انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة المؤمنون

تفسير الطبريالآيات 1–35

تفسير سورة المؤمنون آية آية، من تفسير الطبري.

استمع إلى تفسير سورة المؤمنون

الخلاصة من تفسير الطبري · 3 مقاطع · 51:22

  1. 1 الآيات 1–35في هذه الصفحة 15:27
  2. 2 الآيات 36–74 16:57
  3. 3 الآيات 75–118 18:58

بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ

قَدْ أَفْلَحَ ٱلْمُؤْمِنُونَ ۝١ ٱلَّذِينَ هُمْ فِى صَلَاتِهِمْ خَٰشِعُونَ ۝٢ وَٱلَّذِينَ هُمْ عَنِ ٱللَّغْوِ مُعْرِضُونَ ۝٣

قال أبو جعفر: يعنـي جلّ ثناؤه بقوله: {قَدْ أفلَـحَ الـمُؤْمِنُونَ}: قد أدرك الذين صدقوا الله ورسوله محمدا صلى الله عليه وسلم، وأقرّوا بـما جاءهم به من عند الله، وعملوا بـما دعاهم إلـيه مـما سمي فـي هذه الأيات، الـخـلودَ فـي جنَّات ربهم وفـازوا بطَلِبتهم لديه. كما:

حدثنا الـحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرّزاق، عن معمر، عن قَتادة، فـي قوله:{ قَدْ أفْلَـحَ الـمُؤْمِنُونَ } قال: قال كعب: لـم يخـلق الله بـيده إلاَّ ثلاثة: خـلق آدم بـيده، وكتب التوراة بـيده، وغرس جنة عَدْن بـيده، ثم قال لها: تكلـمي فقالت: قَدْ أفْلَـحَ الـمُؤْمِنُونَ لـما علـمت فـيها من الكرامة.

حدثنا سهل بن موسى الرازيّ، قال: ثنا يحيى بن الضريس، عن عمرو بن أبـي قـيس، عن عبد العزيز بن رفـيع، عن مـجاهد، قال: لـما غرس الله تبـارك وتعالـى الـجنة، نظر إلـيها فقال:{ قَدْ أفْلَـحَ الـمُؤْمِنُونَ}.

قال: ثنا حفص بن عمر، عن أبـي خـلدة، عن أبـي العالـية، قال: لـما خـلق الله الـجنة قال:{ قَدْ أفْلَـحَ الـمُؤْمِنُونَ} فأنزل الله به قرآناً.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جبـير، عن عطاء، عن ميسرة، قال: لـم يخـلق الله شيئاً بـيده غير أربعة أشياء: خـلق آدم بـيده، وكتب الألواح بـيده، والتوراة بـيده، وغرس عدْنا بـيده، ثم قال:{ قَدْ أفْلَـحَ الـمُؤْمِنُونَ}.

وقوله: {الَّذِينَ هُمْ فِـي صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ } يقول تعالـى ذكره: الذين هم فـي صلاتهم إذا قاموا فـيها خاشعون وخشوعهم فـيها تذللهم لله فـيها بطاعته، وقـيامهم فـيها بـما أمرهم بـالقـيام به فـيها. وقـيـل: إنها نزلت من أجل أن القوم كانوا يرفعون أبصارهم فـيها إلـى السماء قبل نزولها، فنُهُوا بهذه الآية عن ذلك. ذكر الرواية بذلك:

حدثنا ابن عبد الأعلـى، قال: ثنا الـمعتـمر بن سلـيـمان، قال: سمعت خالداً، عن مـحمد بن سيرين، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا صلّـى نظر إلـى السماء، فأنزلت هذه الآية:{ الَّذِينَ هُمْ فِـي صَلاتِهِمْ خاشعُونَ} قال: فجعل بعد ذلك وجهه حيث يسجد.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا هارون بن الـمغيرة، عن أبـي جعفر، عن الـحجاج الصوّاف، عن ابن سيرين، قال: كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يرفعون أبصارهم فـي الصلاة إلـى السماء حتـى نزلت:{ قَدْ أفْلَـحَ الـمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِـي صَلاتِهِمْ خاشعُونَ} فقالوا بعد ذلك برؤوسهم هكذا.

حدثنـي يعقوب بن إبراهيـم، قال: ثنا ابن علـية، قال: أخبرنا أيوب، عن مـحمد، قال: «نبئت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا صلـى رفع بصره إلـى السماء، فنزلت آية إن لـم تكن{ الَّذِينَ هُمْ فِـي صَلاتِهِمْ خاشعُونَ } فلا أدري أية آية هي قال: فطأطأ». قال: وقال مـحمد: وكانوا يقولون: لا يجاوز بصْره مصّلاه، فإن كان قد استعاد رالنظر فلـيغْمِض.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنا هشيـم، عن ابن عون، عن مـحمد نـحوه.

واختلف أهل التأويـل فـي الذي عنـي به فـي هذا الـموضع من الـخشوع، فقال بعضهم: عنـي به سكون الأطراف فـي الصلاة. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفـيان، عن منصور، عن مـجاهد:{ الَّذِينَ هُمْ فِـي صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ} قال: السكون فـيها.

حدثنا ابن عبد الأعلـى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن الزهريّ:{ الَّذِينَ هُمْ فِـي صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ } قال: سكون الـمرء فـي صلاته.

حدثنا الـحسن، قال: أخبرنا عبد الرّزاق، قال: أخبرنا معمر، عن الزهريّ، مثله.

حدثنا الـحسن، قال: أخبرنا عبد الرّزاق، عن الثوريّ، عن أبـي سفـيان الشيبـانـي، عن رجل، عن علـيّ، قال: سئل عن قوله:{ الَّذِينَ فِـي صَلاتِهِمْ خاشعُونَ } قال: لا تلتفت فـي صلاتك.

حدثنا عبد الـجبـار بن يحيى الرملـيّ، قال: قال ضَمْرة بن ربـيعة، عن أبـي شَوْذب، عن الـحسن، فـي قوله:{ الَّذِينَ هُمْ فِـي صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ} قال: كان خشوعهم فـي قلوبهم، فغضوا بذلك البصر وخفضوا به الـجَناح.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنا هشيـم، قال: أخبرنا معمر، عن إبراهيـم، فـي قوله:{ خاشعُونَ} قال: الـخشوع فـي القلب، وقال: ساكنون.

قال: ثنا الـحسن، قال: ثنـي خالد بن عبد الله، عن الـمسعوديّ، عن أبـي سنان، عن رجل من قومه، عن علـيّ رضي الله عنه، قال: الـخشوع فـي القلب، وأن تُلِـين للـمرء الـمسلـم كَنَفك، ولا تلتفت.

قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جرَيج، قال: قال عطاء بن أبـي ربـاح، فـي قوله:{ الَّذِينَ هُمْ فِـي صَلاتِهمْ خاشعُونَ} قال: التـخشع فـي الصلاة. وقال لـي غير عطاء: كان النبـيّ صلى الله عليه وسلم إذا قام فـي الصلاة نظر عن يـمينه ويساره ووُجاهه، حتـى نزلت:{ قَدْ أفْلَـحَ الـمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِـي صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ} فما رُؤي بعد ذلك ينظر إلاَّ إلـى الأرض.

وقال آخرون: عنـي به الـخوف فـي هذا الـموضع. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن عبد الأعلـى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن الـحسن:{ الَّذِينَ هُمْ فِـي صَلاتِهِمْ خاشعُونَ} قال: خائفون.

