انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة المؤمنون

تفسير القرطبيالآيات 1–41

تفسير سورة المؤمنون آية آية، من تفسير القرطبي.

بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ

قَدْ أَفْلَحَ ٱلْمُؤْمِنُونَ ۝١ ٱلَّذِينَ هُمْ فِى صَلَاتِهِمْ خَٰشِعُونَ ۝٢ وَٱلَّذِينَ هُمْ عَنِ ٱللَّغْوِ مُعْرِضُونَ ۝٣ وَٱلَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَوٰةِ فَٰعِلُونَ ۝٤ وَٱلَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَٰفِظُونَ ۝٥ إِلَّا عَلَىٰٓ أَزْوَٰجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَٰنُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ ۝٦ فَمَنِ ٱبْتَغَىٰ وَرَآءَ ذَٰلِكَ فَأُو۟لَٰٓئِكَ هُمُ ٱلْعَادُونَ ۝٧ وَٱلَّذِينَ هُمْ لِأَمَٰنَٰتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَٰعُونَ ۝٨ وَٱلَّذِينَ هُمْ عَلَىٰ صَلَوَٰتِهِمْ يُحَافِظُونَ ۝٩ أُو۟لَٰٓئِكَ هُمُ ٱلْوَٰرِثُونَ ۝١٠ ٱلَّذِينَ يَرِثُونَ ٱلْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَٰلِدُونَ ۝١١

فيه تسع مسائل:

الأولى: قوله تعالى: {قَدْ أَفْلَحَ ٱلْمُؤْمِنُونَ } روى البَيْهَقِيّ من حديث أنس عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه قال:

لما خلق الله جنة عَدْن وغرس أشجارها بيده قال لها تكلّمي فقالت قد أفلح المؤمنون. وروى النّسائِيّ عن عبد الله بن السائب قال: حضرتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الفتح فصلّى في قِبَل الكعبة، فخلع نعليه فوضعهما عن يساره فافتتح سورة المؤمنين، فلما جاء ذكر موسى أو عيسى عليهما السلام أخذته سَعْلة فركع. خرجه مسلم بمعناه. وفي الترمذي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: كان النبيّ صلى الله عليه وسلم إذا أنزل عليه الوحي سُمع عند وجهه كدَوِيّ النحل؛ وأنزل عليه يوما فمكثنا عنده ساعةً فسُرِّيَ عنه فاستقبل القبلة فرفع يديه وقال: «اللَّهُمَّ زِدْنا ولا تنقصنا وارضنا وارض عنّا ـ ثم قال ـ أنزل عليّ عشر آيات من أقامهن دخل الجنة ـ ثم قرأ ـ قد أفلح المؤمنون»حتى ختم عشر آيات؛ صحّحه ابن العربي. وقال النحاس: معنى «من أقامهن» من أقام عليهن ولم يخالف ما فيهن؛ كما تقول: فلان يقوم بعمله. ثم نزل بعد هذه الآيات فرض الوضوء والحج فدخل معهن. وقرأ طلحة بن مُصَرِّف «قد أُفْلح المؤمنون» بضم الألف على الفعل المجهول؛ أي أُبْقُوا في الثواب والخير. وقد مضى في أوّل «البقرة» معنى الفلاح لغةً ومعنى، والحمد لله وحده.

الثانية: قوله تعالى: {خَاشِعُونَ } روى المُعْتَمِر عن خالد عن محمد بن سِيرين قال: كان النبيّ صلى الله عليه وسلم ينظر إلى السماء في الصلاة؛ فأنزل الله عز وجل هذه الآية {ٱلَّذِينَ هُمْ فِي صَلاَتِهِمْ خَاشِعُونَ }. فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ينظر حيث يسجد. وفي رواية هُشيم: كان المسلمون يلتفتون في الصلاة وينظرون حتى أنزل الله تعالى {قَدْ أَفْلَحَ ٱلْمُؤْمِنُونَ * ٱلَّذِينَ هُمْ فِي صَلاَتِهِمْ خَاشِعُونَ }؛ فأقبلوا على صلاتهم وجعلوا ينظرون أمامهم. وقد تقدم ما للعلماء في حكم المصلّي إلى حيث ينظر في «البقرة» عند قوله:

{ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ }[البقرة: 144]. وتقدم أيضاً معنى الخشوع لغة ومعنى في البقرة أيضاً عند قوله تعالى: { وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى ٱلْخَاشِعِينَ }[البقرة: 45]. والخشوع محله القلب؛ فإذا خشع خشعت الجوارح كلّها لخشوعه؛ إذ هو مَلِكُها، حسبما بيّناه أوّل البقرة. وكان الرجل من العلماء إذا أقام الصلاة وقام إليها يهاب الرحمنَ أن يمدّ بصره إلى شيء وأن يحدّث نفسه بشيء من الدنيا. وقال عطاء: هو ألاّ يعبث بشيء من جسده في الصلاة. وأبصر النبيّ صلى الله عليه وسلم رجلاً يعبث بلحيته في الصلاة فقال: «لو خشع قلب هذا لخشعت جوارحه». وقال أبو ذَرٍّ قال النبيّ صلى الله عليه وسلم:إذا قام أحدكم إلى الصلاة فإن الرحمة تواجهه فلا يحركن الحصى. رواه الترمذي. وقال الشاعر:

ألاَ في الصلاة الخيرُ والفضل أجمعُلأن بها الآراب لله تخضعُ وأوّل فرضٍ من شريعة دينناوآخِر ما يبقى إذا الدِّين يُرفع فمن قام للتكبير لاقته رحمةوكان كعبدٍ بابَ مولاه يَقْرَعُ وصار لربّ العرش حين صلاتِهنَجِيًّا فيَا طُوباه لو كان يخشع

وروى أبو عمران الجَوْنِيّ قال: قيل لعائشة مَا كان خُلُق رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قالت: أتقرؤون سورة المؤمنين؟ قيل: نعم. قالت: اقرؤوا؛ فقرىء عليها «قد أفلح المؤمنون ـ حتى بلغ ـ يحافظون». وروى النَّسائيّ عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يلحظ في صلاته يميناً وشمالاً، ولا يلوي عنقه خلف ظهره. وقال كعب بن مالك في حديثه الطويل: ثم أصلي قريباً منه ـ يعني من النبيّ صلى الله عليه وسلم ـ وأسارقه النظر، فإذا أقبلتُ على صلاتي نظر إليّ وإذا التفتّ نحوه أعرض عني... الحديث؛ ولم يأمره بإعادة.

الثالثة: اختلف الناس في الخشوع، هل هو من فرائض الصلاة أو من فضائلها ومكملاتها على قولين. والصحيح الأوّل، ومحله القلب، وهو أوّل علم يرفع من الناس؛ قاله عُبادة بن الصامت، رواه الترمذي من حديث جُبير بن نُفير عن أبي الدّرداء، وقال: هذا حديث حسن غريب. وقد خرجه النّسائي من حديث جبير بن نفير أيضاً عن عوف بن مالك الأشجعِيّ من طريق صحيحة. قال أبو عيسى: ومعاوية بن صالح ثقة عند أهل الحديث، ولا نعلم أحداً تكلم فيه غير يحيـى بن سعيد القَطّان.

