انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة المؤمنون

تفسير البغويالآيات 102–118

تفسير سورة المؤمنون آية آية، من تفسير البغوي.

فَمَن ثَقُلَتْ مَوَٰزِينُهُۥ فَأُو۟لَٰٓئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ ۝١٠٢ وَمَنْ خَفَّتْ مَوَٰزِينُهُۥ فَأُو۟لَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ خَسِرُوٓا۟ أَنفُسَهُمْ فِى جَهَنَّمَ خَٰلِدُونَ ۝١٠٣ تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ ٱلنَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَٰلِحُونَ ۝١٠٤ أَلَمْ تَكُنْ ءَايَٰتِى تُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ فَكُنتُم بِهَا تُكَذِّبُونَ ۝١٠٥ قَالُوا۟ رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَآلِّينَ ۝١٠٦ رَبَّنَآ أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَٰلِمُونَ ۝١٠٧ قَالَ ٱخْسَـُٔوا۟ فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ ۝١٠٨

{فَمَن ثَقُلَتْ مَوَٰزِينُهُ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ}.

{وَمَنْ خَفَّتْ مَوَٰزِينُهُ فأُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ خَسِرُوۤاْ أَنفُسَهُمْ فِى جَهَنَّمَ خَـٰلِدُونَ}.

{تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ ٱلنَّارُ}. أي: تسفع، وقيل: تحرق، {وَهُمْ فِيهَا كَـٰلِحُونَ}، عابسون.

أخبرنا أبو بكر محمد بن عبدالله بن أبي توبة، أخبرنا محمد بن أحمد الحارثي، أخبرنا محمد بن يعقوب الكسائي، أخبرنا عبدالله بن محمود، أخبرنا إبراهيم بن عبدالله الخلال، أخبرنا عبدالله بن المبارك، عن سعيد بن يزيد، عن أبي السمح، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

وهم فيها كالحون، قال: تشويه النار، فتقلِصُ شفتهُ العليا حتى تبلغ وسط رأسه، وتسترخي شفتُه السفلى حتى تضربَ سرته. وبهذا الإِسناد عن عبدالله بن المبارك عن حاجب بن عمر عن الحكم ابن الأعرج قال: قال أبو هريرة: "يعظم الكافر في النار مسيرة سبع ليال، فيصير ضرسه مثل أُحد، وشفاههم عند سررهم، سود زرق خسر مقبوحون".

قوله عزّ وجلّ: {أَلَمْ تَكُنْ ءَايَـٰتِى تُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ}، يعني القرآن، تخوَّفون بها، {فَكُنتُم بِهَا تُكَذِّبُونَ}.

{قَالُواْ رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا}، قرأ حمزة والكسائي: "شقاوتنا" بالألف وفتح الشين، وهما لغتان أي: غلبت علينا شقوتنا التي كتبت علينا فلم نهتد. {وَكُنَّا قَوْماً ضَآلِّينَ}، عن الهدى.

{رَبَّنَآ أَخْرِجْنَا مِنْهَا} أي: من النار، {فَإِنْ عُدْنَا}، لما تكره {فَإِنَّا ظَـٰلِمُونَ}.

{قَالَ ٱخْسَئُواْ}، أبعدوا، {فِيهَا}، كما يقال للكلب إذا طرد: اخسأ، {وَلاَ تُكَلِّمُونِ}، في رفع العذاب، فإني لا أرفعه عنكم، فعند ذلك أيس المساكين من الفرج، قال الحسن: هو آخر كلام يتكلم به أهل النار ثم لا يتكلمون بعدها إلا الشهيق والزفير، ويصير لهم عواء كعواء الكلاب لا يَفْهمون ولا يُفْهمون، روي عن عبدالله بن عمرو: أن أهل جهنم يدعون مالكاً خازن النار أربعين عاماً

{ يَٰمَـٰلِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ }[الزخرف: 77]، فلا يجيبهم، ثم يقول: { إِنَّكُمْ مَّاكِثُون }[الزخرف: 77] ثم ينادون ربهم: {رَبَّنَآ أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَـٰلِمُونَ}، فيدعهم مثل عمر الدنيا مرتين ثم يرد عليهم: {ٱخْسَئُواْ فِيهَا وَلاَ تُكَلِّمُونِ}، فلا ينبس القوم بعد ذلك بكلمة إن كان إلا الزفير والشهيق.

