انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة الأنفال

تفسير الطبريالآيات 13–24

تفسير سورة الأنفال آية آية، من تفسير الطبري.

استمع إلى تفسير سورة الأنفال

الخلاصة من تفسير الطبري · 4 مقاطع · 1:06:51

  1. 1 الآيات 1–21في هذه الصفحة 18:08
  2. 2 الآيات 22–40في هذه الصفحة 15:04

التفسير الصوتي لسورة الأنفال كاملًا (4 مقاطع)

ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ شَآقُّوا۟ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَمَن يُشَاقِقِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَإِنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ ۝١٣

يعنـي تعالـى ذكره بقوله: {ذلكَ بأنَّهُمْ} هذا الفعل من ضرب هؤلاء الكفرة فوق الأعناق، وضرب كلّ بنان منهم، جزاء لهم بشقاقهم الله ورسوله، وعقاب لهم علـيه، ومعنى قوله: {شاقُّوا الله وَرَسُولَهُ} فـارقوا أمر الله ورسوله وعصوهما، وأطاعوا أمر الشيطان. ومعنى قوله: {وَمَنْ يُشاقِقِ اللّهَ وَرَسُولَهُ} ومن يخالف أمر الله وأمر رسوله، وفـارق طاعتهما. {فإنَّ اللّهَ شَدِيدُ العِقابِ} له، وشدة عقابه له فـي الدنـيا: إحلاله به ما كان يحلّ بأعدائه من النقم، وفـي الآخرة الـخـلود فـي نار جهنـم. وحذف «له» من الكلام لدلالة الكلام علـيها.

ذَٰلِكُمْ فَذُوقُوهُ وَأَنَّ لِلْكَٰفِرِينَ عَذَابَ ٱلنَّارِ ۝١٤

يقول تعالـى ذكره: هذا العقاب الذي عجلته لكم أيها الكافرون الـمشاقون لله ورسوله فـي الدنـيا، من الضرب فوق الأعناق منكم، وضرب كلّ بنان بأيدي أولـيائي الـمؤمنـين، فذوقوه عاجلاً، واعلـموا أن لكم فـي الآجل والـمعاد عذاب النار.

ولفتـح «أن» من قوله: {وأنَّ للكافِرِينَ} من الإعراب وجهان: أحدهما الرفع، والآخر النصب. فأما الرفع فبـمعنى: ذلكم فذوقوه، ذلكم وأن للكافرين عذاب النار بنـية تكرير «ذلكم»، كأنه قـيـل: ذلكم الأمر وهذا. وأما النصب فمن وجهين: أحدهما: ذلكم فذوقوه، واعلـموا، أو وأيقنوا أن للكافرين، فـيكون نصبه بنـية فعل مضمر، قال الشاعر:

ورأيْتِ زَوْجَكِ فـي الوَغَىمُتَقَلِّدًا سَيفـاً وَرُمْـحَاً

بـمعنى: وحاملاً رمـحاً. والآخر بـمعنى: ذلكم فذوقوه، وبأن للكافرين عذاب النار، ثم حذفت البـاء فنصبت.

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِذَا لَقِيتُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ ٱلْأَدْبَارَ ۝١٥ وَمَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُۥٓ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِّقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَىٰ فِئَةٍ فَقَدْ بَآءَ بِغَضَبٍ مِّنَ ٱللَّهِ وَمَأْوَىٰهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ ۝١٦

يعنـي تعالـى ذكره: يا أيها الذين صدقوا الله ورسوله {إذَا لَقِـيتُـمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فـي القِتالِ زَحْفـا} يقول: متزاحفـاً بعضكم إلـى بعض، والتزاحف: التدانـي والتقارب. {فَلا تُوَلُّوهُمُ الأدْبـارَ} يقول: فلا تولوهم ظهوركم فتنهزموا عنهم، ولكن اثبتوا لهم فإن الله معكم علـيهم. {وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ} يقول: ومن يولهم منكم ظهره {إلا مُتَـحَرِّفـا لِقتَالٍ} يقول: إلا مستطرداً لقتال عدوّه بطلب عورة له يـمكنه إصابتها فـيكرّ علـيه {أو مُتَـحَيِّزاً إلـى فِئَةٍ} أو إلا أن يولـيهم ظهره متـحيزاً إلـى فئة، يقول: صائراً إلـى حيز الـمؤمنـين الذين يفـيئون به معهم إلـيهم لقتالهم ويرجعون به معهم إلـيهم.

وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبو خالد الأحمر، عن جويبر، عن الضحاك: {إلاَّ مُتَـحَرّفـاً لِقِتالٍ أوْ مُتَـحيِّزاً إلـى فِئَةٍ} قال: الـمتـحرّف: الـمتقدّم من أصحابه لـيرى غرّة من العدوّ فـيصيبها. قال: والـمتـحيز: الفـارّ إلـى النبـيّ صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وكذلك من فرّ الـيوم إلـى أميره أو أصحابه. قال الضحاك: وإنـما هذا وعيد من الله لأصحاب مـحمد صلى الله عليه وسلم أن لا يفرّوا، وإنـما كان النبـيّ علـيه الصلاة والسلام فئتهم.

حدثنـي مـحمد بن الـحسين، قال: ثنا أحمد بن الـمفضل، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ: {وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إلاَّ مُتَـحَرّفـاً لِقِتالٍ أوْ مُتَـحَيِّزًا إلـى فِئَةٍ} أما الـمتـحرّف يقول: إلاَّ مستطرداً، يريد العودة. {أوْ مُتَـحيِّزاً إلـى فِئَةٍ} قال: الـمتـحيز إلـى الإمام وجنده إن هو كرّ فلـم يكن له بهم طاقة، ولا يعذر الناس وإن كثروا أن يولوا عن الإمام.

واختلف أهل العلـم فـي حكم قول الله عزّ وجلّ: {وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إلاَّ مُتَـحَرّفـاً لِقِتالٍ أوْ مُتَـحَيِّزًا إلـى فِئَةٍ فَقَدْ بـاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللّهِ ومَأْوَاهُ جَهَنَّـمُ} هل هو خاصّ فـي أهل بدر، أم هو فـي الـمؤمنـين جميعاً؟ فقال قوم: هو لأهل بدر خاصة، لأنه لـم يكن لهم أن يتركوا رسول الله صلى الله عليه وسلم مع عدوّه وينهزموا عنه فأما الـيوم فلهم الانهزام. ذكر من قال ذلك:

حدثنا مـحمد بن الـمثنى، قال: ثنا عبد الأعلـى، قال: ثنا داود، عن أبـي نضرة، فـي قول الله عزّ وجلّ: {وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ} قال: ذاك يوم بدر، ولـم يكن لهم أن ينـحازوا، ولو انـحاز أحد لـم ينـحز إلاَّ إلـى. قال أبو موسى: يعنـي إلـى الـمشركين.

حدثنا إسحاق بن شاهين، قال: ثنا خالد، عن داود، عن أبـي نضرة، عن أبـي سعيد، قوله عزّ وجلّ: {وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ} ثم ذكر نـحوه، إلاَّ أنه قال: ولو انـحازوا انـحازوا إلـى الـمشركين، ولـم يكن يومئذٍ مسلـم فـي الأرض غيرهم.

حدثنا حميد بن مسعدة، قال: ثنا بشر بن مفضل، قال: ثنا داود، عن أبـي نضرة، عن أبـي سعيد، قال: نزلت فـي يوم بدر: {وَمَنْ يُوَلهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ}.

حدثنـا ابن الـمثنى، وعلـيّ بن مسلـم الطوسي، قال ابن الـمثنى: ثنـي عبد الصمد، وقال علـيّ: ثنا عبد الصمد، قال: ثنا شعبة، عن داود، يعنـي ابن أبـي هند، عن أبـي نضرة، عن أبـي سعيد: {وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ} قال: يوم بدر. قال أبو موسى: حُدثت أن فـي كتاب غندر هذا الـحديث، عن داود، عن الشعبـي، عن أبـي سعيد.

