انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة القلم

تفسير القرطبيالآيات 1–32

تفسير سورة القلم آية آية، من تفسير القرطبي.

بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ

نٓ وَٱلْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ ۝١ مَآ أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ ۝٢ وَإِنَّ لَكَ لَأَجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ ۝٣

قوله تعالى: {نۤ وَٱلْقَلَمِ}

أدغم النون الثانية في هجائها في الواو أبو بكر والمفضَّل وهُبَيرة ووَرْش وابن مُحَيْصِن وابن عامر والكسائي ويعقوب. والباقون بالإِظهار. وقرأ عيسى بن عمر بفتحها؛ كأنه أضمر فعلاً. وقرأ ابن عباس ونصر وابن أبي إسحاق بكسرها على إضمار حرف القسم. وقرأ هارون ومحمد ابن السَّمَيْقَع بضمها على البناء. واختلِف في تأويله. فَرَوى معاوية بن قُرّة عن أبيه يرفعه إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه قال: «نَ لَوْح من نور». ورَوَى ثابت البُنَانيّ أن «ن» الدواة. وقاله الحسن وقتادة. وروى الوليد بن مسلم قال: حدّثنا مالك بن أنس عن سُمَيٌّ مولى أبي بكر عن أبي صالح السّمان عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:

أول ما خلق الله القلم ثم خلق النُّون وهي الدواة وذلك قوله تعالى: {نۤ وَٱلْقَلَمِ} ثم قال له ٱكتب قال وما أكتب قال ما كان وما هو كائن إلى يوم القيامة من عمل أو أجل أو رزق أو أثَر فجرى القلم بما هو كائن إلى يوم القيامة ـ قال ـ ثم خُتم فَمُ القلم فلم ينطق ولا ينطق إلى يوم القيامة. ثم خلق العقل فقال الجبّار ما خَلقتُ خلقاً أعجب إليّ منك وعِزّتيّ وجلالي لأَكَمِّلّنك فيمن أحببت ولأنقصنّك فيمن أبغضتقال: ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:أكمل الناس عقلاً أطوعهم لله وأعملهم بطاعته. وعن مجاهد قال: «نۤ» الحوت الذي تحت الأرض السابعة. قال: {وَٱلْقَلَمِ} الذي كُتب به الذِّكر. وكذا قال مقاتل ومُرّة الْهَمْدانيّ وعطاء الخراساني والسُّدّي والكَلْبي: إن النون هو الحوت الذي عليه الأرضون. وروى أبو ظَبيان عن ابن عباس قال: أوّل ما خلق الله القلم فجرى بما هو كائن، ثم رفع بخار الماء فخلق منه السماء، ثم خلق النون فبسط الأرض على ظهره، فمادت الأرض فأثبتت بالجبال، وإن الجبال لتفخر على الأرض. ثم قرأ ابن عباس {نۤ وَٱلْقَلَمِ} الآية. وقال الكَلْبي ومقاتل: ٱسمه البَهْمُوت. قال الراجز:

مالي أراكم كلّكم سكوتَاوالله رَبِّي خلق الْبَهْمُوتَا

وقال أبو اليقظان والواقدي: ليوثاً. وقال كعب: لوثوثاً. وقال: بلهموثاً. قال كعب: إن إبليس تغلغل إلى الحوت الذي على ظهره الأرضون فوسوس في قلبه، وقال: أتدري ما على ظهرك يا لوثوثا من الدواب والشجر والأرضين وغيرها، لو لفظتهم ألقيتهم عن ظهرك أجمع؛ فهمّ ليوثا أن يفعل ذلك، فبعث الله إليه دابّة فدخلت مَنخْره ووصلت إلى دماغه، فضجّ الحوت إلى الله عز وجل منها فأذن الله لها فخرجت. قال كعب: فوالله إنه لينظر إليها وتنظر إليه إن همّ بشيء من ذلك عادت كما كانت. وقال الضحاك عن ابن عباس: إن «نۤ» آخر حرف من حروف الرحمن. قال: الر، وحم، ون؛ الرحمن تعالى متقطعة. وقال ٱبن زيد: هو قسم أقسم الله تعالى به. وقال ٱبن كَيْسان: هو فاتحة السورة. وقيل: ٱسم السورة. وقال عطاء وأبو العالية: هو افتتاح ٱسمه نصير ونور وناصر. وقال محمد بن كعب: أقسم الله تعالى بنصره للمؤمنين؛ وهو حقّ. بيانه قوله تعالى: { وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ ٱلْمُؤْمِنينَ }[الروم:47]. وقال جعفر الصادق: هو نهر من أنهار الجنة يقال له نون. وقيل: هو المعروف من حروف المعجم، لأنه لو كان غير ذلك لكان مُعْرَباً؛ وهو ٱختيار القُشَيْريّ أبو نصر عبد الرحيم في تفسيره. قال: لأن «نۤ» حرف لم يُعْرَب، فلو كان كلمة تامة أعرِب كما أعرب القلم، فهو إذاً حرف هجاء كما في سائر مفاتيح السور. وعلى هذا قيل: هو اسم السورة، أي هذه سورة «ن». ثم قال: «وَالْقَلَمِ» أقسم بالقلم لما فيه من البيان كاللسان؛ وهو واقع على كل قلم مما يَكتب به مَن في السماء ومَن في الأرض؛ ومنه قول أبي الفتح البُسْتيّ:

إذا أقسم الأبطال يوماً بسيفهموعَدُّوه مما يكسِبُ المجدَ والكَرَمْ كَفَى قلم الكُتَّابِ عزًّا ورفعةًمَدَى الدهرِ أن الله أقسم بالقلْم

وللشعراء في تفضيل القلم على السيف أبيات كثيرة؛ ما ذكرناه أعلاها. وقال ابن عباس: هذا قسم بالقلم الذي خلقه الله؛ فأمره فجرى بكتابة جميع ما هو كائن إلى يوم القيامة. قال: وهو قلم من نورٍ طوله كما بين السماء والأرض. ويقال. خلق الله القلم ثم نظر إليه فٱنشق نصفين؛ فقال: ٱجرِ؛ فقال: يا ربّ بِمَ أجري؟ قال بما هو كائن إلى يوم القيامة؛ فجرى على اللوح المحفوظ. وقال الوليد بن عُبادة بن الصامت: أوصاني أبي عند موته فقال: يا بُنَيّ، اتق الله، وٱعلم أنك لن تتقي ولن تبلغ العلم حتى تؤمن بالله وحده، والقدر خيره وشرّه، سمعت النبيّ صلى الله عليه وسلم يقول:إن أوّل ما خلق الله القلم فقال له اكتب فقال يا رب وما أكتب فقال اكتب القدر فجرى القلم في تلك الساعة بما كان وما هو كائن إلى الأبدوقال ٱبن عباس: أوّل ما خلق الله القلم فأمره أن يكتب ما هو كائن؛ فكتب فيما كتب {تَبَّتْ يَدَآ أَبِي لَهَبٍ}. وقال قتادة: القلم نعمة من الله تعالى على عباده. قال غيره: فخلق الله القلم الأوّل فكتب ما يكون في الذكر ووضعه عنده فوق عرشه، ثم خلق القلم الثاني ليكتب به في الأرض؛ على ما يأتي بيانه في سورة { ٱقْرَأْ بِٱسْمِ رَبِّكَ }.[العلق:1]

