انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة المجادلة

تفسير الطبريالآيات 11–22

تفسير سورة المجادلة آية آية، من تفسير الطبري.

استمع إلى تفسير سورة المجادلة

الخلاصة من تفسير الطبري · مقطعان · 26:00

  1. 1 الآيات 1–13في هذه الصفحة 17:48
  2. 2 الآيات 14–22في هذه الصفحة 8:12

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا۟ فِى ٱلْمَجَٰلِسِ فَٱفْسَحُوا۟ يَفْسَحِ ٱللَّهُ لَكُمْ وَإِذَا قِيلَ ٱنشُزُوا۟ فَٱنشُزُوا۟ يَرْفَعِ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ مِنكُمْ وَٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْعِلْمَ دَرَجَٰتٍ وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ۝١١

يقول تعالى ذكره: يا أيها الذين صدّقوا الله ورسوله {إذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي المَجالِسِ} يعني بقوله تفسَّحُوا توسعوا من قولهم مكان فسيح إذا كان واسعاً.

واختلف أهل التأويل في المجلس الذي أمر الله المؤمنين بالتفسح فيه، فقال بعضهم: ذلك كان مجلس النبيّ صلى الله عليه وسلم خاصة. ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: {تَفَسَّحُوا فِي المجالس} قال: مجلس النبيّ صلى الله عليه وسلم كان يقال ذاك خاصة.

حدثنا الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي المجالس}... الآية، كانوا إذا رأوا من جاءهم مقبلاً ضنُّوا بمجلسهم عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأمرهم أن يفسح بعضهم لبعض.

حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول، في قوله: {إذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي المجالس} قال: كان هذا للنبيّ صلى الله عليه وسلم ومن حوله خاصة يقول: استوسعوا حتى يصيب كلّ رجل منكم مجلساً من النبيّ صلى الله عليه وسلم، وهي أيضاً مقاعد للقتال.

حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، في قوله {تَفَسَّحُوا فِي المَجْالِسِ} قال: كان الناس يتنافسون في مجلس النبيّ صلى الله عليه وسلم فقيل لهم: {إذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي المَجْالِس فافْسَحُوا}.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قول الله: {إذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي المَجالِس فافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ} قال: هذا مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم، كان الرجل يأتي فيقول: افسحوا لي رحمكم الله، فيضنّ كلّ أحد منهم بقربه من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأمرهم الله بذلك، ورأى أنه خير لهم.

وقال آخرون: بل عُنِي بذلك في مجالس القتال إذا اصطفوا للحرب. ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: {يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي المجالس فافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ} قال: ذلك في مجلس القتال.

والصواب من القول في ذلك أن يقال: إن الله تعالى ذكره أمر المؤمنين أن يتفسحوا في المجلس، ولم يخصص بذلك مجلس النبيّ صلى الله عليه وسلم دون مجلس القتال، وكلا الموضعين يقال له مجلس، فذلك على جميع المجالس من مجالس رسول الله صلى الله عليه وسلم ومجالس القتال.

واختلفت القرّاء في قراءة ذلك، فقرأته عامة قرّاء الأمصار: «تَفَسَّحُوا فِي المجْلِسِ» على التوحيد غير الحسن البصري وعاصم، فإنهما قرآ ذلك {فِي المَجالِسِ} على الجماع. وبالتوحيد قراءة ذلك عندنا لإجماع الحجة من القرّاء عليه.

وقوله: {فافْسَحُوا} يقول: فوسعوا {يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ} يقول: يوسِّع الله منازلكم في الجنة {وإذَا قِيلَ انْشُزُوا فانْشُزُوا} يقول تعالى ذكره: وإذا قيل ارتفعوا، وإنما يُراد بذلك: وإذا قيل لكم قوموا إلى قتال عدوّ، أو صلاة، أو عمل خير، أو تفرّقوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقوموا. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس {وَإذَا قِيلَ انْشُزُوا فانْشُزُوا} إلى {وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلونَ خَبِيرٌ} قال: إذا قيل: انشزوا فانشزوا إلى الخير والصلاة.

