انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة المجادلة

تفسير البغويالآيات 1–22

تفسير سورة المجادلة آية آية، من تفسير البغوي.

بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ

قَدْ سَمِعَ ٱللَّهُ قَوْلَ ٱلَّتِى تُجَٰدِلُكَ فِى زَوْجِهَا وَتَشْتَكِىٓ إِلَى ٱللَّهِ وَٱللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَآ إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌۢ بَصِيرٌ ۝١ ٱلَّذِينَ يُظَٰهِرُونَ مِنكُم مِّن نِّسَآئِهِم مَّا هُنَّ أُمَّهَٰتِهِمْ إِنْ أُمَّهَٰتُهُمْ إِلَّا ٱلَّٰٓـِٔى وَلَدْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنكَرًا مِّنَ ٱلْقَوْلِ وَزُورًا وَإِنَّ ٱللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ ۝٢

{قَدْ سَمِعَ ٱللَّهُ قَوْلَ ٱلَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا}, الآية. نزلت في خولة بنت ثعلبة كانت تحت أوس بن الصامت, وكانت حسنة الجسم, وكان به لمم فأرادها فأبت, فقال لها: أنت عليَّ كظهر أمي، ثم ندم على ما قال. وكان الظهار والإيلاء من طلاق أهل الجاهلية، فقال لها: ما أظنك إلا قد حرمت عليّ. فقالت: والله ما ذاك طلاق, وأتت رسول الله صلى الله عليه وسلم - وعائشة رضي الله عنها تغسل شق رأسه - فقالت: يا رسول الله إن زوجي أوس بن الصامت تزوجني وأنا شابة غنية ذات مال وأهل حتى إذا أكل مالي وأفنى شبابي وتفرق أهلي وكبر سني ظاهر مني، وقد ندم، فهل من شيء يجمعني وإياه تنعشني به؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حرمتِ عليه، فقالت: يا رسول الله والذي أنزل عليك الكتاب ما ذكر طلاقاً وإنه أبو ولدي وأحب الناس إليّ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حرمت عليه، فقالت: أشكو إلى الله فاقتي ووحدتي فقد طالت صحبتي ونفضت له بطني، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما أراك إلا قد حرمت عليه، ولم أومر في شأنك بشيء، فجعلت تراجع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإذا قال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: حرمتِ عليه هتفت وقالت: أشكوا إلى الله فاقتي وشدة حالي وإن لي صبية صغارا إن ضممتهم إليه ضاعوا وإن ضممتهم إلي جاعوا، وجعلت ترفع رأسها إلى السماء وتقول: اللهم إني أشكو إليك، اللهم فأنزِل على لسان نبيك، وكان هذا أول ظهار في الإسلام، فقامت عائشة تغسل شق رأسه الآخر، فقالت: انظر في أمري جعلني الله فداءك يا نبي الله، فقالت عائشة: اقصري حديثك ومجادلتك أما ترين وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا نزل عليه أخذه مثل السبات -، فلما قضى الوحي قال لها: ادعي زوجك فدعته، فتلا عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم: {قَدْ سَمِعَ ٱللَّهُ قَوْلَ ٱلَّتِي تُجَادِلُكَ}، الآيات.

قالت عائشة: تبارك الذي وسع سمعه الأصوات كلها, إن المرأة لتحاور رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا في ناحية البيت أسمع بعض كلامها، ويخفى عليّ بعضه إذ أنزل الله: {قَدْ سَمِعَ ٱللهُ} الآيات.

ومعنى قوله {قَوْلَ ٱلَّتِى تُجَادِلُكَ} تخاصمك وتحاورك وتراجعك في زوجها، {وَتَشْتَكِىۤ إِلَى ٱللَّهِ وَٱللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُما}، مراجعتكما الكلام، {إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ}، سميع لما تناجيه وتتضرع إليه, بصير بمن يشكوا إليه، ثم ذم الظهار فقال:

{ٱلَّذِينَ يُظَـٰهِرُونَ مِنكُمْ مِّن نِّسَآئِهِمْ}، قرأ عاصم: "يظاهرون" فيها بضم الياء وتخفيف الظاء وألف بعدها وكسر الهاء، وقرأ ابن عامر, وأبو جعفر وحمزة, والكسائي: بفتح الياء والهاء، وتشديد الظاء ألف بعدها، وقرأ الآخرون بفتح الياء وتشديد الظاء والهاء من غير ألف.

{مَّا هُنَّ أمَّهَـٰتِهِمْ}، أي ما اللواتي يجعلونهن من زوجاتهم كالأمهات بأمهات. وخفض التاء في "أمهاتهم" على خبر "ما" ومحله نصب كقوله:

{ مَا هَـٰذَا بَشَرًا }[يوسف: 31] المعنى: ليس هنّ بأمهاتهم، {إِنْ أُمَّهَـٰتِهِمْ} أي ما أمهاتهم، {إِلاَّ ٱللاَّئِي وَلَدْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنكَراً مِّنَ ٱلقَولِ}، لا يعرف في شرع {وَزُوراً}، كذباً، {وَإِنَّ ٱللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ}، عفا عنهم وغفر لهم بإيجاب الكفارة عليهم.

وصورة الظهار: أن يقول الرجل لامرأته: أنت عليّ كظهر أمي، أو أنت مني أو معي أو عندي كظهر أمي، وكذلك لو قال: أنت عليّ كبطن أمي أو كرأس أمي أو كيد أمي أو قال بطنك أو رأسك أو يدك علي كظهر أمي, أو شبه عضواً منها بعضو آخر من أعضاء أمه فيكون ظهاراً.

