهم القطر. {وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطانِ} الذي ألقـى فـي قلوبكم لـيس لكم بهؤلاء طاقة. {وَلِـيَرْبِطَ علـى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الأقْدَامَ}.

حُدثت عن الـحسين بن الفرج، قال: سمعت أبـا معاذ يقول: ثنا عبـيد بن سلـيـمان، قال: سمعت الضحاك يقول فـي قوله: {إذْ يَغْشاكُمُ النُّعاسُ أمَنَةً مِنْهُ...} إلـى قوله: {وَيُثَبِّتَ بِهِ الأقْدَامَ}: إن الـمشركين نزلوا بـالـماء يوم بدر، وغلبوا الـمسلـمين علـيه، فأصاب الـمسلـمين الظمأ، وصلوا مـحدثـين مـجنبـين، فألقـى الشيطان فـي قلوب الـمؤمنـين الـحزن، ووسوس فـيها: إنكم تزعمون أنكم أولـياء الله وأن مـحمداً نبـيّ الله، وقد غلبتـم علـى الـماء وأنتـم تصلون مـحدثـين مـجنبـين فأمطر الله السماء حتـى سال كلّ واد، فشرب الـمسلـمون وملئوا أسقـيتهم وسقوا دوابهم واغتسلوا من الـجنابة، وثبت الله به الأقدام وذلك أنهم كان بـينهم وبـين عدوّهم رملة لا تـجوزها الدوابّ، ولا يـمشي فـيها الـماشي إلاَّ بجهد، فضربها الله بـالـمطر حتـى اشتدت وثبتت فـيها الأقدام.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن ابن إسحاق: «إذْ يَغْشاكُمُ النُّعاسُ أمَنَةً مِنْهُ»: أي أنزلت علـيكم الأمنة حتـى نـمتـم لا تـخافون، ونزل علـيكم من السماء الـمطر الذي أصابهم تلك اللـيـلة، فحبس الـمشركون أن يسبقوا إلـى الـماء، وخُـلـي سبـيـلُ الـمؤمنـين إلـيه. {لِـيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطانِ وَلِـيَرْبِطَ علـى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الأقْدَام}: لـيذهب عنهم شكّ الشيطان بتـخويفه إياهم عدوّهم، واستـجلاد الأرض لهم، حتـى انتهوا إلـى منزلهم الذي سبق إلـيه عدوّهم.

حدثنـي مـحمد بن الـحسين، قال: ثنا أحمد بن الـمفضل، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ، قال: ثم ذكر ما ألقـى الشيطان فـي قلوبهم من شأن الـجنابة وقـيامهم يصلون بغير وضوء، فقال: «إذْ يَغْشاكُمُ النُّعاسُ أمَنَةً مِنْهُ ويُنَزّلُ عَلَـيْكُمْ مِنَ السَّماءِ ماءً لِـيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطانِ وَلِـيَرْبِطَ علـى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الأقْدَامَ» حتـى تشتدّون علـى الرمل، وهو كهيئة الأرض.

حدثنـي يعقوب بن إبراهيـم، قال: ثنا ابن علـية، قال: ثنا داود بن أبـي هند، قال: قال رجل عند سعيد بن الـمسيب، وقال مرّة قرأ: {وَيُنَزّلُ عَلَـيْكُمْ مِنَ السَّماءِ ماءً لِـيُطَهِّرَكُمْ بِهِ} فقال سعيد: إنـما هي: «وَيُنزِلُ عَلَـيْكُمْ مِنَ السَّماءِ ماءً لِـيُطْهِرَكُمْ بِهِ» قال: وقال الشعبـي: كان ذلك طشًّا يوم بدر.

وقد زعم بعض أهل العلـم بـالغريب من أهل البصرة، أن مـجاز قوله: {وَيُثَبِّتَ بِهِ الأقْدَام} ويفرغ علـيهم الصبر وينزله علـيهم، فـيثبتون لعدوّهم. وذلك قول خلاف لقول جميع أهل التأويـل من الصحابة والتابعين، وحسب قول خطأ أن يكون خلافـاً لقول من ذكرنا. وقد بـيَّنا أقوالهم فـيه، وأن معناه: ويثبت أقدام الـمؤمنـين بتلبـيد الـمطر الرمل حتـى لا تسوخ فـيه أقدامهم وحوافر دوابهم.

وأما قوله: {إذْ يُوحي رَبُّكَ إلـى الَـملائِكَةِ أنّـي مَعَكُمْ} أنصركم، {فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا} يقول: قوّوا عزمهم، وصححوا نـياتهم فـي قتال عدوّهم من الـمشركين. وقد قـيـل: إن تثبـيت الـملائكة الـمؤمنـين كان حضورهم حربهم معهم، وقـيـل: كان ذلك معونتهم إياهم بقتال أعدائهم، وقـيـل: كان ذلك بأن الـملك يأتـي الرجل من أصحاب النبـيّ صلى الله عليه وسلم يقول: سمعت هؤلاء القوم، يعنـي الـمشركين يقولون: والله لئن حملوا علـينا لننكشفن، فـيحدث الـمسلـمون بعضهم بعضاً بذلك، فتقوى أنفسهم. قالوا: وذلك كان وحيَ الله إلـى ملائكته.