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعاً عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله: {فانْشُزُوا} قال: إلى كلّ خير، قتال عدّو، أو أمر بالمعروف، أو حقّ ما كان.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {وَإذَا قِيلَ انْشُزُوا فانْشُزُوا} يقول: إذا دعيتم إلى خير فأجيبوا. وقال الحسن: هذا كله في الغزو.

حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: ثنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: {وَإذَا قِيلَ انْشُزُوا فانْشُزُوا} كان إذا نودي للصلاة تثاقل رجال، فأمرهم الله إذا نودي للصلاة أن يرتفعوا إليها، يقوموا إليها.

وحدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله {وَإذَا قِيلَ انْشُزُوا فانْشُزُوا} قال: انشزوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: هذا في بيته إذا قيل انشزوا، فارتفعوا عن النبيّ صلى الله عليه وسلم، فإن له حوائج، فأحبّ كلّ رجل منهم أن يكون آخر عهده برسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: {وَإذَا قِيلَ انْشُزُوا فانْشُزُوا}.

وإنما اخترت التأويل الذي قلت في ذلك، لأن الله عزّ وجلّ أمر المؤمنين إذا قيل لهم انشزوا، أن ينشزوا، فعمّ بذلك الأمر جميع معاني النشوز من الخيرات، فذلك على عمومه حتى يخصه ما يجب التسليم له.

واختلفت القرّاء في قراة ذلك، فقرأته عامة قرّاء المدينة {فانْشُزُوا} بضم الشين، وقرأ ذلك عامة قرّاء الكوفة والبصرة بكسرها.

والصواب من القول في ذلك أنهما قراءتان معروفتان، ولغتان مشهورتان بمنزلة يعكُفون ويعكِفون، ويعرُشون ويَعْرِشون، فبأيّ القراءتين قرأ القارىء فمصيب.

وقوله: {يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا العِلْم دَرَجاتٍ} يقول تعالى ذكره: يرفع الله المؤمنين منكم أيها القوم بطاعتهم ربهم فما أمرهم به من التفسح في المجلس إذا قيل لهم تفسحوا، أو بنشوزهم إلى الخيرات إذا قيل لهم انشزوا إليها، ويرفع الله الذين أوتوا العلم من أهل الإيمان على المؤمنين الذين لم يؤتوا العلم بفضل علمهم درجات، إذا عملوا بما أمروا به، كما:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا العِلْم دَرَجاتٍ} إن بالعلم لأهله فضلاً، وإن له على أهله حقاً، ولعمري للحقّ عليك أيها العالم فضل، والله معطى كل ذي فضل فضله.

وكان مطرف بن عبد الله بن الشِّخِّير يقول: فضل العلم أحبّ إليّ من فضل العبادة، وخير دينكم الورع.

وكان عبد الله بن مطرف يقول: إنك لتلقى الرجلين أحدهما أكثر صوماً وصلاة وصدقة، والآخر أفضل منه بوناً بعيداً، قيل له: وكيف ذاك؟ فقال: هو أشدّهما ورعاً لله عن محارمه.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله {يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا العِلْم دَرَجاتٍ} في دينهم إذا فعلوا ما أمروا به.

وقوله: {واللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} يقول تعالى ذكره: والله بأعمالكم أيها الناس ذو خبرة، لا يخفى عليه المطيع منكم ربه من العاصي، وهو مجاز جميعكم بعمله المحسن بإحسانه، والمسيىء بالذي هو أهله، أو يعفو.