حدثنا أحمد بن مـحمد الطوسي، قال: ثنا علـيّ بن عاصم، عن داود بن أبـي هند، عن أبـي نضرة، عن أبـي سعيد الـخدريّ، قال: إنـما كان ذلك يوم بدر لـم يكن للـمسلـمين فئة إلاَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأما بعد ذلك، فإن الـمسلـمين بعضهم فئة لبعض.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا عبد الأعلـى، قال: ثنا داود، عن أبـي نضرة: {وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ} قال: هذه نزلت فـي أهل بدر.

حدثنا يعقوب، قال: ثنا ابن علـية، عن ابن عون، قال: كتبت إلـى نافع أسأله، عن قوله: {وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ} أكان ذلك الـيوم أم هو بعد؟ قال: وكتب إلـيّ: إنـما كان ذلك يوم بدر.

حدثنا علـيّ بن سهل، قال: ثنا زيد، عن سفـيان، عن جويبر، عن الضحاك، قال: إنـما كان الفرار يوم بدر، ولـم يكن لهم ملـجأ يـلـجئون إلـيه، فأما الـيوم فلـيس فرار.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبـي، عن الربـيع، عن الـحسن: {وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ} قال: كانت هذه يوم بدر خاصة، لـيس الفرار من الزحف من الكبـائر.

قال: ثنا أبـي، عن سفـيان، عن رجل، عن الضحاك {وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ} قال: كانت هذه يوم بدر خاصة، قال: ثنا روح بن عبـادة، عن حبـيب بن الشهيد، عن الـحسن {وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ} قال: نزلت فـي أهل بدر.

حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: {وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ} قال: ذلكم يوم بدر.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا سويد، قال: أخبرنا ابن الـمبـارك عن الـمبـارك بن فضالة، عن الـحسن {وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ} قال: ذلك يوم بدر، فأما الـيوم فإن انـحاز إلـى فئة أو مصر أحسبه قال: فلا بأس به.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا قبـيصة بن عقبة، قال: ثنا سفـيان، عن ابن عون، قال: كتبت إلـى نافع {وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ}؟ قال: إنـما هذا يوم بدر.

حدثنـي الـمثتـى، قال: ثنا سويد بن نصر، قال: ثنا ابن الـمبـارك، عن ابن لهيعة، قال: ثنـي يزيد بن أبـي حبـيب، قال: أوجب الله لـمن فرّ يوم بدر النار، قال: {وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إلاَّ مُتَـحَرّفـاً لِقِتالٍ أوْ مُتَـحَيِّزاً إلـى فِئَةٍ فَقَدْ بـاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللّهِ} فلـما كان يوم أُحد بعد ذلك قال:

{ إنَّـمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطانُ بِبَعْضِ ما كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفـا اللّهُ عَنْهُمْ }ثم كان حنـين بعد ذلك بسبع سنـين، فقال { ثُمَّ وَلَّـيتُـمْ مُدْبِرِينَ ثُمَّ يَتُوبُ اللّهُ مِنْ بَعْدِ ذلكَ عَلـى مَنْ يَشاءُ }

حدثنـي يعقوب، قال: ثنا ابن علـية، قال: ثنا ابن عون، عن مـحمد، أن عمر رضي الله عنه بلغه قتل أبـي عبـيد، فقال: لو تـحيز إلـيّ لكنت له فئة.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا سويد، قال: ثنا ابن الـمبـارك، عن جرير بن حازم، قال: ثنـي قـيس بن سعيد، قال: سألت عطاء بن أبـي ربـاح، عن قوله: {وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ} قال: هذه منسوخة بـالآية التـي فـي الأنفـال:

{ الآنَ خَفَّفَ اللّهُ عَنْكُمْ وَعَلِـمَ أنَّ فِـيكُمْ ضَعْفـاً فإنْ يَكُنْ مِنْكُم مِئَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِئَتَـيْنِ }قال: ولـيس لقوم أن يفروا من مثلـيهم. قال: ونسخت تلك إلاَّ هذه العدّة.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا سويد، قال: أخبرنا ابن الـمبـارك، عن سلـيـمان التـيـمي، عن أبـي عثمان، قال: لـما قتل أبو عبـيد جاء الـخبر إلـى عمر، فقال: يا أيها الناس أنا فئتكم.

قال ابن الـمبـارك، عن معمر وسفـيان الثوري وابن عيـينة، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، قال: قال عمر رضي الله عنه: أنا فئة كلّ مسلـم.

وقال آخرون: بل هذه الآية حكمها عام فـي كلّ من ولـى الدبر عن العدوّ منهزماً. ذكر من قال ذلك.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالـح، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ بن أبـي طلـحة، عن ابن عبـاس، قال: أكبر الكبـائر: الشرك بـالله، والفرار من الزحف لأن الله عزّ وجل يقول: {وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ... فَقَدْ بـاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللّهِ وَمأْوَاهُ جَهَنَّـمُ وَبِئْسَ الـمَصِير}.

وأولـى التأويـلـين فـي هذه الآية بـالصواب: عندي قول من قال: حكمها مـحكم، وأنها نزلت فـي أهل بدر، وحكمها ثابت فـي جميع الـمؤمنـين، وأن الله حرّم علـى الـمؤمنـين إذا لقوا العدوّ أن يولوهم الدبر منهزمين، إلاَّ لتـحرّف القتال، أو لتـحيز إلـى فئة من الـمؤمنـين حيث كانت من أرض الإسلام، وأن من ولاهم الدبر بعد الزحف لقتال منهزماً بغير نـية إحدى الـخـلتـين اللتـين أبـاح الله التولـية بهما، فقد استوجب من الله وعيده إلاَّ أن يتفضل علـيه بعفوه.

وإنـما قلنا هي مـحكمة غير منسوخة، لـما قد بـيَّنا فـي غير موضع من كتابنا هذا وغيره أنه لا يجوز أن يحكم لـحكم آية بنسخ وله فـي غير النسخ وجه إلاَّ بحجة يجب التسلـيـم لها من خبر يقطع العذر أو حجة عقل، ولا حجة من هذين الـمعنـيـين تدلّ علـى نسخ حكم قول الله عزّ وجلّ: {وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إلاَّ مُتَـحَرفـاً لِقِتالٍ أوْ مُتَـحَيِّزاً إلـى فِئَةٍ}.

وأما قوله: {فَقَدْ بـاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللّهِ} يقول: فقد رجع بغضب من الله، {ومَأْوَاهُ جَهَنَّـمُ} يقول: ومصيره الذي يصير إلـيه فـي معاده يوم القـيامة جهنـم وبئس الـمصير، يقول: وبئس الـموضع الذي يصير إلـيه ذلك الـمصير.

فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ رَمَىٰ وَلِيُبْلِىَ ٱلْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلَآءً حَسَنًا إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ۝١٧

يقول تعالـى ذكره للـمؤمنـين به وبرسوله مـمن شهد بدراً مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فقاتل أعداء دينه معه من كفـار قريش: فلـم تقتلوا الـمشركين أيها الـمؤمنون أنتـم، ولكن الله قتلهم. وأضاف جلّ ثناؤه قتلهم إلـى نفسه، ونفـاه عن الـمؤمنـين به الذين قاتلوا الـمشركين، إذ كان جلّ ثناؤه هو مسبب قتلهم، وعن أمره كان قتال الـمؤمنـين إياهم، ففـي ذلك أدلّ الدلـيـل علـى فساد قول الـمنكرين أن يكون لله فـي أفعال خـلقه صنع به وصلوا إليها. وكذلك قوله لنبـيه علـيه الصلاة والسلام: {وَما رَمَيْتَ إذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللّهَ رَمى} فأضاف الرمي إلـى نبـيّ الله، ثم نفـاه عنه، وأخبر عن نفسه أنه هو الرامي، إذ كان جلّ ثناؤه هو الـموصل الـمرميّ به إلـى الذين رمُوا من به الـمشركين، والـمسبب الرمية لرسوله. فـيقال للـمسلـمين ما ذكرنا: قد علـمتـم إضافة الله رمي نبـيه صلى الله عليه وسلم الـمشركين إلـى نفسه بعد وصفه نبـيه به وإضافته إلـيه ذلك فعل واحد كان من الله بتسبـيبه وتسديده، ومن رسول الله صلى الله عليه وسلم الـحذف والإرسال، فما تنكرون أن يكون كذلك سائر أفعال الـخـلق الـمكتسبة: من الله الإنشاء والإنـجاز بـالتسبـيب، ومن الـخـلق الاكتساب بـالقوى؟ فلن يقولوا فـي أحدهما قولاً إلاَّ ألزموا فـي الآخر مثله.