وعند أبي حنيفة - رضي الله عنه - إن شبهها ببطن الأم أو فرجها أو فخذها يكون ظهاراً, وإن شبهها بعضو آخر لا يكون ظهاراً.

ولو قال أنت عليّ كأمي أو كروح أمي, وأراد به الإعزاز والكرامة فلا يكون ظهاراً حتى يريده، ولو شبهها بجدته فقال: أنت عليّ كظهر جدتي يكون ظهاراً, وكذلك لو شبهها بامرأة محرَّمة عليه بالقرابة بأن قال: أنت عليّ كظهر أختي أو عمتي أو خالتي, أو شبهها بامرأة محرمة عليه بالرضاع يكون ظهاراً - على الأصح من الأقاويل -.

وَٱلَّذِينَ يُظَٰهِرُونَ مِن نِّسَآئِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا۟ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِّن قَبْلِ أَن يَتَمَآسَّا ذَٰلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِۦ وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ۝٣

{وَٱلَّذِينَ يُظَـٰهِرُونَ مِن نِّسَآئِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُواْ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ}، ثم حُكْمُ الظهارِ: أنه يحرم على الزوج وطؤها بعد الظهار ما لم يكفِّر، والكفارة تجب بالعَوْدِ بعد الظهار. لقوله تعالى: {ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُواْ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ}.

واختلف أهل العلم في "العود" فقال أهل الظاهر: هو إعادة لفظ الظهار، وهو قول أبي العالية، لقوله تعالى: "ثم يعودون لما قالوا" أي إلى ما قالوا أي أعادوه مرة أخرى, فإن لم يكرر اللفظ فلا كفارة عليه.

وذهب قوم إلى أن الكفارة تجب بنفس الظهار, والمراد من "العود" هو: العود إلى ما كانوا عليه في الجاهلية من نفس الظهار، وهو قول مجاهد والثوري.

وقال قوم: المراد من "العود" الوطء، وهو قول الحسن وقتادة وطاووس والزهري، وقالوا لا كفارة عليه ما لم يطأها.

وقال قوم: هو العزم على الوطء، وهو قول مالك وأصحاب الرأي.

وذهب الشافعي إلى أن العود هو أن يمسكها عقيب الظهار زماناً يمكنه أن يفارقها، فلم يفعل، فإن طلقها عقيب الظهار في الحال أو مات أحدهما في الوقت فلا كفارة عليه لأن العود للقول هو المخالفة.

وفسر ابن عباس "العود" بالندم، فقال: يندمون فيرجعون إلى الألفة ومعناه هذا.

قال الفراء: يقال: عاد فلان لما قال، أي فيما قال, وفي نقض ما قال, يعني: رجع عما قال.

وهذا يبين ما قال الشافعي وذلك أن قصده بالظهار التحريم, فإذا أمسكها على النكاح فقد خالف قوله ورجع عمّا قاله فتلزمه الكفارة, حتى قال: لو ظاهر عن امرأته الرجعية ينعقد ظهاره ولا كفارة عليه حتى يراجعها, فإن راجعها صار عائداً ولزمته الكفارة.

قوله: {فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِّن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا} والمراد بـ "التّماس": المجامعة, فلا يحل للمظاهر وطء امرأته التي ظاهر منها ما لم يكفرِّ, سواء أراد التكفير بالإعتاق أو بالصيام أو بالإطعام، وعند مالك: إن أراد التكفير بالإطعام يجوز له الوطء قبله؛ لأن الله تعالى قيد العتق والصوم بما قبل المسيس وقال في الإطعام: {فَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِيناً} ولم يقل: من قبل أن يتماسّا.

وعند الآخرين: الإطلاق في الطعام محمول على المقيد في العتق والصيام.

واختلفوا في تحريم ما سوى الوطء من المباشرات قبل التكفير، كالقُبْلة والتلذذ: فذهب أكثرهم إلى أنه لا يحرم سوى الوطء, وهو قول الحسن, وسفيان الثوري, وأظهر قولي الشافعي، كما أن الحيض يحرِّم الوطء دون سائر الاستمتاعات.

وذهب بعضهم إلى أنه يحرم, لأن اسم "التماس" يتناول الكل, ولو جامع المظاهر قبل التكفير يعصي الله تعالى، والكفارة في ذمته. ولا يجوز أن يعود ما لم يكفرِّ, ولا يجب بالجماع كفارة أخرى.

وقال بعض أهل العلم: إذا واقعها قبل التكفير عليه كفارتان.

وكفارة الظهار مرتبة يجب عليه عتق رقبة مؤمنة، فإن لم يجد فعليه صيام شهرين متتابعين، فإن أفطر يوماً متعمداً أو نسي النية يجب عليه استئناف الشهرين، فإن عجز عن الصوم يجب عليه أن يطعم ستين مسكيناً.

وقد ذكرنا في سورة المائدة مقدار ما يطعم كل مسكين.

{ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ}، تؤمرون به، {وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ}.

فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِن قَبْلِ أَن يَتَمَآسَّا فَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا ذَٰلِكَ لِتُؤْمِنُوا۟ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ وَتِلْكَ حُدُودُ ٱللَّهِ وَلِلْكَٰفِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ ۝٤

{فَمَن لَّمْ يَجِدْ}، يعني الرقبة، {فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِن قَبْلِ أَن يَتَمَآسَّا}، فإن كانت له رقبة إلا أنه محتاج إلى خدمته، أوْ له ثمن رقبة لكنه محتاج إليه لنفقته ونفقة عياله فله أن ينتقل إلى الصوم. وقال مالك والأوزاعي: يلزم الإعتاق إذا كان واجداً للرقبة أو ثمنها وإن كان محتاجاً إليه. وقال أبو حنيفة: إن كان واجداً لعين الرقبة يجب عليه اعتاقها، وإن كان محتاجاً إليها, فأما إذا كان واجداً لثمن الرقبة وهو محتاج إليه فله أن يصوم, فلو شرع المظاهر في صوم شهرين ثم جامع في خلال الشهر بالليل يعصي الله تعالى بتقديم الجماع على الكفارة، ولكن لا يجب عليه استئناف الشهرين، وعند أبي حنيفة يجب عليه استئناف الشهرين.

قوله عزّ وجلّ: {فَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِيناً}، يعني المظاهر إذا لم يستطع الصوم لمرضٍ أو كِبَر أو فرط شهوة لا يصبر عن الجماع يجب عليه إطعام ستين مسكيناً.

أخبرنا أبو عبد الله محمد بن الفضل الخرقي, أخبرنا أبو الحسن علي بن عبد الله الطيسفوني, أخبرنا عبد الله بن عمر الجوهري, حدثنا أحمد بن علي الكشميهني حدثنا علي بن حُجْر, حدثنا إسماعيل بن جعفر, عن محمد بن أبي حرملة, عن عطاء بن يسار أن خولة بنت ثعلبة كانت تحت أوس بن الصامت، فظاهر منها وكان به لمم، فجاءت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: إن أوساً ظاهر مني, وذكرت أن به لمماً فقالت: والذي بعثك بالحق ما جئتك إلا رحمة له إن له فيّ منافع، فأنزل القرآن فيهما فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

مُرِيهِ فليعتِقْ رقبة، قالت: والذي بعثك بالحق ما عنده رقبة ولا ثمنها، قال: مريه فليصم شهرين متتابعين، فقالت: والذي بعثك بالحق لو كلفته ثلاثة أيام ما استطاع، قال: مريه فليطعم ستين مسكيناً، قالت: والذي بعثك بالحق ما يقدر عليه، قال: مريه فليذهب إلى فلان ابن فلان فقد أخبرني أن عنده شطر تمرٍ صدقةً, فليأخذه صدقة عليه ثم لْيتصدق به على ستين مسكيناً».

وروى سليمان بن يسار

عن سلمة بن صخر قال: كنت أمرأ أصيب من النساء ما لا يصب غيري فلما دخل شهر رمضان، خفت أن أصيب من امرأتي شيئاً فظاهرت منها حتى ينسلخ شهر رمضان فبينما هي تحدثني ذات ليلة إذ تكشف لي منها شيء فلم ألبث أن وقعت عليها، فانطلقت إلى رسول الله فأخبرته فقال: أنت بذاك؟ فقلت: أنا بذاك - قاله ثلاثاً - قلت: أنا بذاك وها أنا ذا فأمضِ فيَّ حكم الله, فإني صابر لذلك، قال: فاعتق رقبةً. فضربت صفحةَ عنقي بيدي فقلت: لا والذي بعثك بالحق ما أملك غيرها، قال: فصم شهرين متتابعين، فقلت: يا رسول الله وهل أصابني ما أصابني إلا من الصيام؟ قال: فأطعم ستين مسكيناً، قلت: والذي بعثك بالحق لقد بتنا ليلتنا هذه وحشين, ما لنا عشاء، قال: اذهب إلى صاحب صدقة بني زريق فقل له فليدفعها إليك فأطعم عنك منها وسقاً ستين مسكيناً، ثم استعن بسائره عليك وعلى عيالك، قال: فرجعت إلى قومي فقلت: وجدت عندكم الضيق وسوء الرأي، ووجدت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم السعة والبركة, أمر لي بصدقتكم فادفعوها إليّ، قال: فدفعوها إليه

{ذَلِكَ لِتُؤْمِنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِه}، لتصدقوا ما أتى به الرسول صلى الله عليه وسلم من الله عزّ وجلّ، {وَتِلْكَ حُدُودُ اللهِ}، يعني ما وصف من الكفارات في الظهار، {وَلِلْكَـٰفِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ}، قال ابن عباس: لمن جحده وكذب به.

إِنَّ ٱلَّذِينَ يُحَآدُّونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ كُبِتُوا۟ كَمَا كُبِتَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَقَدْ أَنزَلْنَآ ءَايَٰتٍۭ بَيِّنَٰتٍ وَلِلْكَٰفِرِينَ عَذَابٌ مُّهِينٌ ۝٥ يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ ٱللَّهُ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوٓا۟ أَحْصَىٰهُ ٱللَّهُ وَنَسُوهُ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ شَهِيدٌ ۝٦ أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَىٰ ثَلَٰثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَآ أَدْنَىٰ مِن ذَٰلِكَ وَلَآ أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا۟ ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوا۟ يَوْمَ ٱلْقِيَٰمَةِ إِنَّ ٱللَّهَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ ۝٧ أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ نُهُوا۟ عَنِ ٱلنَّجْوَىٰ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُوا۟ عَنْهُ وَيَتَنَٰجَوْنَ بِٱلْإِثْمِ وَٱلْعُدْوَٰنِ وَمَعْصِيَتِ ٱلرَّسُولِ وَإِذَا جَآءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ ٱللَّهُ وَيَقُولُونَ فِىٓ أَنفُسِهِمْ لَوْلَا يُعَذِّبُنَا ٱللَّهُ بِمَا نَقُولُ حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ ۝٨ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِذَا تَنَٰجَيْتُمْ فَلَا تَتَنَٰجَوْا۟ بِٱلْإِثْمِ وَٱلْعُدْوَٰنِ وَمَعْصِيَتِ ٱلرَّسُولِ وَتَنَٰجَوْا۟ بِٱلْبِرِّ وَٱلتَّقْوَىٰ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ٱلَّذِىٓ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ ۝٩ إِنَّمَا ٱلنَّجْوَىٰ مِنَ ٱلشَّيْطَٰنِ لِيَحْزُنَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَلَيْسَ بِضَآرِّهِمْ شَيْـًٔا إِلَّا بِإِذْنِ ٱللَّهِ وَعَلَى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُؤْمِنُونَ ۝١٠