وقال القرطبي: إذا قيل لهم: "اخسئوا فيها ولا تكلمون" انقطع رجاؤهم، وأقبل بعضهم ينبح في وجه بعض، وأطبقت عليهم.

إِنَّهُۥ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْ عِبَادِى يَقُولُونَ رَبَّنَآ ءَامَنَّا فَٱغْفِرْ لَنَا وَٱرْحَمْنَا وَأَنتَ خَيْرُ ٱلرَّٰحِمِينَ ۝١٠٩ فَٱتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا حَتَّىٰٓ أَنسَوْكُمْ ذِكْرِى وَكُنتُم مِّنْهُمْ تَضْحَكُونَ ۝١١٠ إِنِّى جَزَيْتُهُمُ ٱلْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوٓا۟ أَنَّهُمْ هُمُ ٱلْفَآئِزُونَ ۝١١١

{إِنَّهُ} الهاء في "إنه" عماد وتسمى أيضاً المجهولة، {كَانَ فَرِيقٌ مِّنْ عِبَادِى}، وهم المؤمنون {يَقُولُونَ رَبَّنَآ ءَامَنَّا فَٱغْفِرْ لَنَا وَٱرْحَمْنَا وَأَنتَ خَيْرُ ٱلرَّٰحِمِينَ}.

{فَٱتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيّاً}، قرأ أهل المدينة وحمزة والكسائي: "سُخْرياً" بضم السين هاهنا وفي سورة ص، وقرأ الباقون بكسرهما، واتفقوا على الضم في سورة الزخرف. قال الخليل: هما لغتان مثل قولهم: بحر لُجي، ولِجي بضم اللام وكسرها، مثل كوكب دُري ودِري، قال الفراء والكسائي: الكسر بمعنى الاستهزاء بالقول، والضم بمعنى التسخير والاستعباد بالفعل، واتفقوا في سورة الزخرف بأنه بمعنى التسخير، {حَتَّىٰ أَنسَوْكُمْ} أي: أنساكم اشتغالكم بالاستهزاء بهم وتسخيرهم، {ذِكْرِى وَكُنتُم مِّنْهُمْ تَضْحَكُونَ} نظيره:

{ إِنَّ ٱلَّذِينَ أَجْرَمُواْ كَانُواْ مِنَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ يَضْحَكُونَ }[المطففين: 29] قال مقاتل: نزلت في بلال وعمار وخباب وصهيب وسلمان والفقراء من الصحابة، كان كفار قريش يستهزؤون بهم.

{إِنِّى جَزَيْتُهُمُ ٱلْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوۤاْ}، على أذاكم واستهزائكم في الدنيا، {أَنَّهُمْ هُمُ ٱلْفَآئِزُونَ}، قرأ حمزة والكسائي "أنهم" بكسر الألف على الاستئناف، وقرأ الآخرون بفتحها، فيكون في موضع المفعول الثاني إني جزيتهم اليوم بصبرهم الفوز بالجنة.

قَٰلَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِى ٱلْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ ۝١١٢ قَالُوا۟ لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَسْـَٔلِ ٱلْعَآدِّينَ ۝١١٣ قَٰلَ إِن لَّبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا لَّوْ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ ۝١١٤ أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَٰكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ ۝١١٥

{قَـٰلَ كَمْ لَبِثْتُمْ}، قرأ حمزة والكسائي "قل كم لبثتم" على الأمر. ومعنى الآية: قولوا أيها الكافرون، فأخرج الكلام مخرج الواحد، والمراد منه الجماعة إذْ كان معناه مفهوماً، ويجوز أن يكون الخطاب لكل واحد منهم، أي قل أيها الكافرون، وقرأ ابن كثير: قل كم، على الأمر وقال "أن" على الخبر، لأن الثانية جواب، وقرأ الآخرون: "قال" فيهما جميعاً، أي: قال الله عز وجل للكفار يوم البعث: كم لبثتم، {فِى ٱلأَرْضِ}، أي: في الدنيا وفي القبور {عَدَدَ سِنِينَ}.