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِذَا نَٰجَيْتُمُ ٱلرَّسُولَ فَقَدِّمُوا۟ بَيْنَ يَدَىْ نَجْوَىٰكُمْ صَدَقَةً ذَٰلِكَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَأَطْهَرُ فَإِن لَّمْ تَجِدُوا۟ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ۝١٢

يقول تعالى ذكره: ياأيها الذين صدقوا الله ورسوله، إذا ناجيتم رسول الله، فقدّموا أمام نجواكم صدقة تتصدّقون بها على أهل المسكنة والحاجة {ذَلكَ خَيْرٌ لَكُمْ} يقول: وتقديمكم الصدقة أمام نجواكم رسول الله صلى الله عليه وسلم، خير لكم عند الله {وأطْهَرُ} لقلوبكم من المآثم. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن عمر، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعاً عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله: {فَقَدّمُوا بَينَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً} قال: نُهُوا عن مناجاة النبيّ صلى الله عليه وسلم حتى يتصدّقوا، فلم يناجه إلا عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه، قدّم ديناراً فتصدّق به، ثم أنزلت الرُّخصة في ذلك.

حدثنا محمد بن عبيد بن محمد المحاربي، قال: ثنا المطلب بن زياد، عن ليث، عن مجاهد، قال: قال عليّ رضي الله عنه: إن في كتاب الله عزّ وجلّ لآية ما عمل بها أحد قبلي، ولا يعمل بها أحد بعدي: {يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذَا ناجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدّمُوا بَينَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَة} قال: فُرضت، ثم نُسخت.

حدثني موسى بن عبد الرحمن المسروقي، قال: ثنا أبو أسامة، عن شبل بن عباد، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله: {يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذَا ناجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدّمُوا بَينَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَة} قال: نهوا عن مناجاة النبيّ صلى الله عليه وسلم حتى يتصدّقوا، فلم يناجه إلا عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه، قدّم ديناراً صدقةً تصدّق به، ثم أنزلت الرخصة.

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا ابن إدريس، قال: سمعت ليثا، عن مجاهد، قال: قال عليّ رضي الله عنه: آية من كتاب الله لم يعمل بها أحد قبلي، ولا يعمل بها أحد بعدي، كان عندي دينار فصرفته بعشرة دراهم، فكنت إذا جئت إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم تصدقت بدرهم، فنسخت فلم يعمل بها أحد قبلي {يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذَا ناجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدّمُوا بَينَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَة}.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذَا ناجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدّمُوا بَينَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً} قال: سأل الناس رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أحفوه بالمسألة، فوعظهم الله بهذه الآية. وكان الرجل تكون له الحاجة إلى نبيّ الله صلى الله عليه وسلم، فلا يستطيع أن يقضيها حتى يقدّم بين يديه صدقة، فاشتد ذلك عليهم، فأنزل الله عزّ وجل الرخصة بعد ذلك {فإنْ لَمْ تَجِدُوا فإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ}.

حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة {إذَا ناجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدّمُوا بَينَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً} قال: إنها منسوخة ما كانت إلا ساعة من نهار.

حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: {يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذَا ناجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدّمُوا بَينَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً}... إلى {فإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} قال: كان المسلمون يقدّمُونَ بين يدي النجوى صدقة، فلما نزلت الزكاة نُسخ هذا.

حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله: {فَقَدّمُوا بَينَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً} وذاك أن المسلمين أكثروا المسائل على رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى شقوا عليه، فأراد الله أن يخفف عن نبيه فلما قال ذلك صبر كثير من الناس، وكفوا عن المسألة، فأنزل الله بعد هذا

{ فإذَ لَمْ تَفْعَلُوا وَتابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فأَقِيمُوا الصَّلاةَ وآتُوا الزَّكاةَ }فوسَّع الله عليهم، ولم يضيق.