{إِنَّ ٱلَّذِينَ يُحَآدُّونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ}، أي يعادون الله ورسوله ويشاقون ويخالفون أمرهما، {كُبِتُوا}، أُذِلوا وأُخزوا وأهلكوا، {كَمَا كُبِتَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَقَدْ أَنزَلْنَآ ءَايَـٰتٍ بَيِّنَـٰتٍ وَلِلْكَـٰفِرِينَ عَذَابٌ مُّهِينٌ}.

{يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ ٱللَّهُ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوۤاْ أَحْصَاهُ ٱللَّهُ}, حفظ الله أعمالهم، {وَنَسُوهُ، وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ شَهِيدٌ * أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلأَرْضِ مَا يَكُونُ}، قرأ أبو جعفر بالتاء, لتأنيث النجوى، وقرأ الآخرون بالياء لأجل الحائل، {مِن نَّجْوَىٰ ثَلَـٰثَةٍ}، أي من سرار ثلاثة, يعني من المسارَّة، أي: ما من شيء يناجي به الرجل صاحبيه، {إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ}، بالعلم وقيل: معناه ما يكون من متناجين ثلاثة يسارُّ بعضهم بعضاً إلا هو رابعهم بالعلم يعلم نجواهم, {وَلاَ خَمْسَةٍ إلاَّ هُوَ سَادِسُهُمْ وَلاَ أَدْنَىٰ مِن ذَلِكَ وَلاَ أَكْثَرَ إِلاَّ هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا} قرأ يعقوب "أكثرُ" بالرفع على محل الكلام قبل دخول "مِنْ" {ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُواْ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ إِنَّ ٱللَّهَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ}.

{أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ نُهُواْ عَنِ ٱلنَّجْوَىٰ}, نزلت في اليهود والمنافقين, وذلك أنهم كانوا يتناجون فيما بينهم دون المؤمنين وينظرون إلى المؤمنين ويتغامزون بأعينهم, يوهمون المؤمنين أنهم يتناجون فيما يسؤوهم، فيحزنون لذلك ويقولون ما نراهم إلا وقد بلغهم عن إخواننا الذين خرجوا في السرايا قَتْلٌ أو موت أو هزيمة, فيقع ذلك في قلوبهم ويحزنهم، فلما طال ذلك عليهم وكثر شكوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمرهم أن لا يتناجوا دون المسلمين، فلم ينتهوا عن ذلك وعادوا إلى مناجاتهم فأنزل الله: {أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ نُهُواْ عَنِ ٱلنَّجْوَىٰ} أي المناجاة {ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُواْ عنه}، أي يرجعون إلى المناجاة التي نهوا عنها {وَيَتَنَٰجَوْنَ}، قرأ الأعمش وحمزة: و "وينتجون" على وزن يفتعلون، وقرأ الآخرون "يتناجون", لقوله: {إِذَا تَنَاجَيْتُمْ فَلاَ تَتَنَـٰجَوْاْ بِٱلإِثْمِ وَٱلْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَتِ الرَّسُولِ}، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم كان قد نهاهم عن النجوى فعصوه، {وَإِذَا جَآءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللهُ}، وذلك أن اليهود كانوا يدخلون على النبي صلى الله عليه وسلم {ويقولون}: السام عليك، "والسام": الموت, وهم يوهمونه أنهم يقولون: السلام عليك، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يرد عليهم فيقول: عليكم, فإذا خرجوا قالوا: {فِيۤ أَنفُسِهِمْ لَوْلاَ يُعَذِّبُنَا ٱللَّهُ بِمَا نَقُولُ}، يريدون لو كان نبياً حقاً لعذبنا الله بما نقول، قال الله عزّ وجلّ: {حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ المَصِيرُ}.

أخبرنا عبد الواحد المليحي, أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي, أخبرنا محمد بن يوسف حدثنا محمد بن إسماعيل, حدثنا قتيبة بن سعيد, حدثنا عبد الوهاب, حدثنا أبو أيوب عن ابن أبي مليكة, عن عائشة:

أن اليهود أتوا النبي صلى الله عليه وسلم وقالوا: السام عليك, قال وعليكم، فقالت عائشة: السام عليكم ولعنكم الله وغضب عليكم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: مهلاً يا عائشة عليك بالرفق وإياك والعنف والفحش, قالت: أو لم تسمع ما قالوا؟ قال: أو لم تسمعي ما قُلت؟ رددتُ عليهم، فيستجاب لي فيهم ولا يستجاب لهم فيَّ». ثم إن الله نهى المؤمنين أن يتناجوا فيما بينهم كفعل المنافقين واليهود فقال:

{يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوۤاْ إِذَا تَنَٰجَيْتُمْ فَلاَ تَتَنَـٰجَوْاْ بِٱلإِثْمِ وَٱلْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَتِ ٱلرَّسُولِ}، أي كفعل المنافقين واليهود وقال مقاتل أراد بقوله: "آمَنوا" المنافقين, أي آمنوا بلسانهم. قال عطاء: يريد الذين آمنوا يزعمهم, قال لهم لا تتناجوا بالإثم والعدوان ومعصية الرسول، {وَتَنَـٰجَوْاْ بِٱلْبِرِّ وَٱلتَّقْوَىٰ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ٱلَّذِىۤ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ}.