قلت: معاوية بن صالح أبو عمرو ويقال أبو عمر الحضرمي الحمصي قاضي الأندلس، سئل عنه أبو حاتم الرازي فقال: صالح الحديث، يُكتب حديثه ولا يحتج به. واختلف فيه قول يحيـى بن معين، ووثّقه عبد الرحمن بن مهدي وأحمد بن حنبل وأبو زُرْعة الرازي، واحتج به مسلم في صحيحه. وتقدم في «البقرة» معنى اللغو والزكاة فلا معنى للإِعادة. وقال الضحاك: إن اللغو هنا الشرك. وقال الحسن: إنه المعاصي كلها. فهذا قول جامع يدخل فيه قول من قال: هو الشرك؛ وقولُ من قال هو الغناء؛ كما روى مالك بن أنس عن محمد بن المُنْكَدِر، على ما يأتي في «لُقْمان» بيانه. ومعنى «فاعلون» أي مؤدّون؛ وهي فصيحة، وقد جاءت في كلام العرب. قال أُمَيّة بن أبي الصَّلْت:

المطعمون الطعام في السنة الأزْمة والفاعلون للزّكَواتِ

الرابعة: قوله تعالى: {وَٱلَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ } قال ابن العربي: «من غريب القرآن أن هذه الآيات العشر عامّةٌ في الرجال والنساء، كسائر ألفاظ القرآن التي هي محتملة لهم فإنها عامّة فيهم، إلا قوله: {وَٱلَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ } فإنما خاطب بها الرجال خاصة دون الزوجات؛ بدليل قوله: {إِلاَّ عَلَىٰ أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ}. وإنما عُرف حفظ المرأة فرجها من أدلة أخر كآيات الإحصان عموماً وخصوصاً وغير ذلك من الأدلّة».

قلت: وعلى هذا التأويل في الآية فلا يحلّ لامرأة أن يطأها مَن تملكه إجماعاً من العلماء؛ لأنها غير داخلة في الآية، ولكنها لو أعتقته بعد مِلْكها له جاز أن يتزوّجها كما يجوز لغيره عند الجمهور. وروي عن عبيد الله بن عبد الله بن عُتبة والشَّعْبِيّ والنَّخَعِيّ أنها لو أعتقته حين ملكته كانا على نكاحهما. قال أبو عمر: ولا يقول هذا أحد من فقهاء الأمصار؛ لأن تملّكها عندهم يبطل النكاح بينهما، وليس ذلك بطلاق وإنما هو فسخ للنكاح؛ وأنها لو أعتقته بعد ملكها له لم يراجعها إلا بنكاح جديد ولو كانت في عدّة منه.

الخامسة: قال محمد بن عبد الحكم: سمعت حَرْملة بن عبد العزيز قال: سألت مالكاً عن الرجل يَجْلِد عُمَيرة، فتلا هذه الآية {وَٱلَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ ـ إلى قوله ـ ٱلْعَادُونَ }. وهذا لأنهم يَكْنُون عن الذَّكَر بعُمَيْرة؛ وفيه يقول الشاعر:

إذا حَلَلتَ بوادٍ لا أنيس بهفاجلد عُمَيرة لا داءٌ ولا حَرَجُ

ويسميه أهل العراق الاستمناء، وهو استفعال من المَنِيّ. وأحمد بن حنبل على ورعه يجوّزه، ويحتج بأنه إخراج فضلة من البدن فجاز عند الحاجة؛ أصله الفَصْد والحجامة. وعامة العلماء على تحريمه. وقال بعض العلماء: إنه كالفاعل بنفسه، وهي معصية أحدثها الشيطان وأجراها بين الناس حتى صارت قِيلة، ويا ليتها لم تُقَل؛ ولو قام الدليل على جوازها لكان ذو المروءة يَعْرِض عنها لدناءتها. فإن قيل: إنها خير من نكاح الأَمَة؛ قلنا: نكاح الأمة ولو كانت كافرة على مذهب بعض العلماء خير من هذا، وإن كان قد قال به قائل أيضاً، ولكن الاستمناء ضعيف في الدليل عارٌ بالرجل الدنيء فيكف بالرجل الكبير.

السادسة: قوله تعالى: {إِلاَّ عَلَىٰ أَزْوَاجِهِمْ} قال الفَرّاء: أي من أزواجهم اللاتي أحل الله لهم لا يجاوزون. {أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ} في موضع خفض معطوفة على «أزواجهم» و«ما» مصدرية. وهذا يقتضي تحريم الزنى وما قلناه من الاستمناء ونكاح المُتْعة؛ لأن المتمتَّع بها لا تجري مجرى الزوجات، لا ترث ولا تورث، ولا يلحق به ولدها، ولا يخرج من نكاحها بطلاق يستأنف لها، وإنما يخرج بانقضاء المدّة التي عُقدت عليها وصارت كالمستأجرَة. ابن العربي: إن قلنا إن نكاح المتعة جائز فهي زوجة إلى أجل ينطلق عليها اسم الزوجية. وإن قلنا بالحق الذي أجمعت عليه الأمة من تحريم نكاح المتعة لما كانت زوجة فلم تدخل في الآية.

قلت: وفائدة هذا الخلاف هل يجب الحدّ ولا يلحق الولد كالزنى الصريح أو يدفع الحدّ للشبهة ويلحق الولد؛ قولان لأصحابنا. وقد كان للمتعة في التحليل والتحريم أحوال؛ فمن ذلك أنها كانت مباحة ثم حرمها رسول الله صلى الله عليه وسلم زَمَنَ خَيْبَر، ثم حللّها في غَزاة الفتح، ثم حرمها بعدُ؛ قاله ابن خُويْزمَنْدَاد من أصحابنا وغيرُه، وإليه أشار ابن العربي. وقد مضى في «النساء» القول فيها مستوفًى.

السابعة: قوله تعالى: {فَمَنِ ٱبْتَغَىٰ وَرَآءَ ذٰلِكَ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْعَادُونَ } فسمّى من نكح ما لا يحل عادِيا، وأوجب عليه الحدّ لعدوانه، واللائط عادٍ قرآنا ولغة، بدليل قوله تعالى: {بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ} وكما تقدم في «الأعراف»؛ فوجب أن يقام الحدّ عليهم، وهذا ظاهر لا غبار عليه.

قلت: فيه نظر، ما لم يكن جاهلاً أو متأوّلاً، وإن كان الإجماع منعقداً على أن قوله تعالى: {وَٱلَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلاَّ عَلَىٰ أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ } خصّ به الرجال دون النساء؛ فقد روى مَعْمَر عن قتادة قال: تسرّرَت امرأة غلامها؛ فذُكر ذلك لعمر فسألها: ما حملك على ذلك؟ قالت: كنت أراه يحلّ لي بمِلْك يميني كما يحل للرجل المرأة بملك اليمين؛ فاستشار عمر في رَجْمها أصحابَ رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: تأوّلتْ كتاب الله عزّ وجلّ على غير تأويله، لا رجم عليها. فقال عمر: لا جَرَم! والله لا أُحِلّك لحرّ بعده أبداً. عاقبها بذلك ودرأ الحدّ عنها، وأمر العبد ألاّ يقربها. وعن أبي بكر بن عبد الله أنه سمع أباه يقول: أنا حضرت عمر بن عبد العزيز جاءته امرأة بغلام لها وَضِيء فقالت: إني استسررته فمنعني بنو عمي عن ذلك؛ وإنما أنا بمنزلة الرجل تكون له الوليدة فيطؤها؛ فانْهَ عني بني عمي؛ فقال عمر: أتزوّجتِ قبله؟ قالت: نعم؛ قال: أما والله لولا منزلتك من الجهالة لرجمتك بالحجارة، ولكن اذهبوا به فبيعوه إلى من يخرج به إلى غير بلدها. و«وَرَاءَ» بمعنى سِوى، وهو مفعول بـ«ـابتغَى» أي من طلب سوى الأزواج والولائد المملوكة له. وقال الزجاج: أي فمن ابتغى ما بعد ذلك؛ فمفعول الابتغاء محذوف، و«وَرَاءَ» ظرف. و«ذَلِكَ» يشار به إلى كل مذكور مؤنثاً كان أو مذكراً. {فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْعَادُونَ} أي المجاوزون الحدّ؛ من عدا أي جاوز الحدّ وجازه.