حدثنا ابن حُمَيد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن عثمان بن أبي المغيرة، عن سالم بن أبي الجعد، عن عليّ بن علقمة الأنماريّ، عن عليّ، قال: قال النبيّ صلى الله عليه وسلم:

ما تَرَى؟ دِينارٌ؟قال: لا يطيقون، قال: نِصْفُ دِينارٍ؟قال: لا يطيقون؟ قال:ما تَرَى؟قال: شعيرة، فقال له النبيّ صلى الله عليه وسلم:إنَّكَ لَزَهِيدٌقال عليّ رضي الله عنه: فبي خفف الله عن هذه الأمة، وقوله: {إذَا ناجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدّمُوا بَينَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً} فنزلت { أأشْفَقْتُمْ أنْ تُقدّمُوا بَينَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقاتٍ }

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: {يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذَا ناجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدّمُوا بَينَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً} لئلا يناجي أهل الباطل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيشُقّ ذلك على أهل الحقّ، قالوا: يا رسول الله ما نستطيع ذلك ولا نطيقه، فقال الله عزّ وجلّ:

{ أأشْفَقْتُمْ أنْ تُقدّمُوا بَينَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقاتٍ فإذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فأقِيمُوا الصَّلاَةَ وآتُوا الزَّكاةَ }وقال: { لا خَيْرَ في كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ، إلاَّ مَنْ أمَرَ بِصدَقَةٍ أوْ مَعْرُوفٍ أوْ إصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ }}، من جاء يناجيك في هذا فاقبل مناجاته، ومن جاء يناجيك في غير هذا فاقطع أنت ذاك عنه لا تناجه. قال: وكان المنافقون ربما ناجوا فيما لا حاجة لهم فيه، فقال الله عزّ وجلّ: { ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ نَهُوا عَنِ النَّجْوَى ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَيَتَناجَوْنَ بالإثْم والعُدْوَانِ وَمَعْصِيَةِ الرَّسُولِ }قال: لأن الخبيث يدخل في ذلك.

حدثنا ابن حُمَيد، قال: ثنا يحيى بن واضح، عن الحسين، عن يزيد، عن عكرمة والحسن البصري قالا: قال في المجادلة: {إذَا ناجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَينَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَة ذلكَ خَيْرٌ لَكُمْ وأطْهَرُ فإنْ لَمْ تَجدُوا فإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} فنسختها الآية التي بعدها، فقال:

{ أأشْفَقْتُمْ أنْ تُقدّمُوا بَينَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقاتٍ فإذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فأقِيمُوا الصَّلاة وآتُوا الزَّكاةَ وأطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالله خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ }}.

وقوله: {فإنْ لَمْ تَجِدُوا} يقول تعالى ذكره: فإن لم تجدوا ما تتصدّقُون به أمام مناجاتكم رسول الله صلى الله عليه وسلم {فإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} يقول: فإن الله ذو عفو عن ذنوبكم إذا تبتم منها، رحيم بكم أن يعاقبكم عليها بعد التوبة، وغير مؤاخذكم بمناجاتكم رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن تقدّموا بين يدي نجواكم إياه صدقة.

ءَأَشْفَقْتُمْ أَن تُقَدِّمُوا۟ بَيْنَ يَدَىْ نَجْوَىٰكُمْ صَدَقَٰتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا۟ وَتَابَ ٱللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتُوا۟ ٱلزَّكَوٰةَ وَأَطِيعُوا۟ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَٱللَّهُ خَبِيرٌۢ بِمَا تَعْمَلُونَ ۝١٣

يقول تعالى ذكره: أشقّ عليكم وخشيتم أيها المؤمنون بأن تقدموا بين يدي نجواكم رسول الله صلى الله عليه وسلم صدقات الفاقة، وأصل الإشفاق في كلام العرب: الخوف والحذر، ومعناه في هذا الموضع: أخشيتم بتقديم الصدقة الفاقة والفقر. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن عمر، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعاً عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد {أأشْفَقْتُمْ} قال: شقّ عليكم تقديم الصدقة، فقد وُضِعَتْ عنكم، وأمروا بمناجاة رسول الله صلى الله عليه وسلم بغير صدقة حين شقّ عليهم ذلك.