حدثنا الـحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرّزاق، قال: أخبرنا معمر، فـي قوله:{ الَّذِينَ هُمْ فِـي صَلاتِهمْ خاشِعُونَ} قال الـحسن: خائفون. وقال قتادة: الـخشوع فـي القلب.

حدثنـي علـيّ، قال: ثنا عبد الله، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس، فـي قوله: {الَّذِينَ هُمْ فِـي صَلاتِهمْ حاشعُونَ} يقول: خائفون ساكنون.

وقد بـيَّنا فـيـما مضى قبل من كتابنا أن الـخشوع التذلل والـخضوع بـما أغنى عن إعادته فـي هذا الـموضع. وإذ كان ذلك كذلك، ولـم يكن الله تعالـى ذكره دلّ علـى أن مراده من ذلك معنى دون معنى فـي عقل ولا خبر، كان معلوما أن معنى مراده من ذلك العموم. وإذ كان ذلك كذلك، فتأويـل الكلام ما وصفت مِنْ قَبْلُ من أنه: والذين هم فـي صلاتهم متذللِّون لله بإدامة ما ألزمهم من فرضه وعبـادته، وإذا تذلل لله فـيها العبد رؤيت ذلة خضوعه فـي سكون أطرافه وشغله بفرضه وتركه ما أمر بتركه فـيها.

وقوله:{ وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ } يقول تعالـى ذكره: والذين هم عن البـاطل وما يكرهه الله من خـلقه معرضون.

وبنـحو الذي قلنا فـي تأويـل ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي علـيّ، قال: ثنا عبد الله، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس، قوله:{ وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ } يقول: البـاطل.

حدثنا ابن عبد الأعلـى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن الـحسن:{ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ} قال: عن الـمعاصي.

حدثنا الـحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، عن معمر، عن الـحسن، مثله.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله:{ وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغو مُعْرِضُونَ } قال: النبـيّ صلى الله عليه وسلم ومن معه من صحابته، مـمن آمن به واتبعه وصدقه، كانوا عن اللغْوِ معرضين.

وَٱلَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَوٰةِ فَٰعِلُونَ ۝٤ وَٱلَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَٰفِظُونَ ۝٥ إِلَّا عَلَىٰٓ أَزْوَٰجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَٰنُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ ۝٦ فَمَنِ ٱبْتَغَىٰ وَرَآءَ ذَٰلِكَ فَأُو۟لَٰٓئِكَ هُمُ ٱلْعَادُونَ ۝٧

يقول تعالـى ذكره:والذين هم لزكاة أموالهم التـي فرضها الله علـيهم فـيها مؤدّون، وفعلهم الذي وصفوا به هو أداؤهموها. وقوله:{ وَالَّدِينَ هُمْ لِفُرُوجهِمْ حافِظُونَ إلاَّ عَلـى أزْوَاجِهِمْ } يقول: والذين هم لفروج أنفسهم. وعنى بـالفروج فـي هذا الـموضع: فروج الرجال، وذلك أقبـالهم. {حَافِظُونَ} يحفظونها من أعمالها فـي شيء من الفروج. إلاَّ عَلـى أزْوَاجِهمْ } يقول: إلاَّ من أزواجهم اللاتـي أحلهنّ الله للرجال بـالنكاح.{ أوْ ما مَلَكَتْ أيْـمَانُهُمْ} يعنـي بذلك: إماءهم. و «ما» التـي فـي قوله:{ أوْ ما مَلَكَتْ أيْـمَانُهُمْ } فـي مـحلّ خفض عطفـاً علـى الأزواج. {فإنَّهُمْ غيرُ مَلُومِينَ} يقول: فإن من لـم يحفظ فرجه عن زوجه وملك يـمينه، وحفظه عن غيره من الـخـلق، فإنه غير مُوَبَّخ علـى ذلك ولا مذموم ولا هو بفعله ذلك راكب ذنبـا يلام علـيه.

وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس، قوله:{ وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ إلاَّ عَلـى أَزْوَاجِهِم أَوْ ما مَلَكَتْ أيْـمَانُهُمْ فإنَّهُمْ غيرُ مَلُومِينَ} يقول: رضي الله لهم إتـيانهم أزواجهم وما ملكت أيـمانهم.

وقوله:{ فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذلكَ} يقول: فمن التـمس لفرجه مَنكَحاً سوى زوجته وملك يـمينه، { فأُولَئِكَ هُمُ العادُونَ } يقول: فهم العادون حدود الله، الـمـجاوزون ما أحلّ الله لهم إلـى ما حرّم علـيهم.

وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس، قال: نهاهم الله نهياً شديداً، فقال:{ فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذلكَ فأُولَئِكَ هُمُ العادُونَ} فسمى الزانـي من العادين.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله:{ فأُولَئِكَ هُمُ العادُونَ} قال: الذين يتعدّون الـحلال إلـى الـحرام.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن عطاء، عن أبـي عبد الرحمن، فـي قوله:{ فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذلكَ فأُولَئكَ هُمُ العادُونَ} قال: من زنى فهو عادٍ.

وَٱلَّذِينَ هُمْ لِأَمَٰنَٰتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَٰعُونَ ۝٨ وَٱلَّذِينَ هُمْ عَلَىٰ صَلَوَٰتِهِمْ يُحَافِظُونَ ۝٩ أُو۟لَٰٓئِكَ هُمُ ٱلْوَٰرِثُونَ ۝١٠

يقول تعالـى ذكره:{ وَالَّذِينَ هُمْ لأَماناتِهمْ} التـي ائتـمنوا علـيها (وعهدهم)، وهو عقودهم التـي عاقدوا الناس {راعُونَ} يقول: حافظون لا يضيعون، ولكنهم يوفون بذلك كله.

واختلفت القرّاء فـي قراءة ذلك، فقرأته عامة قرّاء الأمصار إلا ابن كثـير: {وَالَّذِينَ هُمْ لأَماناتِهِمْ} علـى الـجمع. وقرأ ذلك ابن كثـير: «لأَمانَتِهِم» علـى الواحدة.

والصواب من القراءة فـي ذلك عندنا: {لأَماناتِهِمْ} لإجماع الـحجة من القرّاء علـيها.

وقوله:{ وَالَّذِينَ هُمْ عَلـى صَلَوَاتِهمْ يُحافِظُونَ } يقول: {والذين هم علـى أوقات صلاتهم يحافظون، فلا يضيعونها ولا يشتغلون عنها حتـى تفوتهم، ولكنهم يراعونها حتـى يؤدّوها فـيها.

وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفـيان، عن الأعمش، عن أبـي الضحى، عن مسروق:{ وَالَّذِينَ هُمْ عَلـى صَلَوَاتِهِمْ يُحافِظُونَ} قال: علـى وقتها.

حدثنـي أبو السائب، قال: ثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن مسلـم، عن مسروق: {وَالَّذينَ هُمْ عَلـى صَلَوَاتِهِمْ يُحافظُونَ } علـى ميقاتها.

حدثنا ابن عبد الرحمن البرقـيّ، قال: ثنا ابن أبـي مريـم، قال: أخبرنا يحيى بن أيوب، قال: أخبرنا ابن زَحْر، عن الأعمش، عن مسلـم بن صبـيح، قال:{ الَّذِينَ هُمْ عَلـى صَلَوَاتِهمْ يُحافِظُونَ} قال: أقام الصلاة لوقتها.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: علـى صلواتهم دائمون. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن منصور، عن إبراهيـم: {عَلـى صَلَوَاتِهِمْ يُحافِظُونَ } قال: دائمون. قال: يعنـي بها الـمكتوبة.