{إِنَّمَا ٱلنَّجْوَىٰ مِنَ ٱلشَّيْطَـٰنِ}، أي من تزيين الشيطان، {لِيَحْزُنَ ٱلَّذِينَ آمَنُوا}، أي إنما يزين لهم ذلك ليحزن المؤمنين، {وَلَيْسَ}، التناجي، {بِضَآرِّهِمْ شَيْئاً}، وقيل: ليس الشيطان بضارهم شيئاً، {إِلاَّ بِإِذْنِ ٱللَّهِ وَعَلَى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلمُؤْمِنُون}.

أخبرنا أبو سعيد عبد الله بن أحمد الطاهري, أخبرنا جدي أبو سهل عبد الصمد ابن عبد الرحمن البزار, أخبرنا أبو بكر محمد بن زكريا العذافري, أخبرنا إسحاق بن إبراهيم الدبري, حدثنا عبد الرزاق أخبرنا مَعْمَر عن أيوب عن نافع عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

إذا كنتم ثلاثة فلا يتناجى اثنان دون الثالث إلا بإذنه، فإن ذلك يحزنه».

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا۟ فِى ٱلْمَجَٰلِسِ فَٱفْسَحُوا۟ يَفْسَحِ ٱللَّهُ لَكُمْ وَإِذَا قِيلَ ٱنشُزُوا۟ فَٱنشُزُوا۟ يَرْفَعِ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ مِنكُمْ وَٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْعِلْمَ دَرَجَٰتٍ وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ۝١١

قوله عزَّ وجلّ: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُواْ فِى ٱلْمَجَـٰلِسِ فَٱفْسَحُواْ}، الآية, قال مقاتل بن حيان: كان النبي صلى الله عليه وسلم يكرم أهل بدر من المهاجرين والأنصار فجاء ناس منهم يوماً وقد سُبِقوا إلى المجلس فقاموا حيال النبي صلى الله عليه وسلم وسلموا عليه, فردَّ عليهم, ثم سلموا على القوم فردوا عليهم, فقاموا على أرجلهم ينتظرون أن يوسع لهم، فلم يفسحوا لهم فشقَّ ذلك على النبي صلى الله عليه وسلم، فقال لمن حوله: قم يا فلان وأنت يا فلان, فأقام من المجلس بقدر النفر الذين قاموا بين يديه من أهل بدر، فشق ذلك على من أقيم من مجلسه وعرف النبي صلى الله عليه وسلم الكراهية في وجوههم فأنزل الله هذه الآية.

وقال الكلبي: نزلت في ثابت بن قيس بن شماس, وقد ذكرنا في سورة الحجرات قصته.

وقال قتادة: كانوا يتنافسون في مجلس النبي صلى الله عليه وسلم وكانوا إذا رأوا من جاءهم مقبلاً ضنوا بمجلسهم فأمرهم الله أن يفسح بعضهم لبعض.

وقيل: كان ذلك يوم الجمعة, فأنزل الله عزّ وجلّ:

{يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُواْ}, أي توسعوا في المجلس، قرأ الحسن, وعاصم: "في المجالس" لأن الكل جالس مجلساً, معناه ليتفسحْ كل رجل في مجلسه. وقرأ الآخرون "في المجلس" على التوحيد، لأن المراد منه مجلس النبي صلى الله عليه وسلم {فافسحوا}: أوْسِعُوا، يقال: فسح يفسح فسحاً: إذا وسع في المجلس، {يَفْسَحِ ٱللَّهُ لَكُمْ}، يوسع الله لكم الجنة، والمجالس فيها.

أخبرنا عبد الوهاب بن محمد الخطيب, أخبرنا عبد العزيز بن أحمد الخلال, حدثنا أبو العباس الأصم, أخبرنا الربيع, أخبرنا الشافعي, أخبرنا سفيان بن عيينة عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر رضي الله عنه تعالى عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

لا يقيمن أحدكم الرجل من مجلسه ثم يخلفه فيه، ولكن تفسحوا وتوسعوا».

أخبرنا عبد الوهاب بن الخطيب, أخبرنا عبد العزيز بن أحمد الخلال, أخبرنا أبو العباس الأصم, أخبرنا الربيع, أخبرنا الشافعي أخبرنا عبد المجيد عن ابن جريج قال: قال سليمان بن موسى عن جابر بن عبد الله أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

لا يقيمنّ أحدكم أخاه يوم الجمعة ولكن ليقل افسحوا».

وقال أبو العالية, والقرظي, والحسن: هذا في مجالس الحرب ومقاعد القتال، كان الرجل يأتي القوم في الصف فيقول توسعوا فيأبون عليه لحرصهم على القتال ورغبتهم في الشهادة {وَإِذَا قِيلَ ٱنشُزُواْ فانْشُزُوا}، قرأ أهل المدينة والشام وعاصم بضم الشين، وقرأ الآخرون بكسرها، وهما لغتان أي ارتفعوا، قيل: ارتفعوا عن مواضعكم حتى توسعوا لإخوانكم. وقال عكرمة والضحاك: كان رجال يتثقالون عن الصلاة إذا نودي لها فأنزل الله تعالى هذه الآية، معناه: إذا نودي للصلاة فانهضوا لها.