حدثني موسى بن عبد الرحمن المسروقي، قال: ثنا أبو أُسامة، عن شبل بن عباد المكّي، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {أأشْفَقْتُمْ أنْ تُقدّمُوا بَينَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقاتٍ فإذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فأقِيمُوا الصَّلاة وآتُوا الزَّكاةَ} فريضتان واجبتان لا رجعة لأحد فيهما، فنسخت هذه الآية ما كان قبلها من أمر الصدقة في النجوى.

وقوله: {فإذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ} يقول تعالى ذكره: فإذ لم تقدّموا بين يدي نجواكم صدقات، ورزقكم الله التوبة من ترككم ذلك، فأدّوا فرائض الله التي أوجبها عليكم، ولم يضعها عنكم من الصلاة والزكاة، وأطيعوا الله ورسوله، فيما أمركم به، وفيما نهاكم عنه.

{وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلونَ} يقول جلّ ثناؤه: والله ذو خبرة وعلم بأعمالكم، وهو محصيها عليكم ليجازيكم بها.

أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ تَوَلَّوْا۟ قَوْمًا غَضِبَ ٱللَّهُ عَلَيْهِم مَّا هُم مِّنكُمْ وَلَا مِنْهُمْ وَيَحْلِفُونَ عَلَى ٱلْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ۝١٤

يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: ألم تنظر بعين قلبك يا محمد، فترى إلى القوم الذين. تولَّوْا قوماً غضب الله عليهم، وهم المنافقون تولَّوا اليهود وناصحوهم، كما:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْماً غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ} إلى آخر الآية، قال: هم المنافقون تولَّوا اليهود وناصحوهم.

حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة {تَوَلَّوْا قَوْماً غَضِبَ الله عَلَيْهِمْ} قال: هم اليهود تولاهم المنافقون.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قول الله عزّ وجلّ {ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْماً غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ما هُمْ مِنْكُمْ وَلا مِنْهُمْ} قال: هؤلاء كفرة أهل الكتاب اليهود والذين تولوهم المنافقون تولوا اليهود، وقرأ قول الله:

{ ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ نافَقُوا يَقُولُونَ لإخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أهْلِ الكِتابِ }حتى بلغ { وَاللَّهُ يَشْهَدُ إنَّهُمْ لَكاذِبُونَ }لئن كانَ ذلكَ لا يَفْعَلُونَ وقال: هؤلاء المنافقون قالوا: لا ندع حلفاءنا وموالينا يكونوا معا لنصرتنا وعزّنا، ومن يدفع عنا نخشى أن تصيبنا دائرة، فقال الله عزّ وجلّ: فَعَسَى اللَّهُ أنْ يأتِي بالفَتْحِ أوْ أمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ حتى بلغ: { فِي صُدُورِهِمْ مِنَ اللَّهِ }وقرأ حتى بلغ: { أوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرِ }قال: لا يَبرزون.

قوله: {ما هُمْ مِنْكُمْ} يقول تعالى ذكره: ما هؤلاء الذين تولَّوا هؤلاء القوم الذين غضب الله عليهم، منكم يعني: من أهل دينكم وملتكم، ولا منهم ولا هم من اليهود الذين غضب الله عليهم، وإنما وصفهم بذلك منكم جلّ ثناؤه لأنهم منافقون إذا لقوا اليهود، قالوا

{ أنَّا مَعَكمْ إنَّما نَحنُ مُسْتَهزئون وَإذا لَقُوا الذَّين آمَنُوا قَالوَا آمَنَّا }}.