وبنـحو ما قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد فـي قول الله: {فَلَـمْ تَقْتُلُوهُمْ} لأصحاب مـحمد صلى الله عليه وسلم، حين قال هذا: قتلت، وهذا: قتلت. {وَما رَمَيْتَ إذْ رَمَيْتَ} قال لـمـحمد حين حَصَب الكفـار.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، مثله.

حدثنا مـحمد بن عبد الأعلـى، قال: ثنا مـحمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: {وَما رَمَيْتَ إذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللّهَ رَمى} قال: رماهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بـالـحصبـاء يوم بدر.

حدثنا مـحمد بن عبد الأعلـى، قال: ثنا مـحمد بن ثور، عن معمر، عن أيوب، عن عكرمة، قال: ما وقع منها شيء إلاَّ فـي عين رجل.

حدثنا عبد الوارث بن عبد الصمد بن عبد الوارث، قال: ثنا أبـي، قال: ثنا أبـان العطار، قال: ثنا هشام بن عروة، قال: لـما ورد رسول الله صلى الله عليه وسلم بدرا قال:

هَذِهِ مَصَارِعُهُمْ. ووجد الـمشركون النبـيّ صلى الله عليه وسلم قد سبقهم إلـيه ونزل علـيه، فلـما طلعوا علـيه زعموا أن النبـيّ صلى الله عليه وسلم قال: هَذِهِ قُرَيْشٌ قَدْ جاءَتْ بِخُيَلائها وَفَخْرِها تَـحادُّكَ وَتُكَذّبُ رَسُولَكَ، اللَّهُمَّ إنّى أسألُكَ ما وَعَدْتَنِـيفلـما أقبلوا استقبلهم، فحثا فـي وجوههم، فهزمهم الله عزّ وجلّ.

حدثنا أحمد بن منصور، قال: ثنا يعقوب بن مـحمد، قال: ثنا عبد العزيز بن عمران، قال: ثنا موسى بن يعقوب بن عبد الله بن زمعة، عن يزيد بن عبد الله، عن أبـي بكر بن سلـيـمان بن أبـي حثمة، عن حكيـم بن حزام، قال: لـما كان يوم بدر، سمعنا صوتاً وقع من السماء كأنه صوت حصاة وقعت فـي طست، ورمى رسول الله صلى الله عليه وسلم تلك الرمية، فـانهزمنا.

حدثنـي الـحرث، قال: ثنا عبد العزيز، قال: ثنا أبو معشر، عن مـحمد بن قـيس ومـحمد بن كعب القرظي، قالا: لـما دنا القوم بعضهم من بعض، أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم قبضة من تراب فرمى بها فـي وجوه القوم، وقال:

شاهَتِ الُوجُوهُفدخـلت فـي أعينهم كلهم، وأقبل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يقتلونهم ويأسرونهم، وكانت هزيـمتهم فـي رمية رسول الله صلى الله عليه وسلم. وأنزل الله: {وَما رَمَيْتَ إذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللّهَ رَمى...} الآية، إلـى: {إنَّ اللّهَ سَمِيعٌ عَلِـيـمٌ}.

حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {وَما رَمَيْتَ إذْ رَمَيْتَ...} الآية، ذكر لنا أن نبـيّ الله صلى الله عليه وسلم أخذ يوم بدر ثلاثة أحجار ورمى بها فـي وجوه الكفـار، فهزموا عند الـحجر الثالث.

حدثنـي مـحمد بن الـحسين، قال: ثنا أحمد بن الـمفضل، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين التقـى الـجمعان يوم بدر لعلـيّ رضي الله عنه:

أعْطِنـي حَصا مِنَ الأرْضِفناوله حصى علـيه تراب فرمى به وجوه القوم، فلـم يبق مشرك إلاَّ دخـل فـي عينـيه من ذلك التراب شيء. ثم ردِفهم الـمؤمنون يقتلونهم ويأسرونهم. فذكر رمية النبـيّ صلى الله عليه وسلم، فقال: {فَلَـمْ تَقْتُلُوهُمْ ولكِنَّ اللّهَ قَتَلَهُمْ وَما رَمَيْتَ إذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللّهَ رَمى}.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله: {وَما رَمَيْتَ إذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللّهَ رَمى} قال: هذا يوم بدر، أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث حصيات، فرمى بحصاة فـي ميـمنة القوم وحصاة فـي ميسرة القوم وحصاة بـين أظهرهم وقال:

شاهَت الوُجُوهُفـانهزموا، فذلك قول الله عزّ وجلّ: {وَما رَمَيْتَ إذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللّهَ رَمى}.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا أبو صالـح، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس، قال: رفع رسول الله صلى الله عليه وسلم يده يوم بدر، فقال:

يا رَبّ إنْ تَهْلِكْ هذِهِ العِصَابَةُ فَلَنْ تُعْبَد فِـي الأرْضِ أبَداًفقال له جبريـل: خذ قبضة من التراب فأخذ قبضة من التراب، فرمى بها فـي وجوههم فما من الـمشركين من أحد إلاَّ أصاب عينـيه ومنـخريه وفمه تراب من تلك القبضة، فولوا مدبرين.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن ابن إسحاق، قال: قال الله عزّ وجلّ فـي رمي رسول الله صلى الله عليه وسلم الـمشركين بـالـحصبـاء من يده حين رماهم: {وَلكنَّ اللّهَ رَمى}: أي لـم يكن ذلك برميتك لولا الذي جعل الله فـيها من نصرك، وما ألقـى فـي صدور عدوّك منها حين هزمتهم.

ورُوي عن الزهري فـي ذلك قول خلاف هذه الأقوال، وهو ما:

حدثنا الـحسن بن يحيى، قال: ثنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن الزهريّ: {وَما رَمَيْتَ إذْ رَمَيْتَ} قال: جاء أبـيّ بن خـلف الـجمـحي إلـى النبـيّ صلى الله عليه وسلم بعظم حائل، فقال: الله مـحيـي هذا يا مـحمد وهو رميـم؟ وهو يفتّ العظم. فقال النبـيّ صلى الله عليه وسلم:

يُحْيِـيهِ اللّهُ، ثُمَّ يُـمِيتُكَ، ثُمَّ يُدْخِـلُكَ النَّارَقال: فلـما كان يوم أُحد، قال: والله لأقتلنّ مـحمداً إذا رأيته فبلغ ذلك النبـيّ صلى الله عليه وسلم، فقال:بَلْ أنا أقْتُلُهُ إنْ شَاءَ اللّهُ

وأما قوله: {وَلِـيُبْلِـيَ الـمُؤْمِنِـينَ مِنْهُ بَلاءً حَسَناً} فإن معناه: ولـينعم علـى الـمؤمنـين بـالله ورسوله بـالظفر بأعدائهم، ويغنـمهم ما معهم، ويثبت لهم أجور أعمالهم وجهادهم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم. وذلك البلاء الـحسن، رَمْيُ الله هؤلاء الـمشركين. ويعنـي بـالبلاء الـحسن: النعمة الـحسنة الـجميـلة، وهي ما وصفت، وما فـي معناه.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن ابن إسحاق، قال فـي قوله: {وَلِـيُبْلِـيَ الـمُؤْمِنِـينَ مِنْهَ بَلاءً حَسَناً}: أي لـيعرف الـمؤمنـين من نعمه علـيهم فـي إظهارهم علـى عدوّهم مع كثرة عددهم وقلة عددهم، لـيعرفوا بذلك حقه ولـيشكروا بذلك نعمته.

وقوله:{ إنَّ اللّهَ سَمِيعٌ عَلِـيـمٌ } يعنـي: إن الله سميع أيها الـمؤمنون لدعاء النبـيّ صلى الله عليه وسلم ومناشدته ربه ومسئلته إياه إهلاك عدوّه وعدوّكم ولقـيـلكم وقـيـل جميع خـلقه، علـيـم بذلك كله وبـما فـيه صلاحكم وصلاح عبـاده، وغير ذلك من الأشياء مـحيط به، فـاتقوه وأطيعوا أمره وأمر رسوله.