وقال مجاهد وأكثر المفسرين: معناه إذا قيل لكم انهضوا إلى الصلاة وإلى الجهاد وإلى مجالس كل خير وحق فقوموا لها ولا تقصروا.

{يَرْفَعِ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنكُم}، بطاعتهم لرسوله صلى الله عليه وسلم وقيامهم من مجالسهم وتوسعتهم لإخوانهم، {وَٱلَّذِينَ أُوتُواْ العِلْمَ}، من المؤمنين بفضل علمهم سابقتهم، "درجاتٍ"، فأخبر الله عزّ وجلّ أن رسوله صلى الله عليه وسلم مصيب فيما أمر وأن أولئك المؤمنين مثابون فيما ائتمروا، وأن النفر من أهل بدر مستحقون لِما عُوملوا من الإكرام.

{وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ}, قال الحسن: قرأ ابن مسعود هذه الآية وقال: أيها الناس افهموا هذه الآية ولنرغبنَّكم في العلم, فإن الله تعالى يقول: {يَرْفَعِ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنكُمْ وَٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ دَرَجَٰتٍ} المؤمن العالم فوق الذي لا يعلم درجات.

[أخبرنا الإمام أبو علي الحسين بن محمد القاضي, حدثنا الإمام أبو الطيب سهل بن محمد ابن سليمان] خدثنا أبو علي حامد بن محمد بن عبد الله الهروي, أخبرنا محمد بن يونس القرشي, أخبرنا عبيد الله بن داود, حدثنا عاصم بن رجاء بن حيوة, حدثني داود بن جميل عن كثير بن قيس قال: كنت جالساً مع أبي الدرداء في مسجد دمشق فجاء رجل فقال: يا أبا الدرداء إني جئتك من مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم لحديث بلغني أنك تحدثه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: ما كانت لك حاجة غيره؟ قال: لا، قال: ولا جئت لتجارة؟ قال: لا، قال: ولا جئت إلا رغبة فيه؟ قال: نعم, قال: فإني سمعت رسول الله يقول:

من سلك طريقاً يطلب فيه علماً سلك الله به طريقاً من طرق الجنة، وإن الملائكة لتضع أجنحتها رضىً لطالب العلم، وإن السموات والأرض والحوت في الماء لتدعوا له، وإن فضل العالم على العابد كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب, وإن العلماء ورثة الأنبياء وإن الأنبياء لم يورثوا ديناراً ولا درهماً، وإنما ورثوا العلم فمن أخذه فقد أخذ بحظ وافر».

أخبرنا عبد الواحد المليحي, أخبرنا أبو علي الحسين بن أحمد بن إبراهيم السراج, أخبرنا الحسن بن يعقوب العدل, حدثنا محمد بن عبد الوهاب الفراء, حدثنا جعفر بن عون، أخبرنا عبد الرحمن بن زياد عن عبد الرحمن بن رافع, عن عبد الله بن عمرو

أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مرّ بمجلسين في مسجده, أحد المجلسين يدعون الله ويرغبون إليه, والآخر يتعلمون الفقه ويعلمونه، قال: "كلا المجلسين على خير, وأحدهما أفضل من صاحبه، أما هؤلاء فيدعون الله ويرغبون إليه وأما هؤلاء فيتعلمون الفقه ويعلمون الجاهل، فهؤلاء أفضل وإنما بعثت معلماً، ثم جلس فيهم"».

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِذَا نَٰجَيْتُمُ ٱلرَّسُولَ فَقَدِّمُوا۟ بَيْنَ يَدَىْ نَجْوَىٰكُمْ صَدَقَةً ذَٰلِكَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَأَطْهَرُ فَإِن لَّمْ تَجِدُوا۟ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ۝١٢

قوله عز وجل: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا نَـٰجَيْتُمُ ٱلرَّسُولَ فَقَدِّمُواْ بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَٰكُمْ صَدَقَةً}، أمام مناجاتكم، قال ابن عباس: وذلك أن الناس سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأكثروا حتى شقوا عليه، فأراد الله أن يخفف على نبيه ويثبطهم ويردعهم عن ذلك فأمرهم أن يقدموا صدقةً على المناجاة مع الرسول صلى الله عليه وسلم.

وقال مقاتل بن حيان: نزلت في الأغنياء، وذلك أنهم كانوا يأتون النبي صلى الله عليه وسلم فيكثرون مناجاته ويغلبون الفقراء على المجالس، حتى كره النبي صلى الله عليه وسلم طول جلوسهم ومناجاتهم، فلما رأوا ذلك انتهوا عن مناجاته, فأما أهل العسرة فلم يجدوا شيئاً وأما أهل الميسرة فضنوا واشتد ذلك على أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، فنزلت الرخصة.

قال مجاهد: نهوا عن المناجاة حتى يتصدقوا, فلم يناجه إلا علي رضي الله عنه, تصدق بدينار وناجاه، ثم نزلت الرخصة فكان علي رضي الله عنه يقول: آية في كتاب الله لم يعمل بها أحد قبلي ولا يعمل بها أحد بعدي وهي آية المناجاة.