الثامنة: قوله تعالى: {وَٱلَّذِينَ هُمْ لأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ * وَٱلَّذِينَ هُمْ عَلَىٰ صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ } قرأ الجمهور «لأماناتهم» بالجمع. وابن كَثير بالإفراد. والأمانة والعهد يجمع كلّ ما يحمله الإنسان من أمر دينه ودنياه قولاً وفعلاً. وهذا يعم معاشرة الناس والمواعيدَ وغيرَ ذلك؛ وغاية ذلك حفظه والقيام به. والأمانة أعم من العهد، وكل عهد فهو أمانة فيما تقدم فيه قول أو فعل أو معتقد.

التاسعة: قرأ الجمهور «صَلَوَاتِهمْ» وحمزة والكسائي «صلاتهم» بالإفراد؛ وهذا الإفراد اسم جنس فهو في معنى الجمع. والمحافظة على الصلاة إقامتُها والمبادرةُ إليها أوائلَ أوقاتها، وإتمام ركوعها وسجودها. وقد تقدم في «البقرة» مستوفًى. ثم قال: {أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْوَارِثُونَ } أي من عمِل بما ذكر في هذه الآيات فهم الوارثون؛ أي يرثون منازل أهل النار من الجنة. وفي الخبر عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبيّ صلى الله عليه وسلم

إن الله تعالى جعل لكل إنسان مسكناً في الجنة ومسكناً في النار فأما المؤمنون فيأخذون منازلهم ويرثون منازل الكفار ويجعل الكفار في منازلهم في النار. خرجه ابن ماجه بمعناه. عن أبي هريرة أيضاً قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:ما منكم من أحد إلا وله منزلان منزل في الجنة ومنزل في النار فإذا مات فدخل النار ورِث أهل الجنة منزله فذلك قوله تعالى: {أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْوَارِثُونَ }. إسناده صحيح. ويحتمل أن يسمي الحصول على الجنة وراثة من حيث حصولها دون غيرهم، فهو اسم مستعار على الوجهين: والفردوس رَبْوَة الجنة وأوسطها وأفضلها. خرّجه الترمذيّ من حديث الرُّبَيِّع بنت النضر أم حارثة، وقال: حديث حسن صحيح. وفي حديث مسلم:فإذا سألتم الله فسلوه الفردوس فإنه أوسط الجنة وأعلى الجنة ومنه تُفْجَر أنهار الجنة. قال أبو حاتم محمد بن حِبّان: قوله صلى الله عليه وسلم: «فإنه أوسط الجنة» يريد أن الفردوس في وسط الجِنان في العرض وهو أعلى الجنة؛ يريد في الارتفاع. وهذا كله يصحح قول أبي هريرة: إن الفردوس جبل الجنة التي تتفجر منه أنهار الجنة. واللفظة فيما قال مجاهد: رُومِية عُرّبت. وقيل: هي فارسية عربت. وقيل حبشية؛ وإن ثبت ذلك فهو وِفاق بين اللغات. وقال الضحاك: هو عربيّ وهو الكَرْم؛ والعرب تقول للكروم فراديس. {هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} فأنّث على معنى الجنة.

وَلَقَدْ خَلَقْنَا ٱلْإِنسَٰنَ مِن سُلَٰلَةٍ مِّن طِينٍ ۝١٢ ثُمَّ جَعَلْنَٰهُ نُطْفَةً فِى قَرَارٍ مَّكِينٍ ۝١٣ ثُمَّ خَلَقْنَا ٱلنُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا ٱلْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا ٱلْمُضْغَةَ عِظَٰمًا فَكَسَوْنَا ٱلْعِظَٰمَ لَحْمًا ثُمَّ أَنشَأْنَٰهُ خَلْقًا ءَاخَرَ فَتَبَارَكَ ٱللَّهُ أَحْسَنُ ٱلْخَٰلِقِينَ ۝١٤

فيه خمس مسائل:

الأولى: قوله تعالى: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنْسَانَ} الإنسان هنا آدم عليه الصلاة والسلام؛ قاله قتادة وغيره، لأنه استُلّ من الطين. ويجيء الضمير في قوله: «ثم جعلناه» عائداً على ابن آدم، وإن كان لم يُذكر لشهرة الأمر؛ فإن المعنى لا يصلح إلا له. نظير ذلك

{ حَتَّىٰ تَوَارَتْ بِٱلْحِجَابِ }[صۤ: 32]. وقيل: المراد بالسلالة ابن آدم؛ قاله ابن عباس وغيره. والسلالة على هذا صفوة الماء، يعني المنيّ. والسلالة فُعالة من السَّل وهو استخراج الشيء من الشيء؛ يقال: سللت الشعر من العجين، والسيف من الغِمد فانسل؛ ومنه قوله:

فُسلِّـي ثيـابـي مـن ثيـابـك تَـنْـسُـلِ

فالنطفة سُلالة، والولد سَليل وسُلاَلة؛ عنى به الماء يُسَلّ من الظهر سَلاًّ. قال الشاعر:

فجاءت به عَضْبَ الأدِيم غَضنْفَراًسلالةَ فَرْج كان غيرَ حصِين

وقال آخر:

وما هِنْدُ إلاّ مُهْرَةٌ عربِيّةسليلةُ أفراسٍ تجلّلها بَغْل

وقوله: «من طين» أي أن الأصل آدم وهو من طين.

قلت: أي من طين خالص؛ فأما ولده فهو من طين ومنِيّ، حسبما بيناه في أول سورة الأنعام. وقال الكَلْبِيّ: السلالة الطين إذا عصرته انسل من بين أصابعك؛ فالذي يخرج هو السُّلالة.

الثانية: قوله تعالى: {نُطْفَةً} قد مضى القول في النُّطْفة والعَلَقة والمُضْغة وما في ذلك من الأحكام في أول الحج، والحمد لله على ذلك.

الثالثة: قوله تعالى: {ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ} اختلف الناس في الخلق الآخر؛ فقال ابن عباس والشَّعْبِيّ وأبو العالية والضحاك وابن زيد: هو نفخ الروح فيه بعد أن كان جماداً. وعن ابن عباس: خروجه إلى الدنيا. وقال قتادة عن فرقة: نبات شعره. الضحاك: خروج الأسنان ونباتُ الشعر. مجاهد: كمال شبابه؛ وروي عن ابن عمر. والصحيح أنه عام في هذا وفي غيره من النطق والإدراك وحسن المحاولة وتحصيل المعقولات إلى أن يموت.

الرابعة: قوله تعالى: {فَتَبَارَكَ ٱللَّهُ أَحْسَنُ ٱلْخَالِقِينَ} يروى أن عمر بن الخطاب لما سمع صدر الآية إلى قوله: {خَلْقاً آخَرَ} قال فتبارك الله أحسن الخالقين؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «هكذا أنزلت». وفي مسند الطَّيَالِسِيّ: ونزلت {وَلَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنْسَانَ مِن سُلاَلَةٍ مِّن طِينٍ } الآية؛ فلما نزلت قلت أنا: تبارك الله أحسن الخالقين؛ فنزلت {فَتَبَارَكَ ٱللَّهُ أَحْسَنُ ٱلْخَالِقِينَ}. ويروى أن قائل ذلك معاذ بن جَبَل. وروي أن قائل ذلك عبد الله بن أبي سَرْح، وبهذا السبب ارتد وقال؛ آتي بمثل ما يأتي محمد؛ وفيه نزل

{ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً أَوْ قَالَ أُوْحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَن قَالَ سَأُنزِلُ مِثْلَ مَآ أَنَزلَ ٱللَّهُ }[الأنعام: 93] على ما تقدم بيانه في «الأنعام». وقوله تعالى «تبارك» تفاعل من البركة. {أَحْسَنُ ٱلْخَالِقِينَ} أتقن الصانعين. يقال لمن صنع شيئاً خَلَقه؛ ومنه قول الشاعر:

ولأنت تَفْرِي ما خلقتَ وبعــضُ القوم يَخْلُقُ ثم لا يَفْرِي

وذهب بعض الناس إلى نفي هذه اللفظة عن الناس وإنما يضاف الخلق إلى الله تعالى. وقال ابن جُريج: إنما قال: «أحسن الخالقين» لأنه تعالى قد أذن لعيسى عليه السلام أن يخلق؛ واضطرب بعضهم في ذلك. ولا تُنْفَى اللفظة عن البشر في معنى الصنع؛ وإنما هي منفية بمعنى الاختراع والإيجاد من العدم.