وقوله {ويَحْلِفُونَ على الكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} يقول تعالى ذكره: ويحلفون على الكذب، وذلك قولهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم: نشهد إنك لرسول الله وهم كاذبون غير مصدّقين به، ولا مؤمنين به، كما قال جلّ ثناؤه:

{ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إنَّ المُنافِيِنَ لَكاذِبُونَ }وقد ذُكِر أن هذه الآية نزلت في رجل منهم عاتبه رسول الله صلى الله عليه وسلم على أمر بلغه عنه، فحلف كذباً. ذكر الخبر الذي رُوي بذلك:

حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن سماك، عن سعيد بن جُبَير، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

يَدْخُلُ عَلَيْكُمْ رَجُلٌ يَنْظُرُ بعَيْنِ شَيْطانٍ، أو بعَيْنَيْ شَيْطانٍ»، قال: فدخل رجل أزرق، فقال له: علامَ تسبني أو تشتمني؟قال: فجعل يحلف، قال: فنزلت هذه الآية التي في المجادلة: {وَيحْلِفُونَ على الكَذِبِ وَهَمْ يَعْلَمُونَ} والآية الأخرى.

أَعَدَّ ٱللَّهُ لَهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا إِنَّهُمْ سَآءَ مَا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ ۝١٥ ٱتَّخَذُوٓا۟ أَيْمَٰنَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا۟ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ فَلَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ ۝١٦

يقول تعالى ذكره: أعدّ الله لهؤلاء المنافقين الذين تولَّوُا اليهود عذاباً في الآخرة شديداً {إنَّهُمْ سَاءَ ما كانُوا يَعْمَلُون}َ في الدنيا بغشهم المسلمين. ونصحهم لأعدائهم من اليهود.

وقوله: {اتَّخَذُوا أيمانَهُمْ جُنَّةً} يقول جلّ ثناؤه: جعلوا حلفهم وأيمانهم جنة يسجنون بها من القتل ويدفعون بها عن أنفسهم وأموالهم وذراريهم، وذلك أنهم إذا اطلع منهم على النفاق، حلفوا للمؤمنين بالله إنهم لمنهم {فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ} يقول جلّ ثناؤه: فصدّوا بأيمانهم التي اتخذوها جنة المؤمنين عن سبيل الله فيهم، وذلك أنهم كفرة، وحكم الله وسبيله في أهل الكفر به من أهل الكتاب القتل، أو أخذ الجزية، وفي عبدة الأوثان القتل، فالمنافقون يصدّون المؤمنين عن سبيل الله فيهم بأيمانهم إنهم مؤمنون، وإنهم منهم، فيحولون بذلك بينهم وبين قتلهم، ويمتنعون به مما يمتنع منه أهل الإيمان بالله.

وقوله {فَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ} يقول: فلهم عذاب مُذِلّ لهم في النار.

لَّن تُغْنِىَ عَنْهُمْ أَمْوَٰلُهُمْ وَلَآ أَوْلَٰدُهُم مِّنَ ٱللَّهِ شَيْـًٔا أُو۟لَٰٓئِكَ أَصْحَٰبُ ٱلنَّارِ هُمْ فِيهَا خَٰلِدُونَ ۝١٧

يقول تعالى ذكره: لن تغني عن هؤلاء المنافقين يوم القيامة أموالهم، فيفتدوا بها من عذاب الله المهين لهم ولا أولادهم، فينصرونهم ويستنقذونهم من الله إذا عاقبهم {أُولَئِكَ أصحَابُ النَّارِ} يقول: هؤلاء الذين تولوا قوما غضب الله عليهم، وهم المنافقون أصحاب النار، يعني أهلها الذين هم فيها خالدون، يقول: هم في النار ماكثون إلى غير نهاية.

يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ ٱللَّهُ جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَهُۥ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَىٰ شَىْءٍ أَلَآ إِنَّهُمْ هُمُ ٱلْكَٰذِبُونَ ۝١٨

يقول تعالى ذكره: هؤلاء الذين ذكرهم هم أصحاب النار، يوم يبعثهم الله جميعاً، فيوم من صلة أصحاب النار. وعُني بقوله {يَوْمَ يَبْعَثُهُمْ اللَّهُ جَمِيعاً} من قبورهم أحياء كهيئاتهم قبل مماتهم، فيحلفون له كما يحلفون لكم كاذبين مبطلين فيها، كما:

حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، في قوله: {فَيَحْلِفُونَ لَهُ} قال: إن المنافق حلف له يوم القيامة كما حلف لأوليائه في الدنيا.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، في قوله: {يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعاً}... الآية، والله حالفَ المنافقون ربهم يوم القيامة، كما حالفوا أولياءه في الدنيا.