ذَٰلِكُمْ وَأَنَّ ٱللَّهَ مُوهِنُ كَيْدِ ٱلْكَٰفِرِينَ ۝١٨

يعنـي جلّ ثناؤه بقوله: {ذَلِكُمْ}: هذا الفعل من قتل الـمشركين ورميهم حتـى انهزموا، وابتلاء الـمؤمنـين البلاء الـحسن بـالظفر بهم وإمكانهم من قتلهم وأسرهم، فعلنا الذي فعلنا. {وأنَّ اللّهَ مُوهِنُ كَيْدَ الكافِرِينَ} يقول: واعلـموا أن الله مع ذلك مضعف كيد الكافرين، يعنـي مكرهم، حتـى يذلوا، وينقادوا للـحقّ ويهلكوا. وفـي فتـح «أن» من الوجوه ما فـي قوله: {ذَلِكُمْ فَذُوقوهُ وأنَّ للْكافِرِينَ} وقد بـيَّنته هنالك.

وقد اختلفت القرّاء فـي قراءة قوله: {مُوهِنُ}.فقرأته عامة قرّاء أهل الـمدينة وبعض الـمكيـين والبصريـين: «مُوَهِّنٌ» بـالتشديد، من وهَّنت الشيء: ضعَّفته. وقرأ ذلك عامة قرّاء الكوفـيـين: {مُوهِنُ} من أوهنته فأنا موهنه، بـمعنى أضعفته. والتشديد فـي ذلك أعجب إلـيّ لأن الله تعالـى كان ينقض ما يبرمه الـمشركون لرسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، عقداً بعد عقد، وشيئاً بعد شيء، وإن كان الآخر وجهاً صحيحاً.

إِن تَسْتَفْتِحُوا۟ فَقَدْ جَآءَكُمُ ٱلْفَتْحُ وَإِن تَنتَهُوا۟ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَإِن تَعُودُوا۟ نَعُدْ وَلَن تُغْنِىَ عَنكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْـًٔا وَلَوْ كَثُرَتْ وَأَنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ۝١٩

يقول تعالـى ذكره للـمشركين الذين حاربوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ببدر: {إنْ تَسْتَفْتِـحُوا فَقَدْ جاءَكُمُ الفَتْـحُ} يعنـي: إن تستـحكموا الله علـى أقطع الـحزبـين للرحم وأظلـم الفئتـين، وتستنصروه علـيه، فقد جاءكم حكم الله ونصره الـمظلوم علـى الظالـم، والـمـحقّ علـى الـمبطل. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا الـمـحاربـي، عن جويبر، عن الضحاك: {إنْ تَسْتَفْتِـحُوا فَقَدْ جاءَكُمُ الفَتْـحُ} قال: إن تستقضوا فقد جاءكم القضاء.

قال: ثنا سويد بن عمرو الكلبـي، عن حماد بن زيد، عن أيوب، عن عكرمة: {إنْ تَسْتَفْتِـحُوا فَقَدْ جاءَكُمُ الفَتْـحُ} قال: إن تستقضوا فقد جاءكم القضاء.

حدثنا ابن الـمثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالـح، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس، قوله: {إنْ تَسْتَفْتِـحُوا فَقَدْ جاءَكُمُ الفَتْـحُ} يعنـي بذلك الـمشركين، إن تستنصروا فقد جاءكم الـمدد.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، قال: أخبرنـي عبد الله بن كثـير، عن ابن عبـاس، قوله: {إنْ تَسْتَفْتِـحُوا} قال: إن تستقضوا القضاء، وإنه كان يقول: {وَإنْ تَنْتَهُوا فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإنْ تَعُودُوا نَعُدْ وَلَنْ تُغْنِـيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئاً} قلت: للـمشركين؟ قال: لا نعلـمه إلاَّ ذلك.

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، قوله: {إنْ تَسْتَفْتِـحُوا فَقَدْ جاءَكُمُ الفَتْـحُ} قال: كفـار قريش فـي قولهم: ربنا افتـح بـيننا وبـين مـحمد وأصحابه، ففتـح بـينهم يوم بدر.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، نـحوه.

حدثنا مـحمد بن عبد الأعلـى، قال: ثنا مـحمد بن ثور، عن معمر، عن الزهري: {إنْ تَسْتَفْتِـحُوا فَقَدْ جاءَكُمُ الفَتْـحُ} قال: استفتـح أبو جهل، فقال: اللهمّ يعنـي مـحمداً ونفسه أينا كان أفجر لك اللهمّ وأقطع للرحم فأَحِنْهُ الـيوم قال الله: {إنْ تَسْتَفْتِـحُوا فَقَدْ جاءَكُمُ الفَتْـحُ}.

حدثنا الـحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن الزهري، فـي قوله: {إنْ تَسْتَفْتِـحُوا فَقَدْ جاءَكُمُ الفَتْـحُ } قال: استفتـح أبو جهل بن هشام، فقال: اللهمّ أينا كان أفجر لك وأقطع للرحم فأحنه الـيوم يعنـي مـحمداً علـيه الصلاة والسلام ونفسه. قال الله عزّ وجلّ: {إنْ تَسْتَفْتِـحُوا فَقَدْ جاءَكُمُ الفَتْـحُ} فضربه ابنا عفراء: عوف ومعوّذ، وأجهز علـيه ابن مسعود.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا أبو صالـح، قال: ثنـي اللـيث، قال: ثنـي عقـيـل، عن ابن شهاب، قال: أخبرنـي عبد الله بن ثعلبة بن صعير العدويّ حلـيف بنـي زهرة، أن الـمستفتـح يومئذٍ أبو جهل، وأنه قال حين التقـى القوم: أينا أقطع للرحم وآتانا بـما لا يُعرف فأَحِنْهُ الغداة فكان ذلك استفتاحه، فأنزل الله فـي ذلك: {إنْ تَسْتَفْتِـحُوا فَقَدْ جاءَكُمُ الفَتْـحُ...} الآية.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {إنْ تَسْتَفْتِـحُوا فَقَدْ جاءَكُمُ الفَتْـحُ...} الآية، يقول: قد كانت بدر قضاء وعبرة لـمن اعتبر.

حدثنـي مـحمد بن الـحسين، قال: ثنا أحمد بن الـمفضل، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ، قال: كان الـمشركون حين خرجوا إلـى النبـيّ صلى الله عليه وسلم من مكة، أخذوا بأستار الكعبة، واستنصروا الله، وقالوا: اللهمّ انصر أعزّ الـجندين، وأكرم الفئتـين، وخير القبـيـلتـين فقال الله: {إنْ تَسْتَفْتِـحُوا فَقَدْ جاءَكُمُ الفَتْـحُ} يقول: نصرت ما قلتـم، وهو مـحمد صلى الله عليه وسلم.

حُدثت عن الـحسين بن الفرج، قال: سمعت أبـا معاذ، يقول: ثنا عبـيد بن سلـيـمان، قال: سمعت الضحاك يقول فـي قوله: {إنْ تَسْتَفْتِـحُوا فَقَدْ جاءَكُمُ الفَتْـحُ...} إلـى قوله: {وأنَّ اللّهَ مَعَ الـمُؤْمِنِـينَ} وذلك حين خرج الـمشركون ينظرون عيرهم، وإن أهل العير أبـا سفـيان وأصحابه أرسلوا إلـى الـمشركين بـمكة يستنصرونهم، فقال أبو جهل: أينا كان خيرا عندك فـانصره وهو قوله: {إنْ تَسْتَفْتِـحُوا} يقول: تستنصروا.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله: {إنْ تَسْتَفْتِـحُوا فَقَدْ جاءَكُمُ الفَتْـحُ} قال: إن تستفتـحوا العذاب، فعذّبوا يوم بدر، قال: وكان استفتاحهم بـمكة، قالوا:

{ اللَّهُمَّ إنْ كانَ هَذَا هُوَ الـحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأمْطِرْ عَلَـيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أوِ ائْتِنا بِعَذَابٍ ألِـيـمِ }قال: فجاءهم العذاب يوم بدر. وأخبر عن يوم أُحد: {وَإنْ تَعُودُوا نَعُدْ وَلَنْ تُغْنِـيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئاً وَلَوْ كَثُرَتْ وأنَّ اللّهَ مَعَ الـمُؤْمِنِـينَ}.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا ابن فضيـل، عن مطرف، عن عطية، قال: قال أبو جهل يوم بدر: اللهمّ انصر أهدى الفئتـين، وخير الفئتـين وأفضل فنزلت: {إنْ تَسْتَفْتِـحُوا فَقَدْ جاءَكُمُ الفَتْـحُ}.