وقوله: {أُولَئِكَ هُمُ الوَارِثُونَ } يقول تعالـى ذكره: هؤلاء الذين هذه صفتهم فـي الدنـيا، هم الوارثون يوم القـيامة منازل أهل النار من الـجنة.

وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك، رُوي الـخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتأوّله أهل التأويـل. ذكر الرواية بذلك:

حدثنـي أبو السائب، قال: ثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن أبـي صالـح، عن أبـي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

ما مِنْكُمْ مِنْ أحَدٍ إلاَّ وَلَهُ مَنْزِلانِ: مَنْزِلٌ فِـي الـجَنَّةِ، ومَنْزِلٌ فِـي النَّارِ، وَإنْ ماتَ وَدَخَـلَ النَّارِ وَرِثَ أهْلُ الـجَنَّةِ مَنْزِلَهُ فذلك قوله:{ أُولَئِكَ هُمُ الوَارِثُونَ}.

حدثنا الـحسن بن يحيى، قال: ثنا عبد الرّزاق، قال: أخبرنا معمر، عن الأعمش، عن أبـي صالـح، عن أبـي هريرة، فـي قوله:{ أولَئِكَ هُمُ الوَارِثُونَ } قال: يرثون مساكنهم ومساكن إخوانهم التـي أعدّت لهم لو أطاعوا الله.

حدثنـي ابن عبد الأعلـى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن الأعمش، عن أبـي هريرة:{ أولَئِكَ هُمُ الوَارِثُونَ } قال: يرثون مساكنهم ومساكن إخوانهم الذين أعدّت لهم لو أطاعوا الله.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جُريَج، قال: الوارثون الـجنة أورثتـموها، والـجنة التـي نورث من عبـادنا، هن سواء. قال ابن جريج: قال مـجاهد: يرث الذي من أهل الـجنة أهله وأهل غيره، ومنزل الذين من أهل النار هم يرثون أهل النار، فلهم منزلان فـي الـجنة وأهلان. وذلك أنه منزل فـي الـجنة ومنزل فـي النار، فأما الـمؤمن فَـيْبِنى منزله الذي فـي الـجنة ويهدم منزله الذي فـي النار، وأما الكافر فـيهدم منزله الذي فـي الـجنة ويبنى منزله الذي فـي النار. قال ابن جُرَيج عن لـيث بن أبـي سلـيـم، عن مـجاهد، أنه قال مثل ذلك.

ٱلَّذِينَ يَرِثُونَ ٱلْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَٰلِدُونَ ۝١١

يقول تعالـى ذكره:{ الَّذِينَ يَرِثُونَ} البستان ذا الكَرْم، وهو الفِرْدَوْسُ عند العرب. وكان مـجاهد يقول: هو بـالرومية.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مـجاهد، فـي قوله: {الَّذِينَ يَرِثُونَ الفِرْدَوْسَ} قال: الفردوس: بستان بـالرومية.

قال: ثنـي حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مـجاهد، قال: عدن حديقة فـي الـجنة قصرها فـيها عدنها خـلقها بـيده، تفتـح كل فجر فـينظر فـيها ثم يقول:

{ قَدْ أفْلَـحَ الـمُؤْمِنُونَ }، قال: هي الفردوس أيضا تلك الـحديقة، قال مـجاهد: غرسها الله بـيده فلـما بلغت قال: { قَدْ أفْلَـحَ الـمُؤْمِنُونَ } ثم أمر بها تغلق، فلا ينظر فـيها خـلق ولا ملك مقرّب، ثم تفتـح كل سحر فـينظر فـيها فـيقول:{ قَدْ أفْلَـحَ الـمُؤْمِنونَ} ثم تغلق إلـى مثلها.

حدثنا ابن عبد الأعلـى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قَتادة، قال: قتل حارثة بن سُراقة يوم بدر، فقالت أمه: يا رسول الله، إن كان ابنـي من أهل الـجنة لـم أبك علـيه، وإن كان من أهل النار بـالغت فـي البكاء. قال:

يا أُمَّ حارِثَةَ، إنَّها جَنَّتانِ فِـي جَنَّةٍ، وَإنَّ ابْنَكِ قَدْ أصَابَ الفِرْدَوْسَ الأعْلَـى مِنَ الـجَنَّةِ

حدثنا الـحسن، قال: أخبرنا عبد الرّزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قَتادة، مثله.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي أبو سفـيان، عن معمر، عن قتادة، عن كعب، قال: خـلق الله بـيده جنة الفردوس، غرسها بـيده، ثم قال: تكلـمي قالت:

{ قَدْ أفْلَـحَ الـمُؤْمِنُونَ }

قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن حُسام بن مِصَكّ، عن قَتادة أيضاً، مثله، غير أنه قال: تكلـمي، قالت: طوبـي للـمتَّقـين.

قال: ثنا الـحسين، قال: ثنا مـحمد بن يزيد، عن إسماعيـل بن أبـي خالد، عن أبـي داود نفـيع، قال: لـما خـلقها الله، قال لها: تزينـي فتزينت ثم قال لها: تكلـمي فقالت: طوبـي لـمن رضيت عنه.

وقوله:{ هُمْ فِـيها خالِدُونَ} يعنـي ماكثون فـيها، يقول: هؤلاء الذين يرثون الفردوس خالدون، يعنـي ماكثون فـيها أبداً لا يتـحوّلون عنها.

وَلَقَدْ خَلَقْنَا ٱلْإِنسَٰنَ مِن سُلَٰلَةٍ مِّن طِينٍ ۝١٢

يقول تعالـى ذكره: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ} أسللناه منه، فـالسلالة هي الـمستلة من كلّ تربة ولذلك كان آدم خـلق من تربة أخذت من أديـم الأرض.

وبنحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل علـى اختلاف منهم فـي الـمعنـيّ بـالإنسان فـي هذا الـموضع، فقال بعضهم: عنـي به آدم. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن عبد الأعلـى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قَتادة:{ مِنْ طِينٍ } قال: استلّ آدم من الطين.

حدثنا الـحسن، قال: أخبرنا عبد الرّزاق، عن معمر، عن قَتادة، فـي قوله: {مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ} قال: استلّ آدم من طين، وخُـلقت ذرّيته من ماء مهين.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: ولقد خـلقنا ولد آدم، وهو الإنسان الذي ذكر فـي هذا الـموضع، من سلالة، وهي النطفة التـي استُلَّت من ظهر الفحل من طين، وهو آدم الذي خُـلق من طين. ذكر من قال ذلك:

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن الـمنهال بن عمرو، عن أبـي يحيى، عن ابن عبـاس:{ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ } قال: صفوة الـماء.

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء جميعاً، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد فـي قول الله: {مِنْ سُلالَةٍ} من منـيّ آدم.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مـجاهد، مثله.

وأولـى القولـين فـي ذلك بـالصواب قول من قال: معناه: ولقد خـلقنا ابن آدم من سُلالة آدم، وهي صفة مائة وآدم هو الطين، لأنه خُـلق منه.