حدثنا ابن حُمَيد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن سماك بن حرب البكري، عن سعيد بن جُبَير، قال: كان النبيّ صلى الله عليه وسلم في ظلّ حجرة قد كاد يَقْلِصُ عنه الظلّ، فقال:

إنَّهُ سَيأْتِيكُمْ رَجُلٌ، أو يَطْلُعُ رَجُلٌ بعَيْنِ شَيْطانٍ فَلا تُكَلِّمُوهُفلم يلبث أن جاء، فاطلع فإذا رجل أزرق، فقال له:عَلامَ تَشْتُمُنِي أنْتَ وَفُلانٌ وَفُلانٌ»؟ قال: فذهب فدعا أصحابه، فحلفوا ما فعلوا، فنزلت: {يَوْمَ يَبْعَثُهُمْ اللَّهُ جَمِيعاً فَيَحْلِفُونَ لَهُ كمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَيحْسَبُونَ أنَّهُمْ على شَيْءٍ ألا إنَّهُمْ هُمُ الكاذبُونَ}.

وقوله: {وَيحْسَبُونَ أنَّهُمْ على شَيْءٍ} يقول: ويظنون أنهم في أيمانهم وحلفهم بالله كاذبين على شيء من الحقّ، {ألا إنَّهُمْ هُمُ الكاذِبُونَ} فيما يحلفون عليه.

ٱسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ ٱلشَّيْطَٰنُ فَأَنسَىٰهُمْ ذِكْرَ ٱللَّهِ أُو۟لَٰٓئِكَ حِزْبُ ٱلشَّيْطَٰنِ أَلَآ إِنَّ حِزْبَ ٱلشَّيْطَٰنِ هُمُ ٱلْخَٰسِرُونَ ۝١٩

يعني تعالى ذكره بقوله: {اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطانُ} غلب عليهم الشيطان {فأنْساهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ أُولَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطانِ} يعني جنده وأتباعه {ألا إنَّ حِزْبَ الشَّيْطانِ هُمُ الخاسِرُونَ} يقول: ألا إن جند الشيطان وأتباعه هم الهالكون المغبونون في صَفْقَتِهِمْ.

إِنَّ ٱلَّذِينَ يُحَآدُّونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥٓ أُو۟لَٰٓئِكَ فِى ٱلْأَذَلِّينَ ۝٢٠ كَتَبَ ٱللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا۠ وَرُسُلِىٓ إِنَّ ٱللَّهَ قَوِىٌّ عَزِيزٌ ۝٢١

يقول تعالى ذكره: إن الذين يخالفون الله ورسوله في حدوده، وفيما فرض عليهم من فرائضه فيعادونه. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {إنَّ الَّذِينَ يُحادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ} يقول: يعادون الله ورسوله.

حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، بنحوه.

حدثني محمد بن عمر، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعاً عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: {يُحادُّونَ الله وَرَسُولَهُ} قال: يعادون. يشاقُّون.

وقوله: {أُولَئكَ فِي الأَذَّلِينَ} يقول تعالى ذكره: هؤلاء الذين يحادّون الله ورسوله في أهل الذلة، لأن الغلبة لله ورسوله.

وقوله: {كَتَبَ اللَّهُ لأَغْلِبَنَّ أنا وَرُسُلِي} يقول: قضى الله وخطّ في أمّ الكتاب، لأغلبنّ أنا ورسلي مَن حادّني وشاقَّني. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله {كَتَبَ اللَّهُ لأَغْلِبَنَّ أنا وَرُسُلِي}... الآية، قال: كتب الله كتاباً وأمضاه.