وروي عن علي رضي الله عنه قال: لما نزلت هذه الآية دعاني رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أما ترى ديناراً؟ قلت: لا يطيقونه، قال: فكم قلت: حبة أو شعيرة، قال: إنك لزهيد, فنزلت: {ءَأَشْفَقْتُمْ أَن تُقَدِّمُواْ بَيْنَ يَدَىْ نَجْوَٰكُمْ صَدَقَـٰتٍ}، قال علي رضي الله تعالى عنه: فبي قد خفف الله عن هذه الأمة.

{ذَلِكَ خَيْرٌ لَّكُم}، يعني: تقديم الصدقة على المناجاة، {وَأَطْهَرُ فَإِن لَّمْ تَجِدُواْ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ}، يعني الفقراء الذين لا يجدون ما يتصدقون به معفو عنهم.

ءَأَشْفَقْتُمْ أَن تُقَدِّمُوا۟ بَيْنَ يَدَىْ نَجْوَىٰكُمْ صَدَقَٰتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا۟ وَتَابَ ٱللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتُوا۟ ٱلزَّكَوٰةَ وَأَطِيعُوا۟ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَٱللَّهُ خَبِيرٌۢ بِمَا تَعْمَلُونَ ۝١٣ أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ تَوَلَّوْا۟ قَوْمًا غَضِبَ ٱللَّهُ عَلَيْهِم مَّا هُم مِّنكُمْ وَلَا مِنْهُمْ وَيَحْلِفُونَ عَلَى ٱلْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ۝١٤ أَعَدَّ ٱللَّهُ لَهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا إِنَّهُمْ سَآءَ مَا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ ۝١٥ ٱتَّخَذُوٓا۟ أَيْمَٰنَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا۟ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ فَلَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ ۝١٦ لَّن تُغْنِىَ عَنْهُمْ أَمْوَٰلُهُمْ وَلَآ أَوْلَٰدُهُم مِّنَ ٱللَّهِ شَيْـًٔا أُو۟لَٰٓئِكَ أَصْحَٰبُ ٱلنَّارِ هُمْ فِيهَا خَٰلِدُونَ ۝١٧ يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ ٱللَّهُ جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَهُۥ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَىٰ شَىْءٍ أَلَآ إِنَّهُمْ هُمُ ٱلْكَٰذِبُونَ ۝١٨ ٱسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ ٱلشَّيْطَٰنُ فَأَنسَىٰهُمْ ذِكْرَ ٱللَّهِ أُو۟لَٰٓئِكَ حِزْبُ ٱلشَّيْطَٰنِ أَلَآ إِنَّ حِزْبَ ٱلشَّيْطَٰنِ هُمُ ٱلْخَٰسِرُونَ ۝١٩ إِنَّ ٱلَّذِينَ يُحَآدُّونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥٓ أُو۟لَٰٓئِكَ فِى ٱلْأَذَلِّينَ ۝٢٠ كَتَبَ ٱللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا۠ وَرُسُلِىٓ إِنَّ ٱللَّهَ قَوِىٌّ عَزِيزٌ ۝٢١

{ءَأَشْفَقْتُمْ أَن تُقَدِّمُواْ}، قال ابن عباس: أبخلتم؟ والمعنى: أخفتم العيلة والفاقة إن قدمتم، {بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَٰكُمْ صَدَقَـٰتٍ فَإِذ لَمْ تَفْعَلُوا}، ما أُمرتم به، {وَتَابَ ٱللَّهُ عَلَيْكُمْ}: تجاوز عنكم ولم يعاقبكم بترك الصدقة، وقيل: "الواو" صلة, مجازه: فإن لم تفعلوا تاب الله عليكم ونسخ الصدقة. قال مقاتل بن حيان: كان ذلك عشر ليال ثم نسخ. وقال الكلبي: ما كانت إلا ساعة من نهار. {فَأَقِيمُواْ ٱلصَّلوٰة}، المفروضة، {وَءَاتُواْ ٱلزَّكَوٰة}، الواجبة، {وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ وَٱللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ}.

{أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ تَوَلَّوْاْ قَوْماً غَضِبَ ٱللَّهُ عَلَيْهِم}، نزلت في المنافقين تولوا اليهود وناصحوهم ونقلوا أسرار المؤمنين إليهم. وأراد بقوله: {غَضِبَ ٱللَّهُ عَلَيْهِم} اليهود، {مَّا هُم مِّنكُمْ وَلاَ مِنْهُمْ}، يعني المنافقين ليسوا من المؤمنين في الدين والولاءة ولا من اليهود والكافرين، كما قال:

{ مُّذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذٰلِكَ لاَ إِلَىٰ هَـٰؤُلاۤءِ وَلاَ إِلَى هَـٰؤُلاۤءِ }[النساء: 143].

{وَيَحْلِفُونَ عَلَى ٱلْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُون}, قال السدي ومقاتل: نزلت في عبد الله بن نبتل المنافق كان يجالس رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم يرفع حديثه إلى اليهود،

فبينما رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجرة من حُجَره إذ قال: يدخل عليكم الآن رجل قلبه قلب جبار وينظر بعيني شيطان, فدخل عبد الله بن نبتل وكان أزرق العينين، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "علام تشتمني أنت وأصحابك؟" فحلف بالله ما فعل وجاء بأصحابه فحلفوا بالله ما سبوه، فأنزل الله عزّ وجل هذه الآيات، فقال: {وَيَحْلِفُونَ عَلَى ٱلْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} أنهم كَذَبَة.