وإنـما قلنا ذلك أولـى التأويـلـين بـالآية، لدلالة قوله: {ثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَةً فِـي قَرَارٍ مَكِينٍ} علـى أن ذلك كذلك لأنه معلوم أنه لـم يَصِرْ فـي قرار مكين إلاَّ بعد خـلقه فـي صلب الفحل، ومن بعد تـحوّله من صلبه صار فـي قرار مكين والعرب تسمي ولد الرجل ونطفته: سلـيـله وسلالته، لأنهما مسلولان منه ومن السُّلالة قول بعضهم:

حَمَلَتْ بِهِ عَضْبَ الأدِيـمِ غَضَنْفَرا سُلالَةَ فَرْجٍ كانَ غيرَ حَصِينِ

وقول الآخر:

وَهَلْ كُنْتُ إلاَّ مُهْرَةً عَرَبِـيَّةً سُلالَةَ أفْرَاسٍ تَـجَلَّلَها بَغْلُ

فمن قال: سلالة جمعها سلالات، وربـما جمعوها سلائل، ولـيس بـالكثـير، لأن السلائل جمع للسلـيـل ومنه قول بعضهم:

إذا أُنْتِـجَتْ مِنْها الـمَهارَى تَشابَهَتْ عَلـى القَوْدِ إلاَّ بـالأُنُوفِ سَلائلُهْ

وقول الراجز:

يَقْذِفْنَ فِـي أسْلابِها بـالسَّلائِل

ثُمَّ جَعَلْنَٰهُ نُطْفَةً فِى قَرَارٍ مَّكِينٍ ۝١٣ ثُمَّ خَلَقْنَا ٱلنُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا ٱلْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا ٱلْمُضْغَةَ عِظَٰمًا فَكَسَوْنَا ٱلْعِظَٰمَ لَحْمًا ثُمَّ أَنشَأْنَٰهُ خَلْقًا ءَاخَرَ فَتَبَارَكَ ٱللَّهُ أَحْسَنُ ٱلْخَٰلِقِينَ ۝١٤

يعنـي تعالـى ذكره بقوله:{ ثُمَّ جَعَلْناهُ نطْفَةً فِـي قَرَارٍ مَكِينٍ} ثم جعلنا الإنسان الذي جعلناه من سلالة من طين، نطفة فـي قرار مكين، وهو حيث استقرّت فـيه نطفة الرجل من رحم الـمرأة. ووصفه بأنه مكين، لأنه مُكّن لذلك وهيىء له لـيستقرّ فـيه إلـى بلوغ أمره الذي جعله له قراراً. وقوله:{ ثُمَّ خَـلَقْنا النطْفَةَ عَلَقَةً} يقول: ثم صيرنا النطفة التـي جعلناها فـي قرار مكين علقة، وهي القطعة من الدم. {فَخَـلَقْنا العَلَقَةَ مُضْغَةً} يقول: فَجعلنا ذلك الدم مضغة، وهي القطعة من اللـحم. وقوله:{ فخَـلَقْنا الـمُضْغَةَ عِظاماً } يقول: فجعلنا تلك الـمضغة اللـحم عظاماً.

وقد اختلفت القرَّاء فـي قراءة ذلك، فقرأته عامة قرّاء الـحجاز والعراق سوى عاصم:{ فخَـلَقْنا الـمُضْغَةَ عِظاماً }علـى الـجماع، وكان عاصم وعبد الله يقرآن ذلك: «عَظْماً» فِـي الـحرفـين علـى التوحيد جميعاً.

والقراءة التـي نـختار فـي ذلك الـجماع، لإجماع الـحجة من القرّاء علـيه.

وقوله:{ فَكَسَوْنا العِظامَ لَـحْماً} يقول: فألبسنا العظام لـحماً. وقد ذكر أن ذلك فـي قراءة عبد الله: «ثُمَّ خَـلَقْنا النطْفَةَ عَظْما وعصبـاً فَكَسَوْنَاه لَـحْماً». وقوله:{ ثُمَّ أنْشأْناهُ خَـلْقاً آخَرَ} يقول: ثم أنشأنا هذا الإنسان خـلقا آخر. وهذه الهاء التـي فـي: أنْشَأْناهُ عائدة علـى «الإنسان» فـي قوله:{ وَلَقَدْ خَـلَقْنا الإنْسانَ } قد يجوز أن تكون من ذكر العظم والنطفة والـمضغة، جعل ذلك كله كالشيء الواحد، فقـيـل: ثم أنشأنا ذلك خـلقاً آخر.

واختلف أهل التأويـل فـي تأويـل قوله:{ ثُمَّ أنْشَأْناهُ خَـلْقاً آخَرَ } فقال بعضهم: إنشاؤه إياه خـلقاً آخر: نفخه الروح فـيه، فـيصير حينئذٍ إنساناً، وكان قبل ذلك صورة. ذكر من قال ذلك:

حدثنا يعقوب بن إبراهيـم، قال: ثنا هشيـم، قال: أخبرنا حجاج، عن عطاء، عن ابن عبـاس فـي قوله:{ ثُمَّ أنْشَأْناهُ خَـلْقاً آخَرَ} قال: نفخ الروح فـيه.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن قال: ثنا هشيـم عن الـحجاج بن أرطأة عن عطاء، عن ابن عبـاس، بـمثله.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جُرَيج، قال: قال ابن عبـاس:{ ثُمَّ أنْشَأْناهُ خَـلْقاً آخَرَ } قال: الروح.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفـيان، عن عبد الرحمن بن الأصبهانـي عن عكرمة، فـي قوله: {ثُمَّ أنْشَأْناهُ خَـلْقا آخَرَ } قال: نفخ الروح فـيه.

حدثنا ابن بشار وابن الـمثنى، قالا: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سلـمة، عن داود بن أبـي هند، عن الشعبـيّ:{ ثُمَّ أنْشَأْناهُ خَـلْقاً آخَرَ} قال: نفخ فـيه الروح.

قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفـيان، عن منصور، عن مـجاهد، بـمثله.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن أبـي جعفر، عن الربـيع، عن أبـي العالـية، فـي قوله:{ ثُمَّ أنْشَأْناهُ خَـلْقا آخَرَ } قال: نفخ فـيه الروح، فهو الـخـلق الآخر الذي ذكر.

حُدثت عن الـحسين، قال: سمعت أبـا معاذ يقول: أخبرنا عبـيد، قال: سمعت الضحاك يقول، فـي قوله:{ ثُمَّ أنْشَأْناهُ خَـلْقاً} يعنـي الروح تنفخ فـيه بعد الـخـلق.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله:{ ثُمَّ أنْشَأْناهُ خَـلْقا آخَرَ } قال: الروح الذي جعله فـيه.

وقال آخرون: إنشاؤه خـلقا آخر تصريفه إياه فـي الأحوال بعد الولادة: فـي الطفولة، والكهولة، والاغتذاء، ونبـات الشعر، والسنّ، ونـحو ذلك من أحوال الأحياء فـي الدنـيا. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنا أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس، قوله:{ ثُمَّ أنْشَأْناهُ خَـلْقاً آخَرَ فَتَبـارَكَ اللّهُ أحْسَنُ الـخالِقِـينَ} يقول: خرج من بطن أمه بعدما خـلق، فكان من بدء خـلقه الآخر أن استهلّ، ثم كان من خـلقه دُلّ علـى ثدي أمه، ثم كان من خـلقه أن علـم كيف يبسط رجلـيه، إلـى أن قعد، إلـى أن حبـا، إلـى أن قام علـى رجلـيه، إلـى أن مشى، إلـى أن قُطِم، فعلـم كيف يشرب ويأكل من الطعام، إلـى أن بلغ الـحلـم، إلـى أن بلغ أن يتقلّب فـي البلاد.

حدثنا ابن عبد الأعلـى، قال: ثنا مـحمد بن ثور، عن معمر، عن قَتادة:{ ثُمَّ أنْشَأْناهُ خَـلْقاً آخَرَ} قال: يقول بعضهم: هو نبـات الشعر، وبعضهم يقول: هو نفخ الروح.

حدثنا الـحسن، قال: أخبرنا عبد الرّزاق، قال: أخبرنا معمر عن قَتادة، مثله.