قال: ثنا عبد الأعلـى، عن معمر، عن الزهريّ، أن أبـا جهل هو الذي استفتـح يوم بدر وقال: اللهمّ أينا كان أفجر وأقطع لرحمه، فأحِنْهُ الـيوم فأنزل الله: {إنْ تَسْتَفْتِـحُوا فَقَدْ جاءَكُمُ الفَتْـحُ}.

قال: ثنا يزيد بن هارون، عن ابن إسحاق، عن الزهريّ، عن عبد الله بن ثعلبة بن صعير: أن أبـا جهل، قال يوم بدر: اللهمّ أقطعنا لرحمه، وآتانا بـما لا نعرف، فأحِنْه الغداة وكان ذلك استفتاحا منه، فنزلت: {إنْ تَسْتَفْتِـحُوا فَقَدْ جاءَكُمُ الفَتْـحُ...} الآية.

قال: ثنا يحيى بن آدم، عن إبراهيـم بن سعد، عن صالـح بن كيسان، عن الزهريّ، عن عبد الله بن ثعلبة بن صعير، قال: كان الـمستفتـح يوم بدر أبـا جهل، قال: اللهمّ أقطعنا للرحم، وآتانا بـما لا نعرف، فأحنه الغداة فأنزل الله: {إنْ تَسْتَفْتِـحُوا فَقَدْ جاءَكُمُ الفَتْـحُ}.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن ابن إسحاق، قال: ثنـي مـحمد بن مسلـم الزهري، عن عبد الله بن ثعلبة بن صُعَير، حلـيف بنـي زهرة، قال: لـما التقـى الناس، ودنا بعضهم من بعض، قال أبو جهل: اللهمّ أقطعنا للرحم، وآتانا بـما لا نعرف، فأحنه الغداة فكان هو الـمستفتـح علـى نفسه.

قال ابن إسحاق: فقال الله: {إنْ تَسْتَفْتِـحُوا فَقَدْ جاءَكُمُ الفَتْـحُ} لقول أبـي جهل: اللهمّ أقطعنا للرحم، وآتانا بـما لا نعرف، فأحنه الغداة قال: الاستفتاح: الإنصاف فـي الدعاء.

حدثنـي الـحرث، قال: ثنا عبد العزيز، قال: ثنا أبو معشر، عن يزيد بن رومان وغيره، قال أبو جهل يوم بدر: اللهمّ انصر أحبّ الدينـين إلـيك، ديننا العتـيق، أم دينهم الـحديث فأنزل الله: {إنْ تَسْتَفْتِـحُوا فَقَدْ جاءَكُمُ الفَتْـحُ...} إلـى قوله: {وَأنَّ اللّهَ مَعَ الـمُؤْمِنِـينَ}.

وأما قوله: {وَإنْ تَنْتَهُوا فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ} فإنه يقول: وإن تنتهوا يا معشر قريش وجماعة الكفـار عن الكفر بـالله ورسوله، وقتال نبـيه صلى الله عليه وسلم والـمؤمنـين به، فهو خير لكم فـي دنـياكم وآخرتكم. {وَإنْ تَعُودُوا نَعُدْ} يقول: وإن تعودوا لـحربه وقتاله وقتال أتبـاعه الـمؤمنـين، نَعُدْ: أي بـمثل الواقعة التـي أُوقعت بكم يوم بدر.

وقوله: {وَلَنْ تُغْنِـيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئاً وَلَوْ كَثُرَتْ} يقول: وإن تعودوا نعد لهلاككم بأيدي أولـيائي وهزيـمتكم، ولن تغنـي عنكم عند عودي لقتلكم بأيديهم وسبـيكم وهزمكم فئتكم شيئا ولو كثرت، يعنـي جندهم وجماعتهم من الـمشركين، كما لـم يغنوا عنهم يوم بدر مع كثرة عددهم وقلة عدد الـمؤمنـين شيئاً. {وأنَّ اللّهَ مَعَ الـمُؤْمِنِـينَ} يقول جلّ ذكره: وأن الله مع من آمن به من عبـاده علـى من كفر به منهم، ينصرهم علـيهم، أو يظهرهم كما أظهرهم يوم بدر علـى الـمشركين.

وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن ابن إسحاق، فـي قوله: {وَإنْ تَنْتَهُوا فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ} قال: يقول لقريش: وإن تعودوا نعد لـمثل الواقعة التـي أصابتكم يوم بدر. {وَلَنْ تُغْنِـيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئاً وَلَوْ كَثُرَتْ وأنَّ اللّهَ مَعَ الـمُؤْمِنِـينَ}: أي وإن كثر عددكم فـي أنفسكم لن يغنـي عنكم شيئاً، وأن الله مع الـمؤمنـين ينصرهم علـى من خالفهم.

وقد قـيـل: إن معنى قوله: {وَإنْ تَعُودُوا نَعُدْ} وإن تعودوا للاستفتاح نعد لفتـح مـحمد صلى الله عليه وسلم. وهذا القول لا معنى له لأن الله تعالـى قد كان ضمن لنبـيه علـيه الصلاة والسلام حين أذن له فـي حرب أعدائه إظهار دينه وإعلاء كلـمته من قبل أن يستفتـح أبو جهل وحزبه، فلا وجه لأن يقال والأمر كذلك إن تنتهوا عن الاستفتاح فهو خير لكم وإن تعودوا نعد لأن الله قد كان وعد نبـيه صلى الله عليه وسلم الفتـح بقوله: أُذنَ للَّذينَ يُقاتَلُونَ بأنَّهُمْ ظُلِـمُوا وإنَّ اللّهَ علـى نَصْرهِمْ لَقَديرٌ استفتـح الـمشركون أو لـم يستفتـحوا. ذكر من قال ذلك:

حدثنا مـحمد بن الـحسين، قال: ثنا أحمد بن الـمفضل، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ: {وَإنْ تَعُودُوا نَعُدْ}: إن تستفتـحوا الثانـية نفتـح لـمـحمد صلى الله عليه وسلم. {وَلَنْ تُغْنِـيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئاً وَلَوْ كَثُرَتْ وأنَّ اللّهَ مَعَ الـمُؤْمِنِـينَ}: مـحمد وأصحابه.

واختلفت القرّاء فـي قراءة قوله: {وأنَّ اللّهَ مَعَ الـمُؤْمِنِـينَ} ففتـحها عامة قرّاء أهل الـمدينة، بـمعنى: ولن تغنـي عنكم فئتكم شيئا ولو كثرت، وأن الله مع الـمؤمنـين. فعطف ب «أنّ» علـى موضع «ولو كثرت» كأنه قال: لكثرتها، ولأن الله مع الـمؤمنـين ويكون موضع «أن» حينئذٍ نصبـاً علـى هذا القول. وكان بعض أهل العربـية يزعم أن فتـحها إذا فتـحت علـى:

{ وأنَّ اللّهَ مُوهِنُ كَيْدَ الكافِرِينَ، وأنَّ اللّهَ مَعَ الـمُؤْمِنِـينَ }عطفـا بـالأخرى علـى الأولـى. وقرأ ذلك عامة قرّاء الكوفـيـين والبصريـين: «وإنَّ اللّهَ» بكسر الألف علـى الابتداء، واعتلوا بأنها فـي قراءة عبد الله: «وَإنَّ اللّهَ لَـمَعَ الـمُؤْمِنِـينَ».

وأولـى القراءتـين بـالصواب، قراءة من كسر «إن» للابتداء، لتقضي الـخبر قبل ذلك عما يقضي قوله: {وَإنَّ اللّهَ مَعَ الـمُؤْمِنِـينَ}.