وقوله: {إنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ} يقول: إن الله جلّ ثناؤه ذو قوّة وقدرة على كلّ من حادّه، ورسوله أن يهلكه، ذو عزّة فلا يقدر أحد أن ينتصر منه إذا هو أهلك وليه، أو عاقبه، أو أصابه في نفسه بسوء.

لَّا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْـَٔاخِرِ يُوَآدُّونَ مَنْ حَآدَّ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَلَوْ كَانُوٓا۟ ءَابَآءَهُمْ أَوْ أَبْنَآءَهُمْ أَوْ إِخْوَٰنَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُو۟لَٰٓئِكَ كَتَبَ فِى قُلُوبِهِمُ ٱلْإِيمَٰنَ وَأَيَّدَهُم بِرُوحٍ مِّنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّٰتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَا رَضِىَ ٱللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا۟ عَنْهُ أُو۟لَٰٓئِكَ حِزْبُ ٱللَّهِ أَلَآ إِنَّ حِزْبَ ٱللَّهِ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ ۝٢٢

يعني جلّ ثناؤه بقوله: {لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ باللَّهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ} لا تجد يا محمد قوماً يصدّقون الله، ويقرّون باليوم الآخر يوادّون من حادّ الله ورسوله وشاقَّهما وخالف أمر الله ونهيه {وَلَوْ كانُوا آباءَهُمْ } يقول: ولو كان الذين حادّوا الله ورسوله آباءهم {أوْ أبْناءَهُمْ أوْ إخْوَانَهُمْ أوْ عَشِيرَتَهُمْ} وإنما أخبر الله جلّ ثناؤه نبيه عليه الصلاة والسلام بهذه الآية «ألم تر إلى الذين تولوا قوماً غضب الله عليهم» ليسوا من أهل الإيمان بالله ولا باليوم الآخر، فلذلك تولَّوُا الذين تولَّوْهم من اليهود. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ باللَّهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ} لا تجد يا محمد قوماً يؤمنون بالله واليوم الآخر، يوادّون من حادّ الله ورسوله: أي من عادى اللَّهَ ورسولَه.

وقوله: {أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإيمَانَ} يقول جلّ ثناؤه: هؤلاء الذين لا يوادّون من حادّ الله ورسوله ولو كانوا آباءهم، أو أبناءهم، أو إخوانهم، أو عشيرتهم، كتب الله في قلوبهم الإيمان. وإنما عُنِي بذلك: قضى لقلوبهم الإيمان، ففي بمعنى اللام، وأخبر تعالى ذكره أنه كتب في قلوبهم الإيمان لهم، وذلك لمَّا كان الإيمان بالقلوب، وكان معلوماً بالخبر عن القلوب أن المراد به أهلها، اجتزى بذكرها مِنْ ذكر أهلها.

وقوله: {وأيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ} يقول: وقوّاهم بِبرْهان منه ونور وهدى {وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِها الأنهارُ} يقول: ويدخلهم بساتين تجري من تحت أشجارها الأنهار {خالِدِينَ فِيها} يقول: ماكثين فيها أبداً {رِضِيَ اللَّهُ عَنْهُمُ } بطاعتهم إياه في الدنيا {وَرَضُوا عَنْهُ} في الآخرة بإدخاله إياهم الجنةَ {أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ} يقول: أولئك الذين هذه صفتهم جند الله وأولياؤه {ألا إنَّ حِزْبَ اللَّهِ} يقول: ألا إن جند الله وأولياءه {هُمُ المُفْلِحون} يقول: هم الباقون المُنْجَحون بإدراكهم ما طلبوا، والتمسوا ببيعتهم في الدنيا، وطاعتهم ربهم.

الثلاثاء، 3 نوفمبر 2026 23 جمادى الأولى 1448 هـ