الخامسة: من هذه الآية قال ابن عباس لعمر حين سأل مشيخة الصحابة عن ليلة القدر فقالوا: الله أعلم؛ فقال عمر: ما تقول يا ابن عباس؟ فقال: يا أمير المؤمنين إن الله تعالى خلق السموات سبعاً والأَرضِين سبعاً، وخلق ابن آدم من سبع وجعل رزقه في سبع، فأراها في ليلة سبع وعشرين. فقال عمر رضي الله عنه: أعجزكم أن تأتوا بمثل ما أتى هذا الغلام الذي لم تجتمع شؤون رأسه. وهذا الحديث بطوله في مسند ابن أبي شيبة. فأراد ابن عباس «خلق ابن آدم من سبع» بهذه الآية، وبقوله: «وجعل رزقه في سبع» قوله:

{ فَأَنبَتْنَا فِيهَا حَبّاً * وَعِنَباً وَقَضْباً * وَزَيْتُوناً وَنَخْلاً * وَحَدَآئِقَ غُلْباً * وَفَاكِهَةً وَأَبّاً }[عبس: 27 ـ 31] الآية. السبع منها لابن آدم، والأَبُّ للأنعام. والقَضْبُ يأكله ابن آدم ويَسْمَن منه النساء؛ هذا قول. وقيل: القَضْب البقول لأنها تُقْضَبُ؛ فهي رزق ابنِ آدم. وقيل: القَضْب والأبّ للأنعام، والستُّ الباقية لابن آدم، والسابعةُ هي الأنعام؛ إذ هي من أعظم رزق ابن آدم.

ثُمَّ إِنَّكُم بَعْدَ ذَٰلِكَ لَمَيِّتُونَ ۝١٥ ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَٰمَةِ تُبْعَثُونَ ۝١٦

قوله تعالى: {ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذٰلِكَ لَمَيِّتُونَ } أي بعد الخلق والحياة. النحاس: ويقال في هذا المعنى لمائتون. ثم أخبر بالبعث بعد الموت فقال: {ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ }.

وَلَقَدْ خَلَقْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرَآئِقَ وَمَا كُنَّا عَنِ ٱلْخَلْقِ غَٰفِلِينَ ۝١٧

قوله تعالى: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرَآئِقَ} قال أبو عبيدة: أي سبع سموات. وحكي عنه أنه يقال: طارقتُ الشيء، أي جعَلت بعضه فوق بعض؛ فقيل للسموات طرائق لأن بعضها فوق بعض. والعرب تسمّي كلّ شيء فوق شيء طَرِيقة. وقيل: لأنها طرائق الملائكة. {وَمَا كُنَّا عَنِ ٱلْخَلْقِ غَافِلِينَ} قال بعض العلماء: أي عن خلق السماء. وقال أكثر المفسرين: أي عن الخلق كلهم من أن تسقط عليهم فتهلكهم.

قلت: ويحتمل أن يكون المعنى {وما كنا عنِ الخلقِ غافِلِين} أي في القيام بمصالحهم وحفظهم؛ وهو معنى الحيّ القيوم؛ على ما تقدم.

وَأَنزَلْنَا مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءًۢ بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّٰهُ فِى ٱلْأَرْضِ وَإِنَّا عَلَىٰ ذَهَابٍۭ بِهِۦ لَقَٰدِرُونَ ۝١٨

فيه أربع مسائل:

الأولى: هذه الآية من نعم الله تعالى على خلقه ومما امتنّ به عليهم؛ ومن أعظم المنن الماءُ الذي هو حياة الأبدان ونماء الحيوان. والماءُ المنزل من السماء على قسمين: هذا الذي ذكر الله سبحانه وتعالى وأخبر بأنه استودعه في الأرض، وجعله فيها مختزناً لسقْي الناس يجدونه عند الحاجة إليه؛ وهو ماء الأنهار والعيون وما يستخرج من الآبار وروي عن ابن عباس وغيره أنه إنما أراد الأنهار الأربعة: سَيْحان وجَيْحان ونيل مصر والفُرات. وقال مجاهد: ليس في الأرض ماء إلا وهو من السماء. وهذا ليس على إطلاقه، وإلا فالأُجَاج ثابت في الأرض، فيمكن أن يقيّد قوله بالماء العذب، ولا محالة أن الله تعالى قد جعل في الأرض ماء وأنزل من السماء ماء. وقد قيل: إن قوله: {وَأَنزَلْنَا مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً} إشارةٌ إلى الماء العذب، وأن أصله من البحر، رفعه الله تعالى بلطفه وحسن تقديره من البحر إلى السماء، حتى طاب بذلك الرفع والتصعيد؛ ثم أنزله إلى الأرض ليُنتفع به، ولو كان الأمر إلى ماء البحر لما انتفع به من ملوحته.

الثانية: قوله تعالى: {بِقَدَرٍ} أي على مقدار مصلح، لأنه لو كثر أهلك؛ ومنه قوله تعالى:

{ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ عِندَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ }[الحجر: 21]. {وَإِنَّا عَلَىٰ ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ} يعني الماء المختزن. وهذا تهديد ووعيد؛ أي في قدرتنا إذهابه وتغويره، ويهلك الناس بالعطش وتهلك مواشيهم؛ وهذا كقوله تعالى: { قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَآؤُكُمْ غَوْراً ـ أي غائراً ـ فَمَن يَأْتِيكُمْ بِمَآءٍ مَّعِينٍ }[الملك: 30].

الثالثة: ذكر النحاس: قرىء على أبي يعقوب إسحاق بن إبراهيم بن يونس عن جامع بن سوادة قال: حدّثنا سعيد بن سابق قال حدّثنا مسلمة بن عليّ عن مقاتل بن حيان عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال:

أنزل الله عز وجل من الجنة إلى الأرض خمسة أنهار سَيْحون وهو نهر الهند وجَيْحون وهو نهر بَلْخ ودِجلْة والفُرات وهما نهرا العراق والنيل وهو نهر مصر أنزلها الله تعالى من عين واحدة من عيون الجنة في أسفل درجة من درجاتها على جناحي جبريل عليه السلام فاستودعها الجبال وأجراها في الأرض وجعل فيها منافع للناس في أصناف معايشهم وذلك قوله جل ثناؤه: {وَأَنزَلْنَا مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي ٱلأَرْضِ} فإذا كان عند خروج يأجوج ومأجوج أرسل الله عز وجل جبريل فرفع من الأرض القرآن والعلم وجميع الأنهار الخمسة فيرفع ذلك إلى السماء فذلك قوله تعالى: {وَإِنَّا عَلَىٰ ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ} فإذا رفعت هذه الأشياء من الأرض فقد أهلها خير الدين والدنيا.»

الرابعة: كل ما نزل من السماء مختزناً كان أو غير مختزن فهو طاهر مطهر يغتسل به ويتوضأ منه؛ على ما يأتي في «الفرقان» بيانه.

فَأَنشَأْنَا لَكُم بِهِۦ جَنَّٰتٍ مِّن نَّخِيلٍ وَأَعْنَٰبٍ لَّكُمْ فِيهَا فَوَٰكِهُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ ۝١٩

فيه مسألتان:

الأولى: قوله تعالى: {فَأَنشَأْنَا} أي جعلنا ذلك سبب النبات، وأوجدناه به وخلقناه. وذكر تعالى النخيل والأعناب لأنها ثمرة الحجاز بالطائف والمدينة وغيرهما؛ قاله الطبري. ولأنها أيضاً أشرف الثمار؛ فذكرها تشريفاً لها وتنبيهاً عليها. {لَّكُمْ فِيهَا} أي في الجنات. {فَوَاكِهُ} من غير الرطب والعنب. ويحتمل أن يعود على النخيل والأعناب خاصّة إذ فيها مراتب وأنواع؛ والأوّل أعم لسائر الثمرات.