حُدثت عن الـحسين، قال: سمعت أبـا معاذ يقول: أخبرنا عبـيد، قال: سمعت الضحاك:{ ثُمَّ أنْشَأْناهُ خَـلْقاً آخَرَ } قال: يقال الـخـلق الآخر بعد خروجه من بطن أمه بسنه وشعره.

وقال آخرون: بل عَنَى بإنشائه خـلقاً آخر: سوّى شبـابه. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء جميعاً، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، قوله:{ ثُمَّ أنْشَأْناهُ خَـلْقاً آخَرَ} قال: حين استوى شبـابه.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جُرَيج، قال: قال مـجاهد: حين استوى به الشبـاب.

وأولـى الأقوال فـي ذلك بـالصواب قول من قال: عنى بذلك نفخ الروح فـيه وذلك أنه بنفخ الروح فـيه يتـحوّل خـلقاً آخر إنساناً، وكان قبل ذلك بـالأحوال التـي وصفه الله أنه كان بها، من نطفة وعلقة ومضغة وعظم وبنفخ الروح فـيه، يتـحوّل عن تلك الـمعانـي كلها إلـى معنى الإنسانـية، كما تـحوّل أبوه آدم بنفخ الروح فـي الطينة التـي خـلق منها إنساناً وخـلقاً آخر غير الطين الذي خـلق منه.

وقوله:{ فَتَبـارَكَ اللّهُ أحْسَنُ الـخالِقِـينَ } اختلف أهل التأويـل فـي تأويـل ذلك، فقال بعضهم: معناه فتبـارك الله أحسن الصانعين. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام، عن عنبسة، عن لـيث، عن مـجاهد:{ فَتَبـارَكَ اللّهُ أحْسَنُ الـخالِقِـينَ} قال: يصنعون ويصنع الله، والله خير الصانعين.

وقال آخرون: إنـما قـيـل:{ فَتَبارَكَ اللّهُ أحْسَنُ الـخالِقِـينَ } لأن عيسى ابن مريـم كان يخـلق، فأخبر جلّ ثناؤه عن نفسه أنه يخـلق أحسن مـما كان يخـلق. ذكر من قال ذلك:

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، قال: قال ابن جُرَيج، فـي قوله:{ فَتَبـارَكَ اللّهُ أحْسَنُ الـخالِقِـينَ } قال: عيسى ابن مريـم يخـلق.

وأولـى القولـين فـي ذلك بـالصواب قول مـجاهد، لأن العرب تسمي كل صانع خالقاً ومنه قول زهير:

وَلأَنْتَ تَفْرِي ما خَـلَقْتَ وَبَعْ ضُ القَوْمِ يَخْـلُقُ ثُمَّ لا يَفْرِي

ويروى:

وَلأَنْتَ تَـخْـلُقُ ما فَريْتَ وَبَعْ ضُ القَوْمِ يَخْـلُقُ ثُمَّ لا يَفْرِي

ثُمَّ إِنَّكُم بَعْدَ ذَٰلِكَ لَمَيِّتُونَ ۝١٥ ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَٰمَةِ تُبْعَثُونَ ۝١٦

يقول تعالـى ذكره: ثم إنكم أيها الناس من بعد إنشائكم خـلقاً آخـل وتصيـيرناكم إنساناً سويًّا ميتون وعائدون ترابـاً كما كنتـم، ثم إنكم بعد موتكم وعودكم رفـاتاً بـالـياً مبعوثون من التراب خـلقاً جديداً كما بدأناكم أوّل مرّة. وإنـما قـيـل: {ثُمَّ إنَّكُمْ بَعْدَ ذلكَ لَـمَيِّتُونَ} لأنه خبر عن حال لهم يحدث لـم يكن. وكذلك تقول العرب لـمن لـم يـمت: هو مائت وميت عن قلـيـل، ولا يقولون لـمن قد مات مائت، وكذلك هو طَمِع فـيـما عندك إذا وصف بـالطمع، فإذا أخبر عنه أنه سيفعل ولـم يفعل قـيـل هو طامع فـيـما عندك غداً، وكذلك ذلك فـي كلّ ما كان نظيراً لـما ذكرناه.

وَلَقَدْ خَلَقْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرَآئِقَ وَمَا كُنَّا عَنِ ٱلْخَلْقِ غَٰفِلِينَ ۝١٧

يقول تعالـى ذكره: ولقد خـلقنا فوقكم أيها الناس سبع سموات بعضهنّ فوق بعض والعرب تسمي كل شيء فوق شيء طريقة. وإنـما قـيـل للسموات السبع سبع طرائق، لأن بعضهنّ فوق بعض، فكل سماء منهنّ طريقة.

وبنـحو الذي قلنا فـي تأويـل ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد فـي قول الله:{ وَلَقَدْ خَـلَقْنا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرَائِقَ} قال: الطرائق: السموات.

وقوله:{ وَما كُنَّا عَنِ الـخَـلْقِ غافِلـينَ } يقول: وما كنا فـي خـلقنا السموات السبع فوقكم عن خـلقنا الذي تـحتها غافلـين، بل كنا لهم حافظين من أن تسقط علـيهم فتهلكهم.

وَأَنزَلْنَا مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءًۢ بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّٰهُ فِى ٱلْأَرْضِ وَإِنَّا عَلَىٰ ذَهَابٍۭ بِهِۦ لَقَٰدِرُونَ ۝١٨

يقول تعالـى ذكره: وأنزلنا من السماء ما فـي الأرض من ماء، فأسكناه فـيها. كما:

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جُرَيج:{ وأنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً بِقَدَرٍ فأسْكَنَّاهُ فِـي الأرْضِ } ماء هو من السماء.

وقوله:{ وَإنَّا علـى ذهابٍ بِهِ لَقادِرُونَ} يقول جلّ ثناؤه: وإنا علـى الـماء الذي أسكناه فـي الأرض لقادرون أن نذهب به فتهلكوا أيها الناس عطشاً وتـخرب أرضوكم، فلا تنبت زرعاً ولا غرساً، وتهلك مواشيكم، يقول: فمن نعمتـي علـيكم تركي ذلك لكم فـي الأرض جارياً.

فَأَنشَأْنَا لَكُم بِهِۦ جَنَّٰتٍ مِّن نَّخِيلٍ وَأَعْنَٰبٍ لَّكُمْ فِيهَا فَوَٰكِهُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ ۝١٩

يقول تعالـى ذكره: فأحدثنا لكم بـالـماء الذي أنزلناه من السماء، بساتـين من نـخيـل وأعناب{ لَكُمْ فِـيهَا} يقول: لكم فـي الـجنات فواكه كثـيرة.{ وَمِنْها تَأْكُلُونَ } يقول: ومن الفواكه تأكلون. وقد يجوز أن تكون الهاء والألف من ذكر الـجنات، ويحتـمل أن تكون من ذكر النـخيـل والأعناب. وخصّ جلّ ثناؤه الـجنات التـي ذكرها فـي هذا الـموضع، فوصفها بأنها من نـخيـل وأعناب دون وصفها بسائر ثمار الأرض لأن هذين النوعين من الثماء كانا هما أعظم ثمار الـحجاز وما قرب منها، فكانت النـخيـل لأهل الـمدينة، والأعناب لأهل الطائف، فذكر القوم بـما يعرفون من نعمة الله علـيهم، بـما أنعم به علـيهم من ثمارها.

وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِن طُورِ سَيْنَآءَ تَنۢبُتُ بِٱلدُّهْنِ وَصِبْغٍ لِّلْـَٔاكِلِينَ ۝٢٠

يقول تعالـى ذكره: وأنشأنا لكم أيضاً شجرة تـخرج من طور سيناء و «شجرة» منصوبة عطفـاً علـى «الـجنات»، ويعنـي بها: شجرة الزيتون.