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ أَطِيعُوا۟ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَلَا تَوَلَّوْا۟ عَنْهُ وَأَنتُمْ تَسْمَعُونَ ۝٢٠

يقول تعالـى ذكره: يا أيها الذين صدقوا الله ورسوله {أطِيعُوا اللّهَ وَرَسُولَهُ} فـيـما أمركم به وفـيـما نهاكم عنه. {وَلا تَوَلَّوْا عَنْهُ} يقول: ولا تُدْبِرُوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، مخالفـين أمره ونهيه، وأنتـم تسمعون أمره إياكم ونهيه، وأنتـم به مؤمنون. كما:

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن ابن إسحاق: {يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا أطِيعُوا اللّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَوَلَّوْا عَنْهُ وأنْتُـمْ تَسْمَعُونَ}: أي لا تـخالفوا أمره وأنتـم تسمعون لقوله، وتزعمون أنكم مؤمنون.

وَلَا تَكُونُوا۟ كَٱلَّذِينَ قَالُوا۟ سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ ۝٢١

يقول تعالـى ذكره للـمؤمنـين بـالله ورسوله من أصحاب نبـيّ الله صلى الله عليه وسلم: لا تكونوا أيها الـمؤمنون فـي مخالفة رسول الله صلى الله عليه وسلم كالـمشركين الذين إذا سمعوا كتاب الله يتلـى علـيهم، قالوا قد سمعنا بآذاننا وهم لا يسمعون يقول: وهم لا يعتبرون ما يسمعون بآذانهم. ولا ينتفعون به لإعراضهم عنه، وتركهم أن يوعوه قلوبهم ويتدبروه فجعلهم الله لـما لـم ينتفعوا بـمواعظ القرآن وإن كانوا قد سمعوها بآذانهم، بـمنزلة من لـم يسمعها. يقول جلّ ثناؤه لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تكونوا أنتـم فـي الإعراض عن أمر رسول الله وترك الانتهاء إلـيه وأنتـم تسمعونه بآذَانكم كهؤلاء الـمشركين الذين يسمعون مواعظ كتاب الله بآذَانهم، ويقولون: قد سمعنا، وهم عن الاستـماع لها والاتعاظ بها معرضون، كمن لـم يسمعها.

وكان ابن إسحاق يقول فـي ذلك، ما:

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن ابن إسحاق: {وَلا تَكُونُوا كالَّذِينَ قالُوا سَمِعْنا وَهُمْ لا يَسْمَعُونَ}: أي كالـمنافقـين الذين يظهرون له الطاعة، ويسرّون الـمعصية.

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، فـي قول الله: {وَهُمْ لا يَسْمَعُونَ} قال: عاصون.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا عبد الله، عن ورقاء، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، مثله.

وللذي قال ابن إسحاق وجه، ولكن قوله: {وَلا تَكُونُوا كالَّذِينَ قالُوا سَمِعْنا وَهُمْ لا يَسْمَعُونَ} فـي سياق قصص الـمشركين، ويتلوه الـخبر عنهم بذمهم، وهو قوله:

{ إنَّ شَرّ الدَّوَابّ عِنْدَ اللّهِ الصُّمُّ البُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ }فلأن يكون ما بـينهما خبراً عنهم أولـى من أن يكون خبراً عن غيرهم.

إِنَّ شَرَّ ٱلدَّوَآبِّ عِندَ ٱللَّهِ ٱلصُّمُّ ٱلْبُكْمُ ٱلَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ ۝٢٢

يقول تعالـى ذكره: إن شرّ ما دبّ علـى الأرض من خـلق الله عند الله الذين يصغون عن الـحق لئلا يستـمعوه فـيعتبروا به ويتعظوا به وينكصون عنه إن نطقوا به، الذين لا يعقلون عن الله أمره ونهيه، فـيستعملوا بهما أبدانهم.

وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله: {إنَّ شَرّ الدَّوَابّ عِنْدَ الله} قال: الدوابّ: الـخـلق.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، قال: قال ابن جريج، عن عكرمة، قال: وكانوا يقولون: إنا صمّ بكم عما يدعونا إلـيه مـحمد، لا نسمعه منه، ولا نـجيبه به بتصديق. فقتلوا جميعاً بأُحد، وكانوا أصحاب اللواء.

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد: الصمّ البكم: الذين لا يعقلون، قال: الذين لا يتبعون الـحقّ.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله: {إنَّ شَرّ الدَّوَابّ عِنْدَ اللّهِ الصُّمُّ البُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ} ولـيس بـالأصمّ فـي الدنـيا ولا بـالأبكم، ولكن صمّ القلوب وبكمها وعميها. وقرأ:

{ فإنَّها لا تَعْمَى الأبْصَارُ وَلكِنْ تَعْمَى القُلُوبُ التـي فِـي الصُّدُورِ }

واختلف فـيـمن عنـي بهذه الآية، فقال بعضهم: عنـي بها نفر من الـمشركين. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، قال: قال ابن عبـاس: الصمّ البكم الذين لا يعقلون: نفر من بنـي عبد الدار، لا يتبعون الـحقّ.

قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله، عن ورقاء، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، قوله: {الصُّمُّ البُكُمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ} قال: لا يتبعون الـحقّ. قال: قال ابن عبـاس: هم نفر من بنـي عبد الدار.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، عن مـجاهد، نـحوه.

وقال آخرون: عنـي بها الـمنافقون. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن ابن إسحاق: {إنَّ شَرَّ الدَّوَابّ عِنْدَ اللّهِ الصُّمُّ البُكْمُ الَّذين لا يَعْقِلُونَ}: لا يعرفون ما علـيهم فـي ذلك من النعمة والسعة.

وأولـى القولـين فـي ذلك بـالصواب قول من قال بقول ابن عبـاس، وأنه عنـي بهذه الآية مشركو قريش، لأنها فـي سياق الـخبر عنهم.

وَلَوْ عَلِمَ ٱللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَّأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوا۟ وَّهُم مُّعْرِضُونَ ۝٢٣

اختلف أهل التأويـل، فـيـمن عنـي بهذه الآية وفـي معناها، فقال بعضهم: عنـي بها الـمشركون، وقال: معناه أنهم لو رزقهم الله الفهم لِـما أنزله علـى نبـيه صلى الله عليه وسلم لـم يؤمنوا به، لأن الله قد حكم علـيهم أنهم لا يؤمنون. ذكر من قال ذلك:

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، قال: قال ابن جريج، قوله: {وَلَوْ عَلِـمَ اللّهُ فِـيهِمْ خَيْراً لأسْمَعَهُمْ وَلَوْ أسْمَعَهُمْ} لقالُوا

{ ائْتِ بقُرآنٍ غيرِ هَذَا }ولقالوا: { لولا اجْتَبَـيْتَهَا }. ولو جاءهم بقرآن غيره {لتولَّوْا وهُمْ مُعْرِضُونَ}.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله: {وَلَوْ أسْمَعْهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ} قال: لو أسمعهم بعد أن يعلـم أن لا خير فـيهم ما انتفعوا بذلك، ولتولوا وهم معرضون.

وحدثنـي به مرّة أخرى، فقال: لو علـم الله فـيهم خيراً لأسمعهم، ولو أسمعهم بعد أن يعلـم أن لا خير فـيهم ما نفعهم بعد أن نفذ علـمه بأنهم لا ينتفعون به.

وقال آخرون: بل عنـي بها الـمنافقون. قالوا: ومعناه: ما:

حدثنا به ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن ابن إسحاق: {وَلَوْ عَلِـمَ اللّهُ فِـيهِمْ خَيْراً لأَسْمَعَهُمْ} لأنفذ لهم قولهم الذي قالوه بألسنتهم، ولكن القلوب خالفت ذلك منهم، ولو خرجوا معكم لتولوا وهم معرضون، فأوفوا لكم بشرّ مـما خرجوا علـيه.

وأولـى القول فـي تأويـل ذلك بـالصواب عندي ما قاله ابن جريج وابن زيد لـما قد ذكرنا قبل من العلة، وأن ذلك لـيس من صفة الـمنافقـين.

فتأويـل الآية إذن: ولو علـم الله فـي هؤلاء القائلـين خيراً لأسمعهم مواعظ القرآن وعبره، حتـى يعقلوا عن الله حججه منه، ولكنه قد علـم أنه لا خير فـيهم وأنهم مـمن كتب لهم الشقاء فهم لا يؤمنون. ولو أفهمهم ذلك حتـى يعلـموا ويفهموا لتولوا عن الله وعن رسوله، وهم معرضون عن الإيـمان بـما دلهم علـى حقـيقته مواعظ الله وعبره وحججه معاندون للـحقّ بعد العلـم به.