{قَالُواْ لَبِثْنَا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ}، نسوا مدة لبثهم في الدنيا لعظم ما هم بصدده من العذاب، {فَسْئَلِ ٱلْعَآدِّينَ}، الملائكة الذين يحفظون أعمال بني آدم ويحصونها عليهم.

{قَالَ إِن لَّبِثْتُمْ} أي: ما لبثتم في الدنيا، {إِلاَّ قَلِيلاً}، سماه قليلاً لأن الواحد وإن طال مكثه في الدنيا فإنه يكون قليلاً في جنب ما يلبث في الآخرة، لأن لبثه في الدنيا وفي القبر متناهٍ، {لَّوْ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ}، قدر لبثكم في الدنيا.

قوله عزّ وجلّ: {أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَـٰكُمْ عَبَثاً}، لعباً وباطلاً لا لحكمة، وهو نصب على الحال، أي: عابثين. وقيل: للعبث، أي: لتلعبوا وتعبثوا كما خلقت البهائم لا ثواب لها ولا عقاب، وهو مثل قوله:

{ أَيَحْسَبُ ٱلإِنسَـٰنُ أَن يُتْرَكَ سُدًى }[القيامة: 36]، وإنما خلقتم للعبادة وإقامة أوامر الله عزّ وجلّ، {وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لاَ تُرْجَعُونَ}، أي: أفحسبتم أنكم إلينا لا ترجعون في الآخرة للجزاء، وقرأ حمزة والكسائي ويعقوب لا "تَرجِعون" بفتح التاء وكسر الجيم.

أخبرنا عبدالواحد المليحي، أخبرنا أبو منصور محمد بن محمد بن سمعان، أخبرنا أبو جعفر محمد بن أحمد بن عبد الجبار الرياني، أخبرنا حميد بن زنجويه، أخبرنا بشر بن عمر، أخبرنا عبدالله بن لهيعة، أخبرنا عبدالله بن هبيرة، عن حنش،

أن رجلاً مصاباً مُرّ به على ابن مسعود فرقاه في أذنيه: {أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَـٰكُمْ عَبَثاً} حتى ختم السورة فبرأ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «بماذا رقيت في أذنه»؟ فأخبره فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «والذي نفسي بيده لو أن رجلاً موقناً قرأها على جبل لزال«

.

فَتَعَٰلَى ٱللَّهُ ٱلْمَلِكُ ٱلْحَقُّ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ ٱلْعَرْشِ ٱلْكَرِيمِ ۝١١٦ وَمَن يَدْعُ مَعَ ٱللَّهِ إِلَٰهًا ءَاخَرَ لَا بُرْهَٰنَ لَهُۥ بِهِۦ فَإِنَّمَا حِسَابُهُۥ عِندَ رَبِّهِۦٓ إِنَّهُۥ لَا يُفْلِحُ ٱلْكَٰفِرُونَ ۝١١٧ وَقُل رَّبِّ ٱغْفِرْ وَٱرْحَمْ وَأَنتَ خَيْرُ ٱلرَّٰحِمِينَ ۝١١٨

ثم نزّه الله نفسَه عمّا يصفه به المشركون، فقال جل ذكره: {فَتَعَـٰلَى ٱللَّهُ ٱلْمَلِكُ ٱلْحَقُّ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ رَبُّ ٱلْعَرْشِ ٱلْكَرِيمِ}، يعني السرير الحسن. وقيل: المرتفع.

{وَمَن يَدْعُ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـهَا ءَاخَرَ لاَ بُرْهَانَ لَهُ بِهِ}، أي: لا حجة له به ولا بينة، لأنه لا حجة في دعوى الشرك، {فَإِنَّمَا حِسَابُهُ}، جزاؤه، {عِندَ رَبِّهِ}، يجازيه بعمله، كما قال تعالى:

{ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُم }[الغاشية: 26]، {إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ ٱلْكَـٰفِرُونَ}، لا يسعد من جحد وكذب.

{وَقُل رَّبِّ ٱغْفِرْ وَٱرْحَمْ وَأَنتَ خَيْرُ ٱلرَّٰحِمِينَ}

الأحد، 1 نوفمبر 2026 21 جمادى الأولى 1448 هـ