وقوله: {تَـخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْناءَ} يقول: تـخرج من جبل يُنْبِت الأشجار.

وقد بـيَّنت معنى الطور فـيـما مضى بشواهده، واختلاف الـمختلفـين، بـما أغنى عن إعادته فـي هذا الـموضع.

وأما قوله:{ سَيْناءَ } فإن القرّاء اختلفت فـي قراءته، فقرأته عامة قرّاء الـمدينة والبصرة: «سِيناءَ» بكسر السين. وقرأ ذلك عامة قرّاء الكوفة:{ سَيْناءَ } بفتـح السين، وهما جميعاً مـجمعون علـى مدّها.

والصواب من القول فـي ذلك: أنهما قراءتان معروفتان فـي قَرَأَة الأمصار بـمعنى واحد، فبأيتهما قرأ القارىء فمصيب.

واختلف أهل التأويـل فـي تأويـله، فقال بعضهم: معناه: الـمبـارك، كأن معنى الكلام عنده: وشجرة تـخرج من جبل مبـارك. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء جميعاً، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، فـي قوله: {طُورِ سَيْناءَ } قال: الـمبـارك.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مـجاهد، مثله.

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس، قوله:{ وَشَجَرَةً تَـخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْناءَ} قال: هو جبل بـالشام مبـارك.

وقال آخرون: معناه: حسن. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن عبد الأعلـى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قَتادة، فـي قوله: {طُورِ سَيْناءَ } قال: هو جبل حسن.

حُدثت عن الـحسين، قال: سمعت أبـا معاذ يقول: أخبرنا عبـيد، قال: سمعت الضحاك يقول فـي قوله: {مِنْ طُورِ سَيْناءَ} الطور: الـجبل بـالنبطية، وسيناء: حسنة بـالنبطية.

وقال آخرون: هو اسم جبل معروف. ذكر من قال ذلك:

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جُرَيج، عن عطاء الـخُراسانـيّ، عن ابن عبـاس، فـي قوله:{ مِنْ طُورِ سَيْناءَ} قال: الـجبل الذي نودي منه موسى صلى الله عليه وسلم.

حدثنـي يونس قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله: {طُورِ سَيْناءَ} قال: هو جبل الطور الذي بـالشام، جبل ببـيت الـمقدس، قال: مـمدود، هو بـين مصر وبـين آيَـلْة.

وقال آخرون: معناه: أنه جبل ذو شجر. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن عبد الأعلـى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عمن قاله.

والصواب من القول فـي ذلك أن يقال: إن سيناء اسم أضيف إلـيه الطور يعرف به، كما قـيـل جبلاً طيِّىء، فأضيفـا إلـى طيىء، ولو كان القول فـي ذلك كما قال من قال معناه جبل مبـارك، أو كما قال من قال معناه حسن، لكان «الطور» منوّنا، وكان قوله «سيناء» من نعته. علـى أن سيناء بـمعنى: مبـارك وحسن، غير معروف فـي كلام العرب فـيجعل ذلك من نعت الـجبل، ولكن القول فـي ذلك إن شاء الله كما قال ابن عبـاس، من أنه جبل عرف بذلك، وأنه الـجبل الذي نُودي منه موسى صلى الله عليه وسلم، وهو مع ذلك مبـارك، لا أن معنى سيناء معنى مبـارك.

وقوله:{ تَنْبُتُ بـالدُّهْنِ } اختلفت القرّاء فـي قراءة قوله:{ تَنْبُتُ} فقرأته عامة قرّاء الأمصار: {تَنْبُتُ } بفتـح التاء، بـمعنى: تنبت هذه الشجرة بثمر الدهن، وقرأه بعض قرّاء البصرة: «تُنْبِتُ» بضم التاء، بـمعنى: تنبت الدهن: تـخرجه. وذكر أنها فـي قراءة عبد الله: «تُـخْرِجُ الدُّهْنَ» وقالوا: البـاء فـي هذا الـموضع زائدة، كما قـيـل: أخذت ثوبه وأخدته بثوبه وكما قال الراجز:

نَـحْنُ بَنُو جَعْدَةَ أرْبـابُ الفَلَـجْ نَضْرِبُ بـالْبِـيضِ وَنَرْجُو بـالفَرَجْ

بـمعنى: ونرجو الفرج. والقول عندي فـي ذلك أنهما لغتان: نبت، وأنبت ومن أنبت قول زهير:

رأيْتَ ذَوِي الـحاجاتِ حَوْلَ بُـيُوتهِمْ قَطِينا لَهُمْ حتـى إذَا أنْبَتَ البَقْلُ

ويروى: «نبت»، وهو كقوله: فأَسْرِ بأهْلِكَ و «فـاسْرِ». غير أن ذلك وإن كان كذلك، فإن القراءة التـي لا أختار غيرها فـي ذلك قراءة من قرأ: {تَنْبُتُ} بفتـح التاء، لإجماع الـحجة من القرّاء علـيها. ومعنى ذلك: تنبت هذه الشجرة بثمر الدهن. كما:

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء جميعاً، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد:{ تَنْبُتُ بـالدُّهْنِ} قال: بثمره.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مـجاهد، مثله.

والدهن الذي هو من ثمره الزيت، كما:

حدثنـي علـيّ، قال: ثنا عبد الله، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس، قوله:{ تَنْبُتُ بـالدُّهْنِ } يقول: هو الزيت يؤكل ويُدَّهن به.

وقوله:{ وَصِبْغٍ لْلآكِلِـينَ} يقول: تنبت بـالدهن وبصبغ للآكلـين، يُصْطَبَغ بـالزيت الذين يأكلونه. كما:

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد فـي قوله: وَصِبْغٍ لْلآكِلِـينَ قال: هذا الزيتون صبغ للآكلـين، يأتدمون به ويصطبغون به.

قال أبو جعفر: فـالصبغ عطف علـى الدهن.

وَإِنَّ لَكُمْ فِى ٱلْأَنْعَٰمِ لَعِبْرَةً نُّسْقِيكُم مِّمَّا فِى بُطُونِهَا وَلَكُمْ فِيهَا مَنَٰفِعُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ ۝٢١ وَعَلَيْهَا وَعَلَى ٱلْفُلْكِ تُحْمَلُونَ ۝٢٢

يقول تعالى ذكره:{ وَإنَّ لَكُمْ } أيها الناس{ فِـي الأَنْعامِ لَعْبرَةً } تعتبرون بها، فتعرفون بها أياديَ الله عندكم وقدرته علـى ما يشاء، وأنه الذي لا يـمتنع علـيه شيء أراده ولا يُعْجِزه شيء شاءه. {نُسْقـيكُمْ مِـمَّا فِـي بُطُونِها } من اللبن الـخارج من بـين الفرث والدم.{ وَلَكُمْ } مع ذلك{ فِـيها } يعنـي فـي الأنعام، {مَنافِعُ كَثِـيرَةٌ } وذلك كالإبل التـي يحمل علـيها ويُركب ظهرها ويُشرب دَرّها. {وَمِنْها تأْكُلونَ} يعنـي من لـحومها تأكوله. وقوله:{ وَعَلَـيْها وَعَلـى الفُلْكِ تُـحْمَلُونَ } يقول: وعلـى الأنعام وعلـى السفن تـحملون، علـى هذه فـي البرّ وعلـى هذه فـي البحر.

وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَىٰ قَوْمِهِۦ فَقَالَ يَٰقَوْمِ ٱعْبُدُوا۟ ٱللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرُهُۥٓ أَفَلَا تَتَّقُونَ ۝٢٣

يقول تعالى ذكره:{ وَلَقَدْ أرْسَلْنا نُوحا إلـى قَوْمِهِ} داعيهم إلـى طاعتنا وتوحيدنا والبراءة من كلّ معبود سوانا.{فَقالَ} لهم نوح:{ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللّهَ } يقول: قال لهم: ذلوا يا قوم لله بـالطاعة.{ ما لَكُمْ مِنْ إلَهٍ غَيْرُهُ } يقول: ما لكم من معبود يجوز لكم أن تعبدوه غيره.{ أفَلا تَتَّقُونَ} يقول: أفلا تـخشون بعبـادتكم غيره عقابه أن يحلّ بكم.

فَقَالَ ٱلْمَلَؤُا۟ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ مِن قَوْمِهِۦ مَا هَٰذَآ إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُرِيدُ أَن يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لَأَنزَلَ مَلَٰٓئِكَةً مَّا سَمِعْنَا بِهَٰذَا فِىٓ ءَابَآئِنَا ٱلْأَوَّلِينَ ۝٢٤

يقول تعالـى ذكره: فقالت جماعة أشراف قوم نوح، الذين جحدوا توحيد الله وكذّبوه، لقومهم: ما نوح أيها القوم إلاَّ بشر مثلكم، إنـما هو إنسان مثلكم وكبعضكم،{ يُرِيدُ أنْ يَتَفَضَّلَ عَلَـيْكُمْ } يقول: يريد أن يصير له الفضل علـيكم، فـيكون متبوعاً وأنتـم له تبع. {وَلَوْ شاءَ اللّهُ لأَنْزَلَ مَلائِكَةً } يقول: ولو شاء الله أن لا نعبد شيئاً سواه لأنزل ملائكة، يقول: لأرسل بـالدعاء إلـى ما يدعوكم إلـيه نوح ملائكة تؤدّي إلـيكم رسالته. وقوله:{ ما سَمِعْنا بِهَذَا} الذي يدعونا إلـيه نوح من أنه لا إله لنا غير الله فـي القرون الـماضية، وهي آبـاؤهم الأوّلون.

إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌۢ بِهِۦ جِنَّةٌ فَتَرَبَّصُوا۟ بِهِۦ حَتَّىٰ حِينٍ ۝٢٥ قَالَ رَبِّ ٱنصُرْنِى بِمَا كَذَّبُونِ ۝٢٦ فَأَوْحَيْنَآ إِلَيْهِ أَنِ ٱصْنَعِ ٱلْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا فَإِذَا جَآءَ أَمْرُنَا وَفَارَ ٱلتَّنُّورُ فَٱسْلُكْ فِيهَا مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ ٱثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَن سَبَقَ عَلَيْهِ ٱلْقَوْلُ مِنْهُمْ وَلَا تُخَٰطِبْنِى فِى ٱلَّذِينَ ظَلَمُوٓا۟ إِنَّهُم مُّغْرَقُونَ ۝٢٧

يعنـي ذكره مخبراً عن قـيـل الـملأ الذين كفروا من قوم نوح {إنْ هُوَ إلاَّ رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ}: ما نوح إلا رجل به جنون. وقد يقال أيضاً للـجنّ جنة، فـيتفق الاسم والـمصدر، و«هو» من قوله: إن هو كناية اسم نوح. وقوله:{ فَتَرَبَّصُوا بِهِ حتـى حِينٍ} يقول: فتلبثوا به، وتنظروا به حتـى حين يقول: إلـى وقت ما. ولـم يَعْنُوا بذلك وقتاً معلوماً، إنـما هو كقول القائل: دعه إلـى يوم مَّا، أو إلـى وقت مَّا.

وقوله: {قالَ رَبّ انْصُرْنِـي بِـمَا كَذَّبُونِ} يقول: قال نوح داعياً ربه مستنصراً به علـى قومه، لـما طال أمره وأمرهم وتـمادَوا فـي غيهم:{ رَبِّ انْصُرْنِـي عَلـى قَوْمِي بِـما كَذَّبُونِ} يعنـي بتكذيبهم إياي، فـيـما بلَّغتهم من رسالتك ودعوتهم إلـيه من توحيدك. وقوله:{ فأَوْحَيْنا إلَـيْهِ أنه اصْنَعِ الفُلْكَ بأَعْيُنِنا وَوَحْينا} يقول: فقلنا له حين استنصرَنا علـى كَفَرة قومه: اصنع الفُلْك، وهي السفـينة {بأَعْيُنِنا} يقول: بـمرأى ومنظر،{ ووَحْينَا } يقول: وبتعلـيـمنا إياك صنعتها. {فإذَا جاء أمْرُنا } يقول: فإذا جاء قضاؤنا فـي قومك، بعذابهم وهلاكهم {وَفـارَ التَّنُّورُ}، وقد ذكرنا فـيـما مضى اختلاف الـمختلفـين فـي صفة فور التنور، والصواب عندنا من القول فـيه بشواهده، بـما أغنى عن إعادته فـي هذا الـموضع. {فـاسْلُكْ فِـيها مِنْ كلَ زَوْجِيْنِ اثْنَـيْنِ} يقول: فأدخـل فـي الفلك واحمل. والهاء والألف فـي قوله: {فـيها} من ذكر الفلك.{ منْ كُلَ زَوْجِيْنِ اثْنَـينِ } يقال سلكته فـي كذا وأسلكته فـيه ومن سلكته قوم الشاعر:

وكُنْتُ لِزَازَ خَصْمِكَ لَـمْ أُعَرّدْ وَقَدْ سَلَكُوكَ فِـي يَوْمٍ عَصِيبِ

وبعضهم يقول: أسلكت بـالألف ومنه قولـي الهُذَلـيّ:

حتـى إذَا أسْلَكُوهُمْ فِـي قُتائِدَةٍ شَلاًّ كمَا تَطْرُدِ الـجَّمَّالَةُ الشُّرُدَا

وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس، قوله:{ فـاسْلُكْ فِـيها مِنْ كُلَ زَوْجَيْنِ اثْنَـيْنِ} يقول لنوح: اجعل فـي السفـينة من كل زوجين اثنـين.

{وأهْلَكَ} وهم ولده ونساؤهم:{ إلاَّ مَنْ سَبَقَ عَلَـيْهِ القَوْلُ } من الله بأنه هالك فـيـمن يهلك من قومك فلا تـحمله معك، وهو يام الذي غرق. ويعنـي بقوله: {مِنْهُمْ } مِن أهلك، والهاء والـميـم فـي قوله «منهم» من ذكر الأهل. وقوله:{ وَلا تـخاطِبْنِـي}... الآية، يقول: ولا تسألنـي فـي الذين كفروا بـالله أن أنـجيهم.{ إنَّهُمْ مُغْرَقُونَ} يقول: فإنـي قد حتـمت علـيهم أن أغرق جميعهم.

فَإِذَا ٱسْتَوَيْتَ أَنتَ وَمَن مَّعَكَ عَلَى ٱلْفُلْكِ فَقُلِ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِى نَجَّىٰنَا مِنَ ٱلْقَوْمِ ٱلظَّٰلِمِينَ ۝٢٨

يعنـي تعالـى ذكره بقوله{ فإذَا اسْتَوَيْتَ أنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلـى الفُلْكِ}: فإذا اعتدلت فـي السفـينة أنت ومعك مـمن حملته معك من أهلك، راكبـاً فـيها عالـياً فوقها{ فَقُلِ الـحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي نَـجَّانا مِنَ القَوْمِ الظَّالِـمِينَ } يعنـي من الـمشركين.