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱسْتَجِيبُوا۟ لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّ ٱللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ ٱلْمَرْءِ وَقَلْبِهِۦ وَأَنَّهُۥٓ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ ۝٢٤

اختلف أهل التأويـل فـي تأويـل قوله: {إذَا دَعاكُمْ لِـمَا يُحْيِـيكُمْ} فقال بعضهم: معناه: استـجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم للإيـمان. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن الـحسين، قال: ثنا أحمد بن الـمفضل، قال: ثنا أسبـاط عن السديّ: {يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَـجِيبُوا لِلّهِ وللرَّسُولِ إذَا دَعاكُمْ لِـمَا يُحْيِـيكُمْ} قال: أما يحيـيكم فهو الإسلام، أحياهم بعد موتهم، بعد كفرهم.

وقال آخرون: للـحقّ. ذكر من قال ذلك:

حدثنا مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، فـي قول الله: {لِـمَا يُحْيِـيكُمْ} قال: الـحقّ.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، مثله.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله، عن ورقاء، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، قوله: {إذَا دَعاكُمْ لِـمَا يُحْيِـيكُمْ} قال: الـحقّ.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام، قال: ثنا عنبسة، عن مـحمد بن عبد الرحمن، عن القاسم بن أبـي بزّة، عن مـجاهد، فـي قوله: {اسْتَـجِيبُوا لِلّهِ وللرَّسُولِ إذَا دَعاكُمْ لِـمَا يُحْيِـيكُمْ} قال: للـحقّ.

وقال آخرون: معناه: إذا دعاكم إلـى ما فـي القرآن. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَـجِيبُوا لِلّهِ وللرَّسُولِ إذَا دَعاكُمْ لِـمَا يُحْيِـيكُمْ} قال: هو هذا القرآن فـيه الـحياة والعفة والعصمة فـي الدنـيا والآخرة.

وقال آخرون: معناه: إذا دعاكم إلـى الـحرب وجهاد العدوّ. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن ابن إسحاق: {يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَـجِيبُوا لِلّهِ وللرَّسُولِ إذَا دَعاكُمْ لِـمَا يُحْيِـيكُمْ}: أي للـحرب الذي أعزّكم الله بها بعد الذلّ، وقوّاكم بعد الضعف، ومنعكم بها من عدوّكم بعد القهر منهم لكم.

وأولـى الأقوال فـي ذلك بـالصواب، قول من قال: معناه: استـجيبوا لله وللرسول بـالطاعة إذا دعاكم الرسول لِـما يحيـيكم من الـحقّ. وذلك أن ذلك إذا كان معناه كان داخلاً فـيه الأمر بإجابتهم لقتال العدوّ والـجهاد، والإجابة إذا دعاكم إلـى حكم القرآن، وفـي الإجابة إلـى كلّ ذلك حياة الـمـجيب. أما فـي الدنـيا، فـيقال: الذكر الـجميـل، وذلك له فـيه حياة. وأما فـي الآخرة، فحياة الأبد فـي الـجنان والـخـلود فـيها.

وأما قول من قال: معناه الإسلام، فقول لا معنى له لأن الله قد وصفهم بـالإيـمان بقوله: {يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَـجِيبُوا لِلّهِ وللرَّسُولِ إذَا دَعاكُمْ لِـمَا يُحْيِـيكُمْ} فلا وجه لأن يقال للـمؤمن استـجب لله وللرسول إذا دعاك إلـى الإسلام والإيـمان.

وبعد: ففـيـما:

حدثنا أحمد بن الـمقدام العجلـي، قال: ثنا يزيد بن زريع، قال: ثنا روح بن القاسم، عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبـيه، عن أبـي هريرة، قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم علـى أبـيّ وهو يصلـي، فدعاه:

أي أبـيّفـالتفت إلـيه أبـيّ، ولـم يجبه. ثم إن أبـيًّا خفف الصلاة، ثم انصرف إلـى النبـيّ صلى الله عليه وسلم فقال: السلام علـيك أي رسول الله قال:وَعَلَـيْكَ ما مَنَعَكَ إذْ دَعَوْتُكَ أنْ تُـجِيبَنِـي؟قال: يا رسول الله كنت أصلـي. قال:أفَلَـمْ تَـجِدْ فِـيـما أُوحِيَ إلـيّ {اسْتَـجُيبُوا لِلّهِ وللرَّسُولِ إذَا دَعاكُمْ لِـمَا يُحْيِـيكُمْ}؟قال: بلـى يا رسول الله، لا أعود.

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا خالد بن مخـلد، عن مـحمد بن جعفر، عن العلاء، عن أبـيه، عن أبـي هريرة، قال: مرّ رسول الله صلى الله عليه وسلم علـى أبـيّ وهو قائم يصلـي، فصرخ به، فلـم يجبه، ثم جاء فقال:

يا أبـيّ ما منعك أن تـجيبنـي إذ دعوتك، ألـيس الله يقول {يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَـجِيبُوا لِلّهِ وللرَّسُولِ إذَا دَعاكُمْ لِـمَا يُحْيِـيكُمْ}؟قال أبـيّ: لا جرم يا رسول الله، لا تدعونـي إلاَّ أجبت، وإن كنت أصلـي.

ما يبـين عن أن الـمعنـيّ بـالآية هم الذين يدعوهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلـى ما فـيه حياتهم بإجابتهم إلـيه من الـحقّ بعد إسلامهم، لأن أبـيًّا لا شكّ أنه كان مسلـما فـي الوقت الذي قال له النبـيّ صلى الله عليه وسلم ما ذكرنا فـي هذين الـخبرين.

القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {وَاعْلَـمُوا أنَّ اللّهَ يَحُولُ بـينَ الـمَرْءِ وَقَلْبِهِ وأنَّهُ إلَـيْه تُـحْشَرُونَ}.

اختلف أهل التأويـل فـي تأويـل ذلك، فقال بعضهم: معناه: يحول بـين الكافر والإيـمان وبـين الـمؤمن والكفر. ذكر من قال ذلك:

حدثنا مـحمد بن بشار، قال: ثنا مـحمد بن جعفر، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفـيان، عن الأعمش عن عبد الله بن عبد الله الرازي، عن سعيد بن جبـير: {يَحُولُ بـينَ الـمَرْءِ وَقَلْبِهِ} قال: بـين الكافر أن يؤمن، وبـين الـمؤمن أن يكفر.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا وكيع، وحدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبو أحمد، قالا: ثنا سفـيان، وحدثنا الـحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: ثنا الثوري، عن الأعمش، عن عبد الله بن عبد الله الرازي، عن سعيد بن جبـير، بنـحوه.

حدثنـي أبو زائدة زكريا بن أبـي زائدة، قال: ثنا أبو عاصم، عن سفـيان، عن الأعمش، عن عبد الله بن عبد الله، عن سعيد بن جبـير، مثله.

حدثنـي أبو السائب وابن وكيع، قالا: ثنا أبو معاوية، عن الـمنهال، عن سعيد بن جبـير: {يَحُولُ بـينَ الـمَرْءِ وَقَلْبِهِ} قال: يحول بـين الـمؤمن وبـين الكفر، وبـين الكافر وبـين الإيـمان.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا مـحمد بن فضيـل، عن الأعمش، عن عبد الله بن عبد الله الرازي، عن سعيد بن جبـير، عن ابن عبـاس: {يَحُولُ بـينَ الـمَرْءِ وَقَلْبِهِ} يحول بـين الكافر والإيـمان وطاعة الله.

قال: ثنا حفص، عن الأعمش، عن سعيد بن جبـير، عن ابن عبـاس: {يَحُولُ بـينَ الـمَرْءِ وَقَلْبِهِ} قال: يحول بـين الـمؤمن والكفر، وبـين الكافر والإيـمان.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يحيى بن واضح، قال: ثنا عبـيد بن سلـيـمان، وعبد العزيز بن أبـي روّاد، عن الضحاك، فـي قوله: {يَحُولُ بـينَ الـمَرْءِ وَقَلْبِهِ} قال: يحول بـين الكافر وطاعته، وبـين الـمؤمن ومعصيته.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبو أسامة، عن أبـي روق، عن الضحاك بن مزاحم، بنـحوه.