وأما ابن إسحاق، فإنه قال بـما:

حدثنا بن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن ابن إسحاق: {فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا} أي فآزروا الذين آمنوا.

القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {سأُلْقِـي فِـي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرَّعْبَ فـاضْرِبُوا فَوْقَ الأعْناقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنانٍ}.

يقول تعالـى ذكره: سأرعب قلوب الذين كفروا بـي أيها الـمؤمنون منكم، وأملؤها فَرَقا حتـى ينهزموا عنكم، فـاضربوا فوق الأعناق

واختلف أهل التأويـل فـي تأويـل قوله: {فَوْقَ الأعْناقِ} فقال بعضهم: معناه: فـاضربوا الأعناق. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا ابن إدريس، عن أبـيه، عن عطية: {فـاضْرِبُوا فَوْقَ الأعْناقِ} قال: اضربوا الأعناق.

قال: ثنا أبـي، عن الـمسعودي، عن القاسم، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

إنّـي لَـمْ أُبْعَثْ لاِعَذّبَ بِعَذَابِ اللّهِ، إنَّـما بُعِثْتُ لِضَرْبِ الأعْناقِ وَشَدّ الوثاقِ

حُدثت عن الـحسين بن الفرج، قال: سمعت أبـا معاذ، قال: ثنا عبـيد بن سلـيـمان، قال: سمعت الضحاك يقول فـي قوله: {فـاضْرِبُوا فَوْقَ الأعْناقِ} يقول: اضربوا الرقاب.

واحتـجّ قائلو هذه الـمقالة بأن العرب تقول: رأيت نفس فلان، بـمعنى رأيته، قالوا: فكذلك قوله: {فـاضْرِبُوا فَوْقَ الأعْناقِ} إنـما معناه: فـاضربوا الأعناق.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: فـاضربوا الرءوس. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يحيى بن واضح، قال: وحدثنا الـحسين، عن يزيد، عن عكرمة: {فـاضْرِبُوا فَوْقَ الأعْناقِ} قال: الرءوس.

واعتلّ قائلو هذه الـمقالة بأن الذي فوق الأعناق: الرءوس، وقالوا: وغير جائز أن تقول: فوق الأعناق، فـيكون معناه: الأعناق. قالوا: ولو جاز كان أن يقال تـحت الأعناق، فـيكون معناه: الأعناق. قالوا: وذلك خلاف الـمعقول من الـخطاب، وقلب معانـي الكلام.

وقال آخرون: معنى ذلك: فـاضربوا علـى الأعناق. وقالوا: «علـى» و «فوق» معناهما متقاربـان، فجاز أن يوضع أحدهما مكان الآخر.

والصواب من القول فـي ذلك أن يقال: إن الله أمر الـمؤمنـين معلـمهم كيفـية قتل الـمشركين وضربهم بـالسيف أن يضربوا فوق الأعناق منهم والأيدي والأرجل وقوله: {فَوْقَ الأعْناقِ} مـحتـمل أن يكون مراداً به الرءوس، ومـحتـمل أن يكون مرادا به فوق جلدة الأعناق، فـيكون معناه: علـى الأعناق وإذا احتـمل ذلك صحّ قول من قال: معناه: الأعناق. وإذا كان الأمر مـحتـملاً ما ذكرنا من التأويـل، لـم يكن لنا أن نوجهه إلـى بعض معانـيه دون بعض إلاَّ بحجة يجب التسلـيـم لها، ولا حجة تدلّ علـى خصوصه، فـالواجب أن يقال: إن الله أمر بضرب رءوس الـمشركين وأعناقهم وأيديهم وأرجلهم أصحاب نبـيه صلى الله عليه وسلم الذين شهدوا معه بدراً.

وأما قوله: {وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنانٍ} فإن معناه: واضربوا أيها الـمؤمنون من عدوّكم كلّ طرف ومفصل من أطراف أيديهم وأرجلهم. والبنان: جمع بنانة، وهي أطراف أصابع الـيدين والرجلـين، ومن ذلك قول الشاعر:

ألا لَـيْتَنِـي قَطَّعْتُ مِنِّـي بَنانَةًوَلاقَـيْتُهُ فِـي البَـيْتِ يَقْظانَ حاذِرَا

يعنـي بـالبنانة: واحدة البنان.

وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا أبو السائب، قال: ثنا ابن إدريس، عن أبـيه، عن عطية: {وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنانٍ} قال: كلّ مفصل.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا ابن إدريس، عن أبـيه، عن عطية: {وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنانٍ} قال: الـمفـاصل.

قال: ثنا الـمـحاربـي، عن جويبر، عن الضحاك: {وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنانٍ} قال: كلّ مفصل.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يحيى بن واضح، قال: ثنا الـحسن، عن يزيد، عن عكرمة: {وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنانٍ} قال: الأطراف، ويقال: كلّ مفصل.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا أبو صالـح، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس: {وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنانٍ} يعنـي بـالبنان: الأطراف.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، قوله: {وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنانٍ} قال: الأطراف.

حُدثت عن الـحسين بن الفرج، قال: سمعت أبـا معاذ، قال: ثنا عبـيد بن سلـيـمان، قال: سمعت الضحاك يقول فـي قوله: {وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنانٍ} يعنـي الأطراف.

الثلاثاء، 3 نوفمبر 2026 23 جمادى الأولى 1448 هـ