{أَعَدَّ ٱللَّهُ لَهُمْ عَذَاباً شَدِيداً إِنَّهُمْ سَآءَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ * ٱتَّخَذْوۤاْ أَيْمَـٰنَهُم}، الكاذبة، {جُنَّةً}، يستجنون بها من القتل ويدفعون بها عن أنفسهم وأموالهم، {فَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ}، صدوا المؤمنين عن جهادهم بالقتل وأخذ أموالهم، {فَلَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ}.

{لَّن تُغْنِىَ عَنْهُمْ}، يوم القيامة، {أَمْوَٰلُهُمْ وَلاَ أَوْلَـٰدُهُمْ مِّنَ ٱللَّهِ شَيْئاً أُوْلَـٰئِكَ أَصْحَـٰبُ ٱلنَّارِ هُمْ فِيهَا خَـٰلِدُونَ * يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ ٱللَّهِ جَمِيعاً فَيَحْلِفُونَ لَهُ}، كاذبين ما كانوا مشركين، {كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُم}، في الدنيا، {وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَىٰ شَىْءٍ} من أيمانهم الكاذبة، {أَلاَ إِنَّهُمْ هُمُ الكَاذِبُون}.

{ٱسْتَحْوَذَ}، غلب واستولى، {عَلَيْهِمُ ٱلشَّيْطَـٰنُ فَأَنسَـٰهُمْ ذِكْرَ ٱللَّهِ أُوْلَـٰئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَـٰنِ أَلاَ إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَـٰنِ هُمُ الخَـٰسِرُونَ * إِنَّ الَّذِينَ يُحَآدُّونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَـٰئِكَ فِى ٱلأَذَلِّينَ}، الأسفلين. أي: هم في جملة من يلحقهم الذل في الدنيا والآخرة.

{كَتَبَ ٱللَّهُ}، قضى الله قضاءاً ثابتاً، {لأَغْلِبَنَّ أَنَاْ وَرُسُلِىۤ إِنَّ ٱللَّهَ قَوِيٌّ عزيزٌ}، نظيره قوله:

{ وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا المُرْسَلِينَ إِنَّهُمْ لَهُم المَنْصُورُون }[الصافات:71 - 72]، قال الزجاج: غلبة الرسل على نوعين من بعث منهم بالحرب فهو غالب بالحرب، ومن لم يؤمر بالحرب فهو غالب بالحجة.

لَّا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْـَٔاخِرِ يُوَآدُّونَ مَنْ حَآدَّ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَلَوْ كَانُوٓا۟ ءَابَآءَهُمْ أَوْ أَبْنَآءَهُمْ أَوْ إِخْوَٰنَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُو۟لَٰٓئِكَ كَتَبَ فِى قُلُوبِهِمُ ٱلْإِيمَٰنَ وَأَيَّدَهُم بِرُوحٍ مِّنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّٰتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَا رَضِىَ ٱللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا۟ عَنْهُ أُو۟لَٰٓئِكَ حِزْبُ ٱللَّهِ أَلَآ إِنَّ حِزْبَ ٱللَّهِ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ ۝٢٢

قوله عزّ وجلّ: { لاَّ تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَآدَّ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوۤاْ آبَآءَهُمْ أَوْ أَبْنَآءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ}، الآية. أخبر أن إيمان المؤمنين يفسد بموادة الكفار وأن من كان مؤمناً لا يوالي من كفر، وإن كان من عشيرته.

قيل: نزلت في حاطب بن أبي بلتعة حين كتب إلى أهل مكة وسيأتي في سورة الممتحنة، إن شاء الله عزّ وجلّ.

وروى مقاتل بن حيان عن مرة الهَمْداني عن عبد الله بن مسعود في هذه الآية قال: {ولو كَانُوۤاْ ءَابَآءَهُمْ} يعني: أبا عبيدة بن الجراح، قتل أباه عبد الله بن الجراح يوم أحد "أو أبناءهم"، يعني: أبا بكر دعا ابنه يوم بدر إلى البراز، وقال: يا رسول الله دعني أكن في الرحلة الأولى، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم:

مَتِّعْنا بنفسك يا أبا بكر». "أو إخوانهم" يعني مصعب بن عمير قتل أخاه عبيد بن عمير يوم أحد "أو عشيرتهم" يعني عمر قتل خاله العاص بن هشام بن المغيرة يوم بدر، وعلياً وحمزة وعبيدة قتلوا يوم بدر عتبة وشيبة ابني ربيعة والوليد بن عتبة.

{أُوْلَـٰئِكَ كَتَبَ فِى قُلُوبِهِمُ ٱلإِيمَـٰن}، أثبت التصديق في قلوبهم فهي موقنة مخلصة, وقيل: حكم لهم بالإيمان فذكر القلوب لأنها موضعه {وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْه}، قواهم بنصر منه. قال الحسن: سمى نصره إياهم روحاً لأن أمرهم يحيا به. وقال السدي: يعني بالإيمان. وقال الربيع: يعني بالقرآن وحجته، كما قال:

{ وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ رُوحاً مِّنْ أَمْرِنَا }[الشورى: 52]، وقيل: برحمة منه. وقيل: أمدّهم بجبريل عليه السلام. {وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّـٰتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَـٰرُ خَـٰلِدِينَ فِيهَا رَضِىَ ٱللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ أُوْلَـٰئِكَ حِزْبُ ٱللَّهِ أَلاَ إِنَّ حِزْبَ ٱللَّهِ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ}.
الخميس، 29 أكتوبر 2026 18 جمادى الأولى 1448 هـ