قال: ثنا الـمـحاربـي، عن جويبر، عن الضحاك، قال: يحول بـين الـمرء وبـين أن يكفر، وبـين الكافر وبـين أن يؤمن.

حدثنا الـحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: ثنا عبد العزيز بن أبـي روّاد، عن الضحاك بن مزاحم {يَحُولُ بـينَ الـمَرْءِ وَقَلْبِهِ} قال: يحول بـين الكافر وبـين طاعة الله، وبـين الـمؤمن ومعصية الله.

حدثنا أحمد بن إسحاق، قال: ثنا أبو أحمد الزبـيري، قال: ثنا بن أبـي روّاد، عن الضحاك، نـحوه.

وحُدثت عن الـحسين بن الفرج، قال: سمعت أبـا معاذ يقول: ثنا عبـيد بن سلـيـمان، قال: سمعت الضحاك بن مزاحم، يقول: فذكر نـحوه.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا الـحجاج بن منهال، قال: ثنا الـمعتـمر بن سلـيـمان، قال: سمعت عبد العزيز بن أبـي روّاد يحدّث عن الضحاك بن مزاحم، فـي قوله: {يَحُولُ بـينَ الـمَرْءِ وَقَلْبِهِ} قال: يحول بـين الـمؤمن ومعصيته.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا أبو صالـح، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس: {وَاعْلَـمُوا أنَّ اللّهَ يَحُولُ بـينَ الـمَرْءِ وَقَلْبِهِ} يقول: يحول بـين الـمؤمن وبـين الكفر، ويحول بـين الكافر وبـين الإيـمان.

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس: {وَاعْلَـمُوا أنَّ اللّهَ يَحُولُ بـينَ الـمَرْءِ وَقَلْبِهِ} يقول: يحول بـين الكافر وبـين طاعته، ويحول بـين الـمؤمن وبـين معصيته.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا الـمـحاربـي، عن لـيث، عن مـجاهد: {يَحُولُ بـينَ الـمَرْءِ وَقَلْبِهِ} قال: يحول بـين الـمؤمن وبـين الكفر، وبـين الكافر وبـين الإيـمان.

قال: ثنا أبـي، عن ابن أبـي روّاد، عن الضحاك: {يَحُولُ بـينَ الـمَرْءِ وَقَلْبِهِ} يقول: يحول بـين الكافر وبـين طاعته، وبـين الـمؤمن وبـين معصيته.

قال: ثنا إسحاق بن إسماعيـل، عن يعقوب القمي، عن جعفر، عن سعيد بن جبـير: {يَحُولُ بـينَ الـمَرْءِ وَقَلْبِهِ} يحول بـين الـمؤمن والـمعاصي، وبـين الكافر والإيـمان.

قال: ثنا عبـيدة، عن إسماعيـل، عن أبـي صالـح: {يَحُولُ بـينَ الـمَرْءِ وَقَلْبِهِ} قال: يحول بـينه وبـين الـمعاصي.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: يحول بـين الـمرء وعقله، فلا يدري ما يعمل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا عبـيد الله بن مـحمد الفريابـي، قال: ثنا عبد الـمـجيد، عن ابن جريج، عن مـجاهد، قوله: {يَحُولُ بـينَ الـمَرْءِ وَقَلْبِهِ} قال: يحول بـين الـمرء وعقله.

حدثنا مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد: {يَحُولُ بـينَ الـمَرْءِ وَقَلْبِهِ} حتـى يتركه لا يعقل.

حدثنا الـمثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، مثله.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله، عن ورقاء، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، فـي قوله: {يَحُولُ بـينَ الـمَرْءِ وَقَلْبِهِ} قال: هي يحول بـين الـمرء وقلبه حتـى يتركه لا يعقل.

حدثنا أحمد بن إسحاق، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا معقل بن عبـيد الله، عن حميد، عن مـجاهد: {يَحُولُ بـينَ الـمَرْءِ وَقَلْبِهِ} قال: إذا حال بـينك وبـين قلبك كيف تعمل.

قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا شريك، عن خصيف، عن مـجاهد: {يَحُولُ بـينَ الـمَرْءِ وَقَلْبِهِ} قال: يحول بـين قلب الكافر، وأن يعمل خيراً.

وقال آخرون: معناه يحول بـين الـمرء وقلبه أن يقدر علـى إيـمان أو كفر إلاَّ بإذنه. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن الـحسين، قال: ثنا أحمد بن مفضل، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ: {وَاعْلَـمُوا أنَّ اللّهَ يَحُولُ بـينَ الـمَرْءِ وَقَلْبِهِ} قال: يحول بـين الإنسان وقلبه، فلا يستطيع أن يؤمن ولا يكفر إلاَّ بإذنه.

وقال آخرون: معنى ذلك أنه قريب من قلبه لا يخفـى علـيه شيء أظهره أو أسرّه. ذكر من قال ذلك:

حدثنا مـحمد بن عبد الأعلـى، قال: ثنا مـحمد بن ثور، قال: ثنا معمر، عن قتادة، فـي قوله: {يَحُولُ بـينَ الـمَرْءِ وَقَلْبِهِ} قال: هي كقوله أقْرَبُ إلَـيْهِ مِنْ حَبْلِ الوَرِيدِ.

وأولـى الأقوال بـالصواب عندي فـي ذلك أن يقال: إن ذلك خبر من الله عزّ وجلّ أنه أملك لقلوب عبـاده منهم، وإنه يحول بـينهم وبـينها إذا شاء، حتـى لا يقدر ذو قلب أن يدرك به شيئاً من إيـمان أو كفر، أو أن يعي به شيئاً، أو أن يفهم إلاَّ بإذنه ومشيئته. وذلك أن الـحول بـين الشيء والشيء إنـما هو الـحجز بـينهما، وإذا حجز جلّ ثناؤه بـين عبد وقلبه فـي شيء أن يدركه أو يفهمه، لـم يكن للعبد إلـى إدراك ما قد منع الله قلبه إدراكه سبـيـل، وإذا كان ذلك معناه، دخـل فـي ذلك قول من قال: يحول بـين الـمؤمن والكفر وبـين الكافر والإيـمان، وقول من قال: يحول بـينه وبـين عقله، وقول من قال: يحول بـينه وبـين قلبه حتـى لا يستطيع أن يؤمن ولا يكفر إلاَّ بإذنه لأن الله عزّ وجلّ إذا حال بـين عبد وقلبه، لـم يفهم العبد بقلبه الذي قد حيـل بـينه وبـينه ما منع إدراكه به علـى ما بـينت. غير أنه ينبغي أن يقال: إن الله عمّ بقوله: {وَاعْلَـمُوا أنَّ اللّهَ يَحُولُ بـينَ الـمَرْءِ وَقَلْبِهِ} الـخبر عن أنه يحول بـين العبد وقلبه، ولـم يخصص من الـمعانـي التـي ذكرنا شيئاً دون شيء، والكلام مـحتـمل كلّ هذه الـمعانـي، فـالـخبر علـى العموم حتـى يخصه ما يجب التسلـيـم له.

وأما قوله: {وأنَّهُ إلَـيْهِ تُـحْشَرُونَ} فإن معناه: واعلـموا أيها الـمؤمنون أيضاً مع العلـم بأن الله يحول بـين الـمرء وقلبه، أن الله الذي يقدر علـى قلوبكم، وهو أملك بها منكم، إلـيه مصيركم ومرجعكم فـي القـيامة، فـيوفـيكم جزاء أعمالكم، الـمـحسن منكم بإحسانه والـمسيء بإساءته، فـاتقوه وراقبوه فـيـما أمركم ونهاكم هو ورسوله أن تضيعوه، وأن لا تستـجيبوا لرسوله إذا دعاكم لـما يحيـيكم، فـيوجب ذلك سخطه، وتستـحقوا به ألـيـم عذابه حين تـحشرون إلـيه.

الجمعة، 6 نوفمبر 2026 26 جمادى الأولى 1448 هـ