انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة القلم

تفسير القرطبيالآيات 33–52

تفسير سورة القلم آية آية، من تفسير القرطبي.

كَذَٰلِكَ ٱلْعَذَابُ وَلَعَذَابُ ٱلْـَٔاخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا۟ يَعْلَمُونَ ۝٣٣

قوله تعالى: {كَذَلِكَ ٱلْعَذَابُ} أي عذاب الدنيا وهلاك الأموال؛ عن ٱبن زيد. وقيل: إن هذا وَعْظٌ لأهل مكة بالرجوع إلى الله لما ابتلاهم بالجَدْب لدعاء النبيّ صلى الله عليه وسلم، أي كفِعْلنا بهم نفعل بمن تعدّى حدودنا في الدنيا {وَلَعَذَابُ ٱلاَْخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ} وقال ٱبن عباس: هذا مَثَلٌ لأهل مكة حين خرجوا إلى بَدْرٍ وحلفوا ليقتلن محمداً صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وليرجعنّ إلى مكة حتى يطوفوا بالبيت ويشربوا الخمر، وتضرب القَيْنات على رؤوسهم؛ فأخلف الله ظنهم وأُسِرُوا وقُتلوا وٱنهزموا كأهل هذه الجنة لما خرجوا عازمين على الصِرَّام فخابوا. ثم قيل: إن الحق الذي منعه أهل الجنة المساكين يحتمل أنه كان واجباً عليهم، ويحتمل أنه كان تطوعاً؛ والأول أظهر، والله أعلم. وقيل: السورة مَكّية؛ فَبُعَد حمل الآية على ما أصاب أهل مكة من القَحْط، وعلى قتال بَدْر.

إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّٰتِ ٱلنَّعِيمِ ۝٣٤ أَفَنَجْعَلُ ٱلْمُسْلِمِينَ كَٱلْمُجْرِمِينَ ۝٣٥ مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ ۝٣٦ أَمْ لَكُمْ كِتَٰبٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ ۝٣٧ إِنَّ لَكُمْ فِيهِ لَمَا تَخَيَّرُونَ ۝٣٨ أَمْ لَكُمْ أَيْمَٰنٌ عَلَيْنَا بَٰلِغَةٌ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَٰمَةِ إِنَّ لَكُمْ لَمَا تَحْكُمُونَ ۝٣٩

قوله تعالى: {إِنَّ لِّلْمُتَّقِينَ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتِ ٱلنَّعِيمِ} تقدم القول فيه؛ أي إن للمتقين في الآخرة جنات ليس فيها إلا التنعم الخالص، لا يشوبه ما ينغّصه كما يشوب جنات الدنيا. وكان صناديد قريش يرون وفور حظّهم من الدنيا وقلّة حظوظ المسلمين منها؛ فإذا سمعوا بحديث الآخرة وما وعد الله المؤمنين قالوا: إن صَحَّ أنا نبعث كما يزعم محمد ومن معه لم يكن حالنا وحالهم إلا مثل ما هي في الدنيا، وإلا لم يزيدوا علينا ولم يفضلونا، وأقصى أمرهم أن يساوونا. فقال: {أَفَنَجْعَلُ ٱلْمُسْلِمِينَ كَٱلْمُجْرِمِينَ} أي كالكفار. وقال ٱبن عباس وغيره: قالت كفار مكة: إنا نُعطَى في الآخرة خيراً مما تُعْطَوْن؛ فنزلت {أَفَنَجْعَلُ ٱلْمُسْلِمِينَ كَٱلْمُجْرِمِينَ} ثم وبخهم فقال: {مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ} هذا الحكم الأعوج؛ كأن أمر الجزاء مفوّض إليكم حتى تحكموا فيه بما شئتم أن لكم من الخير ما للمسلمين. {أَمْ لَكُمْ كِتَابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ} أي ألكم كتاب تجدون فيه المطيع كالعاصي. {إِنَّ لَكُمْ فِيهِ لَمَا تَخَيَّرُونَ} تختارون وتشتهون. والمعنى: أَنّ لكم (بالفتح) ولكنه كسر لدخول اللام؛ تقول علمت أنك عاقل (بالفتح)، وعلمت إنك لعاقل (بالكسر). فالعامل في {إِنَّ لَكُمْ فِيهِ لَمَا تَخَيَّرُونَ} {تَدْرُسُونَ } في المعنى. ومنعت اللام من فتح «إن». وقيل: تم الكلام عند قوله: {تَدْرُسُونَ } ثم ابتدأ فقال: {إِنَّ لَكُمْ فِيهِ لَمَا تَخَيَّرُونَ} أي إن لكم في هذا الكتاب إذاً ما تخيرون؛ أي ليس لكم ذلك. والكناية في «فيه» الأولى والثانية راجعة إلى الكتاب. ثم زاد في التوبيخ فقال: {أَمْ لَكُمْ أَيْمَانٌ} أي عهود ومواثيق. {عَلَيْنَا بَالِغَةٌ} مؤكدة. والبالغة المؤكّدة بالله تعالى. أي أم لكم عهود على الله تعالى استوثقتم بها في أن يدخلكم الجنة. {إِنَّ لَكُمْ لَمَا تَحْكُمُونَ} كُسرت «إن» لدخول اللام في الخبر. وهي من صلة «أيمان»، والموضع النصب ولكن كسرت لأجل اللام؛ تقول: حلفت إن لك لكذا. وقيل: تم الكلام عند قوله: {إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ} ثم قال: {إِنَّ لَكُمْ لَمَا تَحْكُمُونَ} إذاً؛ أي ليس الأمر كذلك. وقرأ ٱبن هُرْمُز «أَيْنَ لَكُمْ فِيهِ لَمَا تخّيرون» «أين لكم لَمَا تحكمون»؛ بالاستفهام فيهما جميعاً. وقرأ الحسن البصري «بالغةً» بالنصب على الحال؛ إما من الضمير في «لكم» لأنه خبر عن «أيمان» ففيه ضمير منه. وإما من الضمير في «عَلَيْنَا» إن قدّرت «علينا» وصفاً للأيمان لا متعلقاً بنفس الأيمان؛ لأن فيه ضميراً منه، كما يكون إذا كان خبراً عنه. ويجوز أن يكون حالاً من «أيمان» وإن كانت نكرة، كما أجازوا نصب «حَقًّا» على الحال من «متاع» في قوله تعالى:

{ مَتَاعٌ بِٱلْمَعْرُوفِ حَقّاً عَلَى ٱلْمُتَّقِينَ }.[البقرة:241] وقرأ العامة «بالغةٌ» بالرفع نعت لـ «ـأيمان».

سَلْهُمْ أَيُّهُم بِذَٰلِكَ زَعِيمٌ ۝٤٠ أَمْ لَهُمْ شُرَكَآءُ فَلْيَأْتُوا۟ بِشُرَكَآئِهِمْ إِن كَانُوا۟ صَٰدِقِينَ ۝٤١

قوله تعالى: {سَلْهُمْ أَيُّهُم بِذَلِكَ زَعِيمٌ} أي سل يا محمد هؤلاء المتقوّلين عليَّ: أيُّهم كفيل بما تقدم ذكره. (وهو أن لهم من الخير) ما للمسلمين. والزعيم: الكفِيل والضّمين؛ قاله ٱبن عباس وقتادة. وقال ابن كيسان: الزعيم هنا القائم بالحجة والدعوى. وقال الحسن: الزعيم الرسول. {أَمْ لَهُمْ شُرَكَآءُ} أي ألهم والميم صلة. «شُرَكَاء» أي شهداء. {فَلْيَأتُواْ بِشُرَكَآئِهِمْ} يشهدون على ما زعموا. {إِن كَانُواْ صَادِقِينَ} في دعواهم. وقيل: أي فليأتوا بشركائهم إن أمكنهم؛ فهو أمر معناه التعجيز.

يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى ٱلسُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ ۝٤٢ خَٰشِعَةً أَبْصَٰرُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ وَقَدْ كَانُوا۟ يُدْعَوْنَ إِلَى ٱلسُّجُودِ وَهُمْ سَٰلِمُونَ ۝٤٣

قوله تعالى: {يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ} يجوز أن يكون العامل في «يَوْمَ» «فَلْيَأْتُوا» أي فليأتوا بشركائهم يوم يكشف عن ساق ليشفع الشركاء لهم. ويجوز أن ينتصب بإضمار فعل، أي ٱذكر يوم يكشف عن ساق؛ فيوقف على «صَادِقِينَ» ولا يوقف عليه على التقدير الأول. وقرىء «يوم نكشف» بالنون. «وقرأ» ابن عباس «يوم تكشف عن ساق» بتاء مسمَّى الفاعل؛ أي تكشف الشدة أو القيامة عن ساقها؛ كقولهم: شَمّرت الحرب عن ساقها. قال الشاعر:

فتى الحرب إن عضّت به الحربُ عَضَّهاوإن شَمّرت عن ساقها الْحَرْبُ شَمّرا

وقال الراجز:

قد كشفت عن ساقها فشُدُّواوجَدّت الحربُ بكم فَجِدُّوا

وقال آخر:

عجبت من نفسي ومن إشفاقهاومن طِرَاد الطيرِ عن أرزاقها في سَنة قد كشفت عن ساقهاحمراء تَبْري اللحَم عن عُرَاقها

وقال آخر:

كشفت لهم عن ساقهاوبدا من الشّر الصُّرَاحْ

وعن ابن عباس أيضاً والحسن وأبي العالية «تُكْشَفُ» بتاء غير مسمّى الفاعل. وهذه القراءة راجعة إلى معنى «يُكْشَف» وكأنه قال: يوم تكْشف القيامة عن شدة. وقرىء «يَوْمَ تُكْشِف» بالتاء المضمومة وكسر الشين؛ من أكشف إذا دخل في الكشف. ومنه: أكشف الرجل فهو مُكْشِف؛ إذا انقلبت شَفَتُه العليا. وذكر ابن المبارك قال: أخبرنا أسامة بن زيد عن عكرمة عن ابن عباس في قوله تعالى: {يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ} قال: عن كرب وشدّة. أخبرنا ابن جُريج عن مجاهد قال: شدّة الأمر وجِدّه. وقال مجاهد: قال ابن عباس هي أشد ساعة في يوم القيامة. وقال أبو عبيدة: إذا اشتد الحرب والأمر قيل: كشف الأمرُ عن ساقه. والأصل فيه أن من وقع في شيء يحتاج فيه إلى الجِدّ شَمّر عن ساقه؛ فاستعير الساق والكشف عنها في موضع الشدة. وقيل: ساقُ الشيء أصله الذي به قِوامه؛ كساق الشجرة وساق الإنسان. أي يوم يكشف عن أصل الأمر فتظهر حقائق الأمور وأصلها. وقيل: يكشف عن ساق جهنم. وقيل: عن ساق العرش. وقيل: يريد وقت اقتراب الأجل وضعف البدن؛ أي يكشف المريض عن ساقه ليبصر ضعفه، ويدعوه المؤذن إلى الصلاة فلا يمكنه أن يقوم ويخرج. فأما ما رُوِي أن الله يكشف عن ساقه فإنه عز وجل يتعالى عن الأعضاء والتبعيض وأن يكشف ويتغطى. ومعناه أن يكشف عن العظيم من أمره. وقيل: يكشف عن نوره عز وجل. وروى أبو موسى: عن النبيّ صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى: «عَنْ سَاقٍ» قال:يكشف عن نور عظيم يخرون له سجدا. وقال أبو الليث السَّمَرْقَنْدِيّ في تفسيره: حدّثنا الخليل بن أحمد قال حدّثنا ابن منيع قال حدّثنا هُدْبة قال حدّثنا حماد بن سلمة عن علي بن زيد عن عمارة القرشي عن أبي بُردة عن أبي موسى قال حدّثني أبي قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:إذا كان يوم القيامة مُثِّل لكل قوم ما كانوا يعبدون في الدنيا فيذهب كلُّ قومٍ إلى ما كانوا يعبدون ويبقى أهل التوحيد فيقال لهم ما تنتظرون وقد ذهب الناس فيقولون إن لنا ربًّا كنا نعبده في الدنيا ولم نره ـ قال ـ وتعرفونه إذا رأيتموه فيقولون نعم فيقال فكيف تعرفونه ولم تروه قالوا إنه لا شبيه له فيكشف لهم الحجاب فينظرون إلى الله تعالى فيخرون له سجدًّا وتبقى أقوام ظهورهم مثل صَيَاصِي البقر فينظرون إلى الله تعالى فيريدون السجود فلا يستطيعون فذلك قوله تعالى: {يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى ٱلسُّجُودِ فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ} فيقول الله تعالى عبادي أرفعوا رؤوسكم فقد جعلت بدل كل رجلٍ منكم رجلاً من اليهود والنصارى في النار. قال أبو بردة: فحدثت بهذا الحديث عمر بن عبد العزيز فقال: ٱللّهِ الذي لا إلٰه إلا هو لقد حَدَّثك أبوك بهذا الحديث؟ فحلف له ثلاثةَ أيمان؛ فقال عمر: ما سمعت في أهل التوحيد حديثاً هو أحبّ إليّ من هذا. وقال قيس بن السَّكَن: حَدّث عبد الله بن مسعود عند عمر بن الخطاب فقال: إذا كان يوم القيامة قام الناس لربّ العالمين أربعين عاماً شاخصةً أبصارهم إلى السماء، حُفاةً عُراةً يُلْجمهم العرق، فلا يكلّمهم الله ولا ينظر إليهم أربعين عاماً، ثم ينادي منادٍ: أيها الناس، أليس عدلاً من ربكم الذي خلقكم وصوّركم وأماتكم وأحياكم ثم عبدتم غيره أن يُوَلِّيَ كلَّ قوم ما تولَّوْا؟ قالوا: نعم. قال: فيرفع لكل قوم ما كانوا يعبدون من دون الله فيتبعونها حتى تقذفهم في النار، فيبقى المسلمون والمنافقون فيقال لهم: ألا تذهبون قد ذهب الناس؟ فيقولون حتى يأتينا ربنا؛ فيقال لهم: أو تَعرفونه؟ فيقولون: إن اعترف لنا عَرَفناه. قال فعند ذلك يكشف عن ساق ويتجلّى لهم فيخرّ من كان يعبده مخلصاً ساجداً، ويبقى المنافقون لا يستطيعون كأن في ظهورهم السفافيد، فيذهب بهم إلى النار، ويدخل هؤلاء الجنة؛ فذلك قوله تعالى: {وَيُدْعَوْنَ إِلَى ٱلسُّجُودِ فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ}. {خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ} أي ذليلةً متواضعةً؛ ونصبها على الحال. {تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ} وذلك أن المؤمنين يرفعون رؤوسهم ووجوهُهم أشدّ بياضاً من الثلج. وتسودّ وجوه المنافقين والكافرين حتى ترجع أشدّ سواداً من القار.

قلت: معنى حديثِ أبي موسى وابن مسعود ثابت في صحيح مسلم من حديث أبي سعيد الخدريّ وغيره.

قوله تعالى: {وَقَدْ كَانُواْ يُدْعَوْنَ إِلَى ٱلسُّجُودِ} أي في الدنيا. {وَهُمْ سَالِمُونَ} مُعَافَوْن أصّحاء. قال إبراهيم التَّيْميّ: أي يدعون بالأذان والإقامة فيأبونه. وقال سعيد بن جُبَير: كانوا يسمعون حيّ على الفلاح فلا يجيبون. وقال كعب الأحبار: والله ما نزلت هذه الآية إلا في الذين يتخلّفون عن الجماعات. وقيل: أي بالتكليف المُوَجَّه عليهم في الشرع؛ والمعنى متقارب. وقد مضى في سورة «البقرة» الكلام في وجوب صلاة الجماعة. وكان الربيع بن خَيْثم قد فُلِج وكان يُهَادَي بين الرجلين إلى المسجد؛ فقيل: يا أبا يزيد، لو صلّيتَ في بيتك لكانت لك رخصة. فقال: من سمع حيّ على الفلاح فلْيُجِب ولو حَبْواً. وقيل لسعيد بن المسيّب: إن طارقاً يريد قتلك فتغيّب. فقال: أبحيث لا يَقْدِر الله عليّ؟ فقيل له: اجلس في بيتك. فقال: أسمع حيّ على الفلاح، فلا أجيب

فَذَرْنِى وَمَن يُكَذِّبُ بِهَٰذَا ٱلْحَدِيثِ سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ ۝٤٤ وَأُمْلِى لَهُمْ إِنَّ كَيْدِى مَتِينٌ ۝٤٥

قوله تعالى: {فَذَرْنِي} أي دَعْنِي. {وَمَن يُكَذِّبُ} «مَنْ» مفعول معه أو معطوف على ضمير المتكلم. {بِهَـٰذَا ٱلْحَدِيثِ} يعني القرآن؛ قاله السدّيّ. وقيل: يوم القيامة. وهذا تسلية للنبيّ صلى الله عليه وسلم؛ أي فأنا أجازيهم وأنتقم منهم. ثم قال: {سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِّنْ حَيْثُ لاَ يَعْلَمُونَ} معناه سنأخذهم على غفلة وهم لا يعرفون؛ فعُذّبوا يوم بَدْر. وقال سفيان الثَّوْريّ: نُسبغ عليهم النعم ونُنسيهم الشكر. وقال الحسن: كم مستدرَج بالإحسان إليه، وكم مفتون بالثناء عليه، وكم مغرور بالسّتر عليه. وقال أبو رَوْق: أي كلّما أحدثوا خطيئة جدّدنا لهم نعمة وأنسيناهم الاستغفار. وقال ابن عباس: سنمكر بهم. وقيل: هو أن نأخذهم قليلاً ولا نباغتهم. وفي حديث

أن رجلاً من بني إسرائيل قال يا ربّ كم أعصيك وأنت لا تعاقبني ـ قال ـ فأوحى الله إلى نبيّ زمانهم أن قل له كم من عقوبة لي عليك وأنت لا تشعر. إن جمود عينيك وقَسَاوَةَ قلبك استدراجٌ منيّ وعقوبةٌ لو عَقَلت. والاستدراج: ترك المعاجلة. وأصله النقل من حال إلى حال كالتدرّج. ومنه قيل درجة؛ وهي منزلة بعد منزلة. واستدرج فلان فلاناً؛ أي استخرج ما عنده قليلاً. ويقال: درّجه إلى كذا واستدرجه بمعنًى؛ (أي) أدناه منه على التدريج فتدرّج هو. {وَأُمْلِي لَهُمْ} أي أمهلهم وأطيل لهم المدّة. والملاوة: المُدة من الدهر. وأملى الله له أي أطال له. والملَوان: الليل والنهار. وقيل: {وَأُمْلِي لَهُمْ} أي لا أعاجلهم بالموت؛ والمعنى واحد. وقد مضى في «الأعراف» بيان هذا. {إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ} أي إن عذابي لقوِيّ شديد فلا يفوتني أحد.

أَمْ تَسْـَٔلُهُمْ أَجْرًا فَهُم مِّن مَّغْرَمٍ مُّثْقَلُونَ ۝٤٦

عاد الكلام إلى ما تقدّم من قوله تعالى: {أَمْ لَهُمْ شُرَكَآءُ}. أي أم تلتمس منهم ثواباً على ما تدعوهم إليه من الإيمان بالله؟ فهم من غرامة ذلك مثقلون لما يشقّ عليهم من بذل المال؛ أي ليس عليهم كُلْفة، بل يستولون بمتابعتك على خزائن الأرض ويَصلون إلى جنات النعيم.

أَمْ عِندَهُمُ ٱلْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ ۝٤٧

قوله تعالى: {أَمْ عِندَهُمُ ٱلْغَيْبُ} أي علم ما غاب عنهم. {فَهُمْ يَكْتُبُونَ} وقيل: أينزل عليهم الْوَحْيُ بهذا الذي يقولون. وعن ابن عباس: الغيب هنا اللوح المحفوظ؛ فهم يكتبون مما فيه يخاصمونك به، ويكتبون أنهم أفضل منكم، وأنهم لا يعاقبون. وقيل: {يَكْتُبُونَ} يحكمون لأنفسهم بما يريدون.

فَٱصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تَكُن كَصَاحِبِ ٱلْحُوتِ إِذْ نَادَىٰ وَهُوَ مَكْظُومٌ ۝٤٨

قوله تعالى: {فَٱصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ} أي لقضاء ربّك. والحكم هنا القضاء. وقيل: فٱصبر على ما حكم به عليك ربُّك من تبليغ الرسالة. وقال ابن بحر: فٱصبر لنصر ربك. قال قتادة: أي لا تعجل ولا تغاضب فلا بدّ من نصرك. وقيل: إنه منسوخ بآية السيف. {وَلاَ تَكُن كَصَاحِبِ ٱلْحُوتِ} يعني يونس عليه السلام. أي لا تكن مثله في الغضب والضَّجَر والعَجَلة. وقال قتادة: إنّ الله تعالى يُعَزِّي نبيّه صلى الله عليه وسلم، ويأمره بالصبر ولا يعجَل كما عَجِل صاحب الحُوت؛ وقد مضى خبره في سورة «يونس، والأنبياء، والصافات» والفرق بين إضافة ذي وصاحب في سورة «يونس» فلا معنى للإعادة. {إِذْ نَادَىٰ} أي حين دعا في بطن الحوت فقال:

{ لاَّ إِلَـٰهَ إِلاَّ أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ ٱلظَّالِمِينَ }[الأنبياء:87]. {وَهُوَ مَكْظُومٌ} أي مملوء غَمًّا. وقيل: كرباً. الأوّل قول ابن عباس ومجاهد. والثاني قول عطاء وأبي مالك. قال الماورديّ: والفرق بينهما أن الغمّ في القلب، والكرب في الأنفاس. وقيل: مكظوم محبوس. والكظم الحبس؛ ومنه قولهم: فلان كَظَم غيظَه، أي حبس غضبه؛ قاله ابن بحر. وقيل: إنه المأخوذ بكظمه وهو مجرى النفس؛ قاله المبرّد. وقد مضى هذا وغيره في «يوسف».

لَّوْلَآ أَن تَدَٰرَكَهُۥ نِعْمَةٌ مِّن رَّبِّهِۦ لَنُبِذَ بِٱلْعَرَآءِ وَهُوَ مَذْمُومٌ ۝٤٩ فَٱجْتَبَٰهُ رَبُّهُۥ فَجَعَلَهُۥ مِنَ ٱلصَّٰلِحِينَ ۝٥٠

قوله تعالى: {لَّوْلاَ أَن تَدَارَكَهُ نِعْمَةٌ مِّن رَّبِّهِ} قراءة العامة «تَدَارَكَهُ». وقرأ ابن هُرْمُز والحسن «تَدَّاركه» بتشديد الدال؛ وهو مضارع أدغمت التاء منه في الدال. وهو على تقدير حكاية الحال؛ كأنه قال: لولا أن كان يقال فيه تتداركه نعمة. ابن عباس وابن مسعود: «تداركته» وهو خلاف المرسوم. و «تَدَارَكَهُ» فعلٌ ماضٍ مذكّر حُمل على معنى النعمة؛ لأن تأنيث النعمة غير حقيقي. و «تداركته» على لفظها. واختِلف في معنى النعمة هنا؛ فقيل النُّبوّة؛ قاله الضحاك. وقيل عبادته التي سلفت؛ قاله ابن جُبير. وقيل: نداؤه

{ لاَّ إِلَـٰهَ إِلاَّ أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ ٱلظَّالِمِينَ }[الأنبياء:87]؛ قاله ٱبن زيد. وقيل: نعمة الله عليه إخراجه من بطن الحوت؛ قاله ابن بحر. وقيل: أي رحمة من ربه؛ فَرحِمَه وتاب عليه. {لَنُبِذَ بِٱلْعَرَآءِ وَهُوَ مَذْمُومٌ} أي لَنُبِذ مذموماً ولكنه نُبذ سقيماً غير مذموم. ومعنى «مَذْمُومٌ» في قول ابن عباس: مُلِيم. قال بكر بن عبد الله: مذنب. وقيل: «مذموم» مُبْعَدٌ من كلّ خير. والعَرَاء: الأرض الواسعة الفضاء التي ليس فيها جبل ولا شجر يستر. وقيل: ولولا فضل الله عليه لبقَِيِ في بطن الحوت إلى يوم القيامة، ثم نُبذ بعراء القيامة مذموماً. يدلّ عليه قوله تعالى: { فَلَوْلاَ أَنَّهُ كَانَ مِنَ ٱلْمُسَبِّحِينَ لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ }[الصافات:143-144]. {فَٱجْتَبَاهُ رَبُّهُ} أي اصطفاه واختاره. {فَجَعَلَهُ مِنَ ٱلصَّالِحِينَ} قال ابن عباس: ردّ الله إليه الوَحْي، وشفّعه في نفسه وفي قومه، وقبِل توبته، وجعله من الصالحين بأن أرسله إلى مائة ألف أو يزيدون.

وَإِن يَكَادُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَٰرِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا۟ ٱلذِّكْرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُۥ لَمَجْنُونٌ ۝٥١

قوله تعالى: {وَإِن يَكَادُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} «إنْ» هي المخففة من الثقيلة. {لَيُزْلِقُونَكَ} أي يعتانونك. {بِأَبْصَارِهِمْ} أخبر بشدّة عداوتهم النبيّ صلى الله عليه وسلم، وأرادوا أن يصيبوه بالعين فنظر إليه قوم من قريش وقالوا: ما رأينا مثله ولا مثل حُجَجِه. وقيل: كانت العين في بني أسد، حتى إن البقرة السمينة أو الناقة السمينة تمرّ بأحدهم فيعاينها ثم يقول: يا جارية، خذي المِكَلّ والدرهم فأتينا بلحم هذه الناقة، فما تبرح حتى تقع للموت فُتنْحر. وقال الكلبي: كان رجل من العرب يمكث لا يأكل شيئاً يومين أو ثلاثة، ثم يرفع جانب الخِباء فتمرّ به الإبل أو الغنم فيقول: لم أر كاليوم إبلاً ولا غنماً أحسن من هذه! فما تذهب إلا قليلاً حتى تسقط منها طائفة هالكة. فسأل الكفار هذا الرجل أن يصيب لهم النبيّ صلى الله عليه وسلم بالعين فأجابهم؛ فلما مرّ النبيّ صلى الله عليه وسلم أنشد:

قد كان قومك يحسبونك سيّداًوإخال أنك سيّدٌ مَعْيُونُ

فعصَم الله نبيّه صلى الله عليه وسلم ونزلت: {وَإِن يَكَادُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَيُزْلِقُونَكَ}. وذكر نحوه الماوردي. وأن العرب كانت إذا أراد أحدهم أن يصيب أحداً ـ يعني في نفسه وماله ـ تجوّع ثلاثة أيام، ثم يتعرض لنفسه وماله فيقول: تالله ما رأيت أقوى منه ولا أشجع ولا أكثر منه ولا أحسن؛ فيصيبه بعينه فيهلك هو وماله؛ فأنزل الله تعالى هذه الآية. قال القُشَيْرِي: وفي هذا نظر؛ لأن الإصابة بالعين إنما تكون مع الاستحسان والإعجاب لا مع الكراهية والبغض؛ ولهذا قال: {وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ} أي ينسبونك إلى الجنون إذا رأوك تقرأ القرآن.

قلت: أقوال المفسرين واللغَوِيّين تدلّ على ما ذكرنا، وأن مرادهم بالنظر إليه قَتْلُه. ولا يمنع كراهة الشيء من أن يصاب بالعين عداوة حتى يهلك. وقرأ ابن عباس وابن مسعود والأعمش وأبو وائل ومجاهد «ليزهقونك» أي ليهلكونك. وهذه قراءة على التفسير؛ من زهقت نفسه وأزهقها. وقرأ أهل المدينة «لَيَزْلِقُونَكَ» بفتح الياء. وضمها الباقون؛ وهما لغتان بمعنىً؛ يقال: زَلَقه يَزْلِقه وأزلقه يُزلقه إزلاقاً إذا نَحّاه وأبعده. وزَلَق رأسه يَزْلِقه زلقاً إذا حلقه. وكذلك أزلْقَه وزَلَّقه تزليقاً. ورجل زَلِق وزُمَلِق ـ مثال هُدَبِد ـ وزَمَالق وزُمّلِق ـ بتشديد الميم ـ وهو الذي يُنزِل قبل أن يجامع؛ حكاه الجوهري وغيره. فمعنى الكلمة إذاً التنحية والإزالة؛ وذلك لا يكون في حقّ النبيّ صلى الله عليه وسلم إلا بهلاكه وموته. قال الهَرَوِيّ: أراد لَيعتانونك بعيونهم فيزيلونك عن مقامك الذي أقامك الله فيه عداوةً لك. وقال ٱبن عباس: ينفذونك بأبصارِهم؛ يقال: زَلَق السهمُ وزَهَق إذا نفذ؛ وهو قول مجاهد. أي يَنْفذونك من شدّة نظرهم. وقال الكلبي: يَصْرَعونك. وعنه أيضاً والسُّدِّي وسعيد ابن جُبَير: يصرفونك عما أنت عليه من تبليغ الرسالة. وقال العَوْفِيّ: يَرْمُونك. وقال المُؤَرِّج: يُزيلونك. وقال النَّضْر بن شُميل والأخفش: يفتنونك. وقال عبد العزيز بن يحيـى: ينظرون إليك نظراً شزْراً بتحديق شديد. وقال ابن زيد: لَيَمَسُّونك. وقال جعفر الصادق: ليأكلونك. وقال الحسن وابن كَيْسان: ليقتلونك. وهذا كما يقال: صرعني بطرفه، وقتلني بعينه. قال الشاعر:

ترميك مَزْلَقَةُ العيون بطرفهاوتَكِلُّ عنك نصالُ نَبْلِ الرامي

وقال آخر:

يتقارضون إذا ٱلتقَوْا في مجلسنَظَراً يُزل مواطىء الأقدام

وقيل: المعنى أنهم ينظرون إليك بالعداوة حتى كادوا يسقطونك. وهذا كله راجع إلى ما ذكرنا، وأن المعنى الجامع: يصيبونك بالعين. والله أعلم.

وَمَا هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِّلْعَٰلَمِينَ ۝٥٢

أي وما القرآن إلا ذكر للعالمين. وقيل: أي وما محمد إلا ذكر للعالمين يتذكّرون به. وقيل: معناه شَرَفٌ؛ أي القرآن. كما قال تعالى:

{ وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ }[الزخرف:44] والنبيّ صلى الله عليه وسلم شرف للعالمين أيضاً. شَرُفوا باتباعه والإيمان به صلى الله عليه وسلم.
السبت، 7 نوفمبر 2026 27 جمادى الأولى 1448 هـ