وَقُل رَّبِّ أَنزِلْنِى مُنزَلًا مُّبَارَكًا وَأَنتَ خَيْرُ ٱلْمُنزِلِينَ ۝٢٩ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَٰتٍ وَإِن كُنَّا لَمُبْتَلِينَ ۝٣٠

يقول تعالـى ذكره لنبـيه نوح علـيه السلام: وقل إذا سلـمك الله وأخرجك من الفلك فنزلت عنها:{ رَبّ أَنْزِلْنِـي مُنَزلاً} من الأرض {مُبـارَكا وأَنْتَ خَيرُ } من أنزل عبـاده الـمنازل.

وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء جميعاً، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، فـي قوله:{ مُنْزِلاً مُبـارَكاً} قال: لنوح حين نزل من السفـينة.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مـجاهد، مثله.

واختلفت القرّاء فـي قراءة ذلك، فقرأته عامة قرّاء الأمصار:{ رَبّ أنْزِلْنِـي مُنْزِلاً مُبـارَكاً } بضم الـميـم وفتـح الزاي، بـمعنى: أنزلنـي إنزالاً مبـاركاً. وقرأه عاصم: «مَنْزِلاً» بفتـح الـميـم وكسر الزاي، بـمعنى: أنزلنـي مكاناً مبـاركاً وموضعاً.

وقوله:{ إنَّ فِـي ذلكَ لآياتٍ } يقول تعالـى ذكره: إن فـيـما فعلنا بقوم نوح يا مـحمد من إهلاكناهم إذ كذبوا رسلنا وجحدوا وحدانـيتنا وعبدوا الآلهة والأصنام، لعبراً لقومك من مشركي قريش، وعظاتٍ وحُجَجاً لنا، يستدلون بها علـى سنتنا فـي أمثالهم، فـينزجروا عن كفرهم ويرتدعوا عن تكذيبك، حذراً أن يصيبهم مثل الذي أصابهم من العذاب. وقوله: {وَإنْ كُنَّا لَـمُبْتَلِـينَ } يقول تعالـى ذكره: وكنا مختبريهم بتذكيرنا إياهم بآياتنا، لننظر ما هم عاملون قبل نزول عقوبتنا بهم.

ثُمَّ أَنشَأْنَا مِنۢ بَعْدِهِمْ قَرْنًا ءَاخَرِينَ ۝٣١ فَأَرْسَلْنَا فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْهُمْ أَنِ ٱعْبُدُوا۟ ٱللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرُهُۥٓ أَفَلَا تَتَّقُونَ ۝٣٢

يقول تعالـى ذكره: ثم أحدثنا من بعد مَهْلِك قوم نوح قرناً آخرين فأوجدناهم. {فأَرْسَلْنا فِـيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ} داعياً لهم،{ إنِ اعْبُدُوا اللّهَ} يا قوم، وأطيعوه دون الآلهة والأصنام، فإن العبـادة لا تنبغي إلا له.{ ما لَكُمْ مِنْ إلَهٍ غَيْرُهُ} يقول: ما لكم من معبود يصلـح أن تعبدوا سواه. {أفَلا تَتَّقُونَ}: أفلا تـخافون عقاب الله بعبـادتكم شيئاً دونه، وهو الإله الذي لا إله لكم سواه.

وَقَالَ ٱلْمَلَأُ مِن قَوْمِهِ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ وَكَذَّبُوا۟ بِلِقَآءِ ٱلْـَٔاخِرَةِ وَأَتْرَفْنَٰهُمْ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا مَا هَٰذَآ إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ ۝٣٣

يقول تعالـى ذكره: وقالت الأشراف من قوم الرسول الذي أرسلنا بعد نوح. وعَنَى بـالرسول فـي هذا الـموضع: صالـحاً، وبقومه: ثمود.{الَّذِينَ كَفَرُوا وكَذَّبُوا بِلِقاءِ الآخِرَةِ } يقول: الذين جحدوا توحيد الله {وكَذَّبُوا بِلِقَاءِ الآخِرَةِ} يعنـي كذّبوا بلقاء الله فـي الآخرة. وقوله:{ وأَتْرَفْناهُمْ فِـي الـحَياةِ الدُّنـيْا } يقول: ونعَّمناهم فـي حياتهم الدنـيا بـما وسَّعنا علـيهم من الـمعاش وبسطنا لهم من الرزق، حتـى بَطِروا وعَتَوْا علـى ربهم وكفروا ومنه قول الراجز:

وَقَدْ أُرَانِـي بـالدّيارِ مُتْرَفـا

وقوله:{ ما هَذَا إلاَّ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ} يقول: قالوا: بعث الله صالـحاً إلـينا رسولاً من بـيننا، وخصه بـالرسالة دوننا، وهو إنسان مثلنا يأكل مـما نأكل منه من الطعام ويشرب مـما نشرب، وكيف لـم يرسل ملَكاً من عنده يبلغنا رسالته؟ قال:{ وَيَشَرِبُ مِـمَّا تَشْرَبُونَ} معناه: مـما تشربون منه، فحذف «من» الكلام «منه»، لأن معنى الكلام: ويشرب من شرابكم، وذلك أن العرب تقول: شربت من شرابك.

وَلَئِنْ أَطَعْتُم بَشَرًا مِّثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذًا لَّخَٰسِرُونَ ۝٣٤ أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنتُمْ تُرَابًا وَعِظَٰمًا أَنَّكُم مُّخْرَجُونَ ۝٣٥

يقول تعالـى ذكره مخبراً عن قـيـل الـملأ من قوم صالـح لقومهم:{ وَلَئِنْ أطَعْمتُـمْ بَشَرا مثْلَكُمْ} فـاتبعتـموه وقبلتـم ما يقول وصدّقتـموه.{ إنَّكُمْ } أيها القوم {إذاًلـخاسِرُونَ}: يقول: قالوا: إنكم إذن لـمغبونون حظوظكم من الشرف والرفعة فـي الدنـيا، بـاتبـاعكم إياه.

قوله:{ أيَعِدُكُمْ أنَّكُمْ إذَا مِتُّـمْ وكُنْتُـمْ تُرَابـاً وَعِظاماً}... الآية، يقول تعالـى ذكره: قالوا لهم: أيعدكم صالـح أنكم إذا متـم وكنتـم ترابـاً فـي قبوركم وعظاماً قد ذهبت لـحوم أجسادكم وبقـيت عظامها، أنكم مخرجون من قبوركم أحياء كما كنتـم قبل مـماتكم؟ وأعيدت «أنكم» مرّتـين، والـمعنى: أيعدكم أنكم إذا متـم وكنتـم ترابـاً وعظاماً مخرجون مرّة واحدة، لـما فرق بـين «أنكم» الأولـى وبـين خبرها ب«إذا»، وكذلك تفعل العرب بكل اسم أوقعت علـيه الظنّ وأخواته، ثم اعترضت بـالـجزاء دون خبره، فتكرّر اسمه مرّة وتـحذفه أخرى، فتقول: أظنّ أنك إن جالستنا أنك مـحسن، فإن حذفت «أنك» الأولـى الثانـية صلـح، وإن أثبتهما صلـح، وإن لـم تعترض بـينهما بشيء لـم يجز، خطأ أن يقال: أظنّ أنك أنك جالس. وذكر أن ذلك فـي قراءة عبد الله: «أيَعِدُكُمْ إذَا مِتُّـمْ وكُنْتُـمْ تُرَابـاً وَعِظاماً أنَّكُمْ مُخْرَجُونَ».

السبت، 24 أكتوبر 2026 13 جمادى الأولى 1448 هـ