قوله تعالى: {وَمَا يَسْطُرُونَ} أي وما يكتبون. يريد الملائكة يكتبون أعمال بني آدم؛ قاله ابن عباس: وقيل: وما يكتبون (أي) الناس ويتفاهمون به. وقال ٱبن عباس: ومعنى «وَمَا يَسطُرونَ» وما يعلمون. و «ما» موصولة أو مصدرية؛ أي ومسطوراتهم أو وسطرهم، ويراد به كل من يسطر أو الحفظة؛ على الخلاف. {مَآ أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ} هذا جواب القسم وهو نفي؛ وكان المشركون يقولون للنبيّ صلى الله عليه وسلم إنه مجنون، به شيطان. وهو قولهم:

{ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ ٱلذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ }[الحجر:6] فأنزل الله تعالى ردّاً عليهم وتكذيباً لقولهم {مَآ أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ} أي برحمة ربك. والنعمة ههنا الرحمة. ويحتمل ثانياً ـ أن النعمة ههنا قَسَم؛ وتقديره: ما أنت ونعمةِ ربك بمجنون؛ لأن الواو والباء من حروف القسم. وقيل هو كما تقول: ما أنت بمجنون، والحمد لله. وقيل: معناه ما أنت بمجنون، والنعمة لربك؛ كقولهم: سبحانك اللهم وبحمدك؛ أي والحمد لله. ومنه قول لبِيد:

وأفردْتُ في الدنيا بفقد عشيرتيوفارقني جارٌ بأرْبَدَ نافِعُ

أي وهو أربد. وقال النابغة:

لم يُحْرَمُوا حُسْنَ الغِذاء وأمُّهمطَفَحتْ عليك بناتق مِذْكارِ

أي هو ناتق. والباء في {بِنِعْمَةِ رَبِّكَ} متعلقة {بِمَجْنُونٍ} منفيًّا؛ كما يتعلق بغافل مثبتاً. كما في قولك: أنت بنعمة ربك غافل. ومحله النصب على الحال؛ كأنه قال: ما أنت بمجنون مُنْعَماً عليك بذلك. {وَإِنَّ لَكَ لأَجْراً} أي ثواباً على ما تحملت من أثقال النبوّة. {غَيْرَ مَمْنُونٍ} أي غير مقطوع ولا منقوص؛ يقال: مننت الحبل إذا قطعته. وحبل منين إذا كان غير متين. قال الشاعر:

غُبْساً كواسِبَ لا يُمَنّ طعامُها

أي لا يقطع. وقال مجاهد: {غَيْرَ مَمْنُونٍ} محسوب. الحسن: {غَيْرَ مَمْنُونٍ} غير مكدّر بالمَنّ. الضحاك: أجراً بغير عمل. وقيل: غير مقدر وهو التفضل؛ لأن الجزاء مقدّر والتفضل غير مقدر؛ ذكره الماوَرْدِيّ، وهو معنى قول مجاهد.

وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ ۝٤

فيه مسألتان:

الأولى: قوله تعالى: {وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ} قال ٱبن عباس ومجاهد: على خُلُقٍ، على دينٍ عظيم من الأديان، ليس دين أحبّ إلى الله تعالى ولا أرضى عنده منه. وفي صحيح مسلم عن عائشة: أن خُلُقه كان القرآن. وقال عليّ رضي الله عنه وعَطِيّة: هو أدب القرآن. وقيل: هو رِفْقه بأمّته وإكرامُه إيّاهم. وقال قتادة: هو ما كان يأتمر به من أمر الله وينتهى عنه مما نهى الله عنه. وقيل: أي إنك على طبع كريم. الماورديّ: وهو الظاهر. وحقيقة الخُلُق في اللغة: هو ما يأخذ به الإنسانُ نفسَه من الأدب يُسَمَّى خُلُقاً؛ لأنه يصير كالخِلْقة فيه. وأما ما طُبع عليه من الأدب فهو الخِيم (بالكسر): السَّجِيَّة والطبيعة، لا واحد له من لفظه. وخِيم: اسم جبل. فيكون الخُلُق الطبعَ المتكلَّف. والخِيم الطبع الغريزي. وقد أوضح الأعشى ذلك في شعره فقال:

وإذا ذُو الفضول ضَنَّ على المَوْلَى وعادت لخِيمها الأخلاقُ

أي رجعت الأخلاق إلى طبائعها.

قلت: ما ذكرته عن عائشة في صحيح مسلم أصحّ الأقوال. وسئلت أيضاً عن خُلُقه عليه السلام؛ فقرأت {قَدْ أَفْلَحَ ٱلْمُؤْمِنُونَ} إلى عشر آيات، وقالت: ما كان أحد أحسن خُلُقاً من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ما دعاه أحد من الصحابة ولا من أهل بيته إلا قال لَبَّيْك، ولذلك قال الله تعالى {وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ}. ولم يُذكر خُلُقٌ محمود إلا وكان للنبيّ صلى الله عليه وسلم منه الحظّ الأوفر. وقال الجُنَيْد: سُمِّيَ خلقه عظيماً لأنه لم تكن له همة سوى الله تعالى. وقيل سُمِّيَ خلقه عظيماً لاجتماع مكارم الأخلاق فيه؛ يدلّ عليه قوله عليه السلام:

إن الله بعثني لأتمم مكارم الأخلاق. وقيل: لأنه ٱمتثل تأديب الله تعالى إياه بقوله تعالى: { خُذِ ٱلْعَفْوَ وَأْمُرْ بِٱلْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ ٱلْجَاهِلِينَ }.[الأعراف:199] وقد روي عنه عليه السلام أنه قال: «أدّبني ربي تأديباً حسناً إذ قال: {خُذِ ٱلْعَفْوَ وَأْمُرْ بِٱلْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ ٱلْجَاهِلِينَ} فلما قبلت ذلك منه قال: {وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ}

الثانية: روى الترمذِيّ عن أبي ذَرٍّ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ٱتق الله حيثما كنت وأتبع السيئة الحسنة تَمْحُها وخالق الناس بِخُلُق حَسَن. قال حديث حسن صحيح. وعن أبي الدَّرْدَاء: أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال:ماشيءٌ أثقل في ميزان المؤمن يوم القيامة من خُلُق حَسَن وإن الله تعالى لَيُبْغِض الفاحش البذيء. قال: حديث حسن صحيح. وعنه قال: سمعت النبيّ صلى الله عليه وسلم يقول:ما من شيء يوضع في الميزان أثقل من حُسْنِ الخُلُق وإن صاحب حُسنِ الخلق ليبلغ به درجة صاحب الصلاة والصوم. قال: حديث غريب من هذا الوجه. وعن أبي هريرة قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أكثر ما يُدْخِل الناسَ الجنة؟ فقال: «تقوى الله وحسن الخُلُق». وسئل عن أكثر ما يُدْخِل الناس النار؟ فقال: «الفَم والفَرْج» قال: هذا حديث صحيح غريب. وعن عبد الله بن المبارك أنه وصف حُسْن الخُلُق فقال: هو بسط الوجه، وبذل المعروف، وكَفّ الأذى. وعن جابر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:إنّ مِن أحبكم إليّ وأقربكم منّي مجلساً يوم القيامة أحسنكم أخلاقاً ـ قال ـ وإنّ أبغضكم إليّ وأبعدَكم مني مجلساً يوم القيامة الثرثارون والمتشدّقون والْمُتَفَيْهِقُون. قالوا: يا رسول الله، قد عَلِمْنا الثرثارون والمتشدّقون، فما المتفيهقون؟ قال: «المتكبرون». قال: وفي الباب عن أبي هريرة وهذا حديث حسن غريب من هذا الوجه.

فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ ۝٥ بِأَييِّكُمُ ٱلْمَفْتُونُ ۝٦ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِۦ وَهُوَ أَعْلَمُ بِٱلْمُهْتَدِينَ ۝٧

قوله تعالى: {فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ} قال ابن عباس: معناه فستعلم ويعلمون يوم القيامة. وقيل: فسترى ويرون يوم القيامة حين يتبين الحقّ والباطل. {بِأَيِّكُمُ ٱلْمَفْتُونُ} الباء زائدة؛ أي فستبصر ويبصرون أيكم المفتون. أي الذي فُتِن بالجنون؛ كقوله تعالى:

{ تَنبُتُ بِٱلدُّهْنِ }[المؤمنون:20] و { يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ ٱللَّهِ }[الإنسان:6] وهذا قول قتادة وأبي عُبيد والأخفش. وقال الراجز:

نحن بنو جَعْدَة أصحاب الفَلَجنضرب بالسيف ونرجو بالفَرَج

وقيل: الباء ليست بزائدة؛ والمعنى: {بِأَيِّكُمُ ٱلْمَفْتُونُ} أي الفتنة. وهو مصدر على وزن المفعول، ويكون معناه الفُتُون؛ كما قالوا: ما لفلان مجلود ولا معقول؛ أي عقل ولا جلادة. وقاله الحسن والضحاك وابن عباس. وقال الراعي:

حتى إذا لم يتركوا لعظامهلحماً ولا لفؤاده معقولا

أي عقلاً. وقيل في الكلام تقدير حذف مضاف؛ والمعنى: بأيكم فتنة المفتون. وقال الفرّاء: الباء بمعنى في؛ أي فستبصِر ويبصرون في أي الفريقين المجنون؛ أبا لِفِرْقة التي أنت فيها من المؤمنين أم بالْفِرقة الأخرى. والمفتون: المجنون الذي فتنه الشيطان. وقيل: المفتون المعذَّب. من قول العرب: فتنت الذهب بالنار إذا حَمّيته. ومنه قوله تعالى: { يَوْمَ هُمْ عَلَى ٱلنَّارِ يُفْتَنُونَ }[الذاريات:13] أي يعذّبون.

ومعظم السورة نزلت في الوليد بن المغيرة وأبي جهل. وقيل: المفتون هو الشيطان؛ لأنه مفتون في دينه. وكانوا يقولون: إن به شيطاناً، وعَنَوْا بالمجنون هذا؛ فقال الله تعالى: فسيعلمون غداً بأيهم المجنون؛ أي الشيطان الذي يحصل من مسّه الجنون واختلاط العقل. {إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ} أي إن الله هو العالم بمن حاد عن دينه. {وَهُوَ أَعْلَمُ بِٱلْمُهْتَدِينَ} أي الذين هم على الهدى فيجازِي كُلاًّ غداً بعمله.

فَلَا تُطِعِ ٱلْمُكَذِّبِينَ ۝٨

نهاه عن ممايلة المشركين؛ وكانوا يدعونه إلى أن يكُفّ عنهم ليكفُّوا عنه، فبيّن الله تعالى أن ممايلتهم كفر. وقال تعالى:

{ وَلَوْلاَ أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلاً }.[الإسراء:74] وقيل: أي فلا تطع المكذبين فيما دَعوك إليه من دينهم الخبيث. نزلت في مشركي قريش حين دَعَوه إلى دين آبائه.

وَدُّوا۟ لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ ۝٩

قال ٱبن عباس وعطية والضحاك والسُّدّيّ: ودّوا لو تكفر فيتَمادَوْن على كفرهم. وعن ٱبن عباس أيضاً: ودّوا لو تُرَخِّص لهم فَيُرخِّصون لك. وقال الفرّاء والكَلْبيّ: لو تلين فيلينون لك. والادّهان: التَّليين لمن لا ينبغي له التَّليين؛ قاله الفرّاء. وقال مجاهد: المعنى ودّوا لو رَكَنْتَ إليهم وتركت الحقّ فيُمالئونك. وقال الربيع بن أنس: ودّوا لو تكذب فيكذبون. وقال قتادة: ودّوا لو تذهب عن هذا الأمر فيذهبون معك. الحسن: ودّوا لو تصانعهم في دينك فيصانعونك في دينهم. وعنه أيضاً: ودّوا لو ترفض بعض أمرك فيرفضون بعض أمرهم. زيد بن أسلم: لو تنافق وترائي فينافقون ويراءون. وقيل: ودّوا لو تضعف فيضعفون؛ قاله أبو جعفر. وقيل، ودّوا لو تداهن في دينك فيداهنون في أديانهم؛ قاله القُتَبيّ. وعنه: طلبوا منه أن يعبد آلهتهم مدّة ويعبدوا إلٰهه مدّة. فهذه ٱثنا عشر قولاً. ابن العربيّ: ذكر المفسرون فيها نحو عشرة أقوال كلّها دعاوَى على اللغة والمعنى. أمثلها قولهم: ودّوا لو تكذب فيكذبون، ودّوا لو تكفر فيكفرون.

قلت: كلها إن شاء الله تعالى صحيحة على مقتضى اللغة والمعنى؛ فإن الادّهان: اللينُ والمصانعة. وقيل: مجاملة العدُوّ ممايلته. وقيل: المقاربة في الكلام والتَّليين في القول. قال الشاعر:

لبعض الغَشْم أحزم في أمورتنوبك من مداهنة العِده

وقال المفضل: النفاق وترك المناصحة. فهي على هذا الوجه مذمومة، وعلى الوجه الأوّل غير مذمومة، وكل شيء منها لم يكن. قال المبرد: يقال أدهن في دينه وداهن في أمره؛ أي خان فيه وأظهر خلاف ما يضمر. وقال قوم: داهنت بمعنى واريت، وأدهنت بمعنى غششت؛ قاله الجوهريّ. وقال: «فَيُدْهِنُونَ» فساقه على العطف، ولو جاء به جواب النهي لقال فيدهنوا. وإنما أراد: إن تمنوا لو فعلت فيفعلون مثل فعلك؛ عطفاً لا جزاءً عليه ولا مكافأة، وإنما هو تمثيل وتنظير.

وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَّهِينٍ ۝١٠ هَمَّازٍ مَّشَّآءٍۭ بِنَمِيمٍ ۝١١ مَّنَّاعٍ لِّلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ ۝١٢ عُتُلٍّۭ بَعْدَ ذَٰلِكَ زَنِيمٍ ۝١٣

يعني الأخنس بن شَرِيق؛ في قول الشعبيّ والسُّديّ وٱبن إسحاق. وقيل: الأسود بن عبد يغوث، أو عبد الرحمن بن الأسود؛ قاله مجاهد. وقيل: الوليد بن المغيرة، عرض على النبيّ صلى الله عليه وسلم مالاً وحلف أن يعطيه إن رجع عن دينه؛ قاله مقاتل. وقال ابن عباس: هو أبو جهل بن هشام. والحلاّف: الكثير الحَلِف. والمَهِين: الضعيف القلب؛ عن مجاهد. ٱبن عباس: الكذاب. والكذاب مهين. وقيل: المكثار في الشَّر؛ قاله الحسن وقتادة. وقال الكلبيّ: المَهِين الفاجر العاجز. وقيل: معناه الحقير عند الله. وقال ٱبن شجرة: إنه الذليل. الرُّمّاني: المهين الوضيع لإكثاره من القبيح. وهو فعيل من المهانة بمعنى القلة. وهي هنا القلة في الرأي والتمييز. أو هو فعيل بمعنى مُفْعَل؛ والمعنى مُهان. {هَمَّازٍ} قال ابن زيد: الهّماز الذي يهمز الناس بيده ويضربهم. واللماز باللسان. وقال الحسن: هو الذي يهمز ناحية في المجلس؛ كقوله تعالى:

{ هُمَزَة }.[الهمزة:1] وقيل: الهَمّاز الذي يذكر الناس في وجوههم. واللّماز الذي يذكرهم في مغيبهم؛ قاله أبو العالية وعطاء بن أبي رباح والحسن أيضاً. وقال مقاتل ضدّ هذا الكلام: إن الهُمَزَة الذي يغتاب بالغيبة. واللُّمَزَة الذي يغتاب في الوجه. وقال مرّة: هما سواء. وهو القَتّات الطّعّان للمرء إذا غاب. ونحوه عن ابن عباس وقتادة. قال الشاعر:

تُدْلِي بودّ إذا لاقيتني كذباًوإنْ أغِبْ فأنت الهامز اللُّمَزَهْ

{مَّشَّآءِ بِنَمِيمٍ} أي يمشي بالنميمة بين الناس ليفسد بينهم. يقال: نَمّ يَنِمّ نَمًّا ونَمِيماً ونَمِيمَةً؛ أي يمشي ويسعى بالفساد. وفي صحيح مسلم: عن حُذيفة أنه بلغه أن رجلاً ينمّ الحديث، فقال حذيفة: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:لا يدخل الجنة نمّام. وقال الشاعر:

وموْلىً كبيت النمل لا خير عندهلمولاه إلا سَعْيُه بنميم

قال الفرّاء: هما لغتان. وقيل: النَّميم جمع نَميمة. {مَّنَّاعٍ لِّلْخَيْرِ} أي للمال أن ينفق في وجوهه. وقال ابن عباس: يمنع عن الإسلام ولده وعشيرته. وقال الحسن: يقول لهم من دخل منكم في دين محمد لا أنفعه بشيء أبداً. {مُعْتَدٍ} أي على الناس في الظلم، متجاوز للحدّ، صاحب باطل. {أَثِيمٍ } أي ذي إثم، ومعناه أَثُوم، فهو فَعيل بمعنى فعول. {عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ} العُتُلّ الجافي الشديد في كفره. وقال الكلبيّ والفراء: هو الشديد الخصومة بالباطل. وقيل: إنه الذي يعتِل الناس فيجرّهم إلى حبس أو عذاب. مأخوذ من العَتْل وهو الجرّ؛ ومنه قوله تعالى: { خُذُوهُ فَٱعْتِلُوهُ }.[الدخان:47] وفي الصَّحاح: وعتلت الرجل أعْتِله وأعْتُله إذا جذبته جذباً عنيفاً. ورجل مِعْتَل (بالكسر). وقال يصف فرساً:

نَفْرعه فرعاً ولسنا نَعْتِله

قال ابن السكيت: عَتَله وَعتَنه، باللام والنون جميعاً. والْعُتُلّ الغليظ الجافي. والْعُتُلّ أيضاً: الرمح الغليظ: ورجل عَتِلٌ (بالكسر) بَيِّن العَتَل؛ أي سريع إلى الشر. ويقال: لا أنعتل معك؛ أي لا أبرح مكاني. وقال عُبيد بن عمير: العُتُلّ الأكول الشروب القويّ الشديد يوضع في الميزان فلا يزن شعيرة؛ يدفع المَلَك من أولئك في جهنم بالدُّفعة الواحدة سبعين ألفاً. وقال عليّ بن أبي طالب والحسن: العُتُلّ الفاحش السييء الخلق. وقال مَعْمَر: هو الفاحش اللئيم. قال الشاعر:

بعُتُلّ من الرجال زَنِيمغير ذي نجدة وغير كريم

وفي صحيح مسلم. عن حارثة بن وهب سمع النبيّ صلى الله عليه وسلم قال:ألاَ أخبركم بأهل الجنة ـ قالوا بلى قال ـ كلُّ ضعيف مُتَضَعِّف لو أقسم على الله لأبرّه. ألا أخبركم بأهل النار ـ قالوا بلى قال ـ كلُّ عُتُلٍّ جَوّاظٍ مُسْتَكْبِر. في رواية عنهكلُّ جوّاظ زَنيم متكبّر. الجَوّاظ: قيل هو الجَمُوع المنوع. وقيل الكثير اللحم المختال (في مشيته). وذكر الماوردي عن شَهْر بن حَوْشَب عن عبد الرحمن بن غنم، ورواه ٱبن مسعود: أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «لا يدخل الجنة. جَوّاظ ولا جَعْظَرِيّ ولا الْعُتُلّ الزَّنيم». فقال رجل: ما الجوّاظ وما الجَعْظَريّ وما العُتُلّ الزَّنيم؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الجوّاظ الذي جَمَع ومَنَع. والجَعْظَرِيّ الغليظ. والعُتُل الزَّنيم الشديد الخَلْق الرّحيب الجوف المصَحَّح الأكول الشروب الواجد للطعام الظلوم للناس». وذكره الثعلبي: عن شدّاد بن أوس:لا يدخل الجنة جَوّاظ ولا جَعْظَرِيّ ولا عُتُل زنيمسمعتهن من النبيّ صلى الله عليه وسلم قلت: وما الجوّاظ؟ قال: الجَمَّاع المنّاع. قلت: وما الجَعْظَرِيّ؟ قال: الفَظّ الغليظ. قلت: وما العُتُلّ الزنيم؟ قال: الرّحِيب الجوَفْ الوثَيِر الخْلَق الأكول الشروب الغشوم الظلوم.

قلت: فهذا التفسير من النبيّ صلى الله عليه وسلم في العُتُل قد أربى على أقوال المفسرين. ووقع في كتاب أبي داود في تفسير الجَوّاظ أنه الفظّ الغليظ. ذكره من حديث حارثة بن وهب الخزاعي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

لا يدخل الجنة الجَوّاظ ولا الجَعْظَرِيّقال: والجوّاظ الفظّ الغليظ. ففيه تفسيران مرفوعان حسب ما ذكرناه أوّلاً. وقد قيل: إنه الجافي القلب. وعن زيد بن أسلم في قوله تعالى: {عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ} قال: قال النبيّ صلى الله عليه وسلم:تبكي السماء من رجل أصحّ الله جِسْمَه ورحّب جَوْفَه وأعطاه من الدنيا بعضاً فكان للناس ظلوماً فذلك الْعُتُلّ الزنيم. وتبكي السماء من الشيخ الزاني ما تكاد الأرض تُقِلّه. والزّنِيم المُلْصَق بالقوم الدَّعيّ؛ عن ابن عباس وغيره. قال الشاعر:

زَنيمٌ تداعاه الرجال زيادةًكما زيد في عَرْضِ الأدِيم الأكارعُ

وعن ابن عباس أيضاً: أنه رجل من قريش كانت له زَنَمة كزنمة الشاة. وروى عنه ابن جُبَير: أنه الذي يُعرف بالشر كما تُعرف الشاة بزنمتها. وقال عِكرِمة: هو اللئيم الذي يُعرف بلؤمه كما تُعرف الشاة بزنمتها. وقيل: إنه الذي يعرف بالأُبنْةِ. وهو مروي عن ابن عباس أيضاً. وعنه أنه الظلوم. فهذه ستة أقوال. وقال مجاهد: زَنِيم كانت له ستة أصابع في يده، في كل إبهام له إصبع زائدة. وعنه أيضاً وسعيد ابن المسيّب وعكرمة: هو ولد الزّنى الملحق في النسب بالقوم. وكان الوَلِيد دَعِيًّا في قريش ليس من سِنْخهم؛ ادّعاه أبوه بعد ثماني عشرة سنة من مولده. قال الشاعر:

زنِيمٌ ليس يُعرف مَن أبوهبغيّ الأُمّ ذو حسب لئيم

وقال حَسَّان:

وأنت زَنِيم نِيط في آل هاشمٍكما نِيط خَلْفَ الراكب القَدَحُ الفَرْدُ

قلت: وهذا هو القول الأول بعينه. وعن عليّ رضي الله عنه أنه الذي لا أصل له؛ والمعنى واحد. وروِي: أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال:لا يدخل الجنة وَلَدُ زنىً ولا ولده ولا ولد ولده. وقال عبد الله بن عمر: إن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال:إن أولاد الزنى يحشرون يوم القيامة في صورة القردة والخنازير. وقالت ميمونة: سمعت النبيّ صلى الله عليه وسلم يقول:لا تزال أمتي بخير ما لم يَفْشُ فيهم ولدُ الزِّنَى فإذا فَشَا فيهم ولد الزنى أوشكَ أن يعمهم الله بعقاب. وقال عكرمة: إذا كثر ولد الزنى قحط المَطَرُ.

قلت: أما الحديث الأول والثاني فما أظن لهما سنداً يصح، وأما حديث ميمونة وما قاله عكرمة ففي صحيح مسلم

عن زينب بنت جَحْش زوج النبيّ صلى الله عليه وسلم قالت: خرج النبيّ صلى الله عليه وسلم يوماً فزِعاً مُحْمَرًّا وَجْهُهُ يقول:«لا إلٰه إلا الله. ويلٌ للعرب من شرّ قد اقترب. فُتح اليومَ من رَدْم يأجوج ومأجوج مثلُ هذه»وحلّق بإصبعيه الإبهام والتي تليها. قالت فقلت: يا رسول الله، أَنَهْلِك وفينا الصالحون؟ قال: «نعم إذا كثُر الخَبَث» خرّجه البخارِيّ. وكثرة الخبث ظهور الزنى وأولاد الزنى؛ كذا فسّره العلماء. وقول عكرمة «قحط المطر» تبيينٌ لما يكون به الهلاك. وهذا يحتاج إلى توقيف، وهو أعلم من أين قاله. ومعظم المفسرين على أن هذا نزل في الوليد بن المغيرة، وكان يُطعم أهلَ مِنىً حَيْساً ثلاثة أيام، وينادي ألاَ لا يوقدنّ أحد تحت بُرْمَةٍ، ألا لا يدخّنن أحد بكُراع، ألا ومن أراد الحَيْس فليأت الوليد بن المغيرة. وكان ينفق في الحجة الواحدة عشرين ألفاً وأكثر، ولا يعطي المسكين درهماً واحداً فقيل: «مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ». وفيه نزل: { وَوَيْلٌ لِّلْمُشْرِكِينَ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْتُونَ ٱلزَّكَاةَ }[فصلت:6-7]. وقال محمد بن إسحاق: نزلت في الأَخْنَس بن شَريق، لأنه حليف مُلْحق في بني زُهْرة، فلذلك سُمِّيَ زَنِيماً. وقال ابن عباس: في هذه الآية نُعِت، فلم يعرف حتى قُتل فعرُف، وكان له زَنَمة في عنقه معلّقة يُعرف بها. وقال مُرّة الهَمْدانيّ: إنما ٱدعاه أبوه بعد ثماني عشرة سنة.

أَن كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ ۝١٤ إِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِ ءَايَٰتُنَا قَالَ أَسَٰطِيرُ ٱلْأَوَّلِينَ ۝١٥

قوله تعالى: {أَن كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ} قرأ أبو جعفر وابن عامر وأبو حَيْوة والمغيرة والأعرج «آن كان» بهمزة واحدة ممدودة على الاستفهام. وقرأ المُفَضّل وأبو بكر وحمزة «أأن كان» بهمزتين مُحَقّقتين. وقرأ الباقون بهمزة واحدة على الخبر؛ فمن قرأ بهمزة مطولة أو بهمزتين محققتين فهو استفهام والمراد به التوبيخ، ويحسن له أن يقف على «زنِيم»، ويبتدىء «أَنْ كَانَ» على معنى ألأِن كان ذا مال وبنين تطيعه. ويجوز أن يكون التقدير: ألأِن كان ذا مال وبنين يقول إِذَا تُتْلَى عليهِ آيَاتُنَا: أَسَاطِيرُ الأَوَّلِين!! ويجوز أن يكون التقدير: ألأن كان ذا مال وبنين يكفر ويستكبر. ودلّ عليه ما تقدم من الكلام فصار كالمذكور بعد الاستفهام. ومن قرأ «أَنْ كَانَ» بغير استفهام فهو مفعول من أجله والعامل فيه فعل مضمر، والتقدير: يكفر لأن كان ذا مال وبنين. ودل على هذا الفعل: {إِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ}. ولا يعمل في «أَنْ»: «تُتْلَى» ولا «قَالَ» لأن ما بعد «إِذَا» لا يعمل فيما قبلها؛ لأن «إذَا» تضاف إلى الجمل التي بعدها، ولا يعمل المضاف إليه فيما قبل المضاف. و «قَالَ» جواب الجزاء ولا يعمل فيما قبل الجزاء؛ إذ حكم العامل أن يكون قبل المعمول فيه، وحكم الجواب أن يكون بعد الشرط فيصير مقدماً مؤخراً في حال. ويجوز أن يكون المعنى لا تطعه لأن كان ذا يسار وعدد. قال ٱبن الأنباري: ومن قرأ بلا استفهام لم يحسن أن يقف على «زَنِيم» لأن المعنى كان وبأن كان، فـ «ـأن» متعلقة بما قبلها. قال غيره: يجوز أن يتعلق بقوله: «مَشَّاءٍ بِنَمِيم» والتقدير يمشي بنميم لأن كان ذا مال وبنين. وأجاز أبو عليّ أن يتعلق بـ «ـعُتُلٍّ». وأساطير الأولين: أباطيلهم وتُرّهاتهم وخرافاتهم. وقد تقدم.

سَنَسِمُهُۥ عَلَى ٱلْخُرْطُومِ ۝١٦

فيه مسألتان:

الأولى: قوله تعالى: {سَنَسِمُهُ} قال ابن عباس: معنى «سَنَسِمُهُ» سَنخْطِمه بالسيف. قال: وقد خُطم الذي نزلت فيه يوم بدر بالسيف؛ فلم يزل مخطوماً إلى أن مات. وقال قتادة: سنسمه يوم القيامة على أنفه سِمَةً يُعرف بها؛ يقال: وسَمْتَه وسْماً وسِمَةً إذا أثّرت فيه بِسِمَةٍ وَكَيّ. وقد قال تعالى:

{ يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ }.[آل عمران:106] فهذه علامة ظاهرة. وقال تعالى: { وَنَحْشُرُ ٱلْمُجْرِمِينَ يَوْمِئِذٍ زُرْقاً }[طه:102] وهذه علامة أخرى ظاهرة. فأفادت هذه الآية علامة ثالثةً وهي الوسم على الأنف بالنار؛ وهذا كقوله تعالى: { يُعْرَفُ ٱلْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ }[الرحمن:41] قاله الكلبي وغيره. وقال أبو العالية ومجاهد: {سَنَسِمُهُ عَلَى ٱلْخُرْطُومِ} أي على أنفه، ونسوّد وجهه في الآخرة فَيُعْرف بسواد وجهه. والخرطوم: الأنف من الإنسان. ومن السباع: موضع الشَّفَة. وخراطيم القوم: ساداتهم. قال الفراء: وإن كان الخُرْطُوم قد خُصّ بالسِّمة فإنه في معنى الوجه؛ لأن بعض الشيء يعبّر به عن الكل. وقال الطبري: نبيّن أمره تبياناً واضحاً حتى يعرفوه فلا يخفى عليهم كما لا تخفى السِّمة على الخراطيم. وقيل: المعنى سَنُلْحِقُ به عاراً وسُبَّةً حتى يكون كمن وُسِم على أنفه. قال القُتَبيّ: تقول العرب للرجل يُسَبّ سُبّة سوء قبيحة باقية: قد وُسِم مِيسَم سوء؛ أي أُلْصِق به عارٌ لا يفارقه؛ كما أن السَّمة لا يُمْحَي أثرها» قال جرير:

لمّا وضعتُ على الفَرَزْدَق مِيسَمِيوعلى البَعِيث جَدَعْتُ أنفَ الأخْطَلِ

أراد به الهجاء. قال: وهذا كله نزل في الوليد بن المغيرة. ولا نعلم أن الله تعالى بلغ من ذكر عيوب أحد ما بلغه منه؛ فألحقه به عاراً لا يفارقه في الدنيا والآخرة؛ كالوَسْم على الخرطوم. وقيل: هو ما ابتلاه الله به في الدنيا في نفسه وماله وأهله من سوء وذُلّ وصَغار؛ قاله ابن بحر. واستشهد بقول الأعشى:

فدعها وما يغنيك وٱعْمِد لغيرهابشعرك وٱعْلُب أنف من أنت واسم

وقال النَّضْر بن شُمَيل: المعنى سنحُدّه على شرب الخمر، والخرطوم: الخمر، وجمعه خراطيم، قال الشاعر:

تَظَلَّ يومك في لَهْوٍ وفي طَرَبوأنت بالليل شَرّاب الخراطيم

قال الراجز:

صَهْبَـاء خُـرْطوماً عُقـاراً قَرْقَفَـا

وقال آخر:

أبا حاضر من يَزْن يُعرف زناؤهومن يشرب الخُرْطوم يُصبح مسكرا

الثانية: قال ابن العربي: «كان الوسم في الوجه لذي المعصية قديماً عند الناس، حتى أنه روي ـ كما تقدم ـ أن اليهود لما أهملوا رَجْم الزاني اعتاضوا منه بالضرب وتحميم الوجه؛ وهذا وضع باطل. ومن الوسم الصحيح في الوجه: ما رأى العلماء من تسويد وجه شاهد الزور، علامةً على قُبْح المعصية وتشديداً لمن يتعاطاها لغيره ممن يرجى تجنبه بما يرجى من عقوبة شاهد الزور وشهرته؛ فقد كان عزيزاً بقول الحق وقد صار مَهيناً بالمعصية. وأعظم الإهانة (إهانةُ الوجه). وكذلك كانت الاستهانة به في طاعة الله سبباً لخيرة الأبد والتحريم له على النار؛ فإن الله تعالى قد حرم على النار أن تأكل من ٱبن آدم أثَرَ السجود؛ حسب ما ثبت في الصحيح.

إِنَّا بَلَوْنَٰهُمْ كَمَا بَلَوْنَآ أَصْحَٰبَ ٱلْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا۟ لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ ۝١٧ وَلَا يَسْتَثْنُونَ ۝١٨ فَطَافَ عَلَيْهَا طَآئِفٌ مِّن رَّبِّكَ وَهُمْ نَآئِمُونَ ۝١٩

فيه ثلاث مسائل:

الأولى: قوله تعالى: {إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ} يريد أهل مكة. والابتلاء الاختبار. والمعنى أعطيناهم أموالاً ليشكروا لا لَيْبَطروا؛ فلما بَطِرُوا وعادَوْا محمداً صلى الله عليه وسلم ابتليناهم بالجوع والقَحْط كما بلونا أهل الجنة المعروف خبرها عندهم. وذلك أنها كانت بأرض اليمن بالقرب منهم على فراسخ من صنعاء ـ ويقال بفرسخين ـ وكانت لرجل يؤدي حق الله تعالى منها؛ فلما مات صارت إلى ولده، فمنعوا الناس خيرها وبَخِلُوا بحقّ الله فيها؛ فأهلكها الله من حيث لم يمكنهم دفع ما حلّ بها. قال الكلبي: كان بينهم وبين صنعاء فرسخان؛ ابتلاهم الله بأن أحرق جنتهم. وقيل: هي جنة بضَوْران، وضوران على فرسخ من صنعاء، وكان أصحاب هذه الجنة بعد رفع عيسى عليه السلام بيسير ـ وكانوا بخلاء ـ فكانوا يَجُدّون التمر ليلاً من أجل المساكين، وكانوا أرادوا حصاد زرعها وقالوا: لا يدخلها اليوم عليكم مسكين، فغَدَوْا عليها فإذا هي قد ٱقْتُلِعَت من أصلها فأصبحت كالصَّرِيم؛ أي كالليل. ويقال أيضاً للنهار صرِيم. فإن كان أراد الليل فِلاسوداد موضعها. وكأنهم وجدوا موْضِعَها حَمْأة. وإن كان أراد بالصَّريم النهار فلذهاب الشجر والزرع ونقاء الأرض منه. وكان الطّائف الذي طاف عليها جبريل عليه السلام فاقتلعها. فيقال: إنه طاف بها حَوْل البيت ثم وضعها حيث مدينة الطائف اليوم؛ ولذلك سُمِّيت الطائف. وليس في أرض الحجاز بلدة فيها الشجر والأعناب والماء غيرها. وقال البكري في المُعْجَم: سُميِّت الطائف لأن رجلاً من الصَّدِف يقال له الدَّمُون، بنى حائطاً وقال: قد بَنَيْتُ لكم طائفاً حول بلدكم؛ فسُمِّيت الطائف. والله أعلم.

الثانية: قال بعض العلماء: على من حصد زَرْعاً أوجَدّ ثمرة أن يواسي منها من حضره؛ وذلك معنى قوله:

{ وَآتُواْ حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ }[الأنعام:141] وأنه غير الزكاة على ما تقدّم في «الأنعام» بيانه. وقال بعضهم: وعليه ترك ما أخطأه الحصّادون. وكان بعض العباد يتحرّون أقواتهم من هذا. وروي أنه نُهي عن الحصاد بالليل. فقيل: إنه لِما ينقطع عن المساكين في ذلك من الرفق. وتأوّل من قال هذا الآية التي في سورة «نۤ وَالْقَلَمِ». وقيل: إنما نهى عن ذلك خشية الحيّات وهوامّ الأرض.

قلت: الأوّل أصح؛ والثاني حسن. وإنما قلنا الأول أصح لأن العقوبة كانت بسبب ما أرادوه من منع المساكين كما ذكر الله تعالى. روى أسباط عن السُّدِّي قال: كان قوم باليمن وكان أبوهم رجلاً صالحاً، وكان إذا بلغ ثمارهُ أتاه المساكين فلم يمنعهم من دخولها وأن يأكلوا منها ويتزوّدوا؛ فلما مات قال بَنُوه بعضهم لبعض: عَلاَمَ نُعطي أموالنا هؤلاء المساكين! تعالَوْا فلْنُدْلج فنصْر منّها قبل أن يعلم المساكين؛ ولم يستثنوا؛ فٱنطلقوا وبعضهم يقول لبعض خَفْتاً: لا يدخلنّها اليوم عليكم مسكين؛ فذلك قوله تعالى: {إِذْ أَقْسَمُواْ} يعني حلفوا فيما بينهم {لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ} يعني لنجدنها وقت الصبح قبل أن تخرج المساكين؛ ولا يستثنون؛ يعني لم يقولوا إن شاء الله. وقال ابن عباس: كانت تلك الجنة دون صنعاء بفرسخين، غرسها رجل من أهل الصلاح وكان له ثلاثة بنين، وكان للمساكين كل ما تعدّاه المِنْجَل فلم يجذّه من الكَرْم، فإذا طُرح على البساط فكل شيء سقط عن البساط فهو أيضاً للمساكين، فإذا حصدوا زرعهم فكل شيء تعدّاه المِنْجَل فهو للمساكين، فإذا دَرَسُوا كان لهم كل شيء انتثر؛ فكان أبوهم يتصدّق منها على المساكين، وكان يعيش في ذلك في حياة أبيهم اليتامى والأراملُ والمساكين، فلما مات أبوهم فعلوا ما ذكر الله عنهم. فقالوا: قلّ المالُ وكثر العيال؛ فتحالفوا بينهم ليغدُون غدوة قبل خروج الناس ثم ليَصْرِمنها ولا تعرف المساكين. وهو قوله: {إِذْ أَقْسَمُواْ} أي حلفوا {لَيَصْرِمُنَّهَا} ليقطعن ثمر نخيلهم إذا أصبحوا بسُدْفة من الليل لئلا ينتبه المساكين لهم. والصرم القطع. يقال: صرم العِذق عن النخلة. وأصرم النخلُ أي حان وقت صِرامه. مثل أرْكَبَ المهرُ وأحصدَ الزرعُ، أي حان ركوبه وحَصاده. {وَلاَ يَسْتَثْنُونَ} أي ولم يقولوا إن شاء الله. {فَتَنَادَوْاْ مُصْبِحِينَ} ينادي بعضهم بعضاً. {أَنِ ٱغْدُواْ عَلَىٰ حَرْثِكُمْ إِن كُنتُمْ صَارِمِينَ} عازمين على الصّرام والجداد. قال قتادة: حاصدين زرعكم. وقال الكلبي: ما كان في جنتهم من زرع ولا نخيل. وقال مجاهد: كان حرثهم عِنَباً ولم يقولوا إن شاء الله. وقال أبو صالح: كان استثناؤهم قولهم سبحان الله رَبّنا. وقيل: معنى {وَلاَ يَسْتَثْنُونَ} أي لا يستثنون حق المساكين؛ قاله عكرمة. فجاءوها ليلاً فرأوا الجنة مسودّة قد طاف عليها طائف من ربك وهم نائمون. قيل: الطائف جبريل عليه السلام؛ على ما تقدّم ذكره. وقال ابن عباس: أمْرٌ من ربك. وقال قتادة: عذاب من ربّك. ابن جريج: عُنُق من نار خرج من وادي جهنم. والطائف لا يكون إلا بالليل؛ قاله الفرّاء.

الثالثة: قلت: في هذه الآية دليل على أن العزم مما يؤاخذ به الإنسان؛ لأنهم عزموا على أن يفعلوا فعوقبوا قبل فعلهم. ونظير هذه الآية قوله تعالى:

{ وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُّذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ }.[الحج:25] وفي الصحيح: عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال:إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النارقيل: يا رسول الله، هذا القاتل فما بال المقتول؟ قال:إنه كان حريصاً على قتل صاحبه. وقد مضى مبيَّناً في سورة «آل عمران» عند قوله تعالى: { وَلَمْ يُصِرُّواْ عَلَىٰ مَا فَعَلُواْ }[آل عمران:135]

فَأَصْبَحَتْ كَٱلصَّرِيمِ ۝٢٠ فَتَنَادَوْا۟ مُصْبِحِينَ ۝٢١ أَنِ ٱغْدُوا۟ عَلَىٰ حَرْثِكُمْ إِن كُنتُمْ صَٰرِمِينَ ۝٢٢

قوله تعالى: {فَأَصْبَحَتْ كَٱلصَّرِيمِ} أي كالليل المظلم؛ عن ابن عباس والفرّاء وغيرهما. قال الشاعر:

تطاول لَيْلُك الجَوْنُ الْبَهِيمُفما ينجاب عن صبح بَهِيم

أي احترقت فصارت كالليل الأسود. وعن ابن عباس أيضاً: كالرَّماد الأسود. قال: الصريم الرماد الأسود بلغة خُزَيمة. الثورِيّ: كالزرع المحصود. فالصريم بمعنى المصروم أي المقطوع ما فيه. وقال الحسن: صُرِم عنها الخير أي قطع؛ فالصريم مفعول أيضاً. وقال المؤرّج: أي كالرملة انصرمت من معظم الرمل. يقال: صريمة وصرائم؛ فالرّملة لا تنبت شيئاً يُنتفع به. وقال الأخفش: أي كالصبح انصرم من الليل. وقال المبرد: أي كالنهار؛ فلا شيء فيها. قال شَمِر: الصَّريم الليل والصَّريم النهار؛ أي ينصرم هذا عن ذاك وذاك عن هذا. وقيل: سُمَي الليل صريماً لأنه يقطع بظلمته عن التصرف؛ ولهذا يكون فعيل بمعنى فاعل. قال القُشَيْرِيّ: وفي هذا نظر؛ لأن النهار يسمَّى صِريماً ولا يقطع عن تصرّف.

فَٱنطَلَقُوا۟ وَهُمْ يَتَخَٰفَتُونَ ۝٢٣ أَن لَّا يَدْخُلَنَّهَا ٱلْيَوْمَ عَلَيْكُم مِّسْكِينٌ ۝٢٤ وَغَدَوْا۟ عَلَىٰ حَرْدٍ قَٰدِرِينَ ۝٢٥

قوله تعالى: {فَٱنطَلَقُواْ وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ} أي يتسارّون؛ أي يُخفون كلامهم ويسرونه لئلا يَعلم بهم أحد؛ قاله عطاء وقتادة. وهو من خَفَت يَخْفِت إذا سكن ولم يبيّن. كما قال دُرَيد بن الصِّمَّة:

وإنّيَ لم أهلك سُلالاً ولم أمتخُفَاتاً وكُلاًّ ظَنَّه بِي عُوَّدِي

وقيل: يخفون أنفسهم من الناس حتى لا يروهم. وكان أبوهم يخبر الفقراء والمساكين فيحضروا وقت الحصاد والصِرَّام. {وَغَدَوْاْ عَلَىٰ حَرْدٍ قَادِرِينَ} أي على قَصْد وقدرة في أنفسهم ويظنون أنهم تمكنوا من مرادهم. قال معناه ابن عباس وغيره. والحَرْد القصدُ. حَرَد يَحْرِد (بالكسر) حَرْدَاً قصد. تقول: حَرَدْتُ حَرْدَك؛ أي قصدت قصدك. ومنه قول الراجز:

أقبل سَيْلٌ جاء من عند اللَّهْيَحْرِدُ حَرْدَ الجنة المُغِلَّهْ

أنشده النحاس:

قد جاء سيل جاء من أمر اللهيحرد حرد الجنة المغله

قال المبرد: المُغِلّة ذات الغَّلّة. وقال غيره: المغِلّة التي يجري الماء في غللها أي في أصولها. ومنه تغلّلت بالغالية. ومنه تغلّيت، أبدل من اللام ياء. ومن قال تَغَلّفْت فمعناه عنده جعلتها غِلافاً. وقال قتادة ومجاهد: «عَلَى حْردٍ» أي على جِدّ. الحسن: على حاجة وفاقة. وقال أبو عبيدة والقُتَيبِيّ: على حَرْد على منع؛ من قولهم حَارَدَتِ الإبلُ حِراداً أي قلّت ألبانها. والحَرُود من النُّوق القليلة الدَّرّ. وحاردَتِ السَّنَةُ قلّ مطرها وخيرها. وقال السدّي وسفيان: {عَلَىٰ حَرْدٍ} على غضب. والحرد الغضب. قال أبو نصر أحمد بن حاتم صاحب الأصمعي: وهو مخفف؛ وأنشد شعراً:

إذا جياد الخيلِ جاءت تَرْدِيمملوءةً من غَضَبٍ وحَرَدِ

وقال ابن السِّكْيت: وقد يحرّك؛ تقول منه: حَرِد (بالكسر) حَرَداً، فهو حارد وحَرْدان. ومنه قيل: أسَدٌ حارِدٌ، ولُيُوثٌ حوارد. وقيل: «عَلَى حَرْدٍ» على انفراد. يقال: حَرَد يَحْرِد حُرُوداً؛ أي تنَحىَّ عن قومه ونزل منفرداً ولم يخالطهم. وقال أبو زيد: رجل حِريد من قوم حرداء. وقد حَرَد يَحْرِد حُروداً؛ إذا ترك قومه وتحوّل عنهم. وكوكب حَرِيد؛ أي معتزل عن الكواكب. قال الأصمعيّ: رجل حَرِيد؛ أي فريد وحيد. قال: والمُنْحرِد المنفرد في لغة هُذَيل. وأنشد لأبي ذؤيب:

كأنه كوكب في الجَوّ مُنْحَرِد

ورواه أبو عمرو بالجيم، وفسّره: منفرد. قال: وهو سهيل. وقال الأزهريّ: حَرْد ٱسم قريتهم. السُّديّ: اسم جنتهم؛ وفيه لغتان: حَرْدٌ وحَرَد. وقرأ العامة بالإسكان. وقرأ أبو العالية وٱبن السَّمَيْقَع بالفتح؛ وهما لغتان. ومعنى «قَادِرِين» قد قدّروا أمرهم وبَنَوْا عليه؛ قاله الفرّاء. وقال قتادة: قادرين على جنتهم عند أنفسهم. وقال الشعبيّ: «قَادِرِينَ» يعني على المساكين. وقيل: معناه من الوجود؛ أي منعوا وهم واجدون.

فَلَمَّا رَأَوْهَا قَالُوٓا۟ إِنَّا لَضَآلُّونَ ۝٢٦ بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ ۝٢٧

قوله تعالى: {فَلَمَّا رَأَوْهَا قَالُوۤاْ إِنَّا لَضَآلُّونَ} أي لما رأوها محترقة لا شيء فيها قد صارت كالليل الأسود ينظرون إليها كالرماد، أنكروها وشَكُّوا فيها. وقال بعضهم لبعض: {إِنَّا لَضَآلُّونَ} أي ضللنا الطريق إلى جَنَّتِنَا؛ قاله قتادة. وقيل: أي إنا لضالون عن الصواب في غدوّنا على نية منع المساكين؛ فلذلك عوقبنا. {بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ} أي حُرِمنا جنتنا بما صنعنا. روى أسباط عن ٱبن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إياكم والمعاصي إن العبد ليُذْنِبُ الذَّنْبَ فيُحْرَم به رزقاً كان هُيِّىءَ له ـ ثم تلا ـ {فَطَافَ عَلَيْهَا طَآئِفٌ مِّن رَّبِّكَ}» الآيتين.

قَالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ لَوْلَا تُسَبِّحُونَ ۝٢٨ قَالُوا۟ سُبْحَٰنَ رَبِّنَآ إِنَّا كُنَّا ظَٰلِمِينَ ۝٢٩ فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ يَتَلَٰوَمُونَ ۝٣٠ قَالُوا۟ يَٰوَيْلَنَآ إِنَّا كُنَّا طَٰغِينَ ۝٣١ عَسَىٰ رَبُّنَآ أَن يُبْدِلَنَا خَيْرًا مِّنْهَآ إِنَّآ إِلَىٰ رَبِّنَا رَٰغِبُونَ ۝٣٢

قوله تعالى: {قَالَ أَوْسَطُهُمْ} أي أمثلهم وأعدلهم وأعقلهم. {أَلَمْ أَقُلْ لَّكُمْ لَوْلاَ تُسَبِّحُونَ} أي هلاّ تستثنون. وكان استثناؤهم تسبيحاً؛ قاله مجاهد وغيره. وهذا يدل على أن هذا الأوسط كان أمرهم بالاستثناء فلم يطيعوه. قال أبو صالح: كان استثناؤهم سبحان الله. فقال لهم: هَلاّ تسبحون الله؛ أي تقولون سبحان الله وتشكرونه على ما أعطاكم. قال النّحاس: أصل التسبيح التنزيهُ لِلّه عز وجل؛ فجعل مجاهد التسبيح في موضع إن شاء الله؛ لأن المعنى تنزيه الله عز وجل أن يكون شيء إلا بمشيئته. وقيل: هَلاّ تستغفرونه من فعلكم وتتوبون إليه من خُبْث نيّتكم؛ فإن أوسطهم قال لهم حين عزموا على ذلك وذكّرهم انتقامه من المجرمين {قَالُواْ سُبْحَانَ رَبِّنَآ} اعترفوا بالمعصية ونزّهوا الله عن أن يكون ظالماً فيما فعل. قال ابن عباس في قولهم: {سُبْحَانَ رَبِّنَآ} أي نستغفر الله من ذنبنا. {إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ} لأنفسنا في منعنا المساكين. {فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ يَتَلاَوَمُونَ} أي يلوم هذا هذا في القسم ومنع المساكين، ويقول: بل أنت أشرت علينا بهذا. {قَالُواْ يٰوَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا طَاغِينَ} أي عاصين بمنع حق الفقراء وترك الاستثناء. وقال ابن كَيْسَان: طغينا نعم الله فلم نشكرها كما شكرها آباؤنا من قبل. {عَسَىٰ رَبُّنَآ أَن يُبْدِلَنَا خَيْراً مِّنْهَآ} تعاقدوا وقالوا: إن أبدلنا الله خيراً منها لنصنعنّ كما صنعت آباؤنا؛ فدعوا الله وتضرعوا فأبدلهم الله من ليلتهم ما هو خير منها، وأمر جبريل أن يقتلع تلك الجنة المحترقة فيجعلها بزُغر من أرض الشام، ويأخذ من الشام جنة فيجعلها مكانها. وقال ٱبن مسعود: إن القوم أخلصوا وعرف الله منهم صدقهم فأبدلهم جنة يقال لها الحيوان، فيها عنب يحمل البغل منها عنقوداً واحداً. وقال اليمانيّ أبو خالد: دخلت تلك الجنة فرأيت كل عنقود منها كالرجل الأسود القائم. وقال الحسن: قول أهل الجنة {إِنَّآ إِلَىٰ رَبِّنَا رَاغِبُونَ} لا أدري إيماناً كان ذلك منهم، أو على حدّ ما يكون من المشركين إذا أصابتهم الشدة؛ فيوقف في كونهم مؤمنين. وسئل قتادة عن أصحاب الجنة: أهم من أهل الجنة أم من أهل النار؟ فقال: لقد كلفتني تعباً. والمعظم يقولون: إنهم تابوا وأخلصوا؛ حكاه القشيريّ. وقراءة العامة «يُبْدِلنَا» بالتخفيف. وقرأ أهل المدينة وأبو عمرو بالتشديد، وهما لغتان. وقيل: التبديل تغيير الشيء أو تغيير حاله وعين الشيء قائم. والإبدال رفع الشيء ووضع آخر مكانه. وقد مضى في سورة «النساء» القول في هذا.

الأحد، 1 نوفمبر 2026 21 جمادى الأولى 1448 هـ