الثانية: من حلف ألا يأكل فاكهة؛ ففي الرواية عندنا يحنث بالباقِلاَء الخضراء وما أشبهها. وقال أبو حنيفة: لا يحنث بأكل القِثّاء والخيار والجزر؛ لأنها من البقول لا من الفاكهة. وكذلك الجوز واللوز والفستق؛ لأن هذه الأشياء لا تُعدّ من الفاكهة. وإن أكل تفاحاً أو خوخاً أو مشمشاً أو تِيناً أو إجّاصاً يحنث. وكذلك البِطّيخ؛ لأن هذه الأشياء كلها تؤكل على جهة التفكّه قبل الطعام وبعده؛ فكانت فاكهة. وكذلك يابس هذه الأشياء إلا البطيخ اليابس لأن ذلك لا يؤكل إلا في بعض البلدان. ولا يحنث بأكل البطيخ الهندي لأنه لا يعدّ من الفواكه. وإن أكل عنباً أو رمّاناً أو رطباً لا يحنث. وخالفه صاحباه فقالا يحنث؛ لأن هذه الأشياء من أعز الفواكه، وتؤكل على وجه التنعم. والإفراد لها بالذكر في كتاب الله عز وجل لكمال معانيها؛ كتخصيص جبريل وميكائيل من الملائكة. واحتج أبو حنيفة بأن قال: عطف هذه الأشياء على الفاكهة مرة فقال:

{ فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ }[الرحمن: 68] ومرة عطف الفاكهة على هذه الأشياء فقال: { وَفَاكِهَةً وَأَبّاً }[عبس: 31] والمعطوف غير المعطوف عليه، ولا يليق بالحكمة ذكر الشيء الواحد بلفظين مختلفين في موضع المنّة. والعنب والرمان يُكتفى بهما في بعض البلدان فلا يكون فاكهة؛ ولأن ما كان فاكهة لا فرق بين رطبه ويابسه، ويابسُ هذه الأشياء لا يعد فاكهة فكذلك رطبها.

وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِن طُورِ سَيْنَآءَ تَنۢبُتُ بِٱلدُّهْنِ وَصِبْغٍ لِّلْـَٔاكِلِينَ ۝٢٠

فيه ست مسائل:

الأولى: قوله تعالى: {وَشَجَرَةً} شجرة عطف على جنات. وأجاز الفراء الرفع لأنه لم يظهر الفعل، بمعنى وثَمّ شجرة؛ ويريد بها شجرة الزيتون. وأفردها بالذكر لعظيم منافعها في أرض الشام والحجاز وغيرهما من البلاد، وقلّة تعاهدها بالسّقي والحفر وغير ذلك من المراعاة في سائر الأشجار. {تَخْرُجُ} في موضع الصفة. {مِن طُورِ سَيْنَآءَ} أي أنبتها الله في الأصل من هذا الجبل الذي بارك الله فيه. وطورُسَيْناء من أرض الشأم وهو الجبل الذي كلم الله عليه موسى عليه السلام؛ قاله ابن عباس وغيره، وقد تقدّم في البقرة والأعراف. والطور الجبل في كلام العرب. وقيل: هو مما عُرّب من كلام العجم. وقال ابن زيد: هو جبل بيت المقدس ممدود من مصر إلى أيْلة. واختُلف في سَيْناء؛ فقال قتادة: معناه الحسَن؛ ويلزم على هذا التأويل أن يُنَوَّن الطور على النعت. وقال مجاهد: معناه مبارك. وقال معمر عن فرقة: معناه شجر؛ ويلزمهم أن ينوّنوا الطور. وقال الجمهور: هو اسم الجبل؛ كما تقول جبل أُحُد. وعن مجاهد أيضاً: سَيْناء حجر بعينه أضيف الجبل إليه لوجوده عنده. وقال مقاتل؛ كل جبل يحمل الثمار فهو سيناء؛ أي حسن. وقرأ الكوفيون بفتح السين على وزن فَعْلاء، وفعلاء في كلام العرب كثير؛ يمنع من الصرف في المعرفة والنكرة؛ لأن في آخرها ألف التأنيث، وألفُ التأنيث ملازمة لما هي فيه، وليس في الكلام فِعلاء، ولكن من قرأ سِيناء بكسر السين جعله فِعلالا؛ فالهمزة فيه كهمزة حِرباء، ولم يصرف في هذه الآية لأنه جعل اسم بقعة. وزعم الأخفش أنه اسم أعجميّ.

الثانية: قوله تعالى: {تَنبُتُ بِٱلدُّهْنِ} قرأ الجمهور «تَنبت» بفتح التاء وضم الباء، والتقدير: تنبت ومعها الدهن؛ كما تقول: خرج زيد بسلاحه. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو بضم التاء وكسر الباء. واختلف في التقدير على هذه القراءة؛ فقال أبو عليّ الفارسي: التقدير تنبت جناها ومعه الدهن؛ فالمفعول محذوف. وقيل: الباء زائدة؛ مثلُ

{ وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى ٱلتَّهْلُكَةِ }[البقرة: 195] وهذا مذهب أبي عبيدة. وقال الشاعر:

نـضـرب بـالسـيـف ونـرجـو بالـفَـرَج

وقال آخر:

هنّ الحرائر لا رَبّاتُ أَخْمرةسود المحاجر لا يقرأن بالسُّوَرِ

ونحو هذا قاله أبو عليّ أيضاً؛ وقد تقدّم. وقيل: نبت وأنبت بمعنًى؛ فيكون المعنى كما مضى في قراءة الجمهور، وهو مذهب الفراء وأبي إسحاق، ومنه قول زُهير:

... حـتـى إذا أنـبـت الـبَـقْـلُ

والأصمعي ينكر أنبت، ويتّهم قصيدة زهير التي فيها:

رأيتُ ذوي الحاجاتِ حَوْلَ بيوتِهمقَطِيناً بها حتى إذا أنبت البقل

أي نبت. وقرأ الزُّهْري والحسن والأعرج «تُنْبَت بالدهن» برفع التاء ونصب الباء. قال ابن جِنّي والزجاج: هي باء الحال؛ أي تُنْبَت ومعها دهنها. وفي قراءة ابن مسعود: «تخرج بالدهن» وهي باء الحال. ابنُ دَرَسْتَوَيْه: الدهن الماء اللين؛ تبنت من الإنبات. وقرأ زِرّ بن حُبَيش «تُنْبِت ـ بضم التاء وكسر الباء ـ الدهنَ» بحذف الباء ونصبه. وقرأ سليمان بن عبد الملك والأشهب «بالدهان». والمراد من الآية تعديد نعمة الزيت على الإنسان، وهي من أركان النعم التي لا غنًى بالصحة عنها. ويدخل في معنى الزيتون شجر الزيت كلّه على اختلافه بحسب الأقطار.

الثالثة: قوله تعالى: {وَصِبْغٍ لِّلآكِلِيِنَ} قراءة الجمهور. وقرأت فرقة «وأصباغ» بالجمع. وقرأ عامر بن عبد قيس «ومتاعاً»؛ ويراد به الزيت الذي يصطبغ به الأكل؛ يقال: صِبغ وصباغ؛ مثلُ دِبْغ ودِباغ، ولبِس ولباس. وكل إدام يؤتدم به فهو صِبْغ؛ حكاه الهَروِيّ وغيره. وأصل الصِّبغ ما يلوّن به الثوب، وشبّه الإدام به لأن الخبز يلوّن بالصّبغ إذا غُمس فيه. وقال مقاتل: الأُدْم الزيتون، والدهن الزيت. وقد جعل الله تعالى في هذه الشجرة أُدْماً ودُهْناً؛ فالصِّبغ على هذا الزيتونُ.

الرابعة: لا خلاف أن كل ما يصطبغ فيه من المائعات كالزيت والسمن والعسل والرُّبّ والخلّ وغير ذلك من الأمراق أنه إدام. وقد نصّ رسول الله صلى الله عليه وسلم على الخل فقال:

نعم الإدام الخلرواه تسعة من الصحابة، سبعة رجال وامرأتان. وممن رواه في الصحيح جابر وعائشة وخارجة وعمر وابنه عبيد الله وابن عباس وأبو هريرة وسَمُرة بن جُنْدب وأنس وأم هانىء.

الخامسة: واختلف فيما كان جامداً كاللحم والتمر والزيتون وغير ذلك من الجوامد؛ فالجمهور أن ذلك كله إدام؛ فمن حلف ألا يأكل إداماً فأكل لحماً أو جبنا حنِث. وقال أبو حنيفة: لا يحنث؛ وخالفه صاحباه. وقد روي عن أبي يوسف مثل قول أبي حنيفة. والبقل ليس بإدام في قولهم جميعاً. وعن الشافعي في التمر وجهان؛ والمشهور أنه ليس بإدام لقوله في التنبيه. وقيل يحنث؛ والصحيح أن هذا كله إدام. وقد روى أبو داود

عن يوسف بن عبد الله بن سلاَم قال: رأيت النبيّ صلى الله عليه وسلم أخذ كسرة من خبز شعير فوضع عليها تمرة فقال: «هذه إدام هذه». وقال صلى الله عليه وسلم:سيّد إدام الدنيا والآخرة اللحم. ذكره أبو عمر. وترجم البخاري (باب الإدام) وساق حديث عائشة؛ ولأن الإدام مأخوذ من المؤادمة وهي الموافقة، وهذه الأشياء توافق الخبز فكان إداماً. وفي الحديث عنه عليه السلام:ائتدموا ولو بالماء. ولأبي حنيفة أن حقيقة الإدام الموافقة في الاجتماع على وجه لا يقبل الفصل؛ كالخل والزيت ونحوهما، وأمّا اللحم والبيض وغيرهما لا يوافق الخبز بل يجاوره كالبطيخ والتمر والعنب. والحاصل: أن كل ما يحتاج في الأكل إلى موافقة الخبز كان إداماً، وكل ما لا يحتاج ويؤكل على حدة لا يكون إداماً، والله أعلم.

السادسة: روى الترمذي من حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

كُلُوا الزيت وادهنوا به فإنه من شجرة مباركة. هذا حديث لا يعرف إلا من حديث عبد الرزاق، وكان يضطرب فيه، فربما يذكر فيه عن عمر عن النبيّ صلى الله عليه وسلم، وربما رواه على الشك فقال: أحسِبه عن عمر عن النبيّ صلى الله عليه وسلم، وربما قال: عن زيد بن أسلم عن أبيه عن النبيّ صلى الله عليه وسلم. وقال مقاتل: خُصّ الطّور بالزيتون لأن أوّل الزيتون نبت منها. وقيل: إن الزيتون أوّل شجرة نبتت في الدنيا بعد الطوفان. والله أعلم.

وَإِنَّ لَكُمْ فِى ٱلْأَنْعَٰمِ لَعِبْرَةً نُّسْقِيكُم مِّمَّا فِى بُطُونِهَا وَلَكُمْ فِيهَا مَنَٰفِعُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ ۝٢١ وَعَلَيْهَا وَعَلَى ٱلْفُلْكِ تُحْمَلُونَ ۝٢٢ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَىٰ قَوْمِهِۦ فَقَالَ يَٰقَوْمِ ٱعْبُدُوا۟ ٱللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرُهُۥٓ أَفَلَا تَتَّقُونَ ۝٢٣ فَقَالَ ٱلْمَلَؤُا۟ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ مِن قَوْمِهِۦ مَا هَٰذَآ إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُرِيدُ أَن يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لَأَنزَلَ مَلَٰٓئِكَةً مَّا سَمِعْنَا بِهَٰذَا فِىٓ ءَابَآئِنَا ٱلْأَوَّلِينَ ۝٢٤ إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌۢ بِهِۦ جِنَّةٌ فَتَرَبَّصُوا۟ بِهِۦ حَتَّىٰ حِينٍ ۝٢٥ قَالَ رَبِّ ٱنصُرْنِى بِمَا كَذَّبُونِ ۝٢٦ فَأَوْحَيْنَآ إِلَيْهِ أَنِ ٱصْنَعِ ٱلْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا فَإِذَا جَآءَ أَمْرُنَا وَفَارَ ٱلتَّنُّورُ فَٱسْلُكْ فِيهَا مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ ٱثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَن سَبَقَ عَلَيْهِ ٱلْقَوْلُ مِنْهُمْ وَلَا تُخَٰطِبْنِى فِى ٱلَّذِينَ ظَلَمُوٓا۟ إِنَّهُم مُّغْرَقُونَ ۝٢٧

قوله تعالى: {وَإِنَّ لَكُمْ فِي ٱلأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُّسْقِيكُمْ مِّمَّا فِي بُطُونِهَا وَلَكُمْ فيِهَا مَنَافِعُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ * وَعَلَيْهَا وَعَلَى ٱلْفُلْكِ تُحْمَلُونَ } تقدّم القول فيهما في «النحل» والحمد لله. وفي هود قصة السفينة ونوح، وركوب البحر في غير موضع.

قوله تعالى: {وَعَلَيْهَا} أي وعلى الأنعام في البر. {وَعَلَى ٱلْفُلْكِ} في البحر. {تُحْمَلُونَ } وإنما يحمل في البر على الإبل فيجوز أن ترجع الكناية إلى بعض الأنعام. وروي أن رجلاً ركب بقرة في الزمان الأوّل فأنطقها الله تعالى معه فقالت: إنا لم نخلق لهذاٰ وإنما خلقت للحرث.

قوله تعالى: {مَا لَكُمْ مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُ} قرىء بالخفض ردًّا على اللفظ، وبالرفع رداً على المعنى. وقد مضى في «الأعراف».

قوله تعالى: {مَا هَـٰذَا إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُرِيدُ أَن يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ} أي يسودكم ويشرُف عليكم بأن يكون متبوعاً ونحن له تبع. {وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لأَنزَلَ مَلاَئِكَةً} أي لو شاء الله ألاّ يعبد شيء سواه لجعل رسوله مَلَكاً. {مَّا سَمِعْنَا بِهَـٰذَا} أي بمثل دعوته. وقيل: ما سمعنا بمثله بشراً؛ أتى برسالة ربه. {فِيۤ آبَآئِنَا ٱلأَوَّلِينَ } أي في الأمم الماضية؛ قاله ابن عباس. والباء في «بهذا» زائدة؛ أي ما سمعنا هذا كائناً في آبائنا الأوّلين، ثم عطف بعضهم على بعض فقالوا: {إِنْ هُوَ} يعنون نوحاً {إِلاَّ رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ} أي جنون لا يدري ما يقول. {فَتَرَبَّصُواْ بِهِ حَتَّىٰ حِينٍ} أي انتظروا موته. وقيل: حتى يستبين جنونه. وقال الفراء: ليس يراد بالحين هاهنا وقت بعينه، إنما هو كقوله: دعه إلى يومٍ مّا. فقال حين تمادوْا على كفرهم: {رَبِّ ٱنصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ} أي انتقم ممن لم يطعني ولم يسمع رسالتي. {فَأَوْحَيْنَآ إِلَيْهِ} أي أرسلنا إليه رسلاً من السماء {أَنِ ٱصْنَعِ ٱلْفُلْكَ} على ما تقدّم بيانه.

قوله تعالى: {فَٱسْلُكْ فِيهَا} أي أدخل فيها واجعل فيها؛ يقال: سلكته في كذا وأسلكته فيه إذا أدخلته. قال عبد مناف بن رِبْع الهُذَلِيّ:

حتى إذا أسلكوهم في قُتائدةٍشَلاًّ كما تَطْرد الجَمَّالةُ الشُّرُدا

{مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ ٱثْنَيْنِ} قرأ حفص «مِن كلٍّ» بالتنوين، الباقون بالإضافة؛ وقد ذكر. وقال الحسن: لم يحمل نوح في السفينة إلا ما يلد ويبيض، فأما البق والذباب والدود فلم يحمل شيئاً منها، وإنما خرج من الطين. وقد مضى القول في السفينة والكلام فيها مستوفًى، والحمد لله.

فَإِذَا ٱسْتَوَيْتَ أَنتَ وَمَن مَّعَكَ عَلَى ٱلْفُلْكِ فَقُلِ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِى نَجَّىٰنَا مِنَ ٱلْقَوْمِ ٱلظَّٰلِمِينَ ۝٢٨

قوله تعالى: {فَإِذَا ٱسْتَوَيْتَ} أي علوْت. {أَنتَ وَمَن مَّعَكَ عَلَى ٱلْفُلْكِ} راكبين. {فَقُلِ ٱلْحَمْدُ للَّهِ} أي احمدوا الله على تخليصه إياكم. {مِنَ ٱلْقَوْمِ ٱلظَّالِمِينَ} ومن الغرق. والحمد لله: كلمة كل شاكر لله. وقد مضى في الفاتحة بيانه.

وَقُل رَّبِّ أَنزِلْنِى مُنزَلًا مُّبَارَكًا وَأَنتَ خَيْرُ ٱلْمُنزِلِينَ ۝٢٩

قوله تعالى: {وَقُل رَّبِّ أَنزِلْنِي مُنزَلاً مُّبَارَكاً} قراءة العامة «مُنْزَلا» بضم الميم وفتح الزاي، على المصدر الذي هو الإنزال؛ أي أنزلني إنزالاً مباركاً. وقرأ زِرّ بن حُبيش وأبو بكر عن عاصم والمفضل «مَنزِلا» بفتح الميم وكسر الزاي على الموضع؛ أي أنزلني موضعاً مباركاً. الجوهري: المَنْزَل (بفتح الميم والزاي) النزول وهو الحلول؛ تقول: نزلت نزولاً ومَنْزَلاً. وقال:

أأنْ ذكّرتك الدارُ مَنْزَلهَا جُمْلُبكيتَ فدمعُ العين مُنْحَدرٌ سَجْلٌ

نصب «المَنْزَل» لأنه مصدر. وأنزله غيره واستنزله بمعنى. ونزله تنزيلاً؛ والتنزيل أيضاً الترتيب. قال ابن عباس ومجاهد: هذا حين خرج من السفينة؛ مثل قوله تعالى: { ٱهْبِطْ بِسَلاَمٍ مِّنَّا وَبَركَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَىٰ أُمَمٍ مِّمَّن مَّعَكَ }[هود: 48]. وقيل: حين دخلها؛ فعلى هذا يكون قوله «مباركاً» يعني بالسلامة والنجاة.

قلت: وبالجملة فالآية تعليم من الله عز وجل لعباده إذا ركبوا وإذا نزلوا أن يقولوا هذا؛ بل وإذا دخلوا بيوتهم وسلّموا قالوا. وروي عن عليّ رضي الله عنه أنه كان إذا دخل المسجد قال: اللهم أنزلني منزلاً مباركاً وأنت خير المنزلين.

إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَٰتٍ وَإِن كُنَّا لَمُبْتَلِينَ ۝٣٠

قوله تعالى: {إِنَّ فِي ذٰلِكَ لآيَاتٍ} أي في أمر نوح والسفينة وإهلاك الكافرين. {لآيَاتٍ} أي دلالات على كمال قدرة الله تعالى، وأنه ينصر أنبياءه ويهلك أعداءهم. {وَإِن كُنَّا لَمُبْتَلِينَ} أي ما كنا إلا مبتلين الأمم قبلكم؛ أي مختبرين لهم بإرسال الرسل إليهم ليظهر المطيع والعاصي فيتبيّن للملائكة حالهم؛ لا أن يستجد الرب علماً. وقيل: أي نعاملهم معاملة المختبرين. وقد تقدم هذا المعنى في «البقرة» وغيرها. وقيل: «وإن كُنا» أي وقد كنا.

ثُمَّ أَنشَأْنَا مِنۢ بَعْدِهِمْ قَرْنًا ءَاخَرِينَ ۝٣١ فَأَرْسَلْنَا فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْهُمْ أَنِ ٱعْبُدُوا۟ ٱللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرُهُۥٓ أَفَلَا تَتَّقُونَ ۝٣٢

قوله تعالى: {ثُمَّ أَنشَأْنَا مِن بَعْدِهِمْ} أي من بعد هلاك قوم نوح. {قَرْناً آخَرِينَ} قيل: هم قوم عاد. {فَأَرْسَلْنَا فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْهُمْ} يعني هوداً؛ لأنه ما كانت أمة أنشئت في إثر قوم نوح إلا عاد. وقيل: هم قوم ثمود «فأرسلنا فيهم رسولاً» يعني صالحاً. قالوا: والدليل عليه قوله تعالى آخر الآية «فأخذتهم الصيحة»؛ نظيرها:

{ وَأَخَذَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ ٱلصَّيْحَةُ }[هود: 67].

قلت: وممن أخذ بالصيحة أيضاً أصحاب مدين قومُ شعيب، فلا يبعد أن يكونوا هم، والله أعلم. {مِّنْهُمْ} أي من عشيرتهم، يعرفون مولده ومنشأه ليكون سكونهم إلى قوله أكثر.

وَقَالَ ٱلْمَلَأُ مِن قَوْمِهِ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ وَكَذَّبُوا۟ بِلِقَآءِ ٱلْـَٔاخِرَةِ وَأَتْرَفْنَٰهُمْ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا مَا هَٰذَآ إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ ۝٣٣ وَلَئِنْ أَطَعْتُم بَشَرًا مِّثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذًا لَّخَٰسِرُونَ ۝٣٤ أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنتُمْ تُرَابًا وَعِظَٰمًا أَنَّكُم مُّخْرَجُونَ ۝٣٥

قوله تعالى: {وَقَالَ ٱلْمَلأُ} أي الأشراف والقادة والرؤساء. {مِن قَوْمِهِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِلِقَآءِ ٱلآخِرَةِ} يريد بالبعث والحساب. {وَأَتْرَفْنَاهُمْ فِي ٱلْحَيـاةِ ٱلدُّنْيَا} أي وسّعْنَا عليهم نعم الدنيا حتى بَطِروا وصاروا يؤتوْن بالتُّرْفة، وهي مثل التُّحْفة. {مَا هَـٰذَا إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ} فلا فضل له عليكم لأنه محتاج إلى الطعام والشراب كأنتم. وزعم الفرّاء أن معنى «ويشرب مما تشربون» على حذف مِن، أي مما تشربون منه؛ وهذا لا يجوز عند البصريين ولا يحتاج إلى حذف ألْبَتَّة؛ لأن «ما» إذا كان مصدراً لم يحتج إلى عائد، فإن جعلتها بمعنى الذي حذفت المفعول ولم يحتج إلى إضمار من. {وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَراً مِّثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذاً لَّخَاسِرُونَ} يريد لمغبونون بترككم آلهتكم واتّباعكم إياه من غير فضيلة له عليكم. {أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتٌّمْ وَكُنتُمْ تُرَاباً وَعِظاماً أَنَّكُمْ مُّخْرَجُونَ} أي مبعوثون من قبوركم. و«أنّ» الأولى في موضع نصب بوقوع «يعدِكم» عليها، والثانية بدل منها؛ هذا مذهب سيبويه. والمعنى: أيعدكم أنكم مخرجون إذا متم. قال الفرّاء: وفي قراءة عبد الله «أيعدكم إذا متم وكنتم تراباً وعظاماً أنكم مخرجون»؛ وهو كقولك: أظن إن خرجت أنك نادم. وذهب الفرّاء والجَرْمِيّ وأبو العباس المبرد إلى أن الثانية مكررة للتوكيد، لما طال الكلام كان تكريرها حسناً. وقال الأخفش: المعنى أيعدكم أنكم إذا متم وكنتم تراباً وعظاماً يحدث إخراجكم؛ فـ«ـأنّ» الثانية في موضع رفع بفعل مضمر؛ كما تقول: اليوم القتال، فالمعنى اليوم يحدث القتال. وقال أبو إسحاق: ويجوز «أيعدكم إنكم إذا مِتم وكنتم تراباً وعظاماً إنكم مخرجون»؛ لأن معنى «أيعدكم» أيقول إنكم.

هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ ۝٣٦

قال ابن عباس: هي كلمة للبعد؛ كأنهم قالوا بعيد ما توعدون؛ أي أن هذا لا يكون ما يذكر من البعث. وقال أبو عليّ: هي بمنزلة الفعل؛ أي بَعُد ما توعدون. وقال ابن الأنباري: وفي «هيهات» عشر لغات: هيهاتَ لك (بفتح التاء) وهي قراءة الجماعة. وهيهاتِ لك (بخفض التاء)؛ ويروى عن أبي جعفر بن القَعْقَاع. وهيهاتٍ لك (بالخفض والتنوين) يروى عن عيسى بن عمر. وهيهاتُ لك (برفع التاء)؛ الثعلبي: وبها قرأ نصر بن عاصم وأبو العالية. وهيهاتٌ لك (بالرفع والتنوين) وبها قرأ أبو حَيْوَة الشامي؛ ذكره الثعلبي أيضاً وهيهاتاً لك (بالنصب والتنوين) قال الأحوص:

تذكَّرت أياماً مضَيْن من الصِّباوهيهات هيهاتاً إليك رجوعها

واللغة السابعة: أيهات أيهات؛ وأنشد الفرّاء:

فأيهاتَ أيهاتَ العقِيقُ ومن بهوأيهات خِلٌّ بالعقيق نواصله

قال المهدوِيّ: وقرأ عيسى الهَمْداني «هيهاتْ هيهاتْ» بالإسكان. قال ابن الأنباري: ومن العرب من يقول «أيهان» بالنون، ومنهم من يقول «أيها» بلا نون. وأنشد الفرّاء:

ومن دُونِيَ الأعيان والقِنْع كلهوكُتْمانُ أيْهَا ما أشتّ وأَبْعَدَا

فهذه عشر لغات. فمن قال «هيهاتَ» بفتح التاء جعله مثل أين وكيف. وقيل: لأنهما أداتان مركّبتان مثل خمسة عشر وبَعْلَبَكّ ورام هُرْمُز، وتقف على الثاني بالهاء؛ كما تقول: خمس عشرة وسبع عشرة. وقال الفرّاء: نصبُها كنصب ثُمّتَ ورُبَّت، ويجوز أن يكون الفتح إتباعاً للألف والفتحة التي قبلها. ومن كسره جعله مثل أمسِ وهؤلاءِ. قال:

وهيـهـاتِ هيـهـات إلـيـكَ رجـوعـهـا

قال الكسائي: ومن كسر التاء وقف عليها بالهاء؛ فيقول هيهاه. ومن نصبها وقف بالتاء وإن شاء بالهاء. ومن ضمها فعلى مثل منذُ وقطُّ وحيثُ. ومن قرأ «هيهات» بالتنوين فهو جمعٌ ذهب به إلى التنكير؛ كأنه قال بُعْداً بُعْداً. وقيل: خُفِض ونوّن تشبيهاً بالأصوات بقولهم: غاقٍ وطاقٍ. وقال الأخفش: يجوز في «هيهات» أن تكون جماعة فتكون التاء التي فيها تاء الجميع التي للتأنيث. ومن قرأ «هيهاتٍ» جاز أن يكون أخلصها اسماً معرباً فيه معنى البعد، ولم يجعله اسماً للفعل فيبنِيَه. وقيل: شبه التاء بتاء الجمع، كقوله تعالى: «فإذا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ». قال الفرّاء: وكأني أستحب الوقف على التاء؛ لأن من العرب من يخفص التاء على كل حال؛ فكأنها مثل عرفات وملكوت وما أشبه ذلك. وكان مجاهد وعيسى بن عمر وأبو عمرو بن العلاء والكسائي وابن كثير يقفون عليها «هيهاه» بالهاء. وقد روي عن أبي عمرو أيضاً أنه كان يقف على «هيهات» بالتاء، وعليه بقية القرّاء لأنها حرف. قال ابن الأنباري. من جعلهما حرفاً واحداً لا يفرد أحدهما من الآخر، وقف على الثاني بالهاء ولم يقف على الأوّل؛ فيقول: هيهات هيهاه، كما يقول خمس عشرة، على ما تقدم. ومن نوى إفراد أحدهما من الآخر وقف فيهما جميعاً بالهاء والتاء؛ لأن أصل الهاء تاء.

إِنْ هِىَ إِلَّا حَيَاتُنَا ٱلدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ ۝٣٧

قوله تعالى: {إِنْ هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا ٱلدُّنْيَا} «هي» كناية عن الدنيا؛ أي ما الحياة إلا ما نحن فيه لا الحياة الآخرة التي تعدنا بعد البعث. {نَمُوتُ وَنَحْيَا} يقال: كيف قالوا نموت ونحيا وهم لا يقرّون بالبعث؟ ففي هذا أجوبة؛ منها أن يكون المعنى: نكون مواتا، أي نُطَفا ثم نحيا في الدنيا. وقيل: فيه تقديم وتأخير؛ أي إن هي إلا حياتنا الدنيا نحيا فيها ونموت؛ كما قال:

{ وَٱسْجُدِي وَٱرْكَعِي }[آل عمران: 43]. وقيل: «نموت» يعني الآباء، «ونحيا» يعني الأولاد. {وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ} أي بعد الموت.

إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًا وَمَا نَحْنُ لَهُۥ بِمُؤْمِنِينَ ۝٣٨ قَالَ رَبِّ ٱنصُرْنِى بِمَا كَذَّبُونِ ۝٣٩ قَالَ عَمَّا قَلِيلٍ لَّيُصْبِحُنَّ نَٰدِمِينَ ۝٤٠ فَأَخَذَتْهُمُ ٱلصَّيْحَةُ بِٱلْحَقِّ فَجَعَلْنَٰهُمْ غُثَآءً فَبُعْدًا لِّلْقَوْمِ ٱلظَّٰلِمِينَ ۝٤١

قوله تعالى: {إِنْ هُوَ إِلاَّ رَجُلٌ} يعنون الرسول. إلا رجل {ٱفتَرَىٰ} أي اختلق. {عَلَىٰ ٱللَّهِ كَذِباً وَمَا نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ قَالَ رَبِّ ٱنْصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ } تقدم. {قَالَ عَمَّا قَلِيلٍ} أي عن قليل، و«ما» زائدة مؤكدة. {لَّيُصْبِحُنَّ نَادِمِينَ} على كفرهم، واللام لام القسم؛ أي والله ليصبحن. {فَأَخَذَتْهُمُ ٱلصَّيْحَةُ} في التفاسير: صاح بهم جبريل عليه السلام صيحة واحدة مع الريح التي أهلكهم الله تعالى بها فماتوا عن آخرهم. {فَجَعَلْنَاهُمْ غُثَآءً} أي هَلْكَى هامدين كغُثَاء السيل، وهو ما يحمله من بالي الشجر من الحشيش والقصب مما يبِس وتفتّت. {فَبُعْداً لِّلْقَوْمِ ٱلظَّالِمِينَ} أي هلاكاً لهم. وقيل بُعْداً لهم من رحمة الله؛ وهو منصوب على المصدر. ومثله سَقْياً له ورَعْياً.

الأربعاء، 28 أكتوبر 2026 17 جمادى الأولى 1448 هـ