انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة القلم

تفسير الطبريالآيات 1–25

تفسير سورة القلم آية آية، من تفسير الطبري.

استمع إلى تفسير سورة القلم

الخلاصة من تفسير الطبري · مقطع واحد · 17:58

  1. 1 السورة كاملةفي هذه الصفحة 17:58

بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ

نٓ وَٱلْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ ۝١ مَآ أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ ۝٢ وَإِنَّ لَكَ لَأَجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ ۝٣

اختلف أهل التأويل في تأويل قوله: {ن}، فقال بعضهم: هو الحوت الذي عليه الأرَضُون.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا محمد بن المثنى، قال: ثنا ابن أبي عديّ، عن شعبة، عن سليمان، عن أبي ظَبْيان، عن ابن عباس، قال: «أوّل ما خلق الله من شيء القلم، فجرى بما هو كائن، ثم رفع بخار الماء، فخلقت منه السموات، ثم خلق النون فبسطت الأرض على ظهر النون، فتحرّكت الأرض فمادت، فأثبتت بالجبال، فإن الجبال لتفخر على الأرض»، قال: وقرأ: {ن والقَلَمِ وما يَسْطُرُونَ}.

حدثنا تميم بن المنتصر، قال: ثنا إسحاق، عن شريك، عن الأعمش، عن أبي ظبيان، أو مجاهد عن ابن عباس، بنحوه، إلا أنه قال: فَفُتِقَتْ مِنْهُ السموات.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا يحيى، قال: ثنا سفيان، قال: ثني سليمان، عن أبي ظبيان، عن ابن عباس، قال: «أوّل ما خلق الله القلم، قال: اكتب، قال: ما أكتب؟ قال: اكتب القدر، قال: فجرى بما يكون من ذلك اليوم إلى قيام الساعة، ثم خلق النون، ورفع بخار الماء، ففُتِقت منه السماء وبُسِطتَ الأرض على ظهر النون، فاضطرب النون، فمادت الأرض، فأثبتت بالجبال، فإنها لتفخر على الأرض».

حدثنا واصل بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن فُضَيل، عن الأعمش، عن أبي ظبيان، عن ابن عباس قال: «أوّل ما خلق الله من شيء القلم، فقال له: اكتب، فقال: وما أكتب؟ قال: اكتب القدر، قال فجرى القلم بما هو كائن من ذلك إلى قيام الساعة، ثم رفع بخار الماء ففتق منه السموات، ثم خلق النون فدُحيت الأرض على ظهره، فاضطرب النون، فمادت الأرض، فأُثبتت بالجبال فإنها لتفخر على الأرض».

حدثنا واصل بن عبد الأعلى، قال: ثنا وكيع، عن الأعمش، عن أبي ظبيان، عن ابن عباس نحوه.

حدثنا محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعاً عن ابن أبي نجيح، أن إبراهيم بن أبي بكر، أخبره عن مجاهد، قال: كان يقال النون: الحوت الذي تحت الأرض السابعة.

حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، قال: قال معمر. ثنا الأعمش، أن ابن عباس قال: إنْ أوّل شيء خُلق القلم، ثم ذكر نحو حديث واصل عن ابن فضيل، وزاد فيه: ثم قرأ ابن عباس {ن وَالقَلم وَما يَسْطُرُونَ}.

حدثنا بن حميد، قال: ثنا جرير، عن عطاء، عن أبي الضحى مسلم بن صبيح، عن ابن عباس، قال: إن أوّل شيء خلق ربي القلم، فقال له: اكتب، فكتب ما هو كائن إلى أن تقوم الساعة، ثم خلق النون فوق الماء، ثم كبس الأرض عليه.

وقال آخرون: {ن} حرف من حروف الرحمن.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا عبد الله بن أحمد المروزي، قال: ثنا عليّ بن الحسين، قال: ثنا أبي، عن يزيد، عن عكرِمة، عن ابن عباس {الر، وحم، ون} حروف الرحمن مقطعة.

حدثني محمد بن معمر، قال: ثنا عباس بن زياد الباهلي، قال: ثنا شعبة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جُبير، عن ابن عباس، قوله {الر، وحم، ون} قال: اسم مقطع.

وقال آخرون: {ن}: الدواة، والقلم: القلم.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يعقوب، قال: ثنا أخي عيسى بن عبد الله، عن ثابت البناني، عن ابن عباس قال: إن الله خلق النون وهي الدواة، وخلق القلم، فقال: اكتب، فقال: ما أكتب؟ قال: اكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة، من عمل معمول، برّ أو فجور، أو رزق مقسوم حلال أو حرام، ثم ألزم كلّ شيء من ذلك شأنه دخوله في الدنيا ومقامه فيها كم، وخروجه منها كيف ثم جعل على العباد حفظة وللكتاب خزاناً، فالحفظة ينسخون كلّ يوم من الخزان عمل ذلك اليوم، فإذا فني الرزق وانقطع الأثر، وانقضى الأجل، أتت الحفظة الخزنة يطلبون عمل ذلك اليوم، فتقول لهم الخزنة: ما نجد لصاحبكم عندنا شيئاً، فترجع الحفظة فيجدونهم قد ماتوا قال: فقال ابن عباس: ألستم قوماً عرباً تسمعون الحفَظة يقولون: إنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ وهل يكون الاستنساخ إلا من أصل؟.

حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن الحسن وقتادة، في قوله {ن} قال: هو الدواة.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا الحكم بن بشير، قال: ثنا عمرو، عن قتادة، قال: النون الدواة.

وقال آخرون: {ن}: لوح من نور

ذكر من قال ذلك:

حدثنا الحسن بن شبيب المكتَّب، قال: ثنا محمد بن زياد الجزري، عن فرات بن أبي الفرات، عن معاوية بن قرّة، عن أبيه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: {ن وَالقَلَمِ وما يَسْطُرُونَ}:

لوح من نور يجري بما هو كائن إلى يوم القيامة

وقال آخرون: {ن}: قَسَم أقسم الله به.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، في قوله: {ن وَالقَلَمِ ومَا يَسْطُرُونَ} يُقْسِم الله بما شاء.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله الله: {ن وَالقَلَمِ ومَا يَسْطُرُونَ} قال: هذا قسم أقسم الله به.

وقال آخرون: هي اسم من أسماء السورة.

وقال آخرون: هي حرف من حروف المعجم وقد ذكرنا القول فيما جانس ذلك من حروف الهجاء التي افتتحت بها أوائل السور، والقول في قوله نظير القول في ذلك.

واختلفت القرّاء في قراءة: {ن}، فأظهر النون فيها وفي يس عامة قرّاء الكوفة خلا الكسائيّ، وعامة قرّاء البصرة، لأنها حرف هجاء، والهجاء مبني على الوقوف عليه وإن اتصل، وكان الكسائي يُدغم النون الآخرة منهما ويخفيها بناء على الاتصال.

والصواب من القول في ذلك عندنا أنهما قراءتان فصيحتان بأيتهما قرأ القارىء أصاب، غير أن إظهار النون أفصح وأشهر، فهو أعجب إليّ. وأما القلم: فهو القلم المعروف، غير أن الذي أقسم به ربنا من الأقلام: القلم الذي خلقه الله تعالى ذكره، فأمره فجرى بكتابة جميع ما هو كائن إلى يوم القيامة.

حدثني محمد بن صالح الأنماطي، قال ثنا عباد بن العوّام، قال: ثنا عبد الواحد بن سليم، قال: سمعت عطاء، قال: سألت الوليد بن عبادة بن الصامت: كيف كانت وصية أبيك حين حشره الموت؟ فقال: دعاني فقال: أي بنيَّ اتق الله واعلم أنك لن تتقي الله، ولن تبلغ العلم حتى تؤمن بالله وحده، والقدرِ خيره وشرّه، إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:

إنَّ أوَّلَ ما خَلَقَ اللَّهُ خَلَقَ القَلَمَ، فَقالَ لَهُ: اكْتُبْ، قالَ: يا رَبّ ومَا أكْتُبْ؟ قالَ: اكْتُبَ القَدَرَ، قالَ: فَجَرَى القَلَمُ فِي تِلْكَ السَّاعَةِ بِمَا كانَ، ومَا هُوَ كائِنٌ إلى الأبَدِ

حدثني محمد بن عبد الله الطوسي، قال: ثنا عليّ بن الحسن بن شقيق، قال: أخبرنا عبد الله بن المبارك، قال: أخبرنا رباح بن زيد، عن عمرو بن حبيب، عن القاسم بن أبي بزّة، عن سعيد بن جُبير، عن ابن عباس أنه كان يحدّث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:

أوَّلُ شَيْءٍ خَلَقَ اللَّهُ القَلَمَ، وأمَرَهُ فَكَتَبَ كُلَّ شَيْءٍ

حدثنا موسى بن سهل الرملي، قال: ثنا نعيم بن حماد، قال: ثنا ابن المبارك بإسناده عن النبيّ صلى الله عليه وسلم، نحوه.

حدثنا موسى بن سهل الرملي، قال: ثنا نعيم بن حماد، قال: ثنا ابن المبارك بإسناده عن النبيّ صلى الله عليه وسلم، نحوه

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن أبي هاشم، عن مجاهد قال: قلت لابن عباس: إن ناساً يكذّبون بالقدر، فقال: إنهم يكذّبون بكتاب الله، لآخذنّ بشَعْر أحدهم، فلا يقصَّن به، إن الله كان على عرشه قبل أن يخلق شيئاً، فكان أوّل ما خلق الله القلم، فجرى بما هو كائن إلى يوم القيامة، فإنما يجري الناس على أمر قد فُرِغ منه.

حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا عبد الصمد، قال: ثنا شعبة، قال: ثنا أبو هاشم، أنه سمع مجاهدا، قال: سمعت عبد الله لا ندري ابن عمر أو ابن عباس قال: إن أوّل ما خلق الله القلم، فجرى القلم بما هو كائن وإنما يعمل الناس اليوم فيما قد فُرِغ منه.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: ثني معاوية بن صالح وحدثني عبد الله بن آدم، قال: ثنا أبي، قال: ثنا الليث بن سعد عن معاوية بن صالح، عن أيوب بن زياد، قال: ثني عباد بن الوليد بن عبادة بن الصامت، قال: أخبرني أبي، قال: قال أبي عُبادة بن الصامت: يا بنيّ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:

إنَّ أوَّلَ ما خَلَقَ اللَّهُ القَلَمَ، فَقالَ لَهُ: اكْتُبْ فَجَرَى فِي تِلْكَ السَّاعَةِ بِمَا هُوَ كائِنٌ إلى يَوْمِ القِيامَةِ

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله: {ن وَالقَلَمِ} قال: الذي كُتِبَ به الذكر.

حدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، عن ابن أبي نجيح، أخبره عن إبراهيم بن أبي بكر، عن مجاهد، في قوله: {ن والقَلَمِ} قال: الذي كتب به الذكر.

وقوله: {ومَا يَسْطُرُون} يقول: والذي يخُطُّون ويكتبون. وإذا وُجِّهَ التأويل إلى هذا الوجه كان القسم بالخلق وأفعالهم. وقد يحتمل الكلام معنى آخر، وهو أن يكون معناه: وسطرهم ما يسطرون، فتكون «ما» بمعنى المصدر. وإذا وُجه التأويل إلى هذا الوجه، كان القسم بالكتاب، كأنه قيل: ن والقلم والكتاب. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {وَما يَسْطُرُونَ} قال: وما يَخُطُّون.

حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله: {ومَا يَسْطُرُونَ} يقول: يكتبون.

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثني الحارث، قال: ثنا عيسى وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن قال: ثنا ورقاء، جميعاً عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: {ومَا يَسْطُرُون} قال: وما يكتبون.

حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة {ومَا يَسْطُرُونَ}: وما يكتبون.

يقال منه: سطر فلان الكتاب فهو يَسْطُر سَطْراً: إذا كتبه ومنه قول رُؤبة بن العجَّاج:

إنّي وأسْطارٍ سُطِرْنَ سَطْرَا

وقوله: {ما أنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُون} يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: ما أنت بنعمة ربك بمجنون، مكذّباً بذلك مشركي قريش الذين قالوا له: إنك مجنون.

وقوله: {وَإنَّ لَكَ لأجْراً غَيْرَ مَمْنُون} يقول تعالى ذكره: وإن لك يا محمد لثواباً من الله عظيماً على صبرك على أذى المشركين إياك غير منقوص ولا مقطوع، من قولهم: حبل منير، إذا كان ضعيفاً، وقد ضعفت منَّته: إذا ضعفت قوّته. وكان مجاهد يقول في ذلك ما:

حدثني به محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعاً عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: {غَيْرَ مَمْنُونٍ} قال: محسوب.

وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ ۝٤ فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ ۝٥ بِأَييِّكُمُ ٱلْمَفْتُونُ ۝٦ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِۦ وَهُوَ أَعْلَمُ بِٱلْمُهْتَدِينَ ۝٧

يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: وإنك يا محمد لعلى أدب عظيم، وذلك أدب القرن الذي أدّبه الله به، وهو الإسلام وشرائعه. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله: {وَإنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ} يقول: دين عظيم.

حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: {وَإنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ} يقول: إنك على دين عظيم، وهو الإسلام.

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم قال: ثنا عيسى وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعاً عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: {خُلُقٍ عَظِيمٍ} قال: الدين.

حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، قال: سألت عائشة عن خُلُق رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت: كان خلقه القرآن، تقول: كما هو في القرآن.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {وَإنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ} ذُكر لنا أن سعيد بن هشام سأل عائشة عن خُلُق رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: ألست تقرأ القرآن؟ قال: قلت: بلى، قال: فإن خُلُق رسول الله صلى الله عليه وسلم كان القرآن.

حدثنا عُبيد بن آدم بن أبي إياس، قال: ثني أبي، قال: ثنا المبارك بن فضالة، عن الحسن، عن سعيد بن هشام، قال: أتيت عائشة أمّ المؤمنين رضي الله عنها، فقلت: أخبريني عن خُلُق رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت: كان خلقه القرآن، أما تقرأ: {وإنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظيمٍ}.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرني معاوية بن صالح، عن أبي الزاهرية، عن جُبير بن نُفَير قال: حججت فدخلت على عائشة، فسألتها عن خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت: كان خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم القرآن.

حدثنا عبيد بن أسباط، قال: ثني أبي، عن فضيل بن مرزوق، عن عطية، في قوله: {وَإنَّكَ لَعَلى خُلُق عَظِيمٍ} قال: أدب القرآن.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله {وَإنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ} قال: على دين عظيم.

حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: ثنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول، في قوله: {لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ} يعني دينه، وأمره الذي كان عليه، مما أمره الله به، ووكله إليه.

وقوله: {فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ بأَيِّكُمُ المُفْتُون} يقول تعالى ذكره: فسترى يا محمد، ويرى مشركو قومك الذين يدعونك مجنونا {بأَيِّكُمُ المَفْتُونُ}. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: ثنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: {فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ} يقول: ترى ويرون.

وقوله: {بأَيِّكُمُ المَفْتُونُ} اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك، فقال بعضهم: تأويله بأيكم المجنون، كأنه وجَّه معنى الباء في قوله {بأَيِّكُمُ} إلى معنى في. وإذا وجهت الباء إلى معنى «في» كان تأويل الكلام: ويبصرون في أيّ الفريقين المجنون في فريقك يا محمد أو فريقهم، ويكون المجنون اسماً مرفوعاً بالباء. ذكر من قال معنى ذلك: بأيكم المجنون:

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن ليث، عن مجاهد {بأَيِّكُمُ المَفْتُونُ} قال: المجنون.

قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن خصيف، عن مجاهد {بأَيِّكُمُ المَفْتُونُ} قال: بأيكم المجنون.

وقال آخرون: بل تأويل ذلك: بأيكم الجنون وكأن الذين قالوا هذا القول وجهوا المفتون إلى معنى الفتنة أو الفتون، كما قيل: ليس له معقول ولا معقود: أي بمعنى ليس له عقل ولا عقد رأى فكذلك وضع المفتون موضع الفُتُون. ذكر من قال: المفتون: بمعنى المصدر، وبمعنى الجنون:

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعاً عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: {بأَيِّكُمُ المَفْتُونُ} قال: الشيطان.

حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: ثنا عبيد، قال: سمعت الضحاك، يقول في قوله: {بأَيِّكُمُ المَفْتُونُ} يعني الجنون.

حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس يقول: بأيكم الجنون.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: أيكم أولى بالشيطان فالباء على قول هؤلاء زيادة دخولها وخروجها سواء، ومثَّل هؤلاء ذلك بقول الراجز:

نَحْنُ بَنُو جَعْدَةَ أصحَابُ الفَلَجْ نَضْرِبُ بالسَّيْفِ وَنَرْجُو بالفَرَجْ

بمعنى: نرجو الفرج، فدخول الباء في ذلك عندهم في هذا الموضع وخروجها سواء.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ بأَيِّكُمُ المَفْتُونُ} يقول: بأيكم أولى بالشيطان.

حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، في قوله: {بأَيِّكُمُ المَفْتُونُ} قال: أيكم أولى بالشيطان.

واختلف أهل العربية في ذلك نحوَ اختلاف أهل التأويل، فقال بعض نحوِّيي البصرة: معنى ذلك: فستبصر ويبصرون أيُّكم المفتون. وقال بعض نحويي الكوفة: بأيكم المفتون هاهنا، بمعنى الجنون، وهو في مذهب الفُتُون، كما قالوا: ليس له معقول ولا معقود قال: وإن شئت جعلت بأيكم في أيكم في أيّ الفريقين المجنون قال: وهو حينئذٍ اسم ليس بمصدر.

وأولى الأقوال في ذلك عندي بالصواب قول من قال: معنى ذلك: بأيكم الجنون، ووجه المفتون إلى الفتون بمعنى المصدر، لأن ذلك أظهر معاني الكلام، إذا لم ينو إسقاط الباء، وجعلنا لدخولها وجهاً مفهوماً. وقد بيَّنا أنه غير جائز أن يكون في القرآن شيء لا معنى له.

وقوله: {إنَّ رَبَّكَ هُوَ أعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ} يقول تعالى ذكره: إن ربك يا محمد هو أعلم بمن ضلّ عن سبيله، كضلال كفار قريش عن دين الله، وطريق الهدى {وَهُوَ أعْلَمُ بالمُهْتَدينَ} يقول: وهو أعلم بمن اهتدى، فاتبع الحقّ، وأقرّ به، كما اهتديت أنت فاتبعت الحقّ، وهذا من معاريض الكلام. وإنما معنى الكلام: إن ربك هو أعلم يا محمد بك، وأنت المهتدي وبقومك من كفار قريش وأنهم الضالون عن سبيل الحقّ.

فَلَا تُطِعِ ٱلْمُكَذِّبِينَ ۝٨ وَدُّوا۟ لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ ۝٩ وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَّهِينٍ ۝١٠ هَمَّازٍ مَّشَّآءٍۭ بِنَمِيمٍ ۝١١

يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: {فَلا تُطِعْ} يا محمد {المُكَذّبِينَ} بآيات الله ورسوله {وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ}. اختلف أهل التأويل في تأويله، فقال بعضهم: معنى ذلك: ودّ المكذّبون بآيات الله لو تكفر بالله يا محمد فيكفرون.

ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: {لَوْتُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ} يقول: ودّوا لو تكفر فيكفرون.

حُدثت عن الحسين، فقال: سمعت أبا معاذ يقول: ثنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: {وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ} قال: تكفُر فيكفرون.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان {وَدُّوا لَوْتُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ} قال: تكفر فيكفرون.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: ودّوا لو تُرخِّص لهم فيُرخِّصون، أو تلين في دينك فيلينون في دينهم.

ذكر من قال ذلك:

حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله: {لَو تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ} يقول: لو ترخص لهم فيرخِّصون.

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعاً عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: {وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ} قال: لو تَرْكَنُ إلى آلهتهم، وتترك ما أنت عليه من الحقّ فيمالؤنك.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ} يقول: ودّوا يا محمد لو أدهنت عن هذا الأمر، فأدهنوا معك.

حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، في قوله: {وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ} قال: ودّوا لو يُدْهن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيُدْهنون.

وأولى القولين في ذلك بالصواب قول من قال: معنى ذلك: ودّ هؤلاء المشركون يا محمد لو تلين لهم في دينك بإجابتك إياهم إلى الركون إلى آلهتهم، فيلينون لك في عبادتك إلهك، كما قال جلّ ثناؤه:

{ وَلَوْلا أنْ ثَبَّتْناكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلاً إذًا لأذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَياةِ وَضِعْفَ المَماتِ }وإنما هو مأخوذ من الدُّهن شبه التليين في القول بتليين الدُّهن.

وقوله: {وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلاَّفٍ مَهِينٍ} ولا تطع يا محمد كلّ ذي إكثار للحلف بالباطل مَهِين: وهو الضعيف. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. غير أن بعضهم وجه معنى المهين إلى الكذّاب، وأحسبه فعل ذلك لأنه رأى أنه إذا وصف بالمهانة فإنما وصف بها لمهانة نفسه كانت عليه، وكذلك صفة الكذوب، إنما يكذب لمهانة نفسه عليه.

ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس {وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلاَّف مَهِين} والمهين: الكذّاب.

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعاً، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: {حَلاَّفٍ مَهِينٍ} قال: ضعيف.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلاَّفٍ مَهِينٍ} وهو الكثار في الشرّ.

حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن الحسن، في قوله: {كُلَّ حَلاَّفٍ مَهِينٍ} يقول: كلّ مكثار في الحلف مهين ضعيف.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن سعيد، عن الحسن وقتادة {وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلاَّفٍ مَهِينٍ} قال: هو المِكثار في الشرّ.

وقوله: {هَمَّازٍ} يعني: مغتاب للناس يأكل لحومهم. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: {هَمَّازٍ} يعني الاغتياب.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {هَمَّازٍ}: يأكل لحوم المسلمين.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله {هَمَّازٍ} قال: الهماز: الذي يهمز الناس بيده ويضربهم، وليس باللسان وقرأ:

{ وَيْلٌ لِكُلّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ }الذي يلمز الناس بلسانه، والهمز أصله الغمز، فقيل للمغتاب: هماز، لأنه يطعن في أعراض الناس بما يكرهون، وذلك غمز عليهم.

وقوله: {مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ} يقول: مشاء بحديث الناس بعضهم في بعض، ينقل حديث بعضهم إلى بعض. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعد، عن قتادة {هَمَّازٍ}: يأكل لحوم المسلمين {مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ}: ينقل الأحاديث من بعض الناس إلى بعض.

حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس {مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ}: يمشي بالكذب.

حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن الكلبي، في قوله: {مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ} قال: هو الأخنس ابن شريق، وأصله من ثقيف، وعداده في بني زُهْرة.

مَّنَّاعٍ لِّلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ ۝١٢ عُتُلٍّۭ بَعْدَ ذَٰلِكَ زَنِيمٍ ۝١٣

وقوله: {منَّاعٍ لِلْخَيْر}. يقول تعالى ذكره: بخيل بالمال ضنين به عن الحقوق.

وقوله: {مُعْتَدٍ} يقول: معتد على الناس {أثِيمٍ}: ذي إثم بربه. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، في قوله: {مُعْتدٍ} في عمله {أثِيمٍ} بربه.

وقوله: {عُتُلّ} يقول: وهو عُتُلٌّ، والعتلّ: الجافي الشديد في كفره، وكلّ شديد قويّ فالعرب تسمية عُتُلاًّ ومنه قول ذي الإصبع العَدْوانيّ:

والدَّهْرُ يَغْدُو مِعْتَلاً جَذَعا

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل

. ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: {عُتُلّ} العتلّ: العاتل الشديد المنافق.

حدثني إسحاق بن وهب الواسطي، قال: ثنا أبو عامر العَقْدِيُّ، قال: ثنا زهير بن محمد، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن وهب الذَّمارِيّ، قال: «تبكي السماء والأرض من رجل أتمّ الله خلقه، وأرحب جوفه، وأعطاه مقضماً من الدنيا، ثم يكون ظلوماً للناس، فذلك العتلّ الزنيم».

حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا ابن إدريس، عن ليث، عن أبي الزبير، عن عبيد بن عمير، قال: العتلّ: الأكول الشروب القويّ الشديد، يوضع في الميزان فلا يزن شعيرة، يدفع المَلَكُ من أولئك سبعين ألفاً دفعة في جهنم.

حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا ابن يمان، عن سفيان، عن منصور، عن أبي رزين، في قوله: {عُتُلّ بَعْدَ ذلكَ زَنِيمٍ} قال: العتلّ: الشديد.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن منصور، عن أبي رزِين، في قوله: {عُتُلّ بَعْدَ ذلكَ زَنِيمٍ} قال: العتلّ: الصحيح.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: ثني معاوية بن صالح، عن كثير بن الحارث، عن القاسم، مولى معاوية قال: سُئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن العُتُلّ الزنيم، قال:

الفاحِشُ اللَّئيمُ

قال: معاوية، وثني عياض بن عبد الله الفهريّ، عن موسى بن عقبة، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، بمثل ذلك.

حدثني يعقوب، قال: ثنا ابن علية، عن أبي رجاء، عن الحسن، في قوله: {عُتُلّ بَعْدَ ذلك زَنَيمٍ} قال: فاحش الخُلق، لئيم الضريبة.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {عُتُلّ بَعْدَ ذلكَ زَنِيمٍ} قال: الحسن وقتادة: هو الفاحش اللئيم الضريبة.

حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن الحسن، في قوله {عُتُلّ} قال: هو الفاحش اللئيم الضريبة.

قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن زيد بن أسلم، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

تَبْكي السَّماءُ مِنْ عَبْدٍ أصَحَّ اللَّهُ جِسْمَهُ، وأرْحَبَ جَوْفَهُ، وأعْطاهُ مِنَ الدُّنْيا مِقْضَماً، فَكانَ للنَّاسِ ظَلُوماً، فَذلكَ العُتُلُّ الزَّنِيمُ

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن منصور، عن أبي رزين، قال: العتلّ: الصحيح الشديد.

حدثني جعفر بن محمد البزوري، قال: ثنا أبو زكريا، وهو يحيى بن مصعب، عن عمر بن نافع، قال: سُئل عكرِمة، عن {عُتُلّ بَعْدَ ذلكَ زَنِيمٍ} فقال: ذلك الكافر اللئيم.

حدثني علي بن الحسن الأزديّ، قال: ثنا يحيى، يعني ابن يمان، عن أبي الأشهب، عن الحسن في قوله {عُتُلّ بَعْدَ ذلكَ زَنِيمٌ} قال: الفاحش اللئيم الضريبة.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا معاذ بن هشام، قال: ثني أبي، عن قتادة، قال: العتلّ: الزنيم الفاحش اللئيم الضريبة.

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعاً عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: {عُتُلّ} قال: شديد الأشَر.

حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: ثنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول: {عُتُلّ} قال: العتلّ: الشديد.

{بَعْدَ ذلكَ زَنِيمٍ} ومعنى «بعد» في هذا الموضع معنى مع، وتأويل الكلام: {عُتُلّ بَعْدَ ذلكَ زَنِيمٍ}: أي مع العتلّ زنيم.

وقوله: {زنيم} والزنيم في كلام العرب: الملصق بالقوم وليس منهم ومنه قول حسان بن ثابت:

وأنْتَ زَنِيمٌ نِيطَ فِي آلِ هاشِمٍ كمَا نِيطَ خَلْفَ الرَّاكِب القَدَحُ الفَرْدُ

وقال آخر:

زَنِيمٌ لَيْسَ يَعْرِفُ مَن أبُوهُ بَغِيُّ الأُمّ ذُو حَسَبٍ لَئِيمٍ

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس {زَنِيمٍ} قال: والزنيم: الدعيّ، ويقال: الزنيم: رجل كانت به زنمة يُعرف بها، ويقال: هو الأخنس بن شَرِيق الثَّقَفِيّ حليف بني زُهْرة. وزعم ناس من بني زُهرة أن الزنيم هو: الأسود بن عبد يغوث الزُّهريّ، وليس به.

حدثنا أبو كُرَيب، قال: أخبرنا ابن إدريس، قال: ثنا هشام، عن عكرِمة، قال: هو الدعيّ.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: ثني سليمان بن بلال، عن عبد الرحمن بن حرملة، عن سعيد ابن المسيب، أنه سمعه يقول في هذه الآية: {عُتُلَ بَعْدَ ذلكَ زَنِيمٍ} قال سعيد: هو الملصق بالقوم ليس منهم.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن جابر، عن الحسن، عن سعيد بن جبير، قال: الزنيم الذي يعرف بالشرّ، كما تعرف الشاة بزنمتها الملصق.

حدثني محمد بن عمرو قال: ثنا أبو عاصم قال: ثنا عيسى، قال ثنا الحسن وقال آخرون: هو الذي له زَنَمة كزنمة الشاة.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا عبد الأعلى، قال ثنا داود، عن عكرِمة، عن ابن عباس أنه قال في الزنيم قال: نُعِتَ، فلم يعرف حتى قيل زنيم. قال: وكانت له زنمة في عنقة يُعرف بها.

وقال آخرون: كان دعيًّا.

حدثني الحسين بن عليّ الصدائي، قال: ثنا عليّ بن عاصم، قال ثنا داود بن أبي هند، عن عكرِمة، عن ابن عباس، في قوله: {بَعْدَ ذلكَ زَنِيمٍ} قال: نزل على النبيّ صلى الله عليه وسلم: {وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلاَّفٍ مَهِينٍ هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ} قال: فلم نعرفه حتى نزل على النبيّ صلى الله عليه وسلم: {بَعْدَ ذَلكَ زَنيمٍ} قال: فعرفناه له زنمة كزنمة الشاة.

حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا ابن إدريس، عن أصحاب التفسير، قالوا: هو الذي يكون له زنمة كزنمة الشاة.

حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: ثنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله الزنيم: يقول: كانت له زنمة في أصل أذنه، يقال: هو اللئيم الملصق في النسب.

وقال آخرون: هو المريب

ذكر من قال ذلك:

حدثنا تميم بن المنتصر، قال: ثنا إسحاق، عن شريك، عن أبي إسحاق، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، في قوله: {عُتُلّ بَعْدَ ذلكَ زَنِيمٍ} قال: زنيم: المُرِيب الذي يعرف بالشرّ.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن جابر، عن الحسن بن مسلم، عن سعيد بن جبير قال: الزنيم: الذي يعرف بالشرّ.

وقال آخرون: هو الظلوم.

ذكر من قال ذلك:

حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، في قوله {زَنِيمٍ} قال: ظلومٍ.

وقال آخرون: هو الذي يُعرف بأُبنة.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن أبي إسحاق، عن سعيد بن جُبير، عن ابن عباس أنه قال في الزنيم: الذي يُعرف بأُبنة، قال أبو إسحاق: وسمعت الناس في إمرة زياد يقولون: العتلّ: الدعيّ.

وقال آخرون: هو الجِلْف الجافي.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن المثنى، قال: ثني عبد الأعلى، قال: ثنا داود بن أبي هند، قال: سمعت شهر بن حَوْشب يقول: هو الجلف الجافي الأكول الشروب من الحرام.

وقال آخرون: هو علامة الكفر.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا أبو كريب، ثنا ابن يمان، عن سفيان، عن منصور، عن أبي رزين، قال: الزنيم: علامة الكفر.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن منصور، عن أبي رزين، قال: الزنيم: علامة الكافر.

حدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، أنه كان يقول الزنيم يُعرف بهذا الوصف كما تعرف الشاة.

وقال آخرون: هو الذي يعرف باللؤم.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن خصيف، عن عكرِمة، قال: الزّنيم: الذي يعرف باللؤم، كما تُعرف الشاة بزنمتها.

وقال آخرون: هو الفاجر.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن منصور، عن أبي رزين، في قوله: {عُتُلّ بَعْدَ ذلكَ زَنيمٍ} قال: الزنيم: الفاجر.

أَن كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ ۝١٤ إِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِ ءَايَٰتُنَا قَالَ أَسَٰطِيرُ ٱلْأَوَّلِينَ ۝١٥ سَنَسِمُهُۥ عَلَى ٱلْخُرْطُومِ ۝١٦

اختلفت القرّاء في قراءة قوله: {أنْ كانَ} فقرأ ذلك أبو جعفر المدنيّ وحمزة: «أأنْ كانَ ذَا مالٍ» بالاستفهام بهمزتين، وتتوجه قراءة من قرأ ذلك كذلك إلى وجهين: أحدهما أن يكون مراداً به تقريع هذا الحلاَّف المهين، فقيل: ألأن كان هذا الحلاف المهين ذا مال وبنين {إذَا تُتْلَى عَلَيْه آياتُنا قالَ أساطيرُ الأوّلين} وهذا أظهر وجهيه. والآخر أن يكون مراداً به: ألأن كان ذا مال وبنين تطيعه، على وجه التوبيخ لمن أطاعه. وقرأ ذلك بعد سائر قرّاء المدينة والكوفة والبصرة: {أنْ كانَ ذا مال} على وجه الخبر بغير استفهام بهمزة واحدة ومعناه إذا قُرىء كذلك: ولا تطع كلّ حلاف مهين {أن كان ذا مال وبنين} كأنه نهاه أن يطيعه من أجل أنه ذو مال وبنين.

وقوله: {إذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آياتُنا قالَ أساطِيرُ الأوَّلِينَ} يقول: إذا تقرأ عليه آيات كتابنا، قال: هذا مما كتبه الأوّلون استهزاء به وإنكاراً منه أن يكون ذلك من عند الله.

وقوله: {سَنَسِمُهُ على الخُرْطُومِ} اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك، فقال بعضهم: معناه: سنخطمه بالسيف، فنجعل ذلك علامة باقية، وسمة ثابتة فيه ما عاش. ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس {سَنَسِمُهُ على الخُرْطُومِ} فقاتل يوم بدر، فخُطِم بالسيف في القتال.

وقال آخرون: بل معنى ذلك سنشينه شيناً باقياً.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {سَنَسِمُهُ على الخُرْطُومِ} شَيْن لا يفارقه آخر ما عليه.

وقال آخرون: سيمَى على أنفه.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة {سَنَسِمُهُ على الخُرْطومِ} قال: سنسم على أنفه.

وأولى القولين بالصواب في تأويل ذلك عندي قول من قال: معنى ذلك: سنبين أمره بياناً واضحاً حتى يعرفوه، فلا يخفى عليهم، كما لا تخفى السمة على الخرطوم. وقال قتادة: معنى ذلك: شين لا يفارقه آخر ما عليه، وقد يحتمل أيضاً أن يكون خطم بالسيف، فجمع له مع بيان عيوبه للناس الخطم بالسيف.

ويعني بقوله: {سَنَسِمُهُ} سنكويه. وقال بعضهم: معنى ذلك: سنسمه سِمَة أهل النار: أي سنسوِّد وجهه. وقال: إن الخرطوم وإن كان خصّ بالسمة، فإنه في مذهب الوجه، لأن بعض الوجه يؤدّي عن بعض، والعرب تقول: والله لأسمنك وسماً لا يفارقك، يريدون الأنف. قال: وأنشدني بعضهم:

لأُعَلِطَنَّهُ وَسْماً لا يُفارِقهُ كما يُجَزُّ بِحَمْى المِيسَمِ النَّجِر

والنجز: داء يأخذ الإبل فتُكوى على أنفها.

إِنَّا بَلَوْنَٰهُمْ كَمَا بَلَوْنَآ أَصْحَٰبَ ٱلْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا۟ لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ ۝١٧ وَلَا يَسْتَثْنُونَ ۝١٨

يعني تعالى ذكره بقوله: {إنَّا بَلَوْناهُمْ}: أي بلونا مشركي قريش، يقول: امتحناهم فاختبرناهم، {كمَا بَلَوْنا أصحَابَ الجَنَّةِ} يقول: كما امتحنا أصحاب البستان {إذْ أقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّها مُصْبِحِينَ} يقول: إذ حلفوا ليصرمُنّ ثمرها إذا أصبحوا. {وَلا يَستَثْنون}: ولا يقولون إن شاء الله. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا هناد بن السريّ، قال: ثنا أبو الأحوص، عن سماكَ، عن عكرِمة، في قوله:

{ لا يَدْخُلَنَّها اليَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكينٌ }قال: هم ناس من الحبشة كانت لأبيهم جنة، كان يطعم المساكين منها، فلما مات أبوهم، قال بنوه: والله إن كان أبونا الأحمق حين يُطعم المساكين، فأقسموا ليصرمنها مصبحين، ولا يستثنون، ولا يطعمون مسكيناً.

حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، في قوله: {لَيَصْرِمُنَّها مُصْبِحينَ} قال: كانت الجنة لشيخ، وكان يتصدّق، فكان بنوه ينهونه عن الصدقة، وكان يمسك قوت سنته، وينفق ويتصدّق بالفضل فلما مات أبوهم غدوا عليها فقالوا:

{ لا يَدْخُلَنَّهَا اليَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ }

وذُكر أن أصحاب الجنة كانوا أهل كتاب.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: {إنَّا بَلَوْناهُمْ كمَا بَلَوْنا أصحَابَ الجَنَّةِ إذْ أقْسَمُوا}... الآية، قال: كانوا من أهل الكتاب.

والصرم: القطع، وإنما عنى بقوله {لَيَصْرِمُنَّها} لَيَجُدُّنّ ثمرتها ومنه قول امرىء القيس:

صَرَمَتْكَ بَعْدَ تَوَاصُلٍ دَعْدُ وَبَدا لِدَعْدٍ بعضُ ما يَبْدُو

فَطَافَ عَلَيْهَا طَآئِفٌ مِّن رَّبِّكَ وَهُمْ نَآئِمُونَ ۝١٩ فَأَصْبَحَتْ كَٱلصَّرِيمِ ۝٢٠

يقول تعالى ذكره: فطرق جنة هؤلاء القوم ليلاً طارق من أمر الله وهم نائمون، ولا يكون الطائف في كلام العرب إلا ليلاً، ولا يكون نهاراً، وقد يقولون: أطفت بها نهاراً.

وذكر الفرّاء أن أبا الجرّاح أنشده:

أطَفْتُ بِها نَهاراً غَيْرَ لَيْلٍ وألْهَى رَبَّها طَلَبُ الرّخالِ

والرِّخال: هي أولاد الضأن الإناث. وبنحو الذي قلنا في معنى ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

حدثني سليمان بن عبد الجبار، قال: ثنا محمد بن الصلت، قال: ثنا أبو كريب، عن قابوس، عن أبيه، قال: سألت ابن عباس، عن الطوَفان {فَطافَ عَلَيْها طائفٌ مِنْ رَبِّكَ} قال: هو أمر من أمر الله.

حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: {فَطافَ عَلَيْها طائفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نائِمُونَ} قال: طاف عليها أمر من أمر الله وهم نائمون.

وقوله: {فأصْبَحَتْ كالصَّرِيمِ} اختلف أهل التأويل في الذي عُنِي بالصريم، فقال بعضهم: عُني به الليل الأسود، وقال بعضهم: معنى ذلك: فأصبحت جنتهم محترقة سوداء كسواد الليل المظلم البهيم.

ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن سهل بن عسكر، قال: ثنا عبد الرزاق، قال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا شيخ لنا عن شيخ من كلب يقال له سليمان عن ابن عباس، في قوله: {فأصْبَحَتْ كالصَّرِيمِ} قال: الصَّريم: الليل. قال: وقال في ذلك أبو عمرو بن العلاء رحمه الله

ألا بَكَرَتْ وَعاذِلَتِي تَلُومُ تُهَجِّدُنِي ومَا انْكَشَفَ الصَّرِيمُ

وقال أيضاً:

تَطاوَلَ لَيْلُكَ الجَوْنُ البَهِيـمُ فَمَا يَنْجابُ عَنْ صُبْحٍ صَريم إذَا ما قُلْتَ أقْشَعَ أوْ تناهَىجَرَتْ مِنْ كُلِّ ناحِيَةٍ غُيُومُ

وقال آخرون: بل معنى ذلك: فأصبحت كأرض تدعى الصريم معروفة بهذا الاسم.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، قال: أخبرني نعيم بن عبد الرحمن أنه سمع سعيد بن جُبير يقول: هي أرض باليمن يقال لها ضَرَوان من صنعاء على ستة أميال.

فَتَنَادَوْا۟ مُصْبِحِينَ ۝٢١ أَنِ ٱغْدُوا۟ عَلَىٰ حَرْثِكُمْ إِن كُنتُمْ صَٰرِمِينَ ۝٢٢ فَٱنطَلَقُوا۟ وَهُمْ يَتَخَٰفَتُونَ ۝٢٣ أَن لَّا يَدْخُلَنَّهَا ٱلْيَوْمَ عَلَيْكُم مِّسْكِينٌ ۝٢٤ وَغَدَوْا۟ عَلَىٰ حَرْدٍ قَٰدِرِينَ ۝٢٥

يقول تعالى ذكره: فتنادى هؤلاء القوم وهم أصحاب الجنة. يقول: نادى بعضهم بعضاً {مصبحين} يقول: بعد أن أصبحوا {أن اغْدُوا على حَرْثِكُمْ} وذلك الزرع {إنْ كُنْتُمْ صَارِمِينَ} يقول: إن كنتم حاصدي زرعكم {فانْطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخافَتُونَ} يقول: فمضَوا إلى حرثهم وهم يتسارّون بينهم {أنْ لا يَدْخُلَنَّها اليَوْمَ علَيْكُمْ مِسْكِين} يقول: وهم يتسارّون يقول بعضهم لبعض: لا يدخلنّ جنتكم اليوم عليكم مسكين، كما:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {فَتَنادَوْا مُصْبِحِينَ أن اغْدُوا على حَرْثِكُمْ إنْ كُنْتُمْ صَارِمِينَ فانْطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخافَتُونَ} يقول: يُسِرّون {أن لا يَدْخُلَنَّها اليَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ}.

حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة قال: لما مات أبوهم غدوا عليها، فقالوا: {لا يَدْخُلَنَّها اليَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ}.

واختلف أهل التأويل في معنى الحرْد في هذا الموضع، فقال بعضهم: معناه: على قُدْرة في أنفسهم وجدّ.

ذكر من قال ذلك:

حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ عن ابن عباس، قوله: {وَغَدَوْا على حَرْدٍ قادِرِينَ} قال: ذوي قدرة.

حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا حجاج عمن حدثه، عن مجاهد في قول الله: {على حَرْدٍ قادِرِينَ} قال: على جدّ قادرين في أنفسهم.

قال: ثنا ابن عُلَية، عن أبي رجاء، عن الحسن، في قوله: {وَغَدَوْا على حَرْدٍ قادِرِينَ} قال: على جهد، أو قال على جِدّ.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {وَغَدَوْا على حَرْدٍ قادِرِينَ} غدا القوم وهي مُحْردون إلى جنتهم، قادرون عليها في أنفسهم.

حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة {وَغَدَوْا على حَرْدٍ قادِرِينَ} قال: على جِدّ من أمرهم.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: {على حَرْدٍ قادِرِينَ} على جِدّ قادرين في أنفسهم.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: وغدوا على أمرهم قد أجمعوا عليه بينهم، واستسرّوه، وأسرّوه في أنفسهم.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن إبراهيم بن المهاجر، عن مجاهد {وَغَدَوا على حَرْدٍ قادِرِينَ} قال: كان حرث لأبيهم، وكانوا إخوة، فقالوا: لا نطعم مسكيناً منه حتى نعلم ما يخرج منه {وَغَدَوْا على حَرْدٍ قادِرِينَ} على أمر قد أسسوه بينهم.

حدثنا محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن قال: ثنا ورقاء، جميعاً عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله {على حَرْدٍ} قال: على أمر مجمع.

حدثنا هناد، قال: ثنا أبو الأحوص، عن سماك، عن عكرِمة {وَغَدَوْا على حَرْدٍ قادِرِينَ} قال: على أمر مُجْمَع.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: وغدوا على فاقة وحاجة.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، قال: قال الحسن، في قوله: {وَغَدَوْا على حَرْدٍ قادِرِينَ} قال: على فاقة.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: على حنق.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان {وَغَدَوْا على حَرْدٍ قادرينَ} قال: على حنق، وكأن سفيان ذهب في تأويله هذا إلى مثل قول الأشهب بن رُميلة:

أُسُودُ شَرًى لاقَتْ أُسُودَ خفِيَّةٍ تَساقَوْا على حَرْدٍ دِماءَ الأساوِدِ

يعني: على غضب. وكان بعض أهل المعرفة بكلام العرب من أهل البصرة يتأوّل ذلك: وغدوا على منع. ويوجهه إلى أنه مِن قولهم: حاردَتِ السنة إذا لم يكن فيها مطر، وحاردت الناقة إذا لم يكن لها لبن، كما قال الشاعر:

فإذا ما حارَدَتْ أوْ بَكأَتْ فُتَّ عَنْ حاجِب أُخْرَى طِينُها

وهذا قول لا نعلم له قائلاً من متقدّمي العلم قاله وإن كان له وجه، فإذا كان ذلك كذلك، وكان غير جائز عندنا أن يتعدّى ما أجمعت عليه الحجة، فما صحّ من الأقوال في ذلك إلا أحد الأقوال التي ذكرناها عن أهل العلم. وإذا كان ذلك كذلك، وكان المعروف من معنى الحرد في كلام العرب القصد من قولهم: قد حرد فلان حَرْد فلان: إذا قصد قصده ومنه قول الراجز:

وجاءَ سَيْلٌ كانَ مِنْ أمْرِ اللَّهْ يَحْرُدُ حَرْدَ الجَنَّةِ المُغِلَّهْ

يعني: يقصد قصدها، صحّ أن الذي هو أولى بتأويل الآية قول من قال: معنى قوله {وَغَدَوْا على حَرْدٍ قادرِينَ} وَغدوا على أمر قد قصدوه واعتمدوه، واستسرّوه بينهم، قادرين عليه في أنفسهم.
الاثنين، 26 أكتوبر 2026 15 جمادى الأولى